موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - بابُ التَّمتُّع إلى باب المُحْرِمِ يأْكلُ من صيدِ الحلالِ - الفوائد المستنبطة من كتاب الحج من عمدة الأحكام
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / المتون / الفوائد المستنبطة من كتاب الحج من عمدة الأحكام لـ عبد الغني المقدسي
  
 
الفوائد المستنبطة من كتاب الحج من عمدة الأحكام - بابُ التَّمتُّع إلى باب المُحْرِمِ يأْكلُ من صيدِ الحلالِ

بابُ التَّمتُّعِ

أي: هذا باب ذكر الدليل من السنة على مشروعية التمتع في الحج، ودليله من القرآن: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ(1)

والتمتع في اللغة: هو الانتفاع بالشيء، مأخوذٌ من المتاع وهو ما ينتفع به من الأعيان أو الأفعال(2)، ومنه: متاع المطلقة، وهو إعطائها ما تنتفع به. قال تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ(3).

والتمتع في الشرع هو أحد الأنساك الثلاثة التي يُخيَّرُ فيها مريدُ الحج، وهي:

الإفراد: وهو الإحرام بالحج مفردًا.

والقِران: الإحرام بالحج والعمرة جميعًا.

والتمتع: هو الإحرام بالعمرة في أشهر الحج، ثم الإحرام بالحج في عامه.

وهذا هو المعروف في اصطلاح الفقهاء، وهو التمتع الخاص، ويقال له: المتعة أو متعة الحج، فإن التمتع في كلام السلف يطلق على القران أيضًا، وهو مراد من قال من الصحابة: تمتع رسول الله بالعمرة إلى الحج(4)؛ لأن من أحرم بالعمرة ثم أدخل عليها الحج، أو أحرم بهما جمعيًا، أو أحرم بالعمرة وتحلل منها ثم حج: فقد تمتع؛ لمجيئه بهما في سفرة واحدة، ولكن ظاهر القرآن أدل على الأول؛ لقوله: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾.

٢٣٤-عَنْ أَبِي جَمْرَةَ نَصْرِ بْنِ عِمْرَانَ الضُّبَعِيِّ(5)، قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ الْمُتْعَةِ؟ فَأَمَرَنِي بِهَا, وَسَأَلَتْهُ عَنْ الْهَدْيِ؟ فَقَالَ: فِيهِا جَزُورٌ, أَوْ بَقَرَةٌ, أَوْ شَاةٌ, أَوْ شِرْكٌ فِي دَمٍ. قَالَ: وَكَأنَ نَاسًا كَرِهُوهَا, فَنِمْتُ، فَرَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ: كَأَنَّ إنْسَاناً يُنَادِي: حَجٌّ مَبْرُورٌ, وَمُتْعَةٌ مُتَقَبَّلَةٌ، فَأَتَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَحَدَّثَتْهُ؛ فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، سُنَّةُ أَبِي الْقَاسِمِ - صلى الله عليه وسلم -(6).

٢٣٥-عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما- قَالَ: تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ وَأَهْدَى؛ فَسَاقَ مَعَهُ الْهَدْيَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَبَدَأَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ , ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ, فَتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم- بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ, فَكَانَ مِنْ النَّاسِ مَنْ أَهْدَى, فَسَاقَ الْهَدْيَ مِنْ الْحُلَيْفَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُهْدِ، فَلَمَّا قَدِمَ النبي -صلى الله عليه وسلم- قَالَ لِلنَّاسِ: «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدَى, فَإِنَّهُ لا يَحِلُّ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْدَى فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ, وَلْيُقَصِّرْ وَلْيُحْلِلْ, ثُمَّ لِيُهِلَّ بِالْحَجِّ وَلْيُهْدِ, فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْياً فَلْيَصُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إذَا رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ».

فَطَافَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ، وَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ أَوَّلَ شَيْءٍ, ثُمَّ خَبَّ ثَلاثَةَ أَطْوَافٍ مِنْ السَّبْعِ, وَمَشَى أَرْبَعَةً, وَرَكَعَ حِينَ قَضَى طَوَافَهُ بِالْبَيْتِ عِنْدَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ, ثُمَّ سلَّم فانْصَرَفَ فَأَتَى الصَّفَا، فطَافَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعَةَ أَطْوَافٍ, ثُمَّ لَمْ يَحْلِلْ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى قَضَى حَجَّهُ، وَنَحَرَ هَدْيَهُ يَوْمَ النَّحْرِ، وَأَفَاضَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ, وَفَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: مَنْ أَهْدَى فسَاقَ الْهَدْيَ مِنْ النَّاسِ(7).

الشرح:

هذان الحديثان أصل في مشروعية التمتع في الحج وبيان صفته ويسمى المتعة كما تقدم.

وفي الحديثين فوائد:

• في حديث ابن عباس:

١-أن التمتع سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- فإن أريد بالمتعة: التمتع الخاص، فهو من سنته القولية؛ لأنه أمر كل من لم يسق الهدي بأن يطوف ويسعى ويقصر ويحلل، وإن أريد: القران؛ فهو من سنته -صلى الله عليه وسلم- الفعلية؛ لأنه أحرم بالحج والعمرة جميعًا على الصحيح، أو أحرم بالعمرة ثم أدخل عليها الحج.

٢-فضل ابن عباس لرجوع الناس إليه في معرفة السنة والأحكام والتفسير.

٣-الاستبشار بالرؤيا الصالحة.

٤-ترجيح الرأي بالرؤيا الصالحة ومعرفة الصواب.

٥-التكبير عند التعجب.

٦-أن هدي التمتع: إما بعير، وإما بقرة، وإما شاة، وإما شركٌ في دم، وهو سبعٌ من البدنة أو البقرة، وهذا تفسير قوله تعالى في هدي التمتع: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ(8).  

٧-أن الأمر يكون للإباحة، وهو معنى: (فأمرني بها).

٨-أن رفع الجهل بسؤال أهل العلم، وهو تأويل قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (9).

٩-أن من العلم النافع: تأويل الرؤيا.

١٠-التنبيه إلى الخلاف وترجيح ما يوجبه الدليل.

• وفي حديث ابن عمر:

١-إطلاق التمتع على القران؛ لقوله: "تمتع رسول الله بالعمرة إلى الحج".

٢-مشروعية سوق الهدي إلى البيت من خارج الحرم من الميقات أو قبله أو بعده.

٣-أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ساق معه الهدي في حجته.

٤-أن من الصحابة من ساق الهدي وأكثرهم لم يسق الهدي.

٥-أن سوق الهدي مستحب وليس بواجب.

6-أن من ساق الهدي فإنه يبقى على إحرامه وإن طاف وسعى.

7-مشروعية طواف القدوم للمفرد والقارن.

8-أن من ساق الهدي لا يحل إلا يوم النحر.

٩-أن المتمتع عليه هدي.

١٠-أن من لم يجد الهدي يصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله.

١١-في الحديث تفسيرٌ لآية التمتع: ﴿ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ(10).

