موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - بَابٌ فِي ذَرَارِيِّ الْمُشْرِكِينَ - شرح كتاب السنة
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح كتاب السنة لفضيلة الشيخ عبدالله بن عبدالعزيز العنقري
  
 
 شرح كتاب السنة
 باب شرح السنة
 باب النهي عن الجدال وإتباع المتشابه من القرآن
 مجانبة أهل الأهواء وبغضهم وترك السلام عليهم
 باب النهي عن الجدال في القرآن
 باب في لزوم السُّنَّة
 باب لزوم السنة
 آثار عن الإمام الحسن البصري
 باب في التفضيل
 باب في الخلفاء
 آثار عن مكحول في الملاحم
 آثار مروية عن الحجاج
 الخلافة ثلاثون ودلائل فضل الصحابة رضي الله عنهم
 أبواب في فضل الصحابة والنهي عن سبهم، واستخلاف أبي بكر رضي الله عنه
 بَابُ مَا يَدُلُّ عَلَى تَرْكِ الْكَلَامِ فِي الْفِتْنَةِ
 بَابٌ فِي التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ
 بَابٌ فِي رَدِّ الْإِرْجَاءِ
 بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى زِيَادَةِ الْإِيمَانِ وَنُقْصَانِهِ
 باب في القدر
 بَابٌ فِي ذَرَارِيِّ الْمُشْرِكِينَ
 أبواب في الجهمية والرد عليهم، والرؤية والقرآن
 أبواب متفرقة
 أبواب متعلقة بالخوارج واللصوص
شرح كتاب السنة - بَابٌ فِي ذَرَارِيِّ الْمُشْرِكِينَ

بَابٌ فِي ذَرَارِيِّ الْمُشْرِكِينَ

حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ: «اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ»(1)

حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ نَجْدَةَ، حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، ح وحَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مَرْوَانَ الرَّقِّيُّ، وَكَثِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ الْمَذْحِجِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ الْمَعْنَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَيْسٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَرَارِيُّ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَقَالَ: «هُمْ مِنْ آبَائِهِمْ» فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بِلَا عَمَلٍ؟ قَالَ: «اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ» قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَذَرَارِيُّ الْمُشْرِكِينَ؟ قَالَ: «مِنْ آبَائِهِمْ» قُلْتُ: بِلَا عَمَلٍ؟ قَالَ: «اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ»(2)

عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَتْ: أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِصَبِيٍّ مِنَ الْأَنْصَارِ يُصَلِّي عَلَيْهِ، قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، طُوبَى لِهَذَا لَمْ يَعْمَلْ شَرًّا وَلَمْ يَدْرِ بِهِ، فَقَالَ: «أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْجَنَّةَ وَخَلَقَ لَهَا أَهْلًا، وَخَلَقَهَا لَهُمْ وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ، وَخَلَقَ النَّارَ وَخَلَقَ لَهَا أَهْلًا، وَخَلَقَهَا لَهُمْ وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ»(3).

حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ، كَمَا تَنَاتَجُ الْإِبِلُ مِنْ بَهِيمَةٍ جَمْعَاءَ، هَلْ تُحِسُّ مِنْ جَدْعَاءَ؟»(4) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَرَأَيْتَ مَنْ يَمُوتُ وَهُوَ صَغِيرٌ؟ قَالَ: «اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ»(5).

قَالَ أَبُو دَاوُدَ: قُرِئَ عَلَى الْحَارِثِ بْنِ مِسْكِينٍ وَأَنَا أَسْمَعُ، أَخْبَرَكَ يُوسُفُ بْنُ عَمْرٍو، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكًا، قِيلَ لَهُ: إِنَّ أَهْلَ الْأَهْوَاءِ يَحْتَجُّونَ عَلَيْنَا بِهَذَا الْحَدِيثِ، قَالَ مَالِكٌ رحمه الله: احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِآخِرِهِ، قَالُوا: أَرَأَيْتَ مَنْ يَمُوتُ وَهُوَ صَغِيرٌ، قَالَ: «اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ»(6).

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ، قَالَ: سَمِعْتُ حَمَّادَ بْنَ سَلَمَةَ، يُفَسِّرُ حَدِيثَ «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ» قَالَ: هَذَا عِنْدَنَا حَيْثُ أَخَذَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْعَهْدَ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ حَيْثُ قَالَ: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى(7) (8).

حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ عَامِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْوَائِدَةُ وَالْمَوْءُودَةُ فِي النَّارِ»(9) 

حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيْنَ أَبِي؟ قَالَ: «أَبُوكَ فِي النَّارِ» فَلَمَّا قَفَّى قَالَ: «إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ»(10).

حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ»(11).

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا تُجَالِسُوا أَهْلَ الْقَدَرِ، وَلَا تُفَاتِحُوهُمُ الْحَدِيثَ»(12).


هذا الباب يتعلق بذراري المشركين الذين يموتون قبل أن يبلغوا، ما حكمهم؟

اختلف أهل العلم -رحمهم الله- في حكم هؤلاء الذرية من ذرية المشركين على أقوال:

فمنهم من قال: إنهم من أهل الجنة؛ لأنهم وُلدوا على الفطرة، وليس ثمة فرق بينهم وبين ذراري المسلمين؛ لأن ذراري المسلمين لا يجري عليهم التكليف وكذلك ذراري المشركين، فالصبي الذي عمره سنة مات عند هذا اليهودي أو مات عند هذا المسلم: كلاهما لم يجرِ عليه تكليف، فهو من أهل الجنة، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم فيه:  «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا وَيُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ»(13) إذًا فهما من أهل الجنة.

واستدلوا بحديث ثمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر الرؤية التي رآها وذكر ورأى إبراهيم وعنده صبيان المسلمين في الجنة، قال بعض الصحابة: وأبناء المشركين؟ قال: «وأَبْنَاء الْمُشْرِكِينَ»(14) يعني الأبناء الذين لم يبلغوا الحنث، لأن الأمر فيهم سواء، هؤلاء الذين دون التكليف من أبناء المسلمين ومن أبناء المشركين أصلاً لم يجرِ عليهم القلم، بحيث يُكتب لهم عمل، وهذا اختيار شيخنا ابن باز.

القول الثاني: أن صبيان المشركين من أهل النار، الكلام على ذراري المشركين، قيل: إنهم من آبائهم، يتبعون آباءهم، وهم يتبعون آباءهم في الدنيا قطعًا، هم في الدنيا يتعبون آباءهم فيحكموا بأنهم على طريقة آبائهم، يعني: لو أتانا يهودي أو نصراني، ابن له عمره سنة، قال: مات ابني صلوا عليه، نصلي عليه؟ ما يجوز؛ لأن حكمه حكم أبيه، قالوا: فحكمه حكم أبيه في الدنيا وكذلك في الآخرة، فيكونون مع آبائهم في النار.

اختار آخرون من أهل العلم أن يُفتى فيهم بفتوى النبي صلى الله عليه وسلم هنا بأن يقول: «اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ»(15) ما معنى هذه العبارة؟ يعني: الله أعلم بهؤلاء الذين ماتوا صغارًا، لو أنهم تقدم بهم السن، ما الذي سيعملونه؟ هل سيكونون كآبائهم فيكفرون؟ أو يكونون كبعض الكفار الذين يدخلون في الإسلام ويسلمون، فيحال أمرهم إلى العليم الخبير -سُبْحَانَه وَتَعَالَى- الذي يعلم أنه لو مد في أعمارهم لكانوا إلى فعل آبائهم كفارًا فيكونوا كفارًا أو أن يُهدوا إلى طريق الإسلام فيكونوا مسلمين، فالله أعلم بما كانوا عاملين.

حديث عائشة -رَضِيَ الله عَنْهَا- لما مات صبي من صبيان الأنصار، في بعض الروايات قالت: "يا رسول الله، طوبى له، عصفورٌ من عصافير الجنة"(16) فأنكر عليها النبي صلى الله عليه وسلم ذلك لأنها شهدت لمعين، والشهادة للمعين المحدث بالجنة لابد فيها من نص، لابد أن يُنص على المعين المحدد بأنه من أهل الجنة، أما أن يتوفى هذا الصبي اليوم وعمره سنة، نقول: هذا ذهب إلى الجنة، ما ينفع، أو أن تموت امرأة صالحة كبيرة في السن ذات صيام وقيام ثم إذا مات قالوا: هذه ما شاء الله في الجنة؟ هذا خطأ لا يحل، لا يجوز أن يُجزم لأحد بالجنة بعينه إلا منصوصًا، لكن نقول: من مات مطيعًا لله دخل الجنة، كما أن نقول: أن من مات كافرًا دخل النار، بشكل عام.

