موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - مدخل لدراسة علم الفقه - مدخل لدراسة علم الفقه
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
  
 
مدخل لدراسة علم الفقه - مدخل لدراسة علم الفقه

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه واقتفى أثره إلى يوم الدين، أما بعد فأسأل الله -عز وجل- لي ولكم العلم النافع والعمل الصالح.

أقدم بين يدي هذه المحاضرة بذكر عناصرها:

العنصر الأول: تعريف الفقه.

والثاني: في أهمية الفقه وفضله.

والثالث: في حكم تعلم الفقه.

الرابع: نشأة علم الفقه.

الخامس: التعريف بالمذاهب الفقهية الأربعة.

العنصر السادس: أسباب اختلاف الفقهاء.

السابع: كتب لا يستغني عنها طالب علم الفقه.

العنصر الثامن: وصايا لطالب علم الفقه.

والعنصر الأخير: مراجع هذا الموضوع لمن أراد الاستزادة.

أما العنصر الأول: فهو في تعريف الفقه.

الفقه في اللغة: بمعنى الفهم، الفهم للشيء والعلم به، ومنه قول الله -عز وجل: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي(1)، ومنه أيضًا قول الله -عز وجل: ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ(2)  أي لا نفهمه.

وأما الفقه في الاصطلاح فقد كان في صدر الإسلام يعني العلم بجميع أحكام الدين، فيدخل في ذلك علم العقيدة وعلم التفسير والحديث والفقه المصطلح عليه وغير ذلك من علوم الشريعة، ومن هذا المعنى قول النبي -صلى الله عليه وسلم- بل قبل ذلك من هذا المعنى قول الله -عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ(3) ،  فالفقه في الدين هنا يشمل جميع أحكام الشرع.

منه أيضًا قول النبي -صلى الله عليه وسلم: «مَنْ يُرِدِ اللهَ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهُهُ فِي الدِّينِ»(4) والحديث متفق عليه، فالفقه في الدين هنا ليس المقصود به الفقه الاصطلاحي بمعنى الأحكام العملية كما سيأتي في بيان معناه في الاصطلاح، وإنما يُراد به جميع علوم الشريعة.

من ذلك أيضًا قوله -صلى الله عليه وسلم- فيما رواه أبو داود: «نضَّر الله امرًأ سَمِع منَّا حديثًا فحفظه حتى يبلِّغه فرُبَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورُبَّ حاملِ فقه ليس بفقيه»(5) فالمراد بالفقه هنا هو الفقه بمعناه العام.

ثم بعد زمن الصحابة -رضي الله عنهم- يعني في زمن التابعين -رحمهم الله- اختص علم الفقه بالأحكام العملية، فصار تعريفه في الاصطلاح: العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسبة من أدلتها التفصيلية، ففي هذا التعريف العلم بالأحكام الشرعية يُخرج الأحكام غير الشرعية مثل الأحكام المتعلقة باللغة من الأحكام اللغوية وكذا الأحكام العقلية فهذه لا تُسمى فقهًا، والحكم الشرعي ينقسم إلى قسمين: حكم تكليفي وحكم وضعي.

الحكم التكليفي هو مقتضى خطاب الله -تبارك وتعالى- المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التأخير وهذا يشمل الأحكام التكليفية الخمسة؛ الواجب والمستحب والمباح والمكروه والمحرم.

مثال ذلك وجوب الصلاة هذا حكم تكليفي، أيضًا تحريم القتل العمد العدوان هذا حكم تكليفي.

أما الحكم الوضعي فهو خطاب الله -تبارك وتعالى- بجعل الشيء سببًا لشيء آخر أو شرطًا له أو مانعًا منه أو كونه صحيحًا أو فاسدًا، فمثلًا نقول هذا العقد عقد باطل، هذا الحكم هل هو تكليفي أو وضعي؟ تقول هذا حكم وضعي، كذلك فيما يتعلق بغروب الشمس نقول غروب الشمس سبب لفطر الصائم هذا حكم وضعي وليس حكمًا تكليفيًا، لا يوصف بأنه حرام أو مستحب أو مباح وإنما يُقال هو سبب لفطر الصائم، كذلك الحيض نقول مانع من صحة الصلاة هذا أيضًا حكم وضعي وليس حكمًا تكليفيًا.

وفي هذا التعريف قيد العملية؛ العلم بالأحكام الشرعية العملية، فهذا يُخرج الأحكام المتعلقة بالاعتقاد فهي لا تُسمى فقهًا في الاصطلاح وإنما تختص بعلم العقيدة.

المكتسبة من أدلتها التفصيلية يعني أن الأحكام لا تُعد من علم الفقه إلا إذا كانت مستندة إلى أدلة شرعية، والمراد بالأدلة التفصيلية هي أدلة الكتاب والسُنة والإجماع ونحو ذلك من الأدلة المعروف، يعني مثلًا الاستدلال على تحريم أكل الميتة لقول الله -عز وجل: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ(6)  هذا دليل تفصيلي، ويُقابل الأدلة التفصيلية الأدلة الإجمالية وهذه محل نظر علماء أصول الفقه.

بعد تعريف الفقه ننتقل إلى تعريف الفقيه، من هو الفقيه؟ نقول إن الفقيه ليس من يحفظ الفروع الفقيه ويعلم الأحكام، ليس من حفظ كتابًا في الفقه ثم إذا سُئل عن مسألة في هذا الكتاب يُجيب هذا لا يُسمى فقيهًا؛ وإنما هو حافظ لفروع الفقه، وإنما الفقيه من له ملكة خاصة وقدرة على استنباط الأحكام الشرعية العملية من الأدلة، ولهذا نقل الزركشي في "البحر المحيط" عن الغزالي قوله: (إذا لم يتكلم الفقيه في مسألة لم يسمعها ككلامه في مسألة سمعها فليس بفقيه) يعني إذا عرضت عليه نازلة لم تمر عليه في كتب الفقهاء فإذا استطاع أن يُنزل عليها الحكم الشرعي ويردها إلى الأصول وإلى الأدلة فهذا هو الفقيه، ولهذا لفظ الفقيه لا يُطلق إلى على القليل من أهل العلم.

ما الفرق بين الفقه وبين الشريعة؟ الشريعة عامة تشمل جميع ما أمر الله -عز وجل- به، فيدخل في ذلك الأحكام العقدية والأحكام العملية وكل ما أمر الله -عز وجل- به، أما الفقه فإنه يكون أخص من الشريعة وإن كان بعض أهل العلم أطلق الشريعة على ما يتعلق بالأحكام العملية، فحينئذ تكون الشريعة والفقه شيئًا واحدًا.

العنصر الثاني: أهمية علم الفقه وفضله.

علم الفقه لا تخفى أهميته وفضله، يكفي في بيان فضله ما تقدم من قول النبي -صلى الله عليه وسلم: «مَنْ يُرِدِ اللهَ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهُهُ فِي الدِّينِ»(7) وهذا وإن كان عامًا كما تقدم إلا أن علم الفقه الاصطلاحي يدخل في ذلك، والإنسان كلما ازداد فقهًا كلما ازدادت خيريته عند الله -عز وجل-، وكلما نقص فقهه كلما نقصت خيريته عند الله -عز وجل-؛ لأنه لا يخلو المسلم من شيء من الفقه حتى العامي عنده شيء من الفقه بأحكام الشريعة لكن علمه بالفقه قليل، فعنده خيرية تناسب هذا الفقه، طالب العلم عنده من الفقه أكثر مما عند العامي فيكون عنده من الخيرية أكثر مما عند العامي، العالم الراسخ في العلم يكون قد بلغ من الفقه مبلغًا عظيمًا فيكون عنده من الخيرية ما يُناسب ذلك.

جاء عن مجاهد -رحمه الله- في قول الله -عز وجل: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ(8)  قال: فقهاء، علماء، حكماء.

وقال البغوي في "شرح السُنة": وقيل الربانيون العلماء بالحلال والحرام.

والنبي -صلى الله عليه وسلم- بين مزية زيد بن ثابت -رضي الله عنه- في ماذا؟ بعلم الحلال والحرام، أو معاذ بن جبل، نعم بين مزية معاذ -رضي الله عنه- بأنه أعلم الصحابة بالحلال والحرام في الحديث الذي رواه الترمذي وصححه الحافظ ابن حجر -رحمه الله-.

قال الزهري -رحمه الله: ما عُبد الله بمثل الفقه. وقال الشافعي -رحمه الله: من تعلم القرآن عظمت قيمته، ومن نظر في الفقه نبل مقداره، ومن تعلم اللغة رق طبعه، ومن نظر في الحساب تجزل رأيه، ومن كتب الحديث قويت حجته، ومن لم يصن نفسه لم ينفعه علمه.

وقال الأعمش وهو من علماء الحديث لأبي حنيفة -رحمهما الله- عندما سأله عن مسائل في الفقه فأجابه أبو حنيفة فقال الأعمش: يا معشر الفقهاء أنتم الأطباء ونحن الصيادلة. ما معنى هذا الكلام؟ الصيدلي يصنع الدواء لكن لا يُحسن أن يقول هذا المرض يُناسبه هذا الدواء، لكن الفقيه مثل الطبيب يقول هذا المريض يناسبه الدواء الفلاني، فالمحدث يُعطي الفقيه إذا كان هذا الفقيه غير محدث يُعطيه الحديث الصحيح فيأتي هذا الفقيه ويُنزل عليه الأحكام والنوازل التي تمر به.

الآثار في فضل الفقه وفضل الفقهاء كثيرة جدًا يمكن أن يُراجع فيها كتاب "الفقيه والمتفقه" للخطيب البغدادي -رحمه الله-.

مما يؤكد أهمية الفقه والعناية به ظهور كثير من النوازل في هذا العصر؛

 نوازل في الطب، ونوازل في الاقتصاد، ونوازل في السياسة وغير ذلك، ولهذا تجد أن أكثر الأسئلة التي تُعرض على المفتين في علم الفقه، وهذا يُبين لك مسيس الحاجة، نعم علم الاعتقاد أهم لكن من جهة كثرة الأسئلة وكثرة ما يحتاجه الناس فإننا نجد أن فتاوى العلماء في الفقه كثيرة جدًا.

العنصر الثالث: حكم تعلم الفقه.

الفقه إما أن يكون واجبًا عينًا يعني تعلم هذا العلم، وإما أن يكون واجبًا كفائيًا، أما الواجب العيني في تعلم الفقه فهذا يجب على كل مكلف أن يتعلم من الفقه ما لا يتأدى الواجب الذي عليه إلا به، مثل صفة الوضوء، صفة الصلاة، إذا كان عنده مال يجب عليه أن يتعلم كيف يزكي هذا المال، إذا كان من التجار الذي يبيع ويشتري يجب عليه أن يتعلم ما يتعلق بالبيع والشراء والبيوع الفاسدة ونحو ذلك، فهذا واجب عيني لا يجوز له ألا يتفقه في هذه المسائل.

روى الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" بسنده إلى عبد الله بن الإمام أحمد -رحمه الله- أنه قال: سألت أبي عن الرجل يجب عليه طلب العلم فقال: أما ما يُقيم به الصلاة وأمر دينه من الصوم والزكاة وذكر شرائع الإسلام قال: ينبغي له أن يعلم ذلك.