١٢-أنه يشرع لمن أحرم قارنًا أو مفردًا ولم يسق الهدي: فسخُ إحرامِه إلى عمرة، قبل الطواف أو بعده؛ ليكون متمتعًا، وقد اختلف العلماء في هذا الفسخ(11):

فذهب الجمهور إلى تحريمه، وتأولوا فسخ الصحابة على الخصوصية بهم، واعتمدوا في ذلك على بعض الروايات.

وذهب آخرون إلى وجوبه أو لزومه، من الصحابة: ابن عباس -رضي الله عنهما-(12)، واختار هذا ابن القيم(13). قالوا: لأن الرسول أمر كل من لم يسق الهدي أن يطوف ويسعى ويقصر؛ كما في حديث ابن عمر المذكور.

واختار شيخ الإسلام ابن تيمية أن الفسخ مستحب لا واجب ولا محرم(14)، وفي هذا توسط بين الأقوال.

١٣-أن على المتمتع ما استيسر من الهدي، وهو شاة أو سبع بدنة أو بقرة.

14-أن المتمتع إذا لم يجد الهدي يصوم ثلاثة أيام في الحج، وأول وقت الأيام الثلاثة: من إحرامه بالعمرة، وقيل: من تحلله منها، وقيل: من إحرامه بالحج، والأول أولى، والثالث أحوط، ويصوم سبعة إذا رجع إلى أهله، وهذا مطابق لما في الآية، وإن صام السبعة في مكة أو في الطريق أجزأه.

١5-مشروعية طواف القدوم للمفرد والقارن.

١6-من السنة: الخبب في الأشواط الثلاثة من هذا الطواف من الحجر إلى الحجر، والمشي في الأربعة.

١7-أن ابتداء الطواف من الركن، وهو الحجر الأسود.

١8-مشروعية صلاة ركعتين عند المقام، وهاتان الركعتان تشرعان بعد كل طواف.

١9-مشروعية السعي بين الصفا والمروة لكل حاج ومعتمر، ويدل له من القرآن قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا(15). ويجب الابتداء فيه بالصفا.

وقد اختلف العلماء في حكم السعي بين الصفا والمروة(16): فذهب الأكثر إلى أنه ركن في الحج والعمرة(17)، وقيل: واجب، وقيل: سنة.

20-استحباب نحر الهدي بمنى.

٢1-مشروعية طواف الإفاضة، وهو من أركان الحج لا يتم الحج إلا به.

٢2-أن القارن ليس عليه إلا سعي واحد: إما بعد طواف القدوم كما فعل النبي -صلى الله عليه وسلم-، وإما بعد طواف الإفاضة.

٢٣٦- عَنْ حَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ  مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا مِنْ الْعُمْرَةِ وَلَمْ تَحِلَّ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ؟ فَقَالَ: «إنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي, وَقَلَّدْتُ هَدْيِي, فَلا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ»(18).

٢٣٧- عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ -رضي الله عنه- قَالَ: نْزِلَتْ آيَةُ الْمُتْعَةِ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَفَعَلْنَاهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَلَمْ يَنْزِلْ قُرْآنٌ يُحَرِّمُهَ, وَلَمْ يَنْهَ عَنْهَا حَتَّى مَاتَ، قَالَ رَجُلٌ بِرَأْيِهِ مَا شَاءَ(19).

* قَالَ الْبُخَارِيُّ: يُقَالُ: إنَّهُ عُمَرُ(20).

* وَلِمُسْلِمٍ: نَزَلَتْ آيَةُ الْمُتْعَةِ - يَعْنِي مُتْعَةَ الْحَجِّ - وَأَمَرَنَا بِهَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ثُمَّ لَمْ تَنْزِلْ آيَةٌ تَنْسَخُ آيَةَ مُتْعَةِ الْحَجِّ وَلَمْ يَنْهَ عَنْهَا حَتَّى مَاتَ(21).

* وَلَهُمَا بِمَعْنَاهُ(22).

الشرح:

هذان الحديثان يدلان على ما دل عليه حديث ابن عمر من أن من ساق الهدي لا يحل حتى ينحر هديه، وأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قد ساق الهدي فلم يحل من عمرته، وأن أكثر الصحابة حلوا من عمرتهم؛ ولذا قالت حفصة -رضي الله عنها- : مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا مِنْ الْعُمْرَةِ وَلَمْ تَحِلَّ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ؟

وفي الحديثين فوائد:

١-مشروعية إشعار الهدي وهو خاص بالإبل، وصفته: شق سنام البعير ليُعلم أنه هديٌ فيحترم .

٢-فيه شاهد لقاعدة: احتمال أدنى المفسدتين لدرء أعلاهما وتفويت أدنى المصلحتين لتحصيل أعلاهما.

3-مشروعية تقليد الهدي، وهو أن تقلد شيئًا يدل على أنها هدي.

4-مشروعية تلبيد شعر الرأس، وهو أن يجعل عليه ما يمنع انتشار الشعر.

5-أن متعة الحج دل عليها القرآن والسنة.

6-أن آية المتعة محكمة، والسنة فيها محكمة؛ لقول عمران: (لَمْ تَنْزِلْ آيَةٌ تَنْسَخُ آيَةَ مُتْعَةِ الْحَجِّ وَلَمْ يَنْهَ عَنْهَا حَتَّى مَاتَ).

7-جواز -أي إمكان- نسخ القرآن بالسنة؛ لقوله: (وَلَمْ يَنْهَ عَنْهَا حَتَّى مَاتَ)؛ لأن القرآن والسنة كلاهما وحيٌ، واشتُرط لذلك: أن تكون السنة متواترة.

8-أن آية المتعة محكمة، أي: لم تنسخ، والمتعة في الحج -أو التمتع-: هو الإحرام بالعمرة في أشهر الحج، ثم التحلل منها، ثم الحج في العام نفسه، وهو ما أمر به النبي -صلى الله عليه وسلم- كل من لم يسق الهدي من الصحابة.

9-أن مقصود عمران بن حصين فيما ذكره من تمتعهم، وأنهم عملوا بذلك بآية المتعة: الرد على من نهى عنها؛ ولهذا قال: (فقَالَ رَجُلٌ بِرَأْيِهِ مَا شَاءَ) قال البخاري: يُقَالُ: «إنَّهُ عُمَرُ»، ومن المشهور: أن عمر -رضي الله عنه- كان ينهى الناس عن التمتع ويأمرهم بإفراد الحج(23). قيل: إنه رأى ذلك لئلا يهجر البيت؛ لأن الناس إذا تمتعوا حصل لهم حجة وعمرة في سفرة واحدة، فلا يحتاجون إلا أن يعتمروا عمرة مفردة؛ فلا يزار البيت إلا في أشهر الحج، وهذا اجتهاد منه -رضي الله عنه-.

والصواب: هو العمل بما فعله -صلى الله عليه وسلم- من التمتع بالجمع بين العمرة والحج، والصواب أيضًا: العمل بما أمر به النبي -صلى الله عليه وسلم- من التحلل من العمرة، والتمتع بها إلى الحج.

بابُ الهَدْي

أي: هذا باب ذكر ما جاء في السنة في شأن الهدي، والهدي نوع من القرابين من بهيمة الأنعام يذبح أو ينحر في الحرم، وقد جاء ذكر الهدي في القرآن:

في جزاء الصيد: قال تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ(24).

