موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - بَابٌ فِي رَدِّ الْإِرْجَاءِ - شرح كتاب السنة
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح كتاب السنة لفضيلة الشيخ عبدالله بن عبدالعزيز العنقري
  
 
 شرح كتاب السنة
 باب شرح السنة
 باب النهي عن الجدال وإتباع المتشابه من القرآن
 مجانبة أهل الأهواء وبغضهم وترك السلام عليهم
 باب النهي عن الجدال في القرآن
 باب في لزوم السُّنَّة
 باب لزوم السنة
 آثار عن الإمام الحسن البصري
 باب في التفضيل
 باب في الخلفاء
 آثار عن مكحول في الملاحم
 آثار مروية عن الحجاج
 الخلافة ثلاثون ودلائل فضل الصحابة رضي الله عنهم
 أبواب في فضل الصحابة والنهي عن سبهم، واستخلاف أبي بكر رضي الله عنه
 بَابُ مَا يَدُلُّ عَلَى تَرْكِ الْكَلَامِ فِي الْفِتْنَةِ
 بَابٌ فِي التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ
 بَابٌ فِي رَدِّ الْإِرْجَاءِ
 بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى زِيَادَةِ الْإِيمَانِ وَنُقْصَانِهِ
 باب في القدر
 بَابٌ فِي ذَرَارِيِّ الْمُشْرِكِينَ
 أبواب في الجهمية والرد عليهم، والرؤية والقرآن
 أبواب متفرقة
 أبواب متعلقة بالخوارج واللصوص
شرح كتاب السنة - بَابٌ فِي رَدِّ الْإِرْجَاءِ

بَابٌ فِي رَدِّ الْإِرْجَاءِ

حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، أَخْبَرَنَا سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ: أَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْعَظْمِ عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ»(1).

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ شُعْبَةَ، حَدَّثَنِي أَبُو جَمْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، قَالَ: إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ لَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَمَرَهُمْ بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ، قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا الْإِيمَانُ بِاللَّهِ؟»، قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُعْطُوا الْخُمْسَ مِنَ الْمَغْنَمِ»(2).

وعَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بَيْنَ الْعَبْدِ، وَبَيْنَ الْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ»(3).


هذان البابان ذكرهما -رحمه الله تعالى-: الأول فيه رد، والثاني فيه تقرير.

(بَابٌ فِي رَدِّ الْإِرْجَاءِ) والثاني في الزيادة والنقصان، نحتاج إلى أن نضع مقدمة تنفع إن شاء الله عز وجل وترتب لطالب العلم موضوع الإيمان؛ لأن الخبص فيه كثير، في القديم وفي الحديث، والفرق افترقت فيه فرقًا شتى، وهدى الله أهل الحق ولله المنة والفضل بالمنهج الصواب السليم فيه، فعلى طالب العلم أن يضبطه، وهو ما سنلخصه إن شاء الله تعالى في الدقائق الآتية قبل الدخول في أحاديث الباب.

فنقول أولاً: مسائل الإيمان الكبار ثلاثة:

المسألة الأولى: حقيقة الإيمان، وحقيقة الإيمان بإجماع أهل السنة والجماعة: "أنه قول باللسان واعتقاد بالقلب" وهو المعبر عنه بالجنان، "وعمل بالجوارح" وقد يُقال: "بالأركان" أركان العبد هي جوارحه، هذه هي حقيقته.

حكا الإجماع على أن الإيمان قول وعمل، الشافعي وأحمد، وحكاه البخاري عن شيوخه وهو معلوم من الشعارات الكبار جدًا عند أهل السنة، أن الإيمان "قول واعتقاد وعمل".

وإذا قالوا بأنه قول وعمل، فليس معناه أنه قول باللسان وعمل بالجوارح دون اعتقاد، ليس هذا هو المقصود، إذا قالوا: قول وعمل تعرف المراد، المراد بكلمة قول: قول اللسان ونطقه، هذا معروف، والثاني قول القلب وهو تصديقه، والعمل عمل القلب كخشوعه ورجائه وحبه، وعمل الجوارح وهو العمل المعروف مثل السجود والصلاة والطواف بالبيت ونحو ذلك، هذا لا يختلف فيه أهل السنة بتاتًا، من خالف إنما خالف المرجئة كما سيأتي الكلام عليهم إن شاء الله لاحقًا.