أما فرض الكفاية فهو ما سوى ما تقدم من فرض العين، مثل أحكام المواريث، أحكام الأقضية، دقائق المسائل في الفقه التي لا يحتاج إليها عامة الناس، فهذه تعلمها فرض كفاية إذا قام به من يكفي من أهل العلم سقط الإثم عن الباقين وأصبح في حق البقية نفلًا، وإذا لم يقم به من يكفي فإنه يأثم الجميع.

العنصر الرابع: نشأة علم الفقه.

الدارسون لتاريخ الفقه يقسمون الفقه إلى ست مراحل؛ المرحلة الأولى مرحلة العصر النبوي وهي مرحلة النشأة والتكوين للفقه الإسلام، وتبدأ هذه المرحلة من بعثة النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى وفاته في السنة الحادية عشر من الهجرة، كانت سلطة التشريع في هذا العصر للنبي -صلى الله عليه وسلم-، ومصادر التشريع هي الكتاب والسُنة، وكان الصحابة -رضي الله عنهم- يجمعون بين العلم والعمل، وكان الفقه في هذا العصر واقعيًا، ما معنى واقعيًا؟ يعني أنه إذا نزلت المسائل جاء الحكم الشرعي، وليست المسائل افتراضية كما سيأتي في بعض العصور، يعني أن يتكلم في مسألة مفترضة لم تقع بعد، فالفقه في هذا العصر النبوي كان فقهًا واقعيًا حيث تنزل الأحكام بحسب الوقائع والحوادث، وكانت الأحكام تنزل في هذا العصر بالتدريج، وكان اجتهاد الصحابة -رضي الله عنهم- قليلًا؛ لأنهم لا يحتاجون إلى اجتهاد، إذا أشكل عليهم أمر رجعوا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فأفتاهم، إلا أنه قد توجد منهم بعض الاجتهادات القليلة مثل قصة عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- عندما كان في سرية فأجنب في ليلة باردة، فاجتهد وصلى بالتيمم فأقره النبي -صلى الله عليه وسلم-.

المرحلة الثانية: مرحلة عصر الصحابة -رضي الله عنهم- وهذه المرحلة من وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم- في السنة الحادية عشر إلى سنة إحدى وأربعين، قام الصحابة -رضي الله عنهم- في هذا العصر بجمع القرآن الكريم في عهد أبي بكر -رضي الله عنه-؛ حيث جمعوه من الرقاع وصدور الرجال خشية ضياعه بذهاب حفاظه، وهذا له علاقة بالفقه من جهة أن القرآن هو المصدر الأول والدليل الأول عند الفقهاء، ثم جُمع القرآن في مصحف واحد في عهد عثمان -رضي الله عنه- لما بلغه اختلاف القراء فيه؛ درءًا للفتنة.

قاموا أيضًا -رضي الله عنهم- في هذا العصر بحفظ سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- وذلك بالتحذير من كثرة الرواية للحديث؛ خشية الكذب والتدليس فيه، كما كانوا يتوثقون في الرواية، يعني من ذلك قصة أبي بكر -رضي الله عنه- لما سُئل عن ميراث الجدة، فقال: لا أعلم لك في كتاب الله شيئًا ولكن سأسأل الناس. فسأل الناس فقام المغيرة بن شعبة -رضي الله عنه- فقال: حضرت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أعطاها السدس. فقال أبو بكر -رضي الله عنه: هل معك غيرك؟ فقام محمد بن مسلمة -رضي الله عنه- فقال مثلما قال المغيرة -رضي الله عنه-، فأنفذه لها أبو بكر -رضي الله عنه-.

كان الفقه في هذا العصر كما كان في العصر النبوي فقهًا واقعيًا وليس افتراضيًا، إذا وقعت النازلة اجتهد فيها الصحابة -رضي الله عنهم-، في هذا العصر ظهر دليل لم يكن موجودًا في زمان النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو دليل الإجماع، فكان الصحابة -رضي الله عنهم- إذا أشكل عليهم أمر فإنهم يجتمعون ويتشاورون فيه ثم يصدرون عن رأي واحد، إما أن يكون هذا الإجماع إجماعًا صريحًا وإما أن يكون فتوى أو رأي لبعضهم لكنه ينتشر ولا يُعرف له مخالف فيكون إجماعًا سكوتيًا.

في هذا العصر أيضًا ظهر دليل القياس؛ لاجتهاد الصحابة -رضي الله عنهم- في بعض المسائل.

المرحلة الثالثة: عصر التابعين -رحمهم الله- ويبدأ هذا العصر من سنة إحدى وأربعين إلى سنة مائة واثنتين وثلاثين للهجرة، هذا العصر وإن كان فيه بعض الصحابة -رضي الله عنهم- إلا أن الغالب فيه من العلماء هم التابعون، فكبار الصحابة -رضي الله عنهم- قد ماتوا ولم يبق إلا قليل من الصحابة، فالكثرة الكاثرة في هذا العصر إنما هي للتابعين.

سلك التابعون -رحمهم الله- مسلك الصحابة في التعرف على الأحكام، فكانوا يرجعون إلى الكتاب وإلى السُنة فيما يواجههم من النوازل، فإن لم يجدوا اجتهدوا في ذلك، أو قبل ذلك يرجعون إلى اجتهاد الصحابة -رضي الله عنهم- فإن لم يجدوا قولًا للصحابة في ذلك اجتهدوا رأيهم.

أصبح الفقه في هذا العصر متميز عن العلوم الأخرى، عرفنا قبل قليل في تعريف الفقه أن الفقه في أول الأمر كان يشمل جميع الأحكام الشرعية، في هذا العصر عصر التابعين بدأ يتميز الفقه وأصبح هو الفقه المصطلح عليه وهو العلم بالأحكام الشرعية العملية.

في هذا العصر عصر التابعين ظهرت مدرستان فقهيتان كبيرتان:

المدرسة الأولى: مدرسة أهل المدينة أو مدرسة أهل الحديث، ومقرها في المدينة النبوية وهي مهد السُنة ومأوى الفقهاء، أشهر علماء هذه المدرسة هم الفقهاء السبعة كما قال بعضهم:

إذا قيل من في العلم سبعة أبحر *** روايتهم عن العلم ليست خارجة

فقل هم عبيد الله عروة قاسم *** سعيد أبو بكر سليمان خارجة

فهؤلاء السبعة هم عبيد الله بن عبد الله بن عتبة المتوفى سنة ثمان وتسعين، وعروة بن الزبير بن العوام المتوفى سنة ثلاث وتسعين، والقاسم بن محمد المتوفى سنة مائة وسبعة، وسعيد بن المسيب المتوفى سنة أربع وتسعين، وأبو بكر بن عبد الرحمن المخزومي المتوفى سنة تسع وتسعين، وسليمان بن يسار المتوفى سنة مائة وسبعة، وخارجة بن زيد المتوفى سنة تسع وتسعين.

انتهت الرئاسة في هذه المدرسة إلى الإمام مالك -رحمه الله-، وبعد وفاته برزت بغداد بما فيها من علماء الحديث بهذا الأمر؛ كالإمام أحمد وأبو عبيد ونحوهما من علماء الحديث، ثم انتشرت هذه المدرسة في علماء الأمصار.

سُمي أهل الحديث بهذا الاسم لعنايتهم بحديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبناء الأحكام على النصوص، ولا يعملون بالقياس إذا وجدوا الحديث أو الأثر، ويكرهون الخوض بالرأي، ويهابون الفتيا والاستنباط إلا لضرورة.

كان لعلماء هذه المدرسة فضل السبق إلى تدوين السُنة وتمييزها ووضع القواعد في ذلك، وأما أصولهم فهي الكتاب والسُنة ثم آثار الصحابة والتابعين -رضي الله عنهم- ثم بعد ذلك الرأي.

المدرسة الثانية: مدرسة الكوفة، وهي مدرسة أهل الرأي، وهم الذين أكثروا من استعمال الرأي والقياس في بيان الأحكام، لكن ينبغي أن تنتبه أنه ليس المراد أنهم لم يكونوا يعتمدون على الكتاب والسُنة، بل إنهما يرجعون إليهما، وإنما غلب عليهم الرأي في كثير من المسائل مقارنةً بغيرهم من علماء الحديث.

أهل الرأي هم أصحاب أبي حنيفة -رحمهم الله-، ومنهم تلاميذه أبو يوسف ومحمد بن الحسن وغيرهم ممن نهج هذا المنهج.

لم تعتن هذه المدرسة بالنصوص عناية أهل الحديث بها؛ وذلك لأن الحديث كان قليلًا في العراق آنذاك، والسبب هو ظهور الفرق الخارجة عن السُنة وكثرة الكذب في حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فكان الحديث الصحيح الثابت قليل عند هؤلاء الفقهاء، فلهذا اضطروا واحتاجوا إلى أن يلجأوا إلى القياس والعمل بالرأي في بعض المسائل.

لكن مما يؤخذ عليهم التوسع في المسائل الفرضية التي لم تقع، وأيضًا توسعهم في مسألة الرأي فهذا مما يُعاب عليهم.

المرحلة الرابعة: عصر التدوين والأئمة المجتهدين، وهذا العصر يبدأ من سنة مائة واثنتين وثلاثين إلى سنة ثلاثمائة وخمسين للهجرة، ويعد هذا العصر هو عصر النضوج والكمال في الفقه الإسلامي؛ حيث بدأ فيه تدوين السُنة وظهرت المذاهب الفقهية المعروفة، ونشطت حركة التأليف في الفقه، وكان التأليف في الفقه مختلطًا بالسُنة وآثار الصحابة -رضي الله عنهم- كما في موطأ الإمام مالك -رحمه الله-؛ فإنه يذكر الأحاديث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ويذكر آثار الصحابة ويذكر أيضًا اختياراته الفقهية.

لكن وجد في هذا العصر الفقه المجرد من الدليل، من الأمثلة على ذلك كتاب "الخراج" لأبي يوسف تلميذ أبي حنيفة المتوفى سنة مائة واثنتين وثمانين للهجرة، أيضًا كتب محمد بن الحسن وهو أيضًا من تلاميذ أبي حنيفة المتوفى سنة مائة وتسعة وثمانين، من هذه الكتب "الأصول الستة" لمحمد بن الحسن يأتي إن شاء الله -تبارك وتعالى- الكلام عليها.

ظهرت في هذا العصر مدرسة أهل الظاهر الذين عرفوا بالظاهرية وهذه المدرسة تُقابل مدرسة أهل الرأي، فأهل الظاهر قد غلو في رفض الرأي ورده، وهناك كما قلنا قبل قليل صار عندهم توسع في مسألة الرأي، تُنسب هذه المدرسة إلى داود بن علي الأصبهاني المتوفى سنة مائتين وسبعين للهجرة، وكان شافعي المذهب من أهل الحديث، ثم اختط لنفسه طريقة تخالف غيره من الفقهاء اعتمد فيها على ظاهر النص والإجماع ونفى الأصول الأخرى كالقياس والمصالح المرسلة والاستحسان وحتى قول الصحابي.

والسبب في نفيه للقياس دعواه أن الأحكام غير معللة، وهذا قد شُنع به على الظاهرية لأن كثيرًا من المسائل والنوازل لا يوجد لها نص صريح لا في الكتاب ولا في السُنة بل ولا في آثار الصحابة والتابعين، ومن المعلوم أن الشريعة صالحة لكل زمان ومكان.