وفي شأن المحصر: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ(25).

وفي شأن المتمتع: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ(26).

وهذا الاسم -أعني الهدي-: أخص بما يساق إلى مكة من خارج الحرم، فهو هدي بمعنى: مهدى، فإن سيق مع الحاج: فوقت ذبحه وقت الأضحية، وإن كان مع المعتمر: فوقته بعد التحلل منها.

٢٣٨-عَنْ عَائِشَةَ -رضي الله عنها- قَالَتْ: فَتَلْتُ قَلائِدَ هَدْيِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم –(27) ثُمَّ أَشْعَرهَا وَقَلَّدَهَا -أَوْ قَلَّدْتُهَا- ثُمَّ بَعَثَ بِهَا إلَى الْبَيْتِ، وَأَقَامَ بِالْمَدِينَةِ, فَمَا حَرُمَ عَلَيْهِ شَيْءٌ كَانَ لَهُ حِلاًّ(28).

٢٣٩-وعَنْ عَائِشَةَ -رضي الله عنها- قَالَتْ: أَهْدَى النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- مَرَّةً غَنَماً(29).

الشرح:

هذان الحديثان نصٌّ في جواز إرسال الهدي إلى الحرم وصاحبه مقيم.

وفي الحديثين فوائد:

١-مشروعية إرسال الهدي إلى الحرم.

٢-أنه لا يلزم أن يكون صاحبه حاجًا أو معتمرًا.

٣-أن من أرسل هديًا وهو مقيم لا يحرم عليه شيء مما كان له حلالًا.

٤-مشروعية إشعار الهدي وتقليده، وتقدم بيان المراد بالإشعار والتقليد.

٥-أن الهدي لا يختص بالإبل، فيصح أن يكون بقرًا أو غنماً؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- أهدى مرةً غنمًا.

٦-إعانة المرأة زوجها على بعض شؤونه خصوصًا إذا كان عبادة، وقول عائشة -رضي الله عنها: (فَتَلْتُ قَلائِدَ هَدْيِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم) تريد: فتلت الحبال التي تربط بها القلائد في رقاب الهدي، والفتل: هو الإبرام والشد.

٧-جواز التوكيل في سوق الهدي إلى مكة ونحره وتفريق لحمه، وهذا الذي ذكرت عائشة أن النبي –صلى الله عليه وسلم- أرسله: يحتمل أنه أرسله مع أبي بكر لما بعثه أميرًا على الحج في السنة التاسعة، ويحتمل أنه أرسله مع غيره.

٢40- وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- رَأَى رَجُلاً يَسُوقُ بَدَنَةً؛ فَقَالَ: «ارْكَبْهَا» قَالَ: إنَّهَا بَدَنَةٌ. قَالَ «ارْكَبْهَا» قال: فَرَأَيْتُهُ رَاكِبَهَا, يُسَايِرُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم -(30).

* وَفِي لَفْظٍ: قَالَ فِي الثَّانِيَةِ, أَوْ الثَّالِثَةِ: «ارْكَبْهَا، وَيْلَكَ! أَوْ وَيْحَكَ!»(31).

٢٤١- عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رضي الله عنه - قَالَ: أَمَرَنِي النبي -صلى الله عليه وسلم- أَنْ أَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ, وَأَنْ أَتَصَدَّقَ بِلَحْمِهَا وَجُلُودِهَا وَأَجِلَّتِهَا, وَأَنْ لا أُعْطِيَ الْجَزَّارَ مِنْهَا شَيْئًا.

وقال: «نحنُ نُعْطيِه مِن عِنْدِنا»(32)

٢٤٢-عَنْ زِيَادِ بْنِ جُبَيْرٍ(33) قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ قد أَتَى عَلَى رَجُلٍ قَدْ أَنَاخَ بَدَنَتَهُ, فَنَحَرَهَا(34)، فَقَالَ: ابْعَثْهَا قِيَاماً مُقَيَّدَةً، سُنَّةَ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم -(35).

الشرح:

تضمنت هذه الأحاديث جملةً من أحكام الهدي:

منها: جواز الانتفاع بالهدي بما لا يضره من ركوب وغيره.

ومنها: التوكيل في ذبح الهدي، والتصدق باللحم والجلود والأجلة.

ومنها: أن من السنة نحر الإبل قائمةً معقولةً يدُها اليسرى، ونحرها باركةً خلاف السنة.

وفي الأحاديث فوائد:

١-جواز ركوب الهدي إذا احتاج إليه صاحبها، ولم يضر به؛ كما يشهد له قوله -صلى الله عليه وسلم-: «اركبها بالمعروف، حتى تجد ظهرًا »(36).

٢-الإنكار على من تحرج من ذلك.

٣-جواز الدعاء غير المقصود في الإنكار على الجاهل.

٤-فضل علي -رضي الله عنه-.

٥-أن من السنة وضع الأجلة على الهدي.

٦-أن ما وضع عليها من ذلك تبع لها.

٧-تعليم العالم للجاهل بالسنة؛ كما صنع ابن عمر.

8- حرص الصحابة على العمل بالسنة.

9-في حديث أبي هريرة شاهدٌ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (32)لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى(37).

10-أن الجزار لا يعطى أجرته من لحم الهدي بل يعطى أجرته من مال آخر، ولا بأس أن يهدى إليه.

١1-جواز استئجار من يقطع لحم الهدي لتمكن قسمته، وهو المراد بالجزار في قوله: "وَأَنْ لا أُعْطِيَ الْجَزَّارَ مِنْهَا شَيْئًا". وأما نحر هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- فقد تولاه بنفسه -صلى الله عليه وسلم- فنحر بيده الشريفة ثلاثًا وستين، وترك الباقي لعلي -رضي الله عنه(38).

12-أن السنة أن يتولى صاحب الهدي أو الأضحية نحرها بنفسه.

١3-أن حكم جلود الهدي حكم اللحم في الانتفاع به والصدقة وعدم البيع.

بابُ الغُسْلِ للمُحْرِمِ

يعني: هذا باب ذكر الدليل من السنة على جواز الغسل للمحرم.

٢٤٣-عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْنٍ(39) أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ اخْتَلَفَا بِالأَبْوَاءِ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ، وَقَالَ الْمِسْوَرُ: لا يَغْسِلُ المحرم رَأْسَهُ. قَالَ: فَأَرْسَلَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ إلَى أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ - رضي الله عنه - فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ بَيْنَ الْقَرْنَيْنِ, وَهُوَ يُسْتَرُ بِثَوْبٍ، فَسَلَّمْت عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقُلْت: أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُنَيْنٍ, أَرْسَلَنِي إلَيْكَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَسْأَلُكَ: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ؟ فَوَضَعَ أَبُو أَيُّوبَ يَدَهُ عَلَى الثَّوْبِ, فَطَأْطَأَهُ, حَتَّى بَدَا لِي رَأْسُهُ، ثُمَّ قَالَ لإِنْسَانٍ يَصُبُّ عَلَيْهِ الْمَاءَ: اُصْبُبْ, فَصَبَّ عَلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ حَرَّكَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ, فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُهُ - صلى الله عليه وسلم - يَفعل(40).

