موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - مقدمة - شرح كتاب الإيمان من صحيح البخاري
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح كتاب الإيمان من صحيح البخاري لفضيلة الشيخ عبد العزيز بن محمد السعيد
  
 
 شرح كتاب الإيمان من صحيح البخاري
 مقدمة
 كِتَابُ الإِيمَانِ إلى بَاب أُمُورِ الإِيمَان
 بَاب المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ إلى بَاب مِنَ الدِّينِ الفِرَارُ مِنَ الفِتَن
 بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِاللَّهِ إلى بَاب مَنْ قَالَ إِنَّ الإِيمَانَ هُوَ العَمَل
 بَابُ إِذَا لَمْ يَكُنِ الإِسْلاَمُ عَلَى الحَقِيقَة إلى بَاب ظُلْمٌ دُونَ ظُلْم
 بَابُ عَلاَمَةِ المُنَافِق إلى بَاب أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَدْوَمُه
 بَابُ زِيَادَةِ الإِيمَانِ وَنُقْصَانِه إلى بَاب خَوْفِ المُؤْمِنِ مِنْ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ وَهُوَ لاَ يَشْعُر
 بَابُ سُؤَالِ جِبْرِيلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم إلى بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الدِّينُ النَّصِيحَةُ
شرح كتاب الإيمان من صحيح البخاري - مقدمة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

بسم الله الرحمِن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلّى الله وسلّم وبارك على عبد الله ورسوله نبيّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد

ففي هذا اليوم - إنْ شاء الله - نقرأ كتابَ الإيمان مِن صحيح الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى، وهذا الكتاب - كتاب الإيمان للإمام البخاريّ رحمه الله - قد أثنى عليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه الإيمان، لأنّ الإمام البخاريّ مِن أئمة الحديث والسُّنَّة؛ قد نصر اللهُ به عقيدةَ أهل السُّنَّة والجماعة، سيرتُه في ذلك سيرةُ الأئمة والعلماء ممن كان قَبْلَه أو كان معه، ولهذا ذَكَرَ شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قال: "فإنّ كتاب الإيمان الذي افتتح به البخاريُّ الصحيح قرَّرَ فيه مذهبَ أهل السُّنَّة والجماعة وضمّنه الرَّدّ على المرجئة؛ فإنه كان مِن القائمين بنصر السُّنَّة والجماعة على مذهب الصحابة والتابعين"، وهذا الكتاب - وهو كتاب الإيمان - قد بَيَّنَ فيه الإمام البخاريّ بالأدلة مذهبَ أهل السُّنَّة في الإيمان، كما أنه ردَّ فيه على المخالفين - وإنْ لم يُسَمّ أحدًا منهم إلّا ما جاء ذِكْرُه في حديث أبي وائل وهم المرجئة -، وجملة ما ذكره البخاريُّ في كتابه الإيمان يتعلق بأعظم مسألتين وقع فيهما منازعة الفِرَقِ لأهل السُّنَّة والجماعة وهما مسألة دخول العمل في الإيمان ومسألة زيادة الإيمان ونقصانه، فهاتان المسألتان مما وقع فيهما النزاعُ الكبير بين أهل السُّنَّة والجماعة ومخالفيهم، وصنَّفَ أهلُ السُّنَّة مصنفات خاصة في هذا الباب مِن أجل هاتين المسألتين على وجه الخصوص؛ وإنْ كانت ثمة رسائل تتبع هاتين المسألتين إلّا أنهما ليستا كهاتين المسألتين، وقد صنف الإمام أحمد كتابًا في الإيمان وصنّف أبو بكر بن أبي شيبة وأبو عبيد القاسم بن سلَّام ورسته عبد الرحمن بن عمر الزهري وابن مندة وغيرهم صنّفوا كتبًا في الإيمان؛ ذكروا فيها ما يتعلق بهذه المسألة؛ وإنْ كان أئمة السُّنَّة في هذا الباب ذكروا في مصنفاتهم ما يتعلق بهذه المسألة مِن مصنفات الجوامع والسُّنَن كصحيح الإمام البخاريّ وصحيح مسلم فإنهما عقدًا كتابًا للإيمان، وكذلك جاء ذكرُ هذه المسائل في سنن أبي داود وفي سنن النسائي وفي سنن ابن ماجة وفي سنن الدارمي بها وغيرها مِن السُّنَن.

إذن كتاب الإيمان للإمام البخاريّ يركز على مسألتين: مسألة الزيادة في العمل ونقصانه، ومسألة دخول العمل في مسمى الإيمان، ولهذا الحافظ ابن حجر رحمه الله في شرح آخر باب مِن كتاب الإيمان - وهو باب الدين النصيحة - ذَكَرَ رحمه الله أنّ المؤلفَ في هذا الكتاب عُنِيَ بهاتين المسألتين أو بنى كتاب الإيمان على هذه المسألتين.

