موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - كتاب العتق - عمدة الفقه لابن قدامة
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / المتون / عمدة الفقه لابن قدامة لـ موفق الدين محمد بن قدامة المقدسي
  
 
عمدة الفقه لابن قدامة - كتاب العتق

كتاب العتق

باب العتق

وهو تحرير العبد، ويحصل بالقول والفعل. فأما القول فصريحه لفظ العتق والتحرير وما تصرف منهما، فمتى أتى بذلك حصل العتق وإن لم ينوه، وما عدا هذا من الألفاظ المحتملة للعتق كناية لا يعتق بها إلا إذا كان نوى، وأما الفعل فمن ملك ذا رحم محرم عتق عليه. ومن أعتق جزءاً من عبد مشاعاً أو معيناً عتق كله، وإن أعتق ذلك من عبد مشترك وهو موسر بقيمة نصيب شريكه عتق كله وقوم عليه نصيب شريكه وله ولاؤه، وإن كان معسراً لم يعتق إلا حصته لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أعتق شركاً له في عبد فكان له مال يبلغ ثمن العبد قوم عليه قيمة عدل فأعطى شركاؤه حصصهم وعتق عليه العبد وإلا فقد عتق منه ما عتق.

وإن ملك جزءاً من ذي رحمه عتق عليه باقية إن كان موسراً إلا أن يملكه بالميراث فلا يعتق عليه إلا ما ملك.

فصل: وإذا قال لعبده أنت حر

وإذا قال لعبده أنت حر في وقت سماه أو علق عتقه على شرط يعتق إذا جاء ذلك الوقت أو وجد الشرط ولم يعتق قبله، ولا يملك إبطاله بالقول، وله بيعه وهبته والتصرف فيه، ومتى عاد إليه عاد الشرط، وإن كانت الأمة حاملاً حين التعليق أو وجد الشرط عتق حملها، وإن حملت ووضعت فيما بينهما لم يعتق ولدها.

باب التدبير

وإذا قال لعبده: أنت حر بعد موتي أو قد دبرتك أو أنت مدبر صار مدبراً يعتق بموت سيده إن حمله الثلث، ولا يعتق ما زاد إلا بإجازة الورثة، ولسيده بيعه وهبته ووطء الجارية، ومتى ملكه بعد عاد تدبيره، وما ولدت المدبرة والمكاتبة وأم الولد من غير سيدها فله حكمها ويجوز تدبير المكاتب وكتابة المدبر، فإن أدى عتق، وإن مات سيده قبل أدائه عتق إن حمل الثلث ما بقي عليه من كتابته، وإلا عتق منه بقدر الثلث وسقط من الكتاب بقدر ما عتق وكان على الكتابة بما بقي، وإن استولد مدبرته بطل تدبيرها، وإن أسلم مدبر الكافر أو أم ولده حيل بينه وبينهما وينفق عليهما من كسبهما. وإن لم يكن لهما كسب أجبرعلى نفقتهما.

فإن أسلم ردا إليه، وإن مات عتقا، وإن دبر شركاً له في عبد وهو موسر لم يعتق عليه سوى ما أعتقه وإن أعتقه في مرض موته وثلثه يحتمل باقيه عتق جميعه.

باب المكاتب

الكتابة شراء العبد نفسه من سيده بمال في ذمته، واذا ابتغاها العبد المكتسب الصدوق من سيده استحب له إجابته إليها، لقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوَهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً(1).

ويجعل المال عليه أنجماً.

فمتى أداها عتق ويعطى مما كوتب عليه الربع لقول الله تعالى: ﴿وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ (2).

قال علي رضي الله عنه: هو الربع. والمكاتب عبد ما بقي عليه درهم إلا أنه يملك البيع والشراء.

والسفر وكل ما فيه مصلحة ماله وليس له التبرع ولا التزوج ولا التسري إلا بإذن سيده وليس لسيده استخدامه ولا أخذ شئ من ماله، ومتى أخذ منه شيئاً أو جنى عليه أو على ماله فعليه غرامته ويجري الربا بينهما كالأجانب إلا أنه لا بأس أن يعجل لسيده ويضع عنه بعض كتابته، وليس له وطء مكاتبته ولا بنتها ولا جاريتها، فإن فعل فعليه مهر مثلها، وإن ولدت منه صارت أم ولد، فإن أدت عتقت، وإن مات سيدها قبل أدائها عتقت، وما في يدها لها إلا أن تكون قد عجزت.

ويجوز بيع المكاتب لأن عائشة رضي الله عنها اشترت بريرة وهي مكاتبة بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويكون في يد مشتريه مبقي على ما بقي من كتابته، فإن أدى عتق وولاؤه لمشتريه، وإن عجز فهو عبد، وإن اشترى المكاتبان كل واحد منها الآخر صح شراء الأول وبطل شراء الثاني، فإن جهل الأول منهما بطل البيعان، وإن مات المكاتب بطلت الكتابة.

وإن مات السيد قبله فهو على كتابته يؤدي إلى الورثة وولاؤه لمكاتبه، والكتابة عقد لازم ليس لأحدهما فسخها، وإن حل نجم فلم يؤده فلسيده تعجيزه، وإذا جنى المكاتب بدىء بجنايته، وإن اختلف هو وسيده في الكتابة أو عوضها أو التدبير أو الاستيلاد فالقول قول السيد مع يمينه.

باب أحكام أمهات الأولاد

إذا حملت الأمة من سيدها فوضعت ما يتبين فيه شئ من خلق الإنسان صارت له بذلك أم ولد تعتق بموته وإن لم يملك غيرها، وما دام حياً فهي أمته، أحكامها أحكام الإماء في حل وطئها وملك منافعها وكسبها وسائر الأحكام، إلا أنه لا يملك بيعها ولا رهنها ولا سائر ما ينقل الملك فيها أو يراد له، وتجوز الوصية لها وإليها، فإن قتلت سيدها عمداً فعليها القصاص، وإن قتلته خطأ فعليها قيمة نفسها وتعتق في الحالين.

وإن وطىء أمة غيره بنكاح ثم ملكها حاملاً عتق الجنين وله بيعها.


(1) النور: ٣٣.
(2) النور: ٣٣.