ومما يُرد به على الظاهرية يعني من مثل قول النبي -صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ فَإِنَّهَا رِجْسٌ أَوْ نَجَسٌ»(9) هنا نص على العلة قال: «فَإِنَّهَا رِجْسٌ»، يعني لما ذكر العلة فهذا بمنزلة أن يقول ينهيانكم عن كل رجس، لكن الظاهرية لا يُسلمون بهذا، ولهذا شُنع عليهم بل إن بعض أهل العلم يقول لا يُعتد بخلاف الظاهرية وهذه مسألة محل بحث.

المرحلة الخامسة: عصر التقليد والجمود، وهذا يبدأ من سنة ثلاثمائة وخمسين للهجرة وينتهي بسنة ألف ومائتين وخمسين، انتشر في هذا العصر التقليد للأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتبوعة، وأصبحت أقوالهم بمنزلة النصوص، وبَعُدَ الأخذ عن الوحيين، وأصبح الاجتهاد مقيدًا بالمذهب، وتُنسيّ الاجتهاد المطلق، واقتصر كثير من مقلدي المذهب على النظر في كتب المتأخرين من الفقهاء وتركوا أقوال إمام المذهب، يعني ليس الاقتصار على أقوال الإمام بل أصبحوا يقتصرون على أقوال المتأخرين في المذهب، حتى أقوال الإمام يعني مثل الإمام أحمد أو الشافعي أو غيره من الأئمة ما كانوا يرجعون إليهم.

وظهر في هذا العصر التعصب للمذاهب حتى إن بعض أتباع المذاهب يطعن بعضهم في بعض، ولا مانع أن أذكر بعض الأمثلة من الأمور التي تُستغرب، قال بعض الحنفية يعني هو حنفي وينقل ما يستنكره على بعض الحنفية يقول: اشتهر عند بعض الحنفية أن الحنفي إذا انتقل إلى مذهب الشافعي فإنه يُعذر، وإذا كان العكس يعني انتقل من مذهب الشافعي إلى مذهب الحنفية فإنه يُخلع عليه يعني يُعطى عطية.

أيضًا كان بعض الأحناف لا يُصحح نكاح الحنفي من الشافعية، ويرى بعض الحنفية أن صلاة الحنفي خلف إمام شافعي لا تصح؛ قال لرفعه يديه عند الركوع والرفع منه، وهذا عمل كثير عند الحنفية تبطل به الصلاة عندهم، العجيب الآن أنه أصبح يُبطل الصلاة صلاة الشافعي يعني من هو على مذهب الشافعي مع أن الصواب مع الشافعي والسُنة دلت على هذا، لكن هذا كله بسبب التعصب والتعظيم الذي لا يرضاه الأئمة فإن كل إمام من الأئمة الأربعة يقول: إذا صح الحديث فهو مذهبي. وقال: إذا صح الحديث فاضربوا بقولي عرض الحائط.

لكن هذا العصر مع ظهور التقليد فيه والتعصب إلا أنه لم يخلو من أئمة من أهل الاجتهاد الذين يعتنون بالنصوص الشرعية ويقدمونها على كلام الأئمة مثل شيخ الإسلام ابن تيمية والعلامة ابن القيم والحافظ ابن حجر وغير هؤلاء من العلماء.

اعتنى العلماء في هذا العصر بتدوين الفقه المقارن، مثل كتاب "المغني" لابن قدامة -رحمه الله-، كتاب "المجموع" للنووي، و"المحلى" لابن حزم، وغير هذه الكتب التي تُعنى باختلاف الفقهاء.

المرحلة السادسة والأخيرة: وهي العصر الحاضر، تبدأ هذه المرحلة من سنة مائة وخمسين للهجرة إلى عصرنا هذا، ففي منتصف القرن الثالث عشر الهجري ظهرت بداية لتنحية الشريعة الإسلامية عن الحكم وهذا في بعض البلاد وإن كان في بعض البلاد الحكم باقي بالشريعة؛ لأن الخلافة العثمانية لا تزال باقية.

استبدل الحكم بالشريعة في بعض البلاد بالقوانين الوضعية، طُبعت في هذا العصر يعني في أوله أمهات الكتب الفقهية وكانت الكتب قبل ذلك مخطوطة، ولاشك أن طباعة الكتب مما يجعل علم الفقه بل وعلوم الشريعة تزدهر وتنتشر، نشطت حركة التأليف في هذا العصر في الفقه المبني على الدليل، وأُنشأت المعاهد والجامعات لتدريس علوم الشريعة، وظهرت الموسوعات الفقهية مثل "الموسوعة الفقهية الكويتية" وهي فيما أعلم الموسوعة الوحيدة التي اكتملت، بدأوا في العمل فيها من سنة ألف وثلاثمائة وستة وثمانين، واكتملت قبل سنوات، وهي من الموسوعات المهمة، المراد بهذه الموسوعة ترتيب مبسط لمسائل الفقه على حروف المعجم ويُشار فيها إلى أقوال علماء المذهب، فهذه الموسوعة تُفيدك في جمع النظائر في الموضوع المعين، ممكن أن يُستفاد منها في البحث، يمكن يستفاد منها في أخذ معلومات عامة، لكن لا يمكن ولا يصح في البحث العلمي أنك تعزو إلى الموسوعة الفقهية في مسائل تكلم عليها الفقهاء المتقدمون، نعم لو تكلموا عن مسائل نازلة ممكن أن تعزو إليها، وهذه قاعدة في البحث العلمي مادامت المسألة موجودة عند الفقهاء المتقدمين فلا تأخذ عن المتأخرين، يعني كائنًا من كان هذا المتأخر؛ لأن المتقدم أولى من المتأخر، والمتأخر إنما ينقل عن المتقدم.

ظهرت أيضًا في هذا العصر المجامع الفقهية، منها مجمع البحوث الإسلامية بالقاهرة، مجمع الفقهي الإسلامي الدولي بجدة، والمجمع الفقهي الإسلامي بمكة، وهيئة كبار العلماء بالسعودية وغيرها من المجامع الفقهية المعتبرة، ولاشك أن هذه المجامع قراراتها لها قوتها فينبغي لطالب العلم أن يعتني بها، وبخاصة أنها تُصدر القرارات يعني في الغالب في مسائل نازلة.

قرارات مجمع جدة طُبعت مفردة، ومنها نسخة إلكترونية أيضًا إلى عام ثلاثين، أما مجمع مكة فأيضًا طُبعت قراراته مفردة إلى عام أظن ثلاث وعشرين أو أربع وعشرين، لكن هذه المجامع إما كل سنة أو كل سنتين ينعقد لهم يعني يكون لهم اجتماع وتُعرض عليهم المسائل المشكلة، فينبغي لطالب العلم أن يعتني بهذه القرارات، هذه القرارات لا تصدر إلا بعد تقديم بحوث في هذه المسائل، ويتم التداول فيها بين جمع من علماء الشريعة من فقهاء البلاد الإسلامية ثم يصدر عنهم قرار في ذلك.

في هذا العصر ظهر ما يُسمى بالتقنين، والمراد بالتقنين صياغة الفقه الإسلامي في صيغة مواد على مذهب من المذاهب، أو يكون على القول الراجح من أقوال الفقهاء، وإلزام الفقهاء بالعمل به، يعني لابد من هذا القيد التقنين يصيغ الفقه الإسلامي على صورة مواد ثم يُلزم القضاة بالعمل بهذه المواد.

كان أول مدونة تم الإلزام بالعمل بها من قبل الدولة العثمانية في "مجلة الأحكام العدلية على المذهب الحنفي"، إلا أن هذه المدونة لما سقطت الخلافة العثمانية سنة ألف وثلاثمائة واثنتين وأربعين انتهى أو توقف العمل بها.

فيما يخص مذهب الحنابلة قام الشيخ أحمد القاري -رحمه الله- بعمل مدونة في الفقه الحنبلي سماها "مجلة الأحكام الشرعية على مذهب الإمام أحمد" انتقاها على القول الراجح في مذهب الحنابلة، ولا يعدو أن يكون التقنين تأليفًا بصياغة جديدة سهلة العبارة، إلا أن الإلزام بهذه المدونات الفقهية هو محل الخلاف بين الفقهاء المعاصرين؛ فمنهم من أجازه ومنهم من منعه، يعني مجرد التدوين نأتي إلى كتاب من كتب الفقه في مذهب معين ونصيغ المسائل الفقهية على صورة مواد هذا مجرد تأليف لا إشكال فيه، لكن أن يُلزم القضاة بأن يعملوا بهذا التدوين هذا هو محل الخلاف بين الفقهاء المعاصرين.

هذه المسألة عُرضت على هيئة كبار العلماء قبل أكثر من ثلاثين سنة وقرروا بالأكثرية عدم الجواز، لكن ستة من هيئة كبار العلماء كانت لهم وجهة نظر مخالفة، فبعضهم يرى الجواز باعتبارات وبعضهم يرى الجواز ببعض القيود، من أراد التوسع في هذه المسألة يرجع إلى بحث هيئة كبار العلماء في المجلد الثالث من أبحاث هيئة كبار العلماء، كذلك ما كتبه العلامة بكر أبو زيد -رحمه الله- في "فقه النوازل" وهناك رسالة علمية بعنوان "المتون الفقهية وصلتها بتقنين الفقه".

العنصر الخامس: التعريف بالمذاهب الفقهية الأربعة.

أولًا: المذهب الحنفي.

إمام المذهب هو أبو حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي مولى بني تيم الله بن ثعلبة، فقيه العراق وأول الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتبوعة، ولد -رحمه الله- بالكوفة سنة ثمانين للهجرة في حياة صغار الصحابة، لكنهم لم يثبت له رواية عن واحد من الصحابة -رضي الله عنهم-، توفي -رحمه الله- في سنة مائة وخمسين للهجرة.

أشهر تلاميذه القاضي أبو يوسف، يعقوب بن إبراهيم الأنصاري الكوفي المتوفى سنة مائة واثنتين وثمانين، وهو الذي تولى رئاسة القضاء في الدولة العباسية يعني مثلما نقول عندنا رئيس المجلس الأعلى للقضاء، وكان هو الذي يولي القضاة، فكان لا يولي إلا من كان على مذهب الحنفية، يعني نقول هذا إحسانًا للظن بالعلماء أنه كان يرى أن هذا هو الصواب وهذا الذي يدين الله -عز وجل- به، لكن كان لتوليه هذا المنصب أثر في انتشار مذهب الحنفية.

من تلاميذ أبي حنيفة محمد بن الحسن الشيباني المتوفى سنة مائة وتسعة وثمانين، تتلمذ في أول أمره على الإمام مالك ثم تفقه على أبي حنيفة، وهو الذي دون فقه أبي حنيفة في كتبه الستة الآتي الكلام عليها إن شاء الله.

من تلاميذه أيضًا ظفر بن هديل والحسن بن زياد اللؤلؤي وغيرهم.