لكن لو أن زلزالًا الآن ضرب دولة من الدول الكبرى فمات بها عدد من الناس، نقول: اليوم مات، اليوم سيدخل النار كذا وكذا من الكفار؟ لا، هذا غير صحيح، أتدري بهؤلاء أفيهم يكون قد أسلم سرًا، أتدري بهؤلاء هل قامت عليه الحجة أو لا؟ ثم أنت هل لك علاقة بالنار؟ النار عند الله تعالى علمها، لكن ما حكمهم في الدنيا؟ الظاهر أنهم كفار، هذا الحكم الظاهر، أما في الآخرة فمصيرهم نحيله إلى الله، فنقول: الله أعلم، هذا أمر إلى الله، لكن من علمنا أنه مات كافرًا هذا من أهل النار لا إشكال، الذي يموت على كفره في النار، لكن أن تسمع خبرًا من الأخبار أن زلزالاً أو غرقًا مات فيه كذا وكذا من أهل الكفر في الدولة الفلانية فتقول: اليوم دخل النار سبعون، ثمانون، خطأ، هذا غير صحيح، الله أعلم بعباده هؤلاء، لكن إجمالاً نقول: من مات كافرًا فهو من أهل النار، كما أنِّا نقول: من مات مسلمًا فهو من أهل الجنة، من مات على الإسلام فهو من أهل الجنة إن شاء الله، نرجو له، قال أهل العلم: نرجو للمحسنين ونخاف على المسيئين، أي: من العصاة، لو مات اليوم عاصيًا من أهل الخمور والفجور والفساد، هل يجرؤ مسلم أن يقول أنه من أهل النار؟ لا يجرؤ، خموره، شروره فساده، تحت مشيئة الله، ما ندري، هذا غيب، لأن الله إن شاء أدخله الجنة مباشرةً، وإن شاء عذبه في النار ثم أدخله الجنة، ما لي والدخول في مصيره؟

الحاصل: أن النبي صلى الله عليه وسلم أنكر عليها التعيين، تعين هذا المحذر.

الحديث الذي بعده قوله صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ»(17) كل مولود من أولاد المسلمين والكفار والمجوس يولد على فطرة سوية، ما الذي يحدث؟ يحدث التغيير لاحقًا: «فَأَبَوَاهُ» أمه وأبوه، أو من حوله إذا لم يكن له والدان «يُهَوِّدَانِهِ» يعني: يجعلانه يهوديًا، «وَيُنَصِّرَانِهِ» أي: يجعلانه نصرانيًا، وفي اللفظ الآخر: «ويمجسانه»(18) أي: مجوسيًا، و«يُشَرِّكانه»(19) أي: يجعلانه مشركًا.

«كَمَا تَنَاتَجُ الْإِبِلُ مِنْ بَهِيمَةٍ جَمْعَاءَ، هَلْ تُحِسُّ مِنْ جَدْعَاءَ؟» ما معنى هذا الحديث؟ إذا ولدت الناقة تجد أنها ولدت هذا القاعود صغيرًا آذانه سامة، ليس فيها جدع، ثم بعد ذلك يجدعها الناس، «هَلْ تُحِسُّ مِنْ جَدْعَاءَ؟»(20) يعني التصرف هذا أنه يولد على الفطرة، كما أن البهائم تنتج بهيمة جمعاء مجتمعة، حتى لاحقًا يجدعها من حولها لاحقًا.

"قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَرَأَيْتَ مَنْ يَمُوتُ وَهُوَ صَغِيرٌ؟ قَالَ: «اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ»(21)" يعني: لو أنه تقدم به العمر الله يعلم، هل سيكون مثل صفوان ابن أمية وهو صغير، ربك يعلم أن صفوان الذي رُبي عند عدو الله أمية أو عكرمة بن أبي جهل الذي ربي عند عدو الله أبو جهل الله يعلم أن صفوان إذا تقدم به السن يسلم، وأمية وأبو جهل الله يعلم أنه إذا تقدم بهم السن سيكونون كفارًا، كذلك من يموت وهو صغير، ربك يعلم هل سيكون على طريقة عكرمة ويسلم مع أنه عند كافر، أو سيكون على طريقة أبي جهل سيستمر في غيه وكفره؛ لهذا يحال أمرهم إلى الله.