المسألة الثانية الكبيرة: مسألة الزيادة والنقصان في الإيمان.

لما كان الإيمان قولاً واعتقادًا وعملاً، كان لابد أن يكون هناك تفاوت في قوة الاعتقاد قطعًا بين الناس، فليس اعتقاد محمد بن عبد الله-صلوات الله وسلامه عليه- مثل اعتقاد أي أحدٍ من المؤمنين، فاعتقاده صلى الله عليه وسلم أرسى وأعظم حتى من الجبال الراسية.

فالتصديق هذا ينبغي أن نضبطه، التصديق يتفاوت، ليس التصديق شيئًا واحدًا، فعبارة أن أهل الإيمان في أصله سواء هذه عبارة المرجئة تسللت إلى الكتب الخاطئة، ليسوا سواءً في أصل، بل هم متفاوتون تفاوتًا عظيمًا جدًا، أين إيمان الرسل -صلى الله عليهم وسلم- وإيمان الملائكة وإيمان الصالحين من هذه الأمة، بل أين إيمان الرسل وإيمان الملائكة عليهم الصلاة والسلام من إيمان العصاة من هذه الأمة؟ فلا يقول إن الإيمان واحد إلا المرجئة، الذين يقولون: إن الإيمان كإيمان جبريل وميكائيل.

إذًا المسألة الثانية أن الإيمان يزيد وينقص؛ لأنه شُعب، كما سيأتي في الحديث إن شاء الله عز وجل، إذًا يزيد وينقص من جهة قوة التصديق وضعفه، ويزيد وينقص من جهة واضحة وهي جهة الأعمال، الذي صام اليوم وتبع جنازة وعادى مريضًا، وقرأ جزأين من القرآن أو ثلاثة هذا أكثر عملًا، واضح ممن لم يزر مريضًا ولم يتبع جنازةً ولم يصلِّ مثلاً من الليل ولم يقرأ من القرآن شيئًا، مؤكد أن هذا عمله أكثر، هذا أمر واضح، لكن المقصود: أن الزيادة تكون في العمل وتكون أيضًا في قوة التصديق واليقين.

وقول اللسان واضح، أن ينطق بكلمة الحق، وشهادة "أن لا إله إلا الله، محمد رسول الله" وأن تكون مطابقةً لقلبه، ويكون صادقًا فيما نطق به، هذه المسألة الثانية.

ويظهر الإجماع عند أهل السنة أن الإيمان يزيد، الآيات صريحة جدًا: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا(4)، ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى(5) آيات كثيرة جدًا: ﴿زَادَتْهُمْ إِيمَانًا(6).

المسألة الثالثة: هي مسألة الاستثناء في الإيمان.

والمراد بالاستثناء في الإيمان: أن الرجل إذا قيل له: هل أنت مؤمن؟ أن يقول: إن شاء الله، ولا يكون قوله إن شاء الله على سبيل الشك -معاذ الله- لكن يكون قوله: إن شاء الله على سبيل عدم تزكية نفسه، وعلى سبيل أن الإيمان الكامل أنه لا يدعيه لنفسه لأن الله تعالى قال: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ (1) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (3) أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا(7) هؤلاء هم الكُمَّل.

قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ هؤلاء هم كُمَّل المؤمنون، فإذا قيل: هل أنت مؤمن على هذا الاعتبار؟ تستثني ولا تزكي، ولهذا هذه الآية، لاحظوا هذه فائدة مهمة جدًا في الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- ذكرها الله في أول سورة "الأنفال".

وفي آخر سورة "الأنفال" أعطاك الله عز وجل مثالًا للذين هم أهل الإيمان الكامل: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا(8) المهاجرون والأنصار، فمن يستطيع أن يقول أن إيمانه مثل إيمان المهاجرين والأنصار؟ يقول: إن شاء الله.

أو يستثني على اعتبار العاقبة، هو الآن على إيمان، يعلمه من نفسه بالله وملائكته وكتبه ورسله، لاشك في هذا، لكن لا يدري بماذا يختم له، نسأل الله العفو والعافية.