أشهر مؤلفات الحنفية المعتمدة وأنا أعتذر من الإخوة أنني أُسرع في طرح المعلومات لأن الزمان أو الوقت قصير والمعلومات كثيرة والحقيقة أن المدخل لعلم الفقه يحتاج إلى محاضرات، لكن سوف أجمع ما أستطيع مما يفيد طالب علم الفقه في هذه المحاضرة.

أشهر مؤلفات الحنفية المعتمدة كتب ظاهر الرواية وهي التي تُعرف بـ "الأصول الستة" لمحمد بن الحسن -رحمه الله-، وهي "الجامع الكبير" و"الجامع الصغير" و"السير الكبير" و"السير الصغير" و"الزيادات" و"المبسوط" أو "الأصل"، هذه الكتب الستة جمعها الحاكم الشهيد محمد البلخي المتوفى سنة ثلاثمائة وأربعة وأربعين في كتاب "الكافي"، هذا الكتاب شرحه شمس الأئمة السرخسي في كتابه المشهور وهو كتاب "المبسوط" المعروف عند الحنفية، السرخسي متوفى سنة أربعمائة وتسعين، أنا سأذكر الوفيات حتى تعرف المتقدم من المتأخر وحتى تعرف من الذي يعول على النقل العام قبل غيره.

من الكتب المشهورة عند الحنفية "مختصر الطحاويلأبي جعفر الطحاوي العالم المعروف صاحب "العقيدة الطحاوية" المشهورة، المتوفى سنة ثلاثمائة وإحدى وعشرين.

أيضًا "مختصر القدوريلأحمد القدوري المتوفى سنة أربعمائة وثمانية وعشرين، ويُطلق عليه عند الحنفية الكتاب، إذا أطلقوا الكتاب فيريدون "مختصر القدوري"، شرحه الميداني وهو المتأخرين في كتاب "اللباب".

"بدائع الصنائع" للكاساني المتوفى سنة خمسمائة وسبعة وثمانين، وهو شرح لـ "تحفة الفقهاء" للسمرقندي المتوفى سنة خمسمائة واثنتين وخمسين.

أيضًا "تبيين الحقائق شر ح كنز الدقائق" للزيلعي المتوفى سنة سبعمائة وثلاثة وأربعين، "كنز الدقائق" هذا متن في الفقه الحنفي لأبي البركات النسفي المتوفى سنة سبعمائة وعشرة.

"فتح القدير" للكمال بن الهمام وهذا من الكتب العظيمة والمهمة المتوفى سنة ثمانمائة وإحدى وستين وهو شرح لـ "الهداية"، "الهداية" متن مشهور عند الحنفية له أكثر من شرح، من شروحه المعتمدة "فتح القدير"، و"الهداية" للمرغناني المتوفى سنة خمسمائة وثلاثة وتسعين.

أُنبه هنا أن "فتح القدير" لم يُكمله ابن الهمام -رحمه الله- فتنتبه في العزو إذا كان في آخر الكتاب فتنتبه إلى أنه ليس من كلام ابن الهمام، وهذه المسألة يعني لعلي أستبق "المجموع" للنووي -رحمه الله- من المعلوم أنه لم يُتمه النووي، بلغ فيه إلى أبواب الربا، ثم جاء تقي الدين السبكي -رحمه الله- فألف ثلاثة مجلدات فقط ثم مات ولم يكمل، جاء بعده المطيعي المتوفى سنة ألف وأربعمائة وستة وهو يعني معاصر وأكمل الكتاب، وأكمله غيره لكن المشهور هي تكملة المطيعي.

فأنت إذا أردت أن تعزو ما يليق ولا يصح أن تقول في كتاب "المجموع" مثلًا في الجنايات تقول قال النووي في "المجموع"، هذا خطأ فادح؛ وإنما تنظر إلى ما وقف إليه النووي لأجل أن تعزو كلام النووي، وما أكمله السبكي فتعزو إلى السبكي وما أكمل المطيعي فتعزو إلى المطيعي، كذلك يقال في "فتح القدير" لابن الهمام.

من الأخطاء أن بعض من طبع الكتاب كتب على الغلاف شرح فتح القدير وهذا خطأ؛ وإنما اسم الكتاب "فتح القدير"، ومثل ذلك أيضًا كتاب معجم مقاييس اللغة لابن فارس اللغوي المعروف ليس هذا هو اسم الكتاب؛ اسم الكتاب "المقاييس في اللغة"، وأنت إذا أردت أن تعرف ذلك اقرأ مقدمة المؤلف فالغالب أن المؤلف يُبين اسم الكتاب.

من الكتب المعتمدة أيضًا عند الحنفية "البحر الرائق" لزين الدين بن نجيم المتوفى سنة تسعمائة وسبعين، أيضًا "رد المحتار على الدر المختار" لابن عابدين الحنفي المتوفى سنة ألف ومائتين واثنتين وخمسين للهجرة، فالكتب المتأخرة تُفيدك أنك قد تجد فيها بعض النوازل، يعني ابن عابدين تكلم عن التأمين وهو من النوازل الموجودة الآن وإن كان هناك من سبقه، لكن القصد أنك إذا عرفت أنه متأخر تستفيد في النظر في كتابه والبحث عن النوازل.

تكملة "المجموع" للمطيعي ذكر أيضًا بعض النوازل بل إنه أفاض في موضوع التأمين أظن فيما يُقارب المائة صفحة فهذا مما يفيد طالب العلم.

ننتقل بعد ذلك إلى المذهب المالكي، إمام المذهب هو الإمام مالك بن أنس الأصبحي إمام دار الهجرة، ولد في المدينة سنة ثلاث وتسعين، وتوفي بها سنة تسع وسبعين ومائة، من أهم كتبه "الموطأ"، وكما تقدم أنه جمع فيه بين أحاديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وآثار الصحابة والتابعين -رضي الله عنهم- وضمنه اختياراته الفقهية.

حظي "الموطأ" بعناية العلماء بعده، فمن أعظم شروحه "التمهيد" لابن عبد البر، وكذا "الاستذكار" لابن عبد البر -رحمه الله-، وهو متوفى سنة أربعمائة وثلاثة وستين للهجرة، لكن ما الفرق بين "التمهيد" و"الاستذكار"؟

"التمهيد" رتبه على شيوخ الإمام مالك وهو مرتب على حروف المعجم، وأما "الاستذكار" فإنه في الحقيقة مختصر لـ "التمهيد" كما بين هو ذلك في المقدمة، ورتبه على أبواب الفقه.

من أشهر تلاميذ الإمام مالك -رحمه الله- عبد الرحمن بن القاسم المصري، المتوفى سنة مائة وإحدى وتسعين، لازم الإمام مالك عشرين سنة، وهو صاحب المدونة المشهورة عند المالكية، رواها عن الإمام مالك ثم رواها عنه سحنون السنوخي المتوفى سنة مائتين وأربعين للهجرة.

من تلاميذ الإمام مالك أيضًا أشهب بن عبد العزيز المصري، المتوفى سنة مائتين وأربعة للهجرة، أيضًا أسد بن الفرات المغربي، المتوفى سنة مائتين وثلاثة عشرة، عبد الملك الماجشون المدني المتوفى سنة مائتين واثنتا عشرة، وكذلك من تلاميذه الإمام الشافعي -رحمه الله- وغيرهم كثير.

أشهر كتب المالكية المعتمدة: تقدم قبل قليل الكلام على "الموطأ" و"التمهيد" و"الاستذكار"، أيضًا "المدونة" تقدم الكلام عليها، من كتبهم المعتمدة رسالة ابن أبي زيد القيرواني المتوفى سنة ثلاثمائة وستة وثمانين للهجرة، وكتابه هذا قد يُشكل على البعض أنه كتاب في العقيدة، فبعض الفقهاء يبتدأ كتابه بذكر الاعتقاد ثم ينتقل بعد ذلك إلى الفقه، فرسالة ابن أبي زيد القيرواني أولها عن الاعتقاد ثم بعد ذلك تكلم على الفقه، له أيضًا "النوادر والزيادات على ما في المدونة من غيرها من الأمهات".

أيضًا كتب القاضي عبد الوهاب المالكي المتوفى سنة أربعمائة واثنتين وعشرين؛ كتاب "التلقين" وكتاب "المعونة" و"الإشراف على مسائل الخلاف".

كلها كتب معتمدة عند المالكية.

"بداية المجتهد" لابن رشد الحفيد المتوفى سنة خمسمائة وخمسة وتسعين، ومن مميزات هذا الكتاب أنه يعتني بذكر أسباب الخلاف عند الفقهاء، هذه ميزة معتبرة في هذا الكتاب.

من الكتب المعتمدة مختصر خليل بن إسحاق الجندي المتوفى سنة سبعمائة وستة وسبعين، وهذا المختصر اعتنى به المالكية عناية كبيرة جدًا وكثرت شروحه، من شروحه "مواهب الجليل" للحطاب المتوفى سنة تسعمائة وأربعة وخمسين، كذلك "الشرح الكبير" للدردير، متوفى ألف ومائتين وواحد، لاحظ أنه متأخر لكن ميزة هذا الكتاب كتاب "الشرح الكبير" للدردير أنه ذكر في مقدمة شرحه أنه اقتصر فيه على المعتمد من أقوال أهل المذهب، وأنه متى اقتصر فيه على قول كان هو الراجح في المذهب الذي عليه الفتوى عندهم.

هذه مسائل يا إخوان مهمة، وفوائد والله يُعض عليها بالنواجذ، يعرفها من يبحث في الفقه، لأنك أحيانا تجد أقوال مختلفة في المذهب الواحد، كيف تعلم المذهب وما هو المُفتَى عليه عندهم، أنت الآن تريد أن تُحرر أقوال العلماء في هذه المسألة وأقوال المذاهب، فمثل هذه الكتب مهمة جدًا، فتجد أن كتاب "الشرح الكبير" للدريدر -رحمه الله- إذا وجدته قد نصّ على قول فهو الراجح في مذهب المالكية.

على هذا الكتاب "الشرح الكبير" حاشية أيضًا معتمدة ومهمة لمحمد بن عرفة الدسوقي المتوفى سنة ألف ومائتين وثلاثين للهجرة.

ننتقل إلى مذهب الشافعي، إمام المذهب محمد بن إدريس الشافعي القرشي المولود بغزة سنة مائة وخمسين للهجرة سنة وفاة أبي حنيفة، ثم انتقل إلى مكة وعمره سنتان، وارتحل في البلاد في طلب العلم، وأخذ عن الإمام مالك في المدينة، واستقر في آخر عمره بمصر وبها توفي سنة مائتين وأربع للهجرة، كم عمره؟ أربع وخمسون سنة، عمر قصير إذا قورن بغيره من العلماء، ولهذا ذكر بعض العلماء قولًا جميلًا، قال: إن الله -عز وجل- قد عجل للشافعي عقله؛ لقصر عمره، فألف هذه المؤلفات النافعة التي أصبحت مذهبًا للشافعية بعده.

من أهم كتبه كتاب "الرسالة" وهو أول كتاب في أصول علم الفقه، أيضًا كتاب "الأم" في الفقه وهو كتاب جليل.

من أشهر تلاميذه الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله-، كذلك أيضًا أبو يعقوب البويطي المتوفى سنة مائتين وإحدى وثلاثين للهجرة، وهو من كبار تلاميذ الشافعي، له مختصر مشهور اسمه مختصر البويطي، هذا البويطي -رحمه الله- مات في السجن ببغداد محبوسًا في فتنة القول بخلق القرآن، وهو من القلائل الذين ثبتوا كما ثبت الإمام أحمد -رحمه الله-.