ولهذا قال كثير من أهل العلم: إن المجنون والذي لم تبلغه الدعوة نهائيًا، والصبي من هؤلاء من صبيان الكفار يُمتحنون في القيامة، فمن أطاع في القيامة بأن يرسل الله لهم ملكًا، يأمرهم الملك هذا بأن يدخلوا النار، من أطاع الله في ذلك المقام يدخل النار، ويقول: لأن ربي أمرني أن أدخل النار، هذا ينجو، فيكون من أهل الجنة، والذي يأبى يقول الله: عصيتني في هذه الدار، دار الهول والرعب والخوف في القيامة، ففي الدنيا سيكون حاله بلا شك إلى العصيان، فيجعله الله من أهل النار، هذا معنى امتحانهم في العرصات.

حمل حمَّاد -رحمه الله تعالى- حديث: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ»(22) على أن هذا عند أخذ الله العهد على بني آدم وهم في أصلاب آبائهم، في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا(23).

حديث «الْوَائِدَةُ وَالْمَوْءُودَةُ فِي النَّارِ»(24) الْوَائِدَةُ واضح لأنها عملت هذه الجريمة الصغيرة وجعلها تهلك بأن وأدتها وهي حية، وَالْمَوْءُودَةُ لماذا دخلت النار؟

يقول بعض الشراح: إن هذا في واقعة عين محددة، واقعة معينة، تلك الموءودة علم الله أنها تكون من أهل النار.

أما الصغير الذي يموت وهو في حال صغره من أبناء الكفر فقد تقدم الحديث الموضح: «اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ»(25) وهذه المسألة من المسائل التي نهى أهل العلم عن كثرة النزاع والشقاق فيها، بل جاء في بعض الروايات المرفوعة: هلكت الناس في خوضهم في الولدان والقدر إذا خاضوا فيها بغير الطريقة الشرعية.

الحديث الذي بعده أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مصير أبيه، فقال: أَيْنَ أَبِي؟ وقد مات في الجاهلية، فقَالَ: «أَبُوكَ فِي النَّارِ» فَلَمَّا قَفَّى، أعطى قفاه يعني، فقَالَ: «إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ»(26).

يعني: حتى أبو النبي صلى الله عليه وسلم يكون في النار لأنه مات في فترة ولم يعمل بالدين الذي كان موجودًا وهو دين أبيهم إبراهيم، وكان هناك حلفاء على دين إبراهيم، لكن العرب من شأنها أن تقول: ﴿وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ(27)، وجدنا آباءنا يعبدون هذه الأصنام كما قال قوم إبراهيم لإبراهيم، ﴿بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ(28)، إن هنالك حجة، يقول: والذي سيكون عليه أبي سأكون أنا عليه، ليس حجة ولا ينجو به صاحبه، وثبت في مسلم الحديث الصحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم استأذن ربه أن يزور قبر أمه لما كان جائيًا إلى مكة، ماتت في الطريق، فأذن له، فاستأذنه أن يستغفر لها، فلم يأذن له، فزارها -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- فبكى وأبكى من حوله، لأنه لا يستطيع أن يستغفر لها وهي أمه، لأن من ماتوا على الكفر في الجاهلية بقولهم: لن نترك ما عليه آباءنا ليس هذا حجة.

أما من لزم دينًا من الحق كان عليه، من تبعوا دين موسى أو دين عيسى أو كانوا على إرث إبراهيم، وكان زيد بن عمرو بن نفيل يقول كما في البخاري: والله يا معشر قريش، ما فيكم أحد على دين إبراهيم غيري، لأنهم تغيروا عن دين إبراهيم -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-، دين إبراهيم معروف، ثم يقول لهم: الشاة خلقها الله، وأنزل لها المطر، وأنبت لها العشب ثم تذبحونها على غير اسمه؟! يقول: تذبحون الشاة والله عز وجل هو الذي خلقها، تذبحونها لغير الله، وأنزل المطر فنبت الكلأ فرتعت هذه الشاة من رزق الله عز وجل ثم تذبحونها لغير الله! يقول: أنتم لستم على دين إبراهيم، فكان دين إبراهيم معلومًا، لكن يقولوا وجدنا آباءنا، فاتركنا عليه، عبد المطلب.