الأمر الرابع في الاستثناء بالإيمان: يتعلق بأن الإيمان الذي ينفع أهله هو المتقبل، فقد يعمل الإنسان -نسأل الله العفو والعافية- ولا يُقبل منه، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ(9) هو أعلم بالمتقين سبحانه وتعالى؛ ولهذا في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ(10)، قالت عائشة -رضي الله عنها- يا رسول الله، أهو الذي يشرب الخمر ويسرق ويزني؟ قال: «لا يابنة الصِّدِّيقِ»(11) ولكنهم الذين يصلون ويصومون ويتصدقون، ويخشون ألا يُتقبل منهم، أو كما قال صلى الله عليه وسلم .

إذًا هو يستثني في الإيمان بهذا الاعتبار أيضًا، فهو لا يدري أقُبل منه أو لا؟ المهم أن الاعتبارات والمآخذ التي بناء عليها يكون الاستثناء في الإيمان خمسة، ومعلوم أن الإنسان لا يستثني بمعنى أنه يقول: لا أدري هل أنا مؤمن بالله أو أنا كافر به؟ ما في أحد عاقل سوي يقول هذا، ولا يمكن أن يستثني على سبيل مثل هذا السبيل، إلا أن يكون موسوسًا لا يدري، هذا مشكل، أن يقوله شخص يعلم أنه مؤمن بالله ورسوله، لو أن الله عز وجل تُعرض له أو لرسوله صلى الله عليه وسلم لحمي على أشد ما يكون، ولربما قاتل من فعل هذا قتالاً قُتل هو فيه، هذا معلوم أن هذا عنده إيمان جزمًا، فلا يمكن أن يكون إذا قال إن شاء الله أن يكون مستثنيًا.

ومن وجوه الاستثناء أيضًا أن تقول إذا قيل لك هل أنت مؤمن؟ أن تقول: أرجو، أرجو أيضًا وردت في هذا.

من الأدلة على الاستثناء في الإيمان، من المآخذ الخمسة، المأخذ الخامس الذي من أجله يُستثنى في الإيمان:

أنه ورد الاستثناء في أشياء محققة مجزومة، مثل قول الله عز وجل وهو علام الغيوب: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ(12) الله يعلم أنهم سيدخلون المسجد الحرام، هو أعلم بالغيب تعالى، وهكذا قول النبي صلى الله عليه وسلم في زيارة المقابر لما زار أهل القبور: «وإنا إن شاء الله بكم لاحقون».

معلوم أن كل أحدٍ سيموت: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ(13) فكل أحدٍ سيموت، ومع ذلك قال: «وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ»(14) والملك إذا سأل المؤمن وأجاب الجواب السليم في القبر، قالوا: «عَلَيْهِ تُبْعَثُ إِنْ شَاءَ اللهُ»(15) القيامة معلومة ومؤكدة، معلوم أن الملائكة تقول إن شاء الله ليس على سبيل التعليق، بل على سبيل التحقيق، مؤكد، ورد الاستثناء حتى في الأمور المحققة، فبه نعر ف المسألة الثالثة وهي مسألة: الاستثناء في الإيمان.

نأتي الآن إلى موضوع الإرجاء:

ما المراد بالإرجاء؟

الإرجاء من قولك: أرجأ الأمر، أي: أخره، والإرجاء هو تأخير العمل عن مسمى الإيمان، هذا تتفق فيه جميع طوائف المرجئة، الغلاة منهم وفقهاء الكوفة، كلهم يتفقون في أن الإيمان لا يدخل فيه العمل، ثم اختلفوا:

فمنهم من قال: أن الإيمان هو قول باللسان واعتقاد القلب فقط، أي: أنه مكون من شطرين اثنين؛ شطر باللسان وشطر بالقلب.

وقال الجهم بن صفوان وهو من غلاة المرجئة: إن الإيمان مجرد معرفة القلب، إذا عرف أن الله ربه فهذا كافي، ولهذا قال: الكفر هو الجهم، قال أهل العلم: وقد نصت النصوص على أن إبليس عرف ربه، قال: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ(16)، قالوا: فعلى تعريف الجهم بن صفوان أن إبليس -والعياذ بالله- مؤمنًا، وهكذا ذكر تعالى معرفة أهل الكتاب وأنهم يعرفون النبي صلى الله عليه وسلم : ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ(17) ومع ذلك هم كفار، فكيف يكون مجرد معرفة القلب هو الإيمان؟! لاشك أن هذا من أعظم الباطل وأشد الغلو.