أيضًا أبو إبراهيم إسماعيل المزني المتوفى سنة مائتين وأربع وستين للهجرة، له مختصر اسمه مختصر المزني، هذا المختصر بلغ من شهرته أن البكر يُجعل في جهازها نسخة من مختصر المزني، قارن بما يُجعل في جهاز نسائنا اليوم.

الربيع بن سليمان المرادي المتوفى سنة مائتين وسبعين للهجرة، وهذا هو راوي كتب الشافعي "الرسالة" و"الأم" وغيرها.

أشهر كتب الشافعية المعتمدة كما تقدم كتاب "الأم" وهذا يمثل جماع مذهب الشافعي، معروف أن الإمام الشافعي -رحمه الله- له قول قديم وله قول جديد، القول القديم في العراق والقول الجديد في مصر، فالمعتمد على قوله الجديد، حتى إنه كان يقول: لا أجعل في حل من نقل عني القول القديم. بل إن أقواله القديمة كما يقول علماء المذهب الشافعي أنها اندثرت ولم يعتن بها علماء الشافعية إلا مسائل يسيرة جدًا، ولهذا كتاب "الأم" ألفه في مصر وتضمن أقواله الجديدة، هذا الكتاب أملاه على تلميذه الربيع بن سليمان المرادي.

أيضًا من الكتب المعتمدة عند الشافعية مختصر البويطي كما تقدم، أيضًا مختصر المزني، هذا المختصر مختصر المزني شرحه الماوردي في كتابه المعروف "الحاوي الكبير"، والماوردي متوفى سنة أربعمائة وخمسين للهجرة.

أيضًا من الكتب المعتمدة عند الشافعية كتاب "الإشراف على مذاهب أهل العلم" للإمام الجليل ابن المنذر، المتوفى سنة ثلاثمائة وثمانية عشر للهجرة، وكذا كتاب "الإقناع" له.

"المهذب" للشيرازي المتوفى سنة أربعمائة وستة وسبعين، وهذا الكتاب شرحه النووي في كتاب "المجموع" الذي تقدم الكلام عليه.

"منهاج الطالبين" للنووي، هذا المنهاج مختصر في فقه الشافعية، وهو للإمام النووي -رحمه الله-، اعتنى به الشافعية عناية كبيرة جدًا وكثرت شروح هذا الكتاب، ومن المعلوم أن كتب النووي -رحمه الله- مباركة وتنتشر وتشتهر، من الكتب التي شرحت هذا الكتاب كتاب "تحفة المحتاج" لابن حجر الهيثمي المكي المتوفى سنة تسعمائة وأربعة وسبعين، وأظن الأمر ظاهر لكم في الفرق بين هذا وبين ابن حجر العسقلاني المحدث المعروف، وإن كان كل واحد منهما شافعي المذهب.

"مغني المحتاج" للخطيب الشربيني المتوفى سنة تسعمائة وسبعة وسبعين، وهذا كتاب نافع جدًا، والخطيب الشربيني محدث فإذا كان العالم محدثًا وألف في الفقه فإن تأليفه يتميز عن غيره.

"نهاية المحتاج في شرح المنهاج" للرملي المتوفى سنة ألف وأربعة للهجرة وغيرها من الشروح.

أيضًا من الكتب المعتمدة "روضة الطالبين" للنووي وهو مختصر من كتاب "العزيز شرح الوجيز" للرافعي المتوفى سنة ستمائة وثلاثة وعشرين للهجرة.

ننتقل بعد ذلك إلى مذهب الحنابلة، ولما كان مذهب الحنابلة هو المذهب الذي يُعتنى به في بلادنا، وتُدرس كتبه في الجامعات والمعاهد والمساجد، وأيضًا يعتني به القضاة في المحاكم؛ فلابد من أن نزيد الكلام في هذا المذهب شيئًا قليلًا.

نبدأ أولًا بترجمة للإمام أحمد -رحمه الله- إمام المذهب، هو أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني، ينتهي نسبه إلى معد بن عدنان، ولد -رحمه الله- في بغداد سنة مائة وأربع وستين للهجرة، وتوفي بها سنة مائتين وإحدى وأربعين وعمره سبع وسبعون سنة، كنيته أبو عبد الله مع أن ابنه الأكبر صالح، وعبد الله هو ابنه الثاني، قال بعض أهل العلم: فلعله كان يتكنى بأبي عبد الله قبل زواجه فغلبت عليه هذه الكنية، وذلك أنه لم يتزوج إلا بعد الأربعين من عمره.

بدت على الإمام أحمد علامات النجابة منذ صغره واشتهر أنه قد شُغف بالتعلم والرغبة في العلم، قال الحافظ الهيثم بن جميل الأنطاكي -رحمه الله: إن عاش هذا الفتى فسيكون حجة على أهل زمانه. وهذا من قوة فراسته -رحمه الله-.

من تواضع الإمام أحمد أنه لم يكن يفخر بعروبته، وقد سُئل مرة عن ذلك وهل هو عربي؟ فقال: نحن قوم مساكين.

كان -رحمه الله- زاهدًا في الدنيا لا يجري لها ذكر على لسانه، وكان عالمًا عاملًا مداومًا على العبادة، وكان لا يُظهر النسك، قال تلميذه أبو داود صاحب السنن المعروف: لقيت مائتين من مشايخ العلم فما رأيت مثل أحمد بن حنبل، لم يكن يخوض في شيء مما يخوض فيه الناس من أمر الدنيا، فإذا ذُكر العلم تكلم.

كان يقول: ما كتبت حديثًا إلا وقد عملت به، حتى مرّ بي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- احتجم وأعطى أبا طيبة دينارًا فأعطيت الحجام دينارًا حين احتجمت.

كان -رحمه الله- يكره الشهرة ويفر منها، وإذا مشى في الطريق يكره أن يتبعه أحد، قال عنه عيسى -رحمه الله: عن الدنيا ما كان أصبره، وبالماضين ما كان أشبهه، وبالصالحين ما كان ألحقه، عُرضت له الدنيا فأباها والبدع فنفاها.

قال الإمام أحمد -رحمه الله: القلانس من السماء تنزل على رؤوس قوم يقولون برؤوسهم هكذا وهكذا. ما معنى هذا الكلام؟ يريد -رحمه الله- أنهم يميلون برؤوسهم عن هذه القلانس والمعنى أنهم لا يريدون الرئاسة وهي تقع عليهم، يعني من يبحث عن الشهرة تتبعه الشهرة، ومن سعى إليها فإنه يُخشى عليه أن يُفتضح عياذًا بالله.

كان الإمام أحمد -رحمه الله- مهيبًا في ذات الله -عز وجل-، حتى إن علماء زمانه كانوا يجلونه ويهابونه، كان متعففًا فلا يقبل أعطيات السلطان ولا غيره.

يقول الرمادي: سمعت عبد الرزاق وذكر أحمد بن حنبل ففاضت عيناه وقال: بلغني أن نفقته نفذت فعرضت عليه عشرة دنانير ليأخذها فقال: يا أبا بكر لو قبلت من أحد شيئًا قبلت منك. إلا أنه كان يقبل الهدية ويثيب عليها بأكثر منها، وكان يتقوت من غلة عقار كان له ببغداد، وربما تقوت من عمل يده.

لكن أنبه هنا إلى أن عدم أخذه من أعطيات السلطان، ربما أن السلطان في زمانه كان المال عنده مختلط وفيه شيء من المظالم، وإلا فإن الرزق من بيت مال المسلمين قد أخذه الصحابة -رضي الله عنهم- ولاشك أن الصحابة هم أورع الناس -رضي الله عنهم-.

كان -رحمه الله- ولوعًا بالعلم حتى بعد إمامته فيه، فقد روى صالح قال: رأى رجل مع أبي محبرة فقال له: يا أبا عبد الله أنت قد بلغت هذا المبلغ وأنت إمام المسلمين، يعني كيف تحمل المحبرة؟ فقال: مع المحبرة إلى المقبرة.

وكان له شيوخ كُثر فقد روى في المسند عما يزيد على مائتين وثمانين شيخًا، وكان شيخه الذي اختص به ولازمه الحافظ هشيم الواسطي إذ لازمه قريبًا من أربع سنين، أما تلاميذه فهم كثر يأتي إن شاء الله -تبارك وتعالى- ذكر بعضهم.

كتب الإمام أحمد كثيرة ذكر بعضهم أنها بلغت ثلاثين كتابًا، أعظمها "المسند" المشهور، "فضائل الصحابة" -رضي الله عنهم-، كتاب "العلل ومعرفة الرجال"، "الزهد"، "الورع"، "الرد على الزنادقة والجهمية" وغير ذلك.

من أشهر تلاميذه أحمد بن حميد بن أبو طالب المشكاني، المتوفى مائتين وأربعة وأربعين، وهذا من رواة المسائل، الإمام أحمد -رحمه الله- لم يؤلف مصنفًا في الفقه كالشافعي مثلًا، وإنما كان تلاميذه يسألونه عن مسائل في الفقه فيُجيب فكانوا يدونون ذلك، فاجتمع عند كل واحد من تلاميذه الذين كانوا يسألونه هذه المسائل ثم بعد ذلك انتشرت وطبُعت هذه المسائل.

من تلاميذه أيضًا مُهنى بن يحيى السُلمي المتوفى مائتين وثمانية وأربعين، وهذا أيضًا من رواة المسائل.

إبراهيم بن هانئ النيسابوري المتوفى مائتين وخمسة وستين وهو أيضًا من رواة المسائل.

ابنه صالح المتوفى مائتين وستة وستين، ابنه عبد الله المتوفى مائتين وتسعين، وهذان أيضًا من رواة المسائل.

حنبل بن إسحاق بن حنبل المتوفى مائتين وثلاث وسبعين، وهو ابن عم الإمام أحمد.

أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني صاحب السنن المعروف، المتوفى مائتين وخمسة وسبعين.

وحرب الكرماني المتوفى سنة مائتين وثمانين وغير هؤلاء كثير من تلاميذه.

ننتقل إلى أصول مذهب الإمام أحمد، المراد بأصول مذهب الإمام أحمد يعني طريقته في الأصول الفقهية، وهذه الأصول استنبطها علماء المذهب من طريقة الإمام أحمد -رحمه الله- في الفتوى.

أول هذه الأصول النص؛ فإذا وجد الإمام أحمد -رحمه الله- في المسألة نصًا من كتاب أو سُنة فإنه يُفتي بموجبه ولم يلتفت إلى ما خالفه ولا إلى من خالفه كائنًا من كان.

الأصل الثاني عنده: فتاوى الصحابة -رضي الله عنهم-؛ فإذا وجد لبعضهم فتوى لا يُعرف له مخالف منهم فيها فإنه لا يتجاوز هذه الفتوى.

الأصل الثالث: إذا اختلف الصحابة -رضي الله عنهم- فإنه يتخير من أقوالهم ما كان أقرب إلى كتاب الله أو إلى سُنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولم يكن يخرج عن أقوال الصحابة، فإن لم يتبين له موافقة أحد القولين للصحابة للكتاب والسُنة فإنه يحكي الخلاف ولا يجزم بقول على قول.