*وَفِي رِوَايَةٍ " فَقَالَ الْمِسْوَرُ لابْنِ عَبَّاسٍ: لا أُمَارِيكَ أَبَداً "(41).

*القرنانِ: العمودان اللذان تُشَدُّ فيهما الخشبة التي تُعَلَّقُ عليها البكرةُ (42)

الشرح:

 في هذا الحديث وقصة ابن عباس -رضي الله عنهما- مع المسور بن مخرمة في حكم الغسل للمحرم وإرسال ابن عباس عبد الله بن حنين إلى أبي أيوب يسأله، ومن المصادفات الجملية أنه وجده يغتسل فأراه كيف كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يغسل رأسه.

وفي هذه القصة والحديث فوائد:

١-فضل ابن عباس -رضي الله عنهما- وذلك من وجهين:

أحدهما: مذاكرته مع من دونه في العلم؛ أعني المسور بن مخرمة.

الثاني: رجوعه إلى معرفة الحجة إلى الأكابر.

٢-التوكيل في السؤال عن العلم، وإرسال ابن عباس ابن حنين: يحتمل أنه لم تكن عنده رواية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ويحتمل أنه كان يعلم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يغتسل وهو محرم، وأرسل ابن حنين إلى أبي أيوب ليحتج بخبره على المسور.

٣-جواز غسل المحرم رأسه وتحريكه بيده.

٤-التعليم بالفعل.

٥-اعتراف المسور بفضل ابن عباس.

٦-جواز التنازع في مسائل الاجتهاد، والرجوع عند ذلك إلى الأعلم بالسنة.

٧-قبول خبر الواحد وأنه عمل الصحابة.

٨-أن الخلاف بين ابن عباس والمسور في كيفية غسل المحرم رأسه، لا في أصل الغسل، يدل له: ما فعله أبو أيوب لما سأله ابن حنين.

٩-من لطائف الإسناد: رواية الصحابي عن التابعي عن صحابي.

١٠-الاستتار عند الغسل.

١١-جواز معاونة المغتسل والمتوضئ.

١٢-جواز الكلام حال الاغتسال، والسلام على المغتسل.

بابُ فَسْخِ الحجِّ إِلى العُمْرَةِ

أي: هذا باب ذكر ما جاء في السنة في شأن فسخ الحج إلى العمرة، وقد تضمن الباب أحاديث أخرى تتعلق ببعض أحكام الحج.

٢٤٤-عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ -رضي الله عنهما- قَالَ: أَهَلَّ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - وَأَصْحَابُهُ بِالْحَجِّ، وَلَيْسَ مَعَ أَحَدٍ مِنْهُمْ هَدْيٌ غَيْرَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَطَلْحَةَ, وَقَدِمَ عَلِيُّ -رضي الله عنه- مِنْ الْيَمَنِ، فَقَالَ: أَهْلَلْتُ بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- فَأَمَرِ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- أَصْحَابَهُ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً, فَيَطُوفُوا ثُمَّ يُقَصِّرُوا وَيَحِلُّوا, إلاَّ مَنْ كَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ. فَقَالُوا: نَنْطَلِقُ إلَى «مِنىً» وَذَكَرُ أَحَدِنَا يَقْطُرُ؟! فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: «لَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا أَهْدَيْتُ, وَلَوْلا أَنَّ مَعِي الْهَدْيَ لأَحْلَلْتُ» وَحَاضَتْ عَائِشَةُ؛ فَنَسَكَتِ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا, غَيْرَ أَنَّهَا لَمْ تَطُفْ بِالْبَيْتِ، فَلَمَّا طَهُرَتْ طَافَتْ بِالْبَيْتِ. قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ تنْطَلِقُونَ بِحَجٍّة وَعُمْرَةٍ, وَأَنْطَلِقُ بِحَجٍّ؟ فَأَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ: أَنْ يَخْرُجَ مَعَهَا إلَى التَّنْعِيمِ فَاعْتَمَرَتْ بَعْدَ الْحَجِّ(43).

٢٤٥-وعَنْ جَابِرٍ -رضي الله عنه- قَالَ: قَدِمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَنَحْنُ نَقُولُ: لَبَّيْكَ بِالْحَجِّ(44)؛ فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم- فَجَعَلْنَاهَا عُمْرَةً(45).

٢٤٦-عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما- قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَأَصْحَابُهُ صَبِيحَةَ رَابِعَةٍ(46)، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً(47)؛ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ, أَيُّ الْحِلِّ؟ قَالَ: «الْحِلُّ كُلُّهُ»(48).

الشرح:

 هذه الأحاديث وما يشهد لها كحديث ابن عمر المتقدم في باب التمتع: هي الأصل في مشروعية فسخ الحج إلى العمرة، وقد اختلفت الروايات فيما أحرم به النبي -صلى الله عليه وسلم- من الأنساك، وما أحرم به الصحابة(49)

فروي أنه -صلى الله عليه وسلم- أحرم بالحج، وأحرم الناس بالحج كذلك، كما يدل له حديث جابر.

وروي أنه أحرم بحج وعمرة(50)، وهذا أرجح الروايات.

كما روي أن الناس منهم: من أحرم بحج، ومنهم: من أحرم بحج وعمرة، ومنهم: من أحرم بعمرة(51)

وفي حديث جابر المذكور في الباب: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أهدى مائة بدنة(52)، وأن من الصحابة من أهدى وهو طلحة بن عبيد الله.

وفي هذين الحديثين: التصريح بأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- كل من لم يسق الهدي أن يجعلوا نيتهم عمرة، ويطوفوا ويسعوا ويقصروا ويحلوا.

وفي هذين الحديثين فوائد:

١-أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أحرم بالحج، وتقدم أن الراجح: رواية من روى أنه أحرم بحج وعمرة؛ كما في حديث ابن عمر المتقدم.

٢-أن الناس مع النبي -صلى الله عليه وسلم- أحرموا بالحج، وتقدم أن في بعض الروايات: أن منهم من أحرم بحج، ومنهم من أحرم بعمرة، ومنهم من أحرم بحج وعمرة.

٣-أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ساق معه الهدي.

٤-أنه أشرك عليًا في هديه.

٥-أن من الصحابة من أهدى.

٦-أن من ساق الهدي لا يحل حتى ينحر هديه.

٧-مشروعية فسخ الحج إلى عمرة، وسبق في باب التمتع الإشارة إلى الخلاف في حكم ذلك.

٨-أن من فسخ الحج إلى العمرة، وطاف وسعى وقصر: حلَّ حِلًا تامًا؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم: «الْحِلُّ كُلُّهُ».

٩-أن التحلل من العمرة يحصل بالطواف والسعي والتقصير.

٩-مشقة هذا الفسخ على نفوس الصحابة؛ حتى قال قائلهم: (نَنْطَلِقُ إلَى «مِنىً» وَذَكَرُ أَحَدِنَا يَقْطُرُ؟!)، وهذا كناية عن قرب العهد بالجماع؛ ولذلك تمنعوا عن التحلل أولًا، ثم تحللوا حتى سطعت المجامر(53)، ولعل سبب هذا التمنع: ظنهم أن استمرارهم على نسك الحج أفضل، ولا ريب أن ما أمرهم به النبي -صلى الله عليه وسلم- هو الأفضل.