ورث الجهم بن صفوان المرجئة من المتأخرين وهم الأشعرية والماتريدية، فقالوا: إن الإيمان هو مجرد التصديق القلبي، فجعلوا هم والجهم مناط الإيمان في اعتقاد القلب فقط، في أمر القلب فقط، عبَّر الجهم بقوله: المعرفة، وعبروا هم بقولهم: التصديق، وأخرجوا اللسان، بمعنى: أن الإنسان ولو لم ينطق بلا إله إلا الله متعمدًا مع قدرته، بزعمهم أنه يكون مؤمنًا كامل الإيمان مثل إيمان جبريل وميكائيل.

فهنا انفتح باب خطير جدًا، ولم يتفطن له المرجئة ولا من وقع في باطلهم، أنه إذا قيل: أن مناط الأمور متعلقة بالإيمان هو القلب، فمعنى ذلك: أن الكفر سيكون متعلق بالقلب، وعلى هذا: لو أن إنسانًا سبّ الله ورسوله -والعياذ بالله- هذا السب باللسان، فإذا قال: أنتم تعلمون أو تعتقدون أن الإيمان هو أمر قلبي؛ إذًا الكفر لابد أن يكون من جهة القلب، ولا يكون من جهة اللسان؛ لأنكم تقولون: لا دخل لنطق اللسان في الإيمان، وبالتالي لا دخل له في الكفر، فلا تكفر بنطق اللسان، إنما كفِّر بأمرٍ يتعلق بالقلب، فانفتح هذا الأمر الخطير جدًا على الأمة، وبالفعل التزمه بعض المرجئة.

قالوا: إنا لا نقول أنه كافرٌ، عند الله عز وجل يمكن أن يكون مؤمنًا، لكنه كافر في أحكام الدنيا إذا سبّ الله ورسوله، قيل: فإن سبّ الله ورسوله كفر أو ليس بكفر في ذاته؟ قالوا: ليس بكفر.

قال شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- في الصارم: وهذا مخالف لما أجمعت عليه الأمة؛ لأن الله تعالى كفَّر أهل الكفر بأقوالهم، وقال عز وجل : ﴿وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ(18)، وسماها "كلمة الكفر"، فكيف ينطق الإنسان كلمة الكفر إلا أن يكون مُكرهًا، إذا أُلجئ وأُكره أو أن يخطئ، كالذي قال لما وجد راحلته من شدة الفرح: «اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي، وَأَنَا رَبُّكَ» أراد أن يقول: اللهم أنت ربي وأنا عبدك، قال صلى الله عليه وسلم : «أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ»(19).

أي شخص لم يخطئ ولم يُكره ويسب الله ورسوله فهذا عند أهل السنة بإجماعهم كافر ظاهرًا وباطنًا، وهكذا من رمى المصحف في القاذورات كافر ظاهرًا وباطنًا، من سجد للشمس كافرٌ ظاهرًا وباطنًا إلا أن يكون مُكرهًا مُلجئًا ليس له حيلة، قطعًا أخرج المجنون، فالمجنون وضع آخر، إنما المقصود من يكون عاقلاً مُختارًا، فبإجماع أهل السنة هذا يكون كافر.

قال شيخ الإسلام: "هذا يكون كافرًا ظاهرًا وباطنًا".

ثم ذكر شيخ الإسلام أن القاضي أبا يعلى -عفا الله عنه- زعم أن من سبّ النبي صلى الله عليه وسلم فإنه يكون كافرًا في الظاهر وليس بالضرورة أن يكون كافر بالباطن، قال شيخ الإسلام: وعفا الله عن القاضي فإنه قد قال بنفسه في كتبٍ أخرى له بخلاف هذا القول، وإنما دخل هذا القول على القاضي وعلى بعض الفقهاء من الجهمية الإناث، يعني: المتأخرين، قال -رحمه الله تعالى-: "وليُعلم أنه قولٌ لم يقل به أحد من أهل الفتوى، وإنما هو خطأ" يعني: عندنا بعض الأقوال تكون خطأ، وقد تُنسب لبعض أهل العلم، إذا أردت أن تقول الأقوال في المسألة إيَّاك أن تقول هذا القول، يقول: هذا من الأقوال الخاطئة، ليس مما يذكر ضمن كلام أهل العلم، أول من قال إن الرجل يمكن أن يسجد للشمس ويكون مؤمنًا ولا يكون كافرًا إلا إذا طابق بزعمه القلب عمله هو الجهم بن صفوان، معروف عنه فهو من غلاة المرجئة.