الأصل الرابع: الأخذ بالحديث المرسل والحديث الضعيف إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه، وهذا هو الذي رجحه على القياس، يرى ابن القيم -رحمه الله- أنه ليس المراد بالحديث الضعيف عند الإمام أحمد الحديث الباطل أو الحديث المنكر ولا ما كان في إسناده متهم؛ وإنما المراد بالحديث الضعيف هو قسم من أقسام الحديث الحسن، فإذا لم يجد في الباب أثرًا يدفعه ولا قول صاحب ولا إجماع على خلافه كان العمل به أولى من القياس.

الأصل الخامس والأخير عند الإمام أحمد هو القياس، وذلك إذا لم يجد في المسألة نصًا ولا قول صاحب ولا أثرًا مرسلًا ولا ضعيفًا، فإنه يأخذ بالقياس لأجل الضرورة.

وكان الإمام أحمد -رحمه الله- ربما يتوقف في الفتوى لتعارض الأدلة عنده أو لعدم اطلاعه على أثر في المسألة، وكان شديد الكراهة والمنع للإفتاء بمسألة ليس فيها أثر عن السلف، كما قال لبعض أصحابه: إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام. وهذا أصل ينبغي أن يُسار عليه، لا تتكلم في مسألة لم يتكلم فيها أحد من أهل العلم، اللهم إلا في مسألة من النوازل وكان المتكلم أهلًا لأن يتكلم فيها.

هنا مسألة وهي دعوى أن الإمام أحمد محدث وليس بفقيه، ادعى بعض أهل العلم أن الإمام أحمد محدث وليس بفقيه، ولذا فقد أهمل مذهبه كثير ممن صنف في الخلافيات، لو رجعت إلى الكتب التي تحكي الخلاف وخاصة الكتب المتقدمة فإنك تجدهم يذكرون خلاف الشافعي، يذكرون خلاف مالك، خلاف أبي حنيفة، لكن لا يذكرون خلاف أحمد -رحمه الله- في المسائل؛ بدعوى أنه محدث وليس بفقيه، لكن هذه الدعوى مردودة من عدة وجوه:

مما يرد هذه الدعوى أن الإمام أحمد -رحمه الله- قد شهد له بالفقه جمع من أهل العلم، فقد وصفه الشافعي -رحمه الله- بالفقه، وقال عنه عبد الرزاق الصنعاني صاحب "المصنف": ما رأيت أحدًا أفقه ولا أورع من أحمد بن حنبل. قال الذهبي بعده: قلت قال هذا وقد رأى مثل الثوري ومالك وابن جريج. لاحظ يعني عبد الرزاق -رحمه الله- رأى مثل هؤلاء الأئمة الفقهاء والعلماء ومع ذلك يقول: ما رأيت أحدًا أفقه ولا أورع من أحمد بن حنبل.

ممن نعته بالفقه أيضًا أبو عبيد وأبو ثور وابن المديني والنسائي وأبو زرعة وإسحاق والحربي وأبو حاتم وابن معين وغيرهم كثير من الأئمة.

قال أبو القاسم بن الجبلي: أكثر الناس يظنون أن أحمد إنما كان أكثر ذكره لموضع المحنة. يعني يريد أن بعض الناس يظن أن اشتهار الإمام أحمد إنما لأجل المحنة التي حصلت وثبت فيها، فيقول: أكثر الناس يظنون أن أحمد كان أكثر ذكره لموضع المحنة، وليس هو كذلك؛ كان أحمد بن حنبل إذا سُئل عن المسألة كأن علم الدنيا بين عينيه.

ذكر ابن عقيل أن الإمام أحمد قد خرج عنه دقيق الفقه ما لا يُعرف لغيره، وضرب على هذا مثال مسألة قال: رجل نذر أن يطوف بالبيت على أربع. بعض الناس ينذر نذر غريب يعني نذر معروف أنه منهي عنه لكن هذا الرجل نذر أن يطوف على أربع؛ على يديه ورجليه، فقال الإمام أحمد -رحمه الله: يطوف طوافين ولا يطوف على أربع، كأنه نظر إلى أن المشي على أربع فرآه مثلة وتشبه بالبهائم فصان البيت عن الشهرة وأبدل المشي باليدين بالرجلين اللتين هما آلة المشي، وهذا لاشك أنه لا يصدر إلا من فقيه عالم.

أيضًا من المسائل التي قد تُسار على مذهب الحنابلة نسبة المذهب الحنبلي إلى التشدد، يقولون هذا حنبلي يعني متشدد، أسباب هذه الدعوى أو هذا اللقب الذي يعني يُلمز به الحنابلة أولًا السيرة الشخصية للإمام أحمد -رحمه الله- في نفسه؛ فقد كان متصفًا بالزهد والورع وقوة العزيمة والصلابة في الدين، ظهر ذلك منه في زمن المحنة، من الذي صبر إلا الإمام أحمد وقلة قليلة من أهل العلم، وقد تأثر أتباعه بشخصية الإمام أحمد فسلكوا مسلكه في ذلك فكان ذلك سببًا في رمي هذا المذهب بالتشدد.

أيضًا من الأسباب أن معظم أتباع المذهب الحنبلي اشتغلوا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في بغداد؛ احتسابًا منهم في ذلك، فوصفهم عامة الناس بالمتشددين، هذا الآن تجده في زماننا الذي يعتني بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من غير غلو في هذا الباب تجد عامة الناس يقولون هذا متشدد.

أيضًا من الأسباب أن الحنابلة كانوا أهل اعتقاد صحيح، فقاموا بمحاربة أهل الأهواء والبدع وتصدوا لهم والرد عليهم، وهذا كان من أسباب أن يرموا بالتشدد.

من الأسباب أيضًا ظهور طائفة من أتباع المذهب بالغت في الانتصار للمذهب وإمامه، وهذا مما لا يرضاه الإمام ولا يرضاه أهل الإنصاف لكن هذا قد وجد فحينئذ رُمي هذا المذهب بالتشدد.

طبعًا هذه الأسباب ليست أسباب مسلمة، بل إنه يكاد يُجمع الباحثون في الفقه أن فقه الإمام أحمد هو من أيسر المذاهب، كيف من أيسر المذاهب؟ قالوا: لأن الإمام أحمد كثرت عنه الروايات في المسألة الواحدة، ربما تصل إلى أربع روايات أو أكثر في مسألة واحدة، فمن يأخذ بأي رواية في الحقيقة أنه لا يكون خارجًا عن مذهب أحمد فهذا فيه يسر بخلاف المذاهب الأخرى فإنه لا يصل فيها الروايات عن الإمام إلى ما وصل إليه في مذهب الإمام أحمد.

أيضًا في مسألة المعاملات مذهب الحنابلة أيسر من غيره من المذاهب لأنهم يأخذون بقاعدة الأصل في العقود وفي الشروط الحل إلا ما دلّ الدليل على تحريمه، فهو من المذاهب التي تناسب مثل هذا العصر مع كثرة العقود وكثرة الشروط والمعاملات.

ننتقل بعد ذلك إلى الكتب المعتمدة في مذهب الإمام أحمد، من أول المتون مختصر الخرطي لأبي القاسم عمر الخرطي المتوفى سنة ثلاثمائة وأربع وعشرين للهجرة، اشتهر هذا المختصر في فقه الإمام أحمد وكثرت شروحه؛ منها شرح القاضي أبي يعلى وأيضًا كتاب "المغني" لابن قدامة، و"المغني" أكبر حجمًا من شرح أبي يعلى.

ابن قدامة -رحمه الله- ألف في الفقه الحنبلي أربعة كتب؛ الكتاب الأول كتاب "العمدة" وهو للمبتدئين في الفقه، اقتصر فيه على المعتمد من مذهب الإمام أحمد، هذا الكتاب شرحه شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-، لكنه لم يُتم هذا الكتاب بل قد بلغ فيه إلى آخر كتاب المناسك، المطبوع منه كتاب الطهارة، وكتاب المناسك، وكتاب الصيام، ومجلدين يمثلان جزءًا يسيرًا من كتاب الصلاة.

أيضًا توجد حاشية على كتاب "العمدة" للشيخ ابن بسام -رحمه الله-، أيضًا شرح العمدة بهاء الدين عبد الرحمن المقدسي المتوفى سنة ستمائة وأربع وعشرين في كتابه المشهور "العدة شرح العمدة".

الكتاب الثاني لابن قدامة كتاب "المقنع" وهذا لمن ارتقى درجة عن المبتدئين لكنه لم يصل إلى المتوسطين، يذكر فيه الروايات عن الإمام أحمد، إلا أنه عارٍ عن الدليل والتعليل، ويأتي إن شاء الله الكلام على شروح "المقنع".

الكتاب الثالث كتاب "الكافي" وهو للمتوسطين، يذكر فيه ابن قدامة -رحمه الله- الروايات في مذهب الإمام أحمد والأدلة، إلا أنه لا يخرج عن مذهب الحنابلة.

وأما الكتاب الرابع فهو كتاب "المغني" وهو كما هو معلوم في الفقه المقارن.

من شروح "المقنع" كتاب "الشرح الكبير" لعبد الرحمن بن أبي عمر المقدسي، المتوفى سنة ستمائة واثنتين وثمانين، ابن أخي الموفق صاحب "المغني"، صاحب "المغني" متوفى سنة ستمائة وعشرين.

صرح ابن أبي عمر -رحمه الله- في المقدمة أنه لم يترك من كتاب "المغني" إلا شيئًا يسيرًا يعني يكاد يكون كل ما في "المغني" فهو موجود في "الشرح الكبير"، لكن استكمل ابن أبي عمر في "الشرح الكبير" ما لم يعني يجده في "المغني" من الفروع والوجوه والروايات، قال: ولم أزد في الاستدلال إلا في عزو الأحاديث التي لم يعزوها.

وإذا أطلق الحنابلة كتاب الشرح فإنهم يريدون به "الشرح الكبير" لابن أبي عمر، وإذا أطلقوا الشارح فيريدون به أيضًا ابن أبي عمر المقدسي -رحمه الله.

يعني قد يقول قائل: أنا أحيانًا أبحث المسألة في كتاب "المغني" فأقرأ كلام ابن قدامة، ثم أفتح على نفس المسألة في كتاب "الشرح الكبير" فلا أكاد أجد فرق، طبعًا هو ذكر أنه زاد زيادات يسيرة جدًا، لكن هناك فرق جوهري ومهم ينبغي أن ينتبه له طالب العلم وهو أن كتاب "المغني" مرتب على مختصر الخرطي وهو ترتيب المتقدمين من علماء الحنابلة، أما كتاب "الشرح الكبير" فهو مرتب على "المقنع" وله ترتيب آخر، ولذلك أنا أقول إذا أشكلت عليك مسألة في مثل "الروض المربع" وأنت تدرس في الكلية مثلًا، أو أشكلت عليك مسألة في "زاد المستقنع في اختصار المقنع" فإنك ترجع إلى "المقنع" وشروحه تجد بإذن الله ما يحل كثير من الإشكالات، وتجد المسألة في مظنتها.