١٠-تسلية النبي -صلى الله عليه وسلم- لأصحابه، وتأكيده أن ما أمرهم به أفضل؛ وذلك في قوله: «لَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا أَهْدَيْتُ, وَلَوْلا أَنَّ مَعِي الْهَدْيَ لأَحْلَلْتُ».

11-فضيلة علي -رضي الله عنه-؛ لتأسيه بالنبي -صلى الله عليه وسلم- فيما أهل به، ولإشراك النبي -صلى الله عليه وسلم- له في هديه.

12-جواز أن يهل الإنسان بما أهل به فلان من الأنساك وهو لا يعلم ما أهل به، فإذا علم كان حكمُه حكمَه.

13-أن عائشة -رضي الله عنها- حاضت في حجها مع النبي -صلى الله عليه وسلم- فلم تطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة أولًا كسائر الناس، وفعلت المناسك كلها ولم تطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة حتى طهرت؛ فقال لها النبي –صلى الله عليه وسلم-: «طوافك بالبيت وبين الصفا والمروة: يكفيك لحجتك وعمرتك»(54).

14-أن الحيض لا يمنع من شي من المناسك إلا الطواف، وأما عدم سعيها أولًا؛ فلترتبه على الطواف.

15-حرص عائشة -رضي الله عنها- على الخير، ورفق النبي -صلى الله عليه وسلم- بها.

16-جواز العمرة بعد الحج.

17-أن ميقات أهل مكة للعمرة من التنعيم، وهو أدنى الحل، ويجوز الإحرام من أي مكان من الحل.

18-دلت الروايات الواردة في شأن عائشة -رضي الله عنه- أن عائشة حاضت بسرف، وأن النبي -صلى الله عليه وسلم- دخل عليها، وهي تبكي؛ فقال: «لعلك نفست؟» قلت: نعم، قال: «فإن ذلك شيء كتبه الله على بنات آدم، فافعلي ما يفعل الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري»(55).

19-صحة العمرة المكية ولا تستحب؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يأمر بها ولم يفعلها من الصحابة غير عائشة؛ للمعنى الذي ذكرته، حتى أن الظاهر أن عبد الرحمن لم يعتمر.

20-جواز قول "لو" التي للتمني والإخبار عما سيفعله لو حصل ما تمناه، بخلاف "لو" التي للتحسر والإخبار عن أمر غيبي لا يد للإنسان فيه؛ كما في خبره تعالى عن الذين: ﴿قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ(56). وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لإخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا(57).

21-مشروعية الإهلال عند إرادة الشروع في النسك، والإهلال رفع الصوت بالتلبية.

22-استحباب تسمية النسك في الإهلال؛ كأن يقول: لبيك حجًا، أو لبيك عمرة، أو لبيك عمرة وحجًا.

٢3-التدرج في التعليم.

٢4-جواز ترك الأفضل لمصلحة شرعية.

٢5-أن السنة تعيين النسك عند الإحرام وإعلانه في التلبية.

٢6-أن مرد الأحكام في الحج وغيره إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم-.

٢٤٧-عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: سُئِلَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ - وَأَنَا جَالِسٌ - كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَسِيرُ حِينَ دَفَعَ؟ قَالَ: كَانَ يَسِيرُ الْعَنَقَ، فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ(58).

*العَنَقُ: انبساطُ السَّير، والنَّصُّ: فوق ذلك(59)

٢٤٨-عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَقَفَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ؛ فَجَعَلُوا يَسْأَلُونَهُ، فَقَالَ رَجُلٌ: لَمْ أَشْعُرْ فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ؟ قَالَ: «اذْبَحْ وَلا حَرَجَ» وَجَاءَ آخَرُ،  فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ  فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ قَالَ: «ارْمِ وَلا حَرَجَ» فَمَا سُئِلَ يَوْمَئِذٍ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلا أُخِّرَ إلاَّ قَالَ: «افْعَلْ وَلا حَرَجَ»(60).

٢٤٩-عنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ النَّخَعِيِّ(61)، أنَّهُ حَجَّ مَعَ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ فَرَآهُ يرَمَي الْجَمْرَةَ الْكُبْرَى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، فَجَعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ, وَمِنًى عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ قَالَ: هَذَا مَقَامُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ - صلى الله عليه وسلم -(62).

الشرح:

هذه الأحاديث اشتملت على جملة من هديه -صلى الله عليه وسلم- في حجته:

• في حديث أسامة:

صفة سيره حين دفع من عرفة: وأنه كان يسير العنق، وهو السير بين السريع والبطء، والنص: هو الإسراع، والفجوة: هي المتسع.

• في حديث ابن عمر:

وقوفه -صلى الله عليه وسلم- يوم النحر ليسأله الناس.

• في حديث ابن مسعود:

صفة وقوفه لرمي جمرة العقبة.

وفي الأحاديث فوائد:

١-الرفق في السير، ولزوم السكينة في الإفاضة من عرفة؛ ولهذا كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول للناس: «عليكم بالسكينة؛ فإن البر ليس بالإيضاع» (63) أي: الإسراع.

٢-فضيلة أسامة بن زيد -رضي الله عنه- فقد كان رديف النبي -صلى الله عليه وسلم- في مسيره من عرفة إلى مزدلفة؛ فلهذا وصف سيره.

٣-استحباب وقوف العالم ليسأله الناس، ويتعلموا المناسك.

٤-أن من مناسك الحج في يوم النحر: رمي جمرة العقبة، والحلق أو التقصير، وذبح الهدي.

٥-أن السنة ترتيبها: الرمي؛ فالحلق؛ فالذبح.

٦-أن من نحر قبل أن يرمي فلا حرج عليه، أن من حلق قبل أن يذبح فلا حرج عليه، أن من قدم شيئًا من هذه المناسك أو أخر؛ فلا حرج عليه.

٦-أن من قدم شيئًا من هذه المناسك أو أخره فلا حرج عليه؛ لقول ابن عمرو -رضي الله عنهما-: «فَمَا سُئِلَ -صلى الله عليه وسلم- يَوْمَئِذٍ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلا أُخِّرَ إلاَّ قَالَ: افْعَلْ وَلا حَرَجَ».

٧-أن صفة الوقوف لرمي جمرة العقبة: أن يجعل الحاج منى عن يمنيه، والكعبة عن يساره.

٨-أن رمي جمرة العقبة: بسبع حصيات، وهكذا بقية الجمار، وفي حديث جابر الطويل يكبر مع كل حصاة(64)، وعليه فلا يجزئ رميها دفعة واحدة.

٩-جواز تسمية السورة بسورة البقرة.

١٠-عظم شأن هذه السورة عند الصحابة.

١١-تعيين الرسول -صلى الله عليه وسلم- في الإخبار عنه ببعض خصائصه؛ لقول ابن مسعود -رضي الله عنه-: (الذي أُنزلت عليه سورة البقرة)، وخص سورة البقرة بالذكر؛ لفضلها وطولها وعظم شأنها.