فهذه مقولة خطرة جدًا؛ لأنه يترتب عليها أن يُسَّب الله ورسوله وأن يُستهزأ بهما، ثم يقول قائل: وأنت تعرف ما في قلبي؟ أنا أقولها بلساني، لكن قلبي لم يواطئ ما نطقت به بلساني، وقد أكثر الله المنافقين بالقول، حينما سخروا بالنبي صلى الله عليه وسلم وبالقرّاء من أصحابه -رضي الله عنهم- فقال تعالى: ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ(20)، ماذا قالوا؟ قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ(21)، وهي قولهم: "ما رأينا مثل قرائنا" يعنون النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه "أرغب بطونًا ولا أجبن عند اللقاء" إلى آخر قولهم الخبيث، فكفرهم الله بها، ولما اعتذروا، قالوا: حديث الركب، ما كان عن قصدٍ منا، وإنما كان مجرد نقطع به الطريق، قال تعالى: ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾.

فليس لأحدٍ أن يكفر بلسانه أو فعله ثم يقول: أن ما وطئ قلبي، يُقال: أنت كافرٌ ظاهرًا وباطنًا إلا من استثنى الله مثل المُكرَه، المكره إكراهًا حقيقيًا ليس له فيه حيلة، هذا هو الوجه الآخر، أو الذي أخطأ، قد يخطئ الإنسان قد يقول بعض الأحيان: "اللهم إني أسألك النار وأعوذ بك من الجنة" يُقال: لا تخف، رب العالمين أعلم بك، أنت أردت أن تقول: "اللهم إني أسألك الجنة وأعوذ بك من النار" فلا تخف، لعل الدعوة تحققت ويجعلنا من أهل النار! رب العالمين أعلم سبحانه وتعالى، أنت أخطأت، والخطأ هذا معفو، الإكراه والإلجاء الذي ليس فيه حينًا معفو، لكن شخص قاصد مختار لاشك أنه يؤخذ به ويكفر ظاهره وباطنه.

الإرجاء إذًا هو إخراج العمل أو إرجاءه عن الإيمان ترتب عليه خلل في الكفر، وخذها قاعدة قلناها أكثر من مرة: كل أحد يكون عنده خللٌ في فهم الإيمان لابد أن يكون عنده خلل في فهم الكفر، وكل أحد يكون عنده خلل في فهم التوحيد يكون عنده خلل في فهم الشرك، لزامًا، إذا قال أحد: إن التوحيد هو الإقرار بأن الله هو الخالق، إذا سألته فقلت ما هو الشرك؟ قال: أن يعتقد أحد أن الله معه خالق آخر، قيل: فإذا سجد لغير الله وذبح لغير الله؟ قال: هذا لا يكون شركًا؛ لأن التوحيد أن يقر بالخلق، قد يقول: إنه معصية كما قال بعض السفهاء من المتأخرين.