فمثلًا باب الهدي والأضحية أين نجده في "المغني" هل نجده بعد المناسك؟ لا تجده بعد المناسك؛ تجده في آخر كتاب "المغني"، بينما تجد باب الهدي والأضحية في "الشرح الكبير" المرتب على المقنع تجده بعد المناسك مباشرة، فأنت انتبه لهذا فإنه مفيد، يعني كتاب "الشرح الكبير" في الترتيب على ما عليه "المقنع".

من شروح "المقنع" أيضًا كتاب "المبدع" لبرهان الدين أبي إسحاق بن مفلح المتوفى سنة ثمانمائة وأربعة وثمانين، وهذا من أنفع الشروح للمتوسطين؛ يذكر الأدلة من الكتاب والسُنة لكن لا يخرج عن مذهب الحنابلة، توجد عليه حاشية للشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب -رحمهم الله- وهي حاشية مفيدة في ثلاث مجلدات.

مما أُلف أيضًا على "المقنع" كتاب "الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف" لعلاء الدين المرداوي المتوفى ثمانمائة وخمسة وثمانين، وهذا الكتاب مهم في معرفة الراجح في مذهب الحنابلة لا الراجح من جهة الدليل، فهو مهم في معرفة مذهب الحنابلة.

مما أُلف على "المقنع" كتاب "المطلع على أبواب المقنع" للبعلي المتوفى سنة سبعمائة وتسعة، وهو في شرح ألفاظ "المقنع" المشكلة.

أيضًا كتاب "الفروع" لابن مفلح تلميذ ابن تيمية المتوفى سبعمائة وثلاثة وستين، لكنه جرده عن الأدلة، وهو عبارة عن فروع فقهية.

"منتهى الإرادات في الجمع بين المقنع والتنقيح وزيادات" لابن النجار الفتوحي المتوفى تسعمائة واثنين وسبعين.

"شرح المنتهى" لمنصور البهوثي من علماء الحنابلة المتأخرين، المتوفى سنة ألف وإحدى وخمسين.

"زاد المستقنع" للحجاوي وشرح "الروض المربع" للبهوثي وحاشية ابن قاسم عليه هذه كلها من الكتب المعتمدة.

ننتقل إلى العنصر السادس: أسباب اختلاف الفقهاء.

من نعم الله -عز وجل- على هذه الأمة أن الاختلاف عند أهل السُنة والجماعة لم يكن في الأصول وإنما الخلاف في الأحكام العملية، ويجب على المسلم أن يوالي أهل العلم وأن يعرف لهم قدرهم ومكانتهم، وأن يحفظ لهم حقهم وأن يُحسن الظن بهم ما أمكن ذلك؛ فإن العلماء ورثة الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- وهم القائمون في الأمة مقامهم في الدعوة إلى الله -عز وجل- وتبليغ العلم، وليس أحد من أئمة الإسلام الذين عرفوا بالديانة والعلم يتعمد مخالفة النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ فإنهم متفقون على وجوب إتباع النبي -صلى الله عليه وسلم-، لكن إذا وجد لعالم مخالفة للدليل الشرعي فإنه لابد أن يكون له عذر، ومن أنفع ما أُلف في ذلك كتاب شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- "رفع الملام عن الأئمة الأعلام"، وأيضًا كتاب "الخلاف بين العلماء أسبابه وموقفنا منه" للعلامة ابن عثيمين -رحمه الله.

أول الأسباب التي دعت بعض العلماء لمخالفة النص أن يكون الدليل لم يبلغ العالم، فيكون معذورًا في عدم إتباعه، وهذا هو الغالب على أكثر ما يوجد من أقوال السلف التي تخالف الأحاديث، فإن الإحاطة بأحاديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هذه لم تكن لأحد مهما بلغ علمه، واعتبر هذا بالشيخين أبي بكر وعمر -رضي الله عنهما-، أبو بكر -رضي الله عنه- وأيضًا عمر ما كانا يتركان النبي -صلى الله عليه وسلم- في سفره ولا في حضره، ومع ذلك مرّ معنا قبل قليل حديث الجدة، أبو بكر -رضي الله عنه- يسأل الصحابة؛ ما عنده علم بالحديث، عمر -رضي الله عنه- في حديث الطاعون ما كان عنده علم حتى جاء عبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنه- فأخبره بالحديث والقصة في هذا معروفة، بل ليس عمر وحده؛ معه الأنصار والمهاجرين وعدد من الصحابة في جيش كلهم لم يعلموا هذا الحديث حتى جاء عبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنه- فأخبر بحديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، والأمثلة على ذلك كثيرة، فالمقصود من هذا السبب أنك إذا وجدت العالم لم يأخذ بالحديث فيحتمل أنه لم يعلم به.

السبب الثاني: أن يكون الحديث قد بلغه لكنه لم يثبت عنده، فالأحاديث قد اشتهرت ولها طرق، فربما أنه وصل إلى هذا العالم بطريق ضعيف فلم يعمل به.

السبب الثالث: أن يكون الحديث قد بلغه وثبت عنده لكنه نسيه وهذا وارد، فالعالم ليس معصومًا، فإذا حدث أو بلغه الحديث ثم نسيه فإنه قد يُفتي بخلافه، طبعًا هناك شواهد على هذا نتركها؛ اختصارًا.

السبب الرابع: أن يكون الدليل قد بلغه لكنه فهم منه غير المراد، مثل قول الله -عز وجل: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا(10)  خلاف العلماء هنا في الفهم، فبعض العلماء فهم منه مطلق اللمس، وبعضهم فهم أن المراد اللمس الذي يُثير الشهوة، وبعضهم فهم منه أن المراد الجماع، فهذا اختلاف في الفهم وهذا أمر وراد.

السبب الخامس: أن يكون الدليل قد بلغ العالم وفهم منه المراد لكنه منسوخ ولم يعلم العالم بالنسخ، فيكون معذورًا في الفتوى لعدم علمه بالحديث الناسخ.

ننتقل بعد ذلك إلى العنصر السابع، كان المفترض أن نذكر كتب لا يستغني عنها الفقيه، مثل كتب غريب لغة الفقهاء هذه مهمة جدًا يعني أذكرها بأسمائها؛ اختصارًا:

"طلبة الطلبة في الاصطلاحات الفقهية" لنجم الدين النسفي هذا في مذهب الحنفية، شرح داود بن عرفة لأبي عبد الله محمد بن الرصاع المالكي، "تهذيب الأسماء واللغات" للنووي، "تحرير ألفاظ التنبيه" أو "لغة الفقه" للنووي، "المصباح المنير" للفيومي، "المطلع على أبواب المقنع" للبعلي، "الدر النقي في شرح ألفاظ الخرطي" لابن عبد الهادي، "القاموس الفقهي لغةً واصطلاحًا" لسعد أبو زيد هذا معصر، "معجم لغة الفقهاء" هذا كتاب مهم معاصر يذكر فيه بعض المصطلحات المعاصرة، ومن يعتني باللغة الإنجليزية أو الفرنسية فإنه يأتي بالترجمة الإنجليزية والترجمة أيضًا الفرنسية للمصطلح الفقهي.

من الكتب المهمة أيضًا لطالب علم الفقه كتب تخريج الأحاديث؛ لأنه من المعلوم لا يمكن نبني الحكم الشرعي إلا على حديث صحيح، من هذه الكتب "نصب الراية" للزيلعي، "الهداية في تخريج أحاديث البداية" للغماري، "إرشاد الفقيه" لابن كثير، "البدر المنير" لابن الملقن، "التلخيص الحبير" لابن حجر، "الدراية" أيضًا لابن حجر وهو مختصر لـ "نصب الراية"، "التحقيق في أحاديث التعليق" لابن الجوزي، "تنقيح التحقيق" لمحمد بن عبد الهادي تلميذ ابن تيمية، "إرواء الغليل" للألباني، وغير هذه الكتب.

من الكتب أيضًا التي تهم طالب العلم كتب الطبقات وتراجم العلماء، أول العلماء هم الصحابة -رضي الله عنهم-، فترجع إلى تراجم الصحابة مثل "الاستيعاب" لابن عبد البر، "أسد الغابة" لابن الأثير، "الإصابة" لابن حجر.

كتب التراجم العامة: "وفيات الأعيان"، "سير أعلام النبلاء".

فيما يتعلق بتراجم المعاصرين: "الأعلام" للزركلي وما ذيل عليه أو تمم عليه من الكتب المعاصرة، أيضًا كتاب مهم وأنصح به طلاب العلم "علماء نجد خلال ثمانية قرون" للعلامة ابن بسام -رحمه الله.

من الكتب المهمة لطالب العلم طبقات الفقهاء، فأنت إذا أردت أن تترجم لفقيه فارجع إلى كتب طبقات ذلك المذهب، لا تترجم لفقيه من كتب التراجم العامة أو تترجم له من كتب طبقات مذهب آخر، هذا لا يصلح؛ بل نترجم لهذا الفقيه من كتب مذهبه.

من الكتب في طبقات الحنفية "الجواهر المضية"، "تاج التراجم"، "طبقات الحنفية".

عند المالكية: "ترتيب المدارك"، "الديباج المذهب"، "شجرة النور الزكية".

عند الشافعية: "طبقات الشافعية الكبرى" للسبكي، "طبقات الفقهاء الشافعية" لابن كثير، "طبقات الشافعية" لابن قاضي شهبة.

عند الحنابلة: "طبقات الحنابلة" لابن أبي يعلى، "الذيل على طبقات الحنابلة" لابن رجب، "السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة" لمحمد بن حميد.

العنصر قبل الأخير: وصايا لطالب علم الفقه.

أولًا: تجريد النية في طلب هذا العلم لله -عز وجل-، وأيضًا في غيره من العلوم، ولنتذكر الحديث الذي رواه أبو هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي أخرجه مسلم، حديث الثلاثة الذين هم أول من تُسعر بهم النار يوم القيامة، وذكر منهم رجل تعلم العلم وعلمه فأتي به فعرفه نعمه قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت فيك العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن. قال: «كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ لِيُقَالَ: هُوَ عَالِمٌ، فَقَدْ قِيلَ، وَقَرَأْتَ لِيُقَالَ: هُوَ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ»(11). ثم سُحب على وجهه حتى أُلقي في النار.

الوصية الثانية أن يعمل بعلمه ما استطاع، فعلم الفقه يتعلق بالأحكام العملية فينبغي أن يخاطب طالب علم الفقه نفسه بكل مسألة من المسائل التي تعلمها مما يمكن أن يعمل بها، ولا يكون المقصد هو التكثر من المسائل والتصدر فإن هذا مما يُذهب الأجر ويُذهب البركة في العلم.

روى الخطيب البغدادي -رحمه الله- في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" بسنده إلى عاصم بن عاصم البيهقي قال: بت ليلة عند أحمد بن حنبل فجاء بالماء فوضعه، فلما أصبح نظر إلى الماء فإذا هو كما كان، قال: سبحان الله؛ رجل يطلب العلم لا يكون له ورد من الليل.

والعمل بما علمه طالب العلم في مسائل الفقه يُثبت الفقه في قلبه، ولهذا قال بعض السلف: كنا نستعين على حفظ الحديث بالعمل به. فهذا وإن كان في الحديث إلا أنه أيضًا في الفقه، فأنت إذا كنت تستحضر أو كنت تعمل بما تعلمت من مسائل الفقه فإن الغالب أنها تمر على ذهنك المسألة وربما استحضرت فيها الخلاف وأنك تعمل بهذا القول لأنه عليه الدليل الفلاني فتستذكر العلم ويثبت في قلبك.