أبو طالب لما أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ورأى الآيات وعلم صدق النبي صلى الله عليه وسلم يقينًا جزمًا وكان في مرض الموت وجاءه -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- وقال له: «أَيْ عَمِّ، قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ»(29)، قال: هو على ملة عبد المطلب، يعني: لا نترك ما عليه آباءنا، مع علم أبي طالب علمًا تامًا وفي شعره هذا ينضح أن النبي صلى الله عليه وسلم صادق، لكن يقول: ما أترك ما كان علي أبي، هذا ليس حجة عند الله، فلهذا كانوا يهلكون لهذا السبب.

 حديث: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ»(30) حديث معروف وأن الله عز وجل مكّن هذا الشيطان من أن يجري من ابن آدم مجرى الدم، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ(31)، فيوجب هذا العبد أن يتعوذ بالله من الشيطان ويتحصن ويحرص على الأذكار، ويحرص على ما فيه طرد للشيطان من ذكر الله، فإن الله سماه الوسواس الخناس، يوسوس، فإذا ذُكر الله عز وجل خنث، كلما أكثرت من ذكر الله عز وجل ومن كتابه واستعصمت بالله عز وجل كنت في عافيةٍ منه.

الحديث الأخير هذا تقدم.

وغدًا بإذن الله نسأل الله أن يقدر لنا إنهاء هذا الكتاب، إنه على كل شيء قدير.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد.


