موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - كتاب الوقف - عمدة الفقه لابن قدامة
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / المتون / عمدة الفقه لابن قدامة لـ موفق الدين محمد بن قدامة المقدسي
  
 
عمدة الفقه لابن قدامة - كتاب الوقف

كتاب الوقف

وهو تحبيس الأصل وتسبيل الثمرة. ويجوز في كل عين يجوز بيعها وينتفع بها دائماً مع بقاء عينها، ولا يصح في غير ذلك مثل الأثمان والمطعومات والرياحين. ولا يصح إلا على بر أو معروف، مثل ما روي عن عمر أنه قال: يا رسول الله إني أصبت مالاً بخيبر لم أصب مالاً قط هو أنفس عندي منه، فما تأمرني فيه ؟ قال: إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها غير أنها لا يباع أصلها ولا يوهب ولا يورث قال: فتصدق بها عمر في الفقراء وفي القربى وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل والضيف. ولا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف ويطعم صديقاً غير متمول فيه. ويصح الوقف بالقول والفعل الدال عليه، مثل أن يبني مسجداً ويأذن في الصلاة فيه، أو سقاية ويشرعها للناس.

ولا يجوز بيعه إلا أن تتعطل منافعه بالكلية، فيباع ويشتري به ما يقوم مقامه.

والفرس الحبيس إذا لم يصلح للغزو بيع واشترى به ما يصلح للجهاد. والمسجد إذا لم ينتفع به في مكانه بيع ونقل إلى مكان ينتفع به.

ويرجع في الوقف ومصرفه وشروطه وترتيبه وإدخال من شاء بصفة وإخراجه بها - وكذلك الناظر فيه والنفقة عليه - إلى شرط الواقف فلو وقف على ولد فلان ثم على المساكين كان الذكر والأنثى بالسوية إلا أن يفضل بعضهم، فإذا لم يبق منهم أحد رجع إلى المساكين.

وإن كان الوقف على من يمكن حصرهم لزم استيعابهم به، والتسوية بينهم، إلا أن يفضل بعضهم. وإن لم يمكن حصرهم جاز تفضيل بعضهم على بعض وتخصيص واحد منهم به.

باب الهبة

وهي تمليك المال في الحياة بغير عوض، وتصح بالإيجاب والقبول والعطية المقترنة بما يدل عليها

وتلزم بالقبض، ولا يجوز الرجوع فيها، إلا الأب لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يحل لأحد أن يعطي عطية فيرجع فيها، إلا الوالد فيما يعطي ولده، والمشروع في عطية الأولاد أن يسوى بينهم على قدر ميراثهم لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم.

وإذا قال لرجل: أعمرتك داري أو هي لك عمري، فهي له ولورثته من بعده، وإن قال: سكناها لك عمرك، فله أخذها متى شاء.

باب عطية المريض

تبرعات المريض مرض الموت المخوف ومن هو في الخوف كالمريض كالواقف بين الصفين عند التقاء القتال ومن قدم ليقتل، وراكب البحر حال هيجانه ومن وقع الطاعون ببلده إذا اتصل بهم الموت - حكمها حكم وصيته في ستة أحكام:

أحدها: أنها لا تجوز لأجنبي بزيادة على الثلث ولا لوارث بشئ إلا بإجازة الورثة، لما روي أن رجلا أعتق ستة مملوكين عند موته لم يكن له مال غيرهم، فدعا بهم النبي صلى الله عليه وسلم فجزأهم أثلاثاً فأعتق اثنين وأرق أربعة.

الثاني: أن الحرية تجمع في بعض العبيد بالقرعة إذا لم يف الثلث بالجميع للخبر.

الثالث: أنه إذا أعتق عبداً غير معين أو معيناً فأشكل أخرج بالقرعة.

الرابع: أنه يعتبر خروجها من الثلث حال الموت، فلو أعتق عبداً لا مال له سواه أو تبرع به ثم ملك عند الموت ضعف قيمته تبينا أنه عتق كله حين إعتاقه وكان ما كسبه بعد ذلك له، وإن صار عليه دين يستغرقه لم يعتق منه شئ، ولا يصح تبرعه به، ولو وصى له بشئ فلم يأخذه الموصى له زماناً قوم عليه وقت الموت لا وقت الأخذ.

الخامس: أن كونه وارثاً يعتبر حالة الموت فيهما فلو أعطاه أخاه أو وصى له ولا ولد له فولد له ابن صحت العطية والوصية ولو كان له ابن فمات بطلت.

السادس: أنه لا يعتبر رد الورثة وإجازتهم إلا بعد الموت فيهما.

وتفارق العطية الوصية في أحكام أربعة:

أحدها: أن العطية تنفذ من حينها، فلو أعتق عبداً أو أعطاه إنساناً صار المعتق حراً وملكه المعطي وكسبه له ولو وصى به أو دبره لم يعتق ولم يملكه الموصى له إلا بعد الموت، وما كسب أو حدث فيه من نماء منفصل فهو للورثة.

الثاني: أن العطية يعتبر قبولها وردها حين وجودها كعطية الصحيح، والوصية لا يعتبر قبولها ولا ردها إلا بعد موت الموصي.

الثالث: أنها تقع لازمة لا يملك المعطي الرجوع فيها، والوصية له الرجوع فيها متى شاء.

الرابع: أن يبدأ بالأول فالأول منها إذا ضاق الثلث عن جميعها، والوصية يسوى بين الأول منها والآخر، ويدخل النقص على كل واحد بقدر وصيته سواء كان فيها عتق أو لم يكن، وكذلك الحكم في العطايا إذا وقعت دفعة واحدة.