ومما يتعلق بالصحيح في هذه المسألة ما يتعلق بتراجم الإمام البخاريّ، الإمام البخاريّ مِن المعلوم عند العلماء رحمهم الله أنّ فقهه جعله في تراجمه، وإنْ كان له بعض الكلام اليسير في ثنايا الباب إلّا أنه رحمه الله جعل فقهه كله في تراجمه، والتوحيد والإيمان هو أعظم الفقه، وقد ذَكَرَ الحافظ ابن حجر رحمه الله في شرحه لباب "ما يقول عند دخول الخلاء" ذَكَرَ في شرحه في هذا الباب أنّ جمعًا مِن الأئمة ذكروا أنّ فقهَ الإمام البخاريّ رحمه الله في تراجمه، وهذا ظاهرٌ بَيّن ولهذا صنف أهل العلم مصنفات خاصة تشرح تراجم الإمام البخاريّ، وشُرّاح الحديث قد تناولوا هذه التراجم ومرادَ الإمام البخاريّ فيها واتفقوا على بعضها وحصل بينهم نزاع في بعضها واحتملت بعضُها وجوهًا عدّة.

قبل البدء في قراءة هذا الكتاب لابُدّ أنْ نُبيّن منهجَ أهل السُّنَّة والجماعة في مسألة الإيمان وأيضًا ما كانت عليه الفِرَق الباطلة وما تزال مِن كلامهم أو رأيهم في مسائل الإيمان.

أولًا: السلف رحمهم الله تعددت عبارات في تعريف الإيمان، وتعدد هذه العبارات لا يعني اختلافهم رحمهم الله، منهم مَن قال: إنَّ الإيمان قول وعمل، ومنهم مَن قال: الإيمان قول وعمل واعتقاد، ومنهم مَن قال: إنه قول وعمل ونية، ومنهم من قال: إنه قول وعمل ونية وسُنَّة، هكذا جاءت تعابير العلماء رحمهم الله، وكلها عائد إلى العبارة المشهورة عنهم بإطلاق وهي قولهم عن الإيمان إنه قول وعمل.

القول يشمل أمرين: يشمل قول اللسان وهو نطقه، ويشمل أيضًا قول القلب وهو اعتقاده: تصديقه ومعرفته، هذا مرادهم إذا قالوا: قول وعمل، يريدون بالقول: قول اللسان، ويريدون به الاعتقادات القلبية، وهي التصديق والمعرفة، والعمل يريدون به عَمَلَ القلب وهو إخلاصه وإرادته ومحبته وتوكله وخشيته إلى غيرها مِن أعمال القلوب، ويريدون بذلك أيضًا عمل الجوارح، فكل هذه داخلة في الإيمان عند أهل السُّنَّة والجماعة، هكذا يقول أهل السُّنَّة والجماعة: الإيمان قول وعمل، القول قول اللسان، وقول القلب وهو اعتقاداته وإراداته، ويريدون مِن العمل عمل القلب وعمل الجوارح، وعلى هذا لا يجوز للإنسان أنْ يقول: إنّهم يريدون عمل القلب دون عمل الجوارح! ولا أنهم يريدون قول القلب دون قول اللسان، فهذا كله باطل.

إذن مذهب أهل السُّنَّة والجماعة في باب الإيمان مركبٌ مِن هذه الأشياء، والذين فصّلوا مِن أهل العلم منهم مَن قال: قول وعمل واعتقاد، وإنما احتاج بعض أهل العلم إلى إطلاق هذا اللفظ للبيان، فالمراد اعتقاد القلب وقول اللسان وعمل الجوارح وعمل القلب، والذين جاءوا بالنية يريدون بها الإخلاص، ثم مَن قال بالسُّنَّة يريدون بها الاتباع، أي أنه لا يتحقق الإيمانُ إلّا بالاتباع، لأنّ الإيمان اتباع، شرعة لأنّ الإيمان مُنزّل مِن عند الله تعالى؛ فهو شرع؛ والشرع لا يكون إلّا باتباع، والعمل - والإيمان عمل - والعمل لا يقبل إلّا بإخلاص، ولهذا ذَكَرَ العلماء رحمهم الله أنّ مَن قال أنّ القول دون العمل كفرٌ، بمعنى أنّ مَن قال: "أشهد أنْ لا إله إلّا الله، وأنّ محمدًا رسول الله" نطق ثم يدخله في الإيمان ولم يعمل! فهذا كفر بالله، لأنّ المنافقين كانوا يقولونها هذا! ومَن قال: إنَّ الإيمان قول وعمل بلا نية! فهو غير مخلص لله تعالى، سبيلُه سبيلُ أهل النفاق، والثالثة: مَن قال: إنه قول وعمل ونية ولكن لم يكن سُنّة! فهذا طريقة أهل البدع، إذن الذين يقولون: إنَّه قول دون عمل؛ هذا كفر بالله تعالى، ومَن قال: إنه قول وعمل بلا إخلاص فهو نفاق، ومَن قال: إنه قول وعمل وإخلاص بلا اتّباع فهو مبتدع ضالّ.