(1) أخرجه البخاري في كتاب الجنائز- باب ما قيل في أولاد المشركين (1384)، ومسلم في كتاب القدر- باب معنى كل مولود يولد على الفطرة، وحكم موت أطفال الكفار وأطفال المسلمين (2659).
(2) أخرجه أبو داود في كِتَاب السُّنَّةِ - بَابٌ فِي ذَرَارِيِّ الْمُشْرِكِينَ (4712).
(3) أخرجه مسلم في كتاب القدر- باب معنى كل مولود يولد على الفطرة، وحكم موت أطفال الكفار وأطفال المسلمين (2662).
(4) أخرجه أبو داود في كِتَاب السُّنَّةِ - بَابٌ فِي ذَرَارِيِّ الْمُشْرِكِينَ (4714)، ومالك في «الموطأ» كِتَابُ الْجَنَائِزِ- بَابُ جَامِعِ الْجَنَائِزِ (52).
(5) أخرجه البخاري في كتاب القدر- باب الله أعلم بما كانوا يعملون (6599)، ومسلم في كتاب القدر- باب معنى كل مولود يولد على الفطرة، وحكم موت أطفال الكفار وأطفال المسلمين (2659).
(6) أخرجه البخاري في كتاب القدر- باب الله أعلم بما كانوا يعملون (6599)، ومسلم في كتاب القدر- باب معنى كل مولود يولد على الفطرة، وحكم موت أطفال الكفار وأطفال المسلمين (2659).
(7) الأعراف: 172.
(8) أخرجه اللالكائي في «اعتقاد أهل السنة» (1001).
(9) أخرجه أحمد في «مسنده» (25/ 268)، و(10) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان- باب بيان أن من مات على الكفر فهو في النار ولا تناله شفاعة ولا تنفعه قرابة المقربين (203) من حديث أنس رضي الله عنه.
(11) أخرجه البخاري في كتاب بدء الخلق- باب صفة إبليس وجنوده (3281)، ومسلم في كتاب السلام- باب بيان أنه يستحب لمن رئي خاليا بامرأة أن يقول هذه فلانة (2175)، من حديث أم المؤمنين صفية رضي الله عنهما.
(12) أخرجه أبو داود في «سننه»: كتاب السنة- باب في القدر (4710)، وباب ذراري المشركين (4720)، وأحمد في «مسنده» (1/30)، وأبو يعلى في «مسنده» (245)، وابن حبان في «صحيحه» (79 ابن بلبان)، والحاكم في «المستدرك على الصحيحين» (1/159)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (10/204)، وفيه: حكيم بن شريك الهذلي، قال ابن حجر في «تقريب التهذيب» (1475): «مجهول».
 (13) أخرجه البخاري في كتاب الجنائز- باب ما قيل في أولاد المشركين (1385)، ومسلم في كتاب القدر- باب معنى: «كل مولود يولد على الفطرة» وحكم موت أطفال الكفار وأطفال المسلمين (2658).
(14) أخرجه أحمد في «مسنده» (4/24)، وابن جرير الطبري في «تفسيره» (6/110)، والطبراني في «المعجم الكبير» (1/285/833)، والحاكم في «المستدرك على الصحيحين» (2/123)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (9/130)، وفيه: انقطاعٌ بين الحسن البصري، والأسود بن سريع رضي الله عن، قال المزي في «تهذيب الكمال» (2/235،232): «وقال ابن المديني: لم يسمع من الأسود بن سريع؛ لأن الأسود خرج من البصرة أيام علي.... وقال عباس الدوري: لم يسمع الحسن من الأسود بن سريع».
(15) أخرجه البخاري في كتاب الجنائز- باب ما قيل في أولاد المشركين (1384)، ومسلم في كتاب القدر- باب معنى كل مولود يولد على الفطرة، وحكم موت أطفال الكفار وأطفال المسلمين (2659).
(16) أخرجه مسلم في كتاب القدر- باب معنى كل مولود يولد على الفطرة، وحكم موت أطفال الكفار وأطفال المسلمين (2662).
(17) أخرجه البخاري في كتاب الجنائز- باب ما قيل في أولاد المشركين (1385)، ومسلم في كتاب القدر- باب معنى «كل مولود يولد على الفطرة» وحكم موت أطفال الكفار وأطفال المسلمين (2658).
(18) أخرجه البخاري في كتاب الجنائز- باب ما قيل في أولاد المشركين (1385)، ومسلم في كتاب القدر- باب معنى «كل مولود يولد على الفطرة» وحكم موت أطفال الكفار وأطفال المسلمين (2658).
(19) أخرجه أحمد في «مسنده» (7/ 246)، والترمذي في كتاب أبواب القدر - باب ما جاء كل مولود يولد على الفطرة (2138).
(20) أخرجه البخاري في كتاب الجنائز- باب ما قيل في أولاد المشركين (1385)، ومسلم في كتاب القدر- باب معنى «كل مولود يولد على الفطرة» وحكم موت أطفال الكفار وأطفال المسلمين (2658).
(21) أخرجه البخاري في كتاب القدر- باب الله أعلم بما كانوا يعملون (6599)، ومسلم في كتاب القدر- باب معنى كل مولود يولد على الفطرة، وحكم موت أطفال الكفار وأطفال المسلمين (2659).
(22) أخرجه البخاري في كتاب الجنائز- باب ما قيل في أولاد المشركين (1385)، ومسلم في كتاب القدر- باب معنى «كل مولود يولد على الفطرة» وحكم موت أطفال الكفار وأطفال المسلمين (2658).
(23) الأعراف: 172.
(24) أخرجه أحمد في «مسنده» (25/ 268)، وأبو داود في كِتَاب السُّنَّةِ - بَابٌ فِي ذَرَارِيِّ الْمُشْرِكِينَ (4717).
(25) أخرجه البخاري في كتاب الجنائز- باب ما قيل في أولاد المشركين (1384)، ومسلم في كتاب القدر- باب معنى كل مولود يولد على الفطرة، وحكم موت أطفال الكفار وأطفال المسلمين (2659).
(26) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان- باب بيان أن من مات على الكفر فهو في النار ولا تناله شفاعة ولا تنفعه قرابة المقربين (203) من حديث أنس رضي الله عنه.
(27) الزخرف: 22.
(28) الشعراء: 74.
(29) أخرجه البخاري في كتاب الجنائز- باب إذا قال المشرك عند الموت: لا إله إلا الله (1360)، ومسلم في كتاب الإيمان- باب الدليل على صحة إسلام من حضره الموت ما لم يشرع في النزع (24).
(30) أخرجه البخاري في كتاب بدء الخلق- باب صفة إبليس وجنوده (3281)، ومسلم في كتاب السلام- باب بيان أنه يستحب لمن رئي خاليا بامرأة أن يقول هذه فلانة (2175)، من حديث أم المؤمنين صفية رضي الله عنهما.
(31) الأعراف: 27.