الوصية الثالثة: التأني في إظهار ما لديك من رأي في المسائل الخلافية المشكلة، ومن باب أولى في المسائل النازلة، بعض طلاب العلم إذا عرضت المسألة فإنه يبحثها في يوم أو أيام وبخاصة مع تيسر البحث الآن ثم يستعجل في نشر ما لديه قبل تحريره والتأمل فيه، فهذا يكون عُرضة للخطأ والزلل، والذي ينبغي لطالب العلم إذا بحث مسألة أن يتأنى ويراجعها ويعرضها على من يثق في فقهه وعلمه ودينه حتى يصوبه ويبين له خطئه، ويستعين في ذلك بزملائه من طلاب العلم، كم من طالب علم أخرج بحثًا ثم ندم على استعجاله في إظهاره.

من وصايا بعض المشايخ المعاصرين لطلاب العلم يقول: لا تُظهر شيء من بحوثك حتى تنتهي من دراستك النظامية. يعني بالدراسة النظامية الشرعية، ماذا يعني بالدراسة النظامية؟ كلية الشريعة، يقول: حتى تنتهي من الدكتوراة. يعني لمن كان يسلك هذا المسلك وتيسرت له الأمور إلى أن يصل إلى هذه المرحلة، نقول أيضًا من لم يدرس هذه الدراسة النظامية إلى أن يبلغ مثل هذه المرحلة، بعد ذلك يمكن أن يُظهر شيء من علمه.

كل هذا يتعلق بطالب العلم الذي يُحسن البحث العلمي ويعرف الأصول، أما من لا يُحسن البحث فليس الكلام معه.

من وصايا طالب علم الفقه: تحري الإنصاف والعدل مع المخالف، خاصة وأن المسائل الفقهية كثير منها مسائل خلافية، هي محل بحث عند أهل العلم؛ ليست مسائل قطعية، فلا تُشنع على المخالف مادامت المسألة فيها أقوال، نعم إذا ظهر الدليل واضحًا بينًا وظهر من المخالف أنه خالف لهوى أو لتعصب فهذا يُشنع عليه.

الوصية الخامسة: إذا أردت أن تبحث مسألة فقهية فلا تعتقد قبل أن تبحث، وإنما تدخل في بحث المسألة من غير اعتقاد بصواب قول وخطأ آخر، وإنما تنظر في الأقوال وفي الأدلة وتوازن وتناقش ما يمكن مناقشته ثم يكون الدليل هو المحرك لك من جهة الترجيح.

السادس من الوصايا: أن يعتني طالب علم الفقه بجمع الكتب الفقهية، سواء كانت كتب الفقه العامة أو الخاصة بكتاب معين من كتب الفقه؛ مثل الكتب التي تتعلق بالمناسك أو بالصيام ونحو ذلك، أو كانت في مسائل معينة، كثير من المسائل الفقهية أُفردت بالبحث هذه مهمة جدًا ينبغي أن تعتني باقتنائها، والأمور تيسرت بحمد الله في هذا العصر؛ يمكن أن تنزلها بالمجان من النت ويمكن أن تكون في "الشاملة" أو تشتريها.

من ذلك أيضًا متابعة المجلات العلمية المحكمة، وهذه المجلات على قسمين:

مجلات لا تنشر إلا البحوث الفقهية، مثل مجلة الجمعية الفقهية، مجلة القضاء، مجلة العدل، هذه تعتني بالبحوث الفقهية.

هناك مجلات علمية شرعية لكن ليست خاصة في الفقه وإنما تنشر الفقه وغيره، هذه أيضًا مهمة.

البحوث المحكمة تكون في الغالب رصينة ومراجعة من قبل المختصين فهذه ينبغي أن ينتبه ويعتني بها طالب علم الفقه.

السابع: العناية بمعرفة عقائد الفقهاء الذين تقرأ كتبهم؛ لأن كثيرًا ممن كتب في الفقه يُخالفون أهل السُنة والجماعة في الاعتقاد، فمنهم أشاعرة، منهم ماتريدية، منهم معتزلة، قد يكون عند بعضهم تصوف، فلابد أن تكون عالمًا بعقيدة هذا المؤلف في الفقه.

قد يقول قائل: ما علاقة الفقه بالاعتقاد؛ فالفقه كله مسائل عملية؟ فهذا من الخطأ، هذا غير مسلم؛ الفقه مرتبط بعلم العقيدة ارتباطًا وثيقًا ولهذا تجد مثلًا في باب الجنائز ما تمر معك بدع؟ في كتاب الحج ما تمر معك بدع ننبه عليها ونشرح كتب الفقه؟ فيما يتعلق باب المرتد أشير إن شاء الله إلى بعض الأشياء في هذا، المقصود أنه لابد أن يكون طالب علم الفقه على دراية بعقيدة هذا المؤلف.

في أبواب حكم المرتد الحنفية يُقرر بعضهم ما يوافق اعتقاده في مسائل الإيمان، تعرفون الحنفية يخالفون أهل السُنة في مسائل الإيمان؛ يقررون أن بعض مسائل الإيمان من المكفرات بينما هي عند أهل السُنة والجماعة من أصول الاعتقاد، فإذا جاء إنسان لا يعرف اعتقاد المؤلف ربما تزل به القدم في مثل هذه المسائل.

أيضًا في مثل باب حكم المرتد؛ عفوًا هذا ذكرناه، فيما يتعلق بأبواب البغي هذه الأبواب يتكلم فيها الفقهاء عن مسائل الخوارج، يتكلمون فيها عن الخروج بالقول والخروج بالفعل، يتكلمون فيها عن سب الحاكم، إذا كان هذا المؤلف على اعتقاد الخوارج فإنه سوف يؤصل فيها ما يخالف الاعتقاد الصحيح.

كذلك وجد من بعض الفقهاء المتأخرين الذين أدركوا الدعوة السلفية في نجد، دعوة الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله-، من طعن في هذه الدعوة طعنًا قبيحًا ووصفهم بأنهم خوارج فأنت لابد أن تعرف اعتقاد هذا الرجل، وهؤلاء الذين طعنوا في دعوة الشيخ لما رُجع إلى اعتقادهم وجد أنهم ماتريدية صوفية، ولاشك أن الماتريدية والصوفي أنه سيعادي هذه الدعوة المباركة.

الوقت يعني يزاحمنا لكن لعلي أختم بالوصية الأخيرة أنك لا تطلب علم الفقه إلا على فقهاء أهل السُنة وهذه مرتبطة بما قبلها، أضرب مثال واحد ما تقدم قبل قليل كتاب "السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة" كتاب في التراجم لمحمد بن عبد الله بن حميد الحنبلي صاحب هذا الكتاب، هذا المؤلف ولد سنة ألف ومائتين وستة وثلاثين في "عنيزة" في بلاد "نجد" بلاد التوحيد، أخذ عن الشيخ عبد الله أبا بطين -رحمه الله- أحد العلماء الأئمة الكبار في التوحيد وفي غيره؛ هو مفتي الديار في زمانه، لكن هذا ابن حميد سافر بعد ذلك إلى بعض البلاد وطلب العلم وأخذ عن بعض المبتدعة، ممن أخذ عنهم أحمد زيني دحلان، هذا معروف بعدائه للدعوة السلفية، فما الذي نتج عن ذلك؟ تأثر ابن حميد هذا بهؤلاء المشائخ الذين أخذ عنهم حتى إنه لما ألف كتابه "السحب الوابلة" في تراجم علماء الحنابلة أعرض عن تراجم أئمة الدعوة جميعهم، بل إنه ربما حصل منه سلب وطعن إذا جاء ذكر بعض علماء الدعوة السلفية، وهذا إنما أوتي من أخذه عن علماء البدع، ولهذا حذر السلف عن الأخذ من علماء البدع وقراءة كتبهم.

وكما قلت قبل قليل لو أنك مثلًا أخذت علم الفقه عن شخص متأثر بمذهب الخوارج وجاءت مسائل الجهاد عنده وإذن ولي الأمر في الجهاد، وجاءت مسائل الردة ونحوها، كيف سيُقرر لك هذه المسائل؟ يُخشى عليك يا من تتلمذ على هذا المتأثر بهذه المناهج المخالفة للسلف الصالح أن تتأثر بشيخك، والتلميذ في الغالب يحب شيخه ويتأثر به، فلهذا لا تأخذ علم الفقه ولا غيره من العلوم إلا عن علماء السلف، يعني لو لم تجد إلا أن تفتح النت وتتلمذ على العلامة ابن عثيمين والعلامة ابن باز وغيرهم من علماء السلف فلاشك أن هذا هو المتعين في حقك، ولا تأخذ عن عالم مبتدع.

آخر عنصر: مراجع لمن أراد الاستزادة.

كتاب "الفقيه والمتفقه" للخطيب البغدادي، "المدخل لدراسة الفقه الإسلامي" للدكتور ناصر الغامدي وهذا كتاب نافع ومفيد، "المدخل إلى الشريعة والفقه الإسلامي" الدكتور عمر الأشقر، "المذهب الحنفي" هذه رسالة ماجستير في قسم الفقه مطبوعة للنقيب، "المذهب المالكي" للمامي مطبوعة، "المدخل إلى مذهب الإمام الشافعي" الدكتور أكرم القاسمي، "اللآلئ البهية في كيفية الاستفادة من الكتب الحنبلية" لمحمد آل إسماعيل وهذا كتاب قيم ينبغي أن يُعتنى به، "المدخل المفصل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل" للعلامة بكر أبو زيد وهذا غني عن التعريف.

أيضًا تراجع مقدمة "المجموع" للنووي، ومقدمة تحقيق الشيخ العلامة ابن جبرين -رحمه الله- لشرح الزركشي.

هذه عجالة في مدخل لعلم الفقه، أسأل الله لي ولكم العلم النافع والعمل الصالح وأن يُثبتنا على الإسلام والسُنة، وأن يزيدنا من العلم والتقوى، وأسأله -جلا وعلا- أن يعفو عن زللنا وتقصيرنا، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


(1) طه: 27، 28.
(2) هود: 91.
(3) التوبة: 122.
(4) أخرجه البخاري في كتاب العلم- باب من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين (71)، ومسلم في كتاب الزكاة- باب النهي عن المسألة (1037).
(5) أخرجه أبو داود (3660)، والترمذي (2656)، والنسائي في الكبرى (5847)، وابن ماجه (4105)، وأحمد (21630)، والدارمي (235)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (184، 185).
(6) المائدة: 3.
(7) أخرجه البخاري في كتاب العلم- باب من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين (71)، ومسلم في كتاب الزكاة- باب النهي عن المسألة (1037).
(8) آل عمران: 79.
(9) أخرجه البخاري في كتاب المغازي- باب غزوة خيبر (4198)، ومسلم في كتاب الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان- باب تحريم أكل لحم الحمر الإنسية (1940)، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.
(10) النساء: 43.
(11) أخرجه مسلم في كتاب الإمارة- باب من قاتل للرياء والسمعة استحق النار (1905).