١٢-إرشاد ابن مسعود -رضي الله عنه- إلى الأسوة بالنبي -صلى الله عليه وسلم- في مقامه لرمي جمرة العقبة؛ كغيره من المناسك التي قال فيها النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لتأخذوا عني مناسككم) (65).

٢٥٠-عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما-: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «اللَّهُمَّ ارْحَمْ الْمُحَلِّقِينَ». قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «اللَّهُمَّ ارْحَمْ الْمُحَلِّقِينَ». قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «وَالْمُقَصِّرِينَ»(66).

الشرح:

هذا الحديث أصل في مشروعية الحلق أو التقصير في الحج أو العمرة، وهذا يدل على أن الحلق أو التقصير نسكٌ خلافًا لمن قال: إنه إطلاق من محظور؛ فهو مباح لا واجب ولا مستحب(67)، وقد ثبت الحلق من فعله -صلى الله عليه وسلم-(68)، فهو سنة قولية وفعلية. وقد اختلف في وقت هذا الدعاء(69): فقيل: إنه في عمرة الحديبية حين أُحصروا ثم أُمروا بالتحلل بعد الصلح؛ فتمنَّعوا حتى رأوا الجد من النبي -صلى الله عليه وسلم- حين حلق ونحر هديه. وقيل: إن ذلك في حجة الوداع، والأول أظهر. قال ابن عبد البر: "وهو المحفوظ" (70).

وفي الحديث فوائد:

١-مشروعية الحلق أو التقصير للحاج والمعتمر.

٢-أن الحلق أفضل من التقصير؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- ابتدأ الدعاء للمحلقين وكرره ثلاثًا، إلا في عمرة المتمتع فالتقصير له أفضل؛ ليبقى ما يحلقه في الحج، وسبب تفضيل المحلقين على المقصرين: أنهم أكملوا امتثالًا.

٣-جواز سؤال الدعاء من النبي -صلى الله عليه وسلم- وذلك في قولهم: (والمقصرين يا رسول الله؟) أي: قل ورحم المقصرين.

 ٤-حرص الصحابة على الخير.

5-فيه شاهد؛ لقوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ(71). فقدم ذكر المحلقين على المقصرين؛ مما يدل على فضلهم.

٢٥١-وعَنْ عَائِشَةَ -رضي الله عنها- قَالَتْ: حَجَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَأَفَضْنَا يَوْمَ النَّحْرِ، فَحَاضَتْ صَفِيَّةُ؛ فَأَرَادَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - مِنْهَا مَا يُرِيدُ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهَا حَائِضٌ. قَالَ: «أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَاضَتْ يَوْمَ النَّحْرِ؛ قَالَ: «اُخْرُجُوا»(72)

*وَفِي لَفْظٍ: قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «عَقْرَى, حَلْقَى(73) أَطَافَتْ يَوْمَ النَّحْرِ؟» قِيلَ: نَعَمْ. قَالَ: «فَانْفِرِي»(74) .

الشرح:

هذا الحديث أصل في منع الحائض الطواف بالبيت؛ كما دل على ذلك حديث عائشة حين حاضت بسرف(75).

وفي الحديث فوائد:

١-جواز إتيان الرجل أهله بعد طواف الإفاضة وقبل طواف الوداع؛ لأنه بطواف الإفاضة يحصل التحلل التام.

٢-تحريم إتيان الحائض.

٣-أن طواف الإفاضة لا يسقط عن الحائض.

٤-أن على أهل الحائض إذا لم تطف بالإفاضة أن يحتبسوا عليها؛ أي: ينتظروها، وأن على الركب أن يحتبسوا من أجل الحُيّض إلا أن يكون عليهم ضرر؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم- في شأن صفية: «أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟».

٥-أن الحائض لا يجب عليها طواف الوداع؛ لقوله: «فَانْفِرِي».

٦-جواز الدعاء غير المقصود على من فرط في أمر؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم- : «عَقْرَى, حَلْقَى» فهو دعاء معناه: الزجر والتوبيخ، ولعل ذلك من النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ لظنه أنها فرطت في طواف الإفاضة إلى يوم رحيله، وليس ذلك في يوم النحر كما يشعر به السياق، والله أعلم.

٢٥٢-عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما- قَالَ: أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ، إلاَّ أَنَّهُ خُفِّفَ عَنْ الْمَرْأَةِ الْحَائِضِ(76).

الشرح:

هذا الحديث هو الأصل في وجوب طواف الوداع، وسقوطه عن الحائض، والقول بوجوبه هو الصواب، وهو قول الجمهور(77).

وفي الحديث فوائد:

١-عظم شأن البيت؛ إذ شرع الابتداء به، والختم به.

٢-أن طواف الوداع لا يجب على الحائض، وأن ذلك من يسر الشريعة في المناسك.

٣-أنه لا يجب عليها الوقف عند باب المسجد والنظر إلى البيت والدعاء، بل ولا يشرع لها ذلك؛ فيكون تحري ذلك بدعة.

٢٥٣-وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما- قَالَ: اسْتَأْذَنَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنىً؛ مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ، فَأَذِنَ لَهُ(78).

الشرح:

هذا الحديث هو الأصل للقول بوجوب المبيت بمنى ليالي أيام التشريق، ووجه الدلالة: أن العباس احتاج إلى الإذن من النبي -صلى الله عليه وسلم- في ترك المبيت بمنى، ولو لم يكن واجبًا لما احتاج إلى ذلك.

وفي الحديث فوائد:

١-أن المبيت بمنى ليالي التشريق نسكٌ.

٢-وجوب المبيت بمنى، وهو قول الجمهور(79). وقال: آخرون بل هو سنة؛ فهو مستحب وليس بواجب، والقول الأول أظهر، لكن من لم يتيسر له المبيت فلا شي عليه، وليبت حيث شاء من الحرم، وما كان أقرب لمنازل الحجاج فهو أولى.

٣-جواز ترك المبيت بمنى للقيام بمصلحة من مصالح المسلمين.

٤-أن السقاية مختصة بالعباس وبولده من بعده، والمراد: ولاية السقي من ماء زمزم، وقد تغيرت الأحوال فرجعت ولاية السقاية إلى الولاية العامة، وهي الحكومة.

٢٥٤-وَعَنْهُ قَال: جَمَعَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِجَمْعٍ, لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا إقَامَةٌ، وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا, وَلا عَلَى إثْرِ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا(80).

الشرح:

هذا الحديث أصل في سنة الجمع بين المغرب والعشاء للحاج بمزدلفة، وصفة ذلك.

وفي الحديث فوائد:

١-أن من هديه -صلى الله عليه وسلم- في الحج: الجمع بين المغرب والعشاء جمع تأخير في مزدلفة، ليلة عرفة.

٢-أن السنة أن يقيم لكل واحدة منهما، ولم يذكر ابن عمر الأذان لهما، ولكن جابرًا ذكر أنه -صلى الله عليه وسلم- جمع بين المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، وهذا هو الموافق لهديه -صلى الله عليه وسلم- في الجمع بين الصلاتين في سائر المواضع.