بعض العلماء رحمهم الله في مسألة العمل يذكر عملَ اللسان ويقول: إنَّ للسان عملًا، وعلى هذا إذا قال: قول وعمل يريد به قولَ اللسان الذي هو تحقيق التوحيد الذي يدخل به في الإسلام، وما زاد عنه مِن الأعمال - مِن الذكر والتسبيح والاستغفار وغيرها مما لا يُعمل إلّا باللسان - فهذا يعتبره مِن عمل اللسان، ويستدلون عليه بقول الله تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا(1) فسمى اللهُ تعالى قولهم عملًا، دلَّ ذلك على أنّ القول يطلق به عمل؛ والقول يكون باللسان، هذا الكلام يُنَبَّه عليه لأنّ بعض أهل العلم وأظنه الإمام أحمد رحمه الله لمّا ذكروا له أنّ قومًا يقولون: إنَّ الإيمان قول وعمل اللسان – هو مِن المرجئة - أنكر ذلك، - هذا شَبَّاب بن سوّار - أنكر ذلك الإمام أحمد إنكارًا شديدًا لأنهم لا يريدون العمل الذي يريده أهلُ السُّنَّة! وإنما يريدون بقولهم قول وعمل الذي هو عمل اللسان فقط دون عمل الجوارح! يعني قَصَرُوه على اللسان فقط دون عمل الجوارح وعمل القلب، وهذا مخالف لأهل السُّنَّة والجماعة.

الفِرَقُ المنحرفة في هذا الباب على الإجمال طائفتان:

طائفة خالفت أهل السُّنَّة في باب الإيمان؛ فجعلتِ الإيمانَ شيئًا واحدًا، إما أنْ يبقى كله وإما أنْ يزول كله! وهؤلاء هم الخوارج والمعتزلة، وبنوا على ذلك المسألة المتعلقة بمرتكب الكبيرة، فالخوارج كفّروه بناءً على هذا الأصل الفاسد؛ فقالوا: إما أنْ يكون مؤمنًا وإما أنْ يكون كافرًا؛ لأنّ الإيمان عندهم لا يتبعض ولا يتجزأ، إما أنْ يبقى كله وإما أنْ يزول كله، والطائفة الثانية: هي المعتزلة، الذين يسلبون عنه اسمَ الإيمان ويقولون: في الدنيا ليس بمؤمن ولا فاسق ولكنه في الآخرة مِن المخلدين في النار! فهم يلتقون مع الخوارج في مسألة الخلود في النار، وأما الاسم فهم لا يقولون: هو مؤمن ولا كافر، والخوارج يقطعون بأنه كافر، وسيأتي إنْ شاء الله تعالى في تبويبات المؤلف وما أورده مِن الأدلة الرَّدّ على هذه الطائفة.

والطائفة الثالثة: هم طائفة الإرجاء، وهذه الطائفة على أقسام، منهم مَن يرى أنّ الإيمان هو المعرفة والتصديق، وهذا قول الجهمية، وعلى هذا يلزمهم أنْ يكون أبو طالب مؤمنًا؛ لأنه كان قاطعًا ومصدِّقًا بأنّ محمدًا صلّى الله عليه وسلّم نبيٌّ؛ ولكن منعه مخافةُ مسبّةِ قومه، والطائفة الثانية الذين قالوا: إنَّ الإيمان هو الإقرار باللسان فقط! وهذه طائفة الكرَّامية – اتباع محمد بن كرَّام - وهؤلاء غلاة في الإرجاء، يقولون: يكفي أنْ يُقِرَّ بلسانه دون قلبه ولا عمله! والطائفة الثالثة قالوا: إنَّ الإيمانَ هو الإقرارُ مع تصديق القلب، يعني الإقرار باللسان مع تصديق القلب، وهؤلاء أتباع عبد الله بن كُلَّاب، وطائفة قالوا: إنَّ الإيمان قول وعمل؛ ولكنهم جعلوا العملَ خاصًا بالقلب دون الجوارح! هذا مجمل مخالفة أهل البدع لأهل السُّنَّة في هذا الباب، والمسألتان الكبيرتان وإنْ كانت هناك أيضًا مسألة مهمة قد ذكرها أيضًا البخاريّ وبوَّب عليها وهي ما يتعلق بحكم مرتكب الكبيرة، هذه مسائل ثلاث مهمة جدًا في هذه المسألة، مَن عرف مذهبَ أهل السُّنَّة والجماعة في باب الإيمان وعرف هذه المذاهب المنحلّة؛ فإنه يدرك مرادَ الإمام البخاريّ رحمه الله مِن تبويبه في هذا الكتاب، هذه المقدمة ذكرناها حتى يكون كلام البخاريّ رحمه الله تعالى واضحًا.

والآن نبدأ بقراءة كتاب الإيمان للإمام البخاريّ رحمه الله


(1) النساء: 108.