٣-أنه لا يتنفل بينهما ولا بعدهما، وهو معنى قول ابن عمر: (وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا, وَلا عَلَى إثْرِ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا).

بابُ المُحْرِمِ يأْكلُ من صيدِ الحلالِ

أي: هذا باب ذكر الدليل من السنة على جواز أكل المحرم مما يصيده الحلال؛ أي: غير المحرم؛ إلا أن يقصد الصيد للمحرم.

٢٥٥-عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - خَرَجَ حَاجَّاً، فَخَرَجُوا مَعَهُ، فَصَرَفَ طَائِفَةً مِنْهُمْ -فِيهِمْ أَبُو قَتَادَةَ- وَقَالَ: «خُذُوا سَاحِلَ الْبَحْرِ حَتَّى نَلْتَقِيَ» فَأَخَذُوا سَاحِلَ الْبَحْرِ، فَلَمَّا انْصَرَفُوا أَحْرَمُوا كُلُّهُمْ, إلاَّ أَبَا قَتَادَةَ  لَمْ يُحْرِمْ، فَبَيْنَمَا هُمْ يَسِيرُونَ إذْ رَأَوْا حُمُرَ وَحْشٍ، فَحَمَلَ أَبُو قَتَادَةَ عَلَى الْحُمُرِ؛ فَعَقَرَ مِنْهَا أَتَانَاً، فَنَزَلْنَا فَأَكَلْنَا مِنْ لَحْمِهَا، ثُمَّ قُلْنَا: أَنَأْكُلُ لَحْمَ صَيْدٍ وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ؟ فَحَمَلْنَا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا فَأَدْرَكْنَا رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: «مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا, أَوْ أَشَارَ إلَيْهَا؟» قَالُوا: لا. قَالَ: «فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا»(81).

*وَفِي رِوَايَةٍ: «هَلْ مَعَكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ؟» فَقُلْت: نَعَمْ، فَنَاوَلْتُهُ الْعَضُدَ, فَأَكَلَهَا(82).

٢٥٦-عَنْ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ اللَّيْثِيِّ أَنَّهُ أَهْدَى إلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- حِمَاراً وَحْشِيَّاً وَهُوَ بِالأَبْوَاءِ -أَوْ بِوَدَّانَ- فَرَدَّهُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَى مَا فِي وَجْهِه, قَالَ: «إنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إلاَّ أَنَّا حُرُمٌ»(83).

*وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ «رِجْلَ حِمَارٍ».

*وَفِي لَفْظٍ «شِقَّ حِمَارٍ».

*وَفِي لَفْظٍ «عَجُزَ حِمَارٍ»(84).

*وجه هذا الحديث: أنه ظنَّ أنَّه صِيدَ لأجلِهِ، والمُحْرِمُ لا يأكُل ما صِيدَ لأجلِه.

الشرح:

هذان الحديثان هما الأصل في مسألة أكل المحرم من صيد الحلال، ولكن بين الحديثين تعارض: فإن الحديث الأول يدل على الجواز، والثاني يدل على المنع، وقد جمع بين الحديثين: بأن حديث أبي قتادة في حق المحرم الذي لم يكن صيد الحلال من أجله، ولم يعنه عليه، وحديث الصعب فيما صاده الحلال من أجل المحرم(85).

وقد ورد حديثٌ تضمن معنى هذا الجمع: فروى الترمذي وغيره عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- قال: سمعتُ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلم - يقول: «صيدُ البر لكم حلالٌ وأنتم حرم، ما لم تَصِيدوه أو يُصَدْ لكم»(86).

وفي الحديثين فوائد:

١-تحريم صيد البر على المحرم: صاده بنفسه، أو صاده محرم آخر.

٢-تحريم ما صاده المحرم عليه وعلى غيره، وأصل ذلك: في كتاب الله؛ وهو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا(87).

٣-حل صيد الحلال للمحرم إلا في حالين: إذا أعانه على الصيد، أو صاده الحلال من أجل المحرم.

٤-أن عادة النبي -صلى الله عليه وسلم- قبول الهدية إلا أن تكون مما لا يحل له.

٥-استحباب الاعتذار إلى المهدي إذا تعذر قبول هديته.

٦-حسن خلقه -صلى الله عليه وسلم- فقد اعتذر إلى الصعب بن جثامة بقوله: «إنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إلاَّ أَنَّا حُرُمٌ»، وقال للذين أكلوا من لحم حمار أبي قتادة وهم محرمون: «هَلْ مَعَكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ؟» تطييبًا لنفوسهم.

٧-حل الحمر الوحشية، وأما الحمر الأهلية فقد صح النهي عنها(88).

٨-التثبت فيما اشتبه على العبد حكمه.

٩-أن الأصل حل صيد الحلال للمحرم والحلال.

١٠-أن من استعجل ففعل فعلًا ثم شك في حله؛ فلا يتمادى فيه حتى يتبين له الأمر.

١١-وقوع الاجتهاد والاختلاف في حياة النبي -صلى الله عليه وسلم-.

١٢-رد الصحابة ما تنازعوا فيه إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-.

١٣-تحريم صيد الحلال على المحرم إن أعانه عليه بقول أو فعل.


(1) البقرة: 196.
(2) ينظر: لسان العرب (8/328)
(3) البقرة: 241.
(4) سيأتي من حديث ابن عمر رقم (٢٣٥)
(5) نصر بن عمران بن عصام الضُّبعي، بضم المعجمة وفتح الموحدة بعدها مهملة، أبو جمرة بالجيم، البصري نزيل خراسان،  مشهور بكنيته، ثقة ثبت، من الثالثة، روى له الجماعة. التقريب (7122)
(6) أخرجه البخاري (1688) واللفظ له، ومسلم (1242).
(7) أخرجه البخاري (1691)، ومسلم (1227)
(8) البقرة: 196.
(9) النحل: 43.
(10) البقرة: 196.
(11) ينظر: المغني (5/251)، ومجموع الفتاوى (26/49)
(12) أخرجه البخاري (1085)، ومسلم (1240)
(13) ينظر: زاد المعاد (2/165)
(14) ينظر: مجموع الفتاوى (26/54). وهذا هو المذهب. ينظر: شرح المنتهى (2/451)، وكشاف القناع (6/104).
(15) البقرة: 158.
(16) ينظر: المغني (5/238)
(17) وهذا هو المذهب. ينظر: كشاف القناع (6/268).
(18) أخرجه البخاري (1566)، ومسلم (1229)
(19) أخرجه البخاري (4518)
(20) ذكره الحميدي في الجمع بين الصحيحين (1/349، رقم 548). قال الحافظ في الفتح (3/ 422): "لم أر هذا في شيء من الطرق التي اتصلت لنا من البخاري، لكن نقله الإسماعيلي عن البخاري كذلك، فهو عمدة الحميدي في ذلك".
(21) أخرجه مسلم (1226) (172) وزاد: "قال رجل برأيه بعدُ ما شاء".
(22) أخرجه البخاري (1571)، ومسلم (1226) (170) ولفظه -كما عند البخاري-: "تمتعنا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنزل القرآن، قال رجل برأيه ما شاء".
(23) ينظر: صحيح مسلم (1217)
(24) المائدة: 95.
(25) البقرة: 196.
(26) البقرة: 196.
(27) زاد مسلم: "بيدي" وهي رواية للبخاري أيضًا (1696)
(28) أخرجه البخاري (1699)، ومسلم (1321) (362)
(29) أخرجه البخاري (1701)، ومسلم (1321) (367)
(30) أخرجه  البخاري (1706) وزاد: "والنعل في عنقها".
(31) أخرجه البخاري (1689)، ومسلم (1322) وليس عندهما: "أو ويحك" وإنما الحديث بهذه اللفظة عند البخاري (2754) من حديث أنس.
(32) أخرجه البخاري (1707)، ومسلم  (1317) واللفظ له.
(33) زياد بن جبير بن حية بن مسعود بن معتب الثقفي البصري، ثقة، وكان يرسل، من الثالثة، روى له الجماعة. التقريب (2060).
(34) كذا في النسخة المطبوعة، وفي البخاري "ينحرها".  وأما مسلم فلفظه: "وهو ينحر بدنته باركة".
(35) أخرجه البخاري (1713)، ومسلم (1320)
(36) أخرجه مسلم (1324) من حديث جابر
(37) الحج: 32.
(38) أخرجه مسلم (1218) من حديث جابر الطويل في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم.
(39) عبد الله بن حنين الهاشمي مولاهم، مدني ثقة، من الثالثة، مات في أول خلافة يزيد بن عبد الملك في أوائل المائة الثانية، روى له الجماعة. التقريب (3286)
(40) أخرجه البخاري (1840)، ومسلم (1205) (91)
(41) أخرجه مسلم (1205) (92)
(42) ينظر: فتح الباري (1/172)
(43) أخرجه البخاري (1651) واللفظ له، وهو لمسلم (1216) بمعناه.
(44) هذا لفظ مسلم، وعند البخاري: "لبيك اللهم لبيك بالحج".
(45) أخرجه البخاري (1570)، ومسلم (1216)
(46) عندهما زيادة: "مهلين بالحج"
(47) عندهما زيادة: "فتعاظم الناس عندهم"
(48) أخرجه البخاري (1564)، ومسلم (1240)
(49) ينظر: مجموع الفتاوى (26/62)، وزاد المعاد (2/101)
(50) كما في حديث ابن عمر المتقدم
(51) كما في حديث عائشة عند البخاري (1562)، ومسلم (1211) (118).
(52) هذا العدد هو مجموع ما أهدى النبي في تلك السنة بالشراكة مع علي. قال الحافظ في الفتح (5/138): " ساق النبي -صلى الله عليه وسلم- الهدي من المدينة، وهي ثلاث وستون بدنة، وجاء علي من اليمن إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- ومعه سبع وثلاثون بدنة، فصار جميع ما ساقه النبي -صلى الله عليه وسلم- من الهدي مائة بدنة، وأشرك عليًا معه فيها". وينظر: شرح النووي على مسلم (8/192)، وفتح الباري (3/555).
(53)  كناية عن  استعمال الطيب. وهذه الرواية أخرجها أحمد (2641) من طريق أيوب السختياني، عن رجل، عن ابن عباس، به. قال الشيخ شعيب: "وهذا إسناد ضعيف؛ لجهالة الرجل الذي روى عنه أيوب".
(54) أخرجه أبو داود (1897) من طريق ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، عن عائشة، به. وهو في مسلم (1211) بمعناه، من طريق إبراهيم بن نافع، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن عائشة -رضي الله عنها- أنها حاضت بسرف؛ فتطهرت بعرفة؛ فقال لها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «يجزئ عنك طوافك بالصفا والمروة، عن حجك وعمرتك».
(55) أخرجه البخاري (305)، ومسلم (1211)
(56) آل عمران: 156.
(57) آل عمران: 168.
(58) أخرجه البخاري (1666)، ومسلم (1286) (283)
(59) هكذا فسره راويه هشام بن عروة، كما ورد في البخاري ومسلم. ينظر: فتح الباري (3/518).
(60) أخرجه البخاري (83)، ومسلم (1036).
(61) عبد الرحمن بن يزيد بن قيس النخعي، أبو بكر الكوفي، ثقة، من كبار الثالثة،مات دون المائة سنة ثلاث وثمانين، روى له الجماعة. التقريب (4043)
(62) أخرجه البخاري (1749)، ومسلم (1296) (307).
(63) أخرجه البخاري (1671) من حديث ابن عباس
(64) تقدم تخريجه
(65) أخرجه مسلم (1297) من حديث جابر
(66) أخرجه  البخاري (1727)، ومسلم (1301) (317)
(67) ينظر: المغني (5/244)
(68) كما في حديث أنس عند مسلم (1305) «ثم قال للحلاق: خذ، وأشار إلى جانبه الأيمن، ثم الأيسر، ثم جعل يعطيه الناس».
(69) ينظر: فتح الباري (3/563)
(70) التمهيد (15/234)
(71) الفتح: 27.
(72) أخرجه البخاري (1733)، ومسلم (1211)
(73) أي: عقرها الله وحلقها، يعني أصابها وجع في حلقها خاصة. النهاية (1/428). قال أبو عبيد في غريب الحديث (4/212): "إنما هي كلمة جارية على ألسنتهم يقولونها من غير نية الدعاء".
(74) أخرجه البخاري (1771) واللفظ له، ومسلم (1211) (387)
(75) أخرجه البخاري (305)، ومسلم (1211)
(76) أخرجه البخاري (1755)، ومسلم (1328) واللفظ له.
(77) ينظر: المغني (5/336) وهذا هو المذهب. ينظر: شرح المنتهى (2/585)
(78) أخرجه البخاري (1634)، ومسلم (1315)
(79) ينظر: المغني (5/324) وهذا هو المذهب. ينظر: شرح المنتهى (2/585)
(80) أخرجه البخاري (1673) واللفظ له، ومسلم بألفاظ (1288) (287 -291). ينظر: النكت للزركشي (ص223)
(81) أخرجه البخاري (1824) اللفظ له، ومسلم (1196) (60)
(82) أخرجه البخاري (2570)
(83) أخرجه البخاري (1825)، ومسلم (1193) (50)
(84) هذه الروايات الثلاث عند مسلم برقم (1193) (54)
(85) ينظر: فتح الباري (4/ 33)
(86) أخرجه أبو داود (1851)، والترمذي (846)، والنسائي (2827)، والحاكم (1659) من طريق عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب بن عبد الله بن حنطب، عن مولاه المطلب، عن جابر قال:  قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فذكره.
قال النسائي: " عمرو بن أبي عمرو ليس بالقوي في الحديث، وإن كان قد روى عنه مالك".
وقال الترمذي: والمطلب لا نعرف له سماعًا من جابر ". وينظر: التلخيص الحبير (2/585، رقم 1096)

(87) 95-96.
(88) روى ذلك جماعة من الصحابة: ينظر: البخاري " باب غزوة خيبر" (4198) وما بعده، ومسلم  " باب تحريم أكل لحم الحمر الإنسية " (1407) وما بعده.