تعرف ما الخلل؟ الخلل أنه ما فهم التوحيد، فلهذا ما فهم الشرك، وهكذا الكفر إذا ما فهم الإيمان لن يفهم الكفر؛ لأن الإيمان ضده الكفر، والتوحيد ضده الشرك، فإذا اختل فهمه للتوحيد سيختل فهمه للشرك لزامًا، وإذا اختل فهمه للإيمان فسيختل فهمه للكفر، وهنا نحذر من أمر في غاية الخطورة تطرق إلى عدد من طلبة العلم للأسف الشديد، وهو أن يُحجر من أن تطرق إليك عقيدة شارح الحديث أو مفسر الآية أو المصنف في كتب أصول الفقه أو في كتب الفقه وأنت لا تدري، مثلما قال شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-، قال: هذا القول تطرق إلى الفقهاء من الجهمي إلى الفقهاء المتأخرين، وليس إلى كلهم قطعًا إنما إلى بعضهم، من الجهمية الإناث أن بعض من ألف كان من الجهمية وأدخل هذا في كتابه، فتطرق من خلال شروح الحديث إذا كان شارح الحديث جهميًا، فإنه سيشرح الحديث بناء على فهمه هو، فيأتي طالب العلم الذي اهتم مثلاً بالحديث من جهة أنواعه والرجال ونحوه، ولم يضبط مسألة العقيدة فتجد طلبة علمٍ من أهل السنة ينقلون مقولات الجهمية وهم لا يدرون؛ لأنه لا يدري أن الشارح يقول بقول الجهمية، سواء الجهمية الذكور كما سماهم شيخ الإسلام، أو الإناث وهم الفروع كالأشعرية والماتريدية، فينبغي أن يُعلم ويفهم أمر الإيمان، وهكذا أمر القدر وأمر الصفات؛ لأن الخطر فيها كبير فإن لم تفهم حقيقة قول أهل السنة وقرأت في قول هؤلاء الذين صنفوا مثل هذه المصنفات ولم تدرِ عقيدته وهذا خطر كبير عليك، هذه الشروح وهذه التفاسير نافعة، استفادوا منها بلا شك، لكن عليك أن تعرف الاعتقاد أولاً وتضبطه.

تجد أن الذي يضبط الاعتقاد إذا مر به شرح الحديث وفيه تأويل صفة قال هذا من التجهم، إذا مر به تفسير آية عند الرازي، عند البيضاوي، عند فلان، عند فلان، قال: هذا من إرجائهم، يعني من المرجئة من يقول هذا؛ لأنه يعرف الإرجاء ويعرف التجهم، ويعرف سبيل الخوارج، فيكون عنده حصانة، أما أن يقتحم هذه الكتب، وهذه المطولات هو لا يدري بمثل هذه التفاصيل لاشك أن هذا خطأ، ويتطرق إليه ونبه عليه الشيخ محمد بن عثيمين، طلبة العلم لا يهتموا بمسائل العقيدة ويضبطوها ويهتموا بجوانب أخرى في الفقه والأصول أو نحوها ويكون عندهم هذا الخلل والتفصيل في الأصل وهو الاعتقاد، مع أنه سني وعلى السنة وينتسب للسلف ولا يشك في أن قول السلف هو الصحيح، تدخل عليه أقوال ولا يشعر، فلهذا مقولة المرجئة دخلت على بعض الناس وبعضهم دخلت عليهم كتب الشروح، شروح الحديث بالذات، فصاروا ينقلون شروح الحديث وتفاسير الآيات ولا يدرون أن الشارح والمفسر من القائلين بقول المرجئة، فخفيت عليهم هذه، ولهذا أحببنا أن يُعرف الإرجاء.

الإرجاء أصله التأخير، يعني: تأخير العمل، فلما أخروا العمل منهم كأبي حنيفة -عفا الله عنه وغفر الله له- من قال: إن الإيمان، وهكذا مرجئة الفقهاء، شيخه محمد بن سليمان وهؤلاء خير المرجئة، أفضل المرجئة، يعني هم أهل علم ومع ذلك من أحسن ما يجاب به عن أبي حنيفة -رحمه الله تعالى- أنه لما ناقشه حمّاد بن زيد -رحمه الله تعالى- في حديث: فَأَيُّ الْإِيمَانِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «الْهِجْرَةُ»، قَالَ: وَمَا الْهِجْرَةُ؟ قَالَ: «أَنْ تَهْجُرَ السُّوءَ»، قَالَ: فَأَيُّ الْهِجْرَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «الْجِهَادُ»(22) قال حمّاد لأبي حنيفة، ألا تُراه جعل الهجرة والجهاد من الإيمان؟ يعني: وهما من العمل، فسكت أبو حنيفة -رحمه الله تعالى-، فقال بعض أصحابه: أجبه يا أبا حنيفة، قال تريدني أن أجيبه ويحدثني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! أتريد أن أرد على الحديث؟! سأسكت، هذا يدل على ورعه -رحمه الله تعالى- وعلى تقواه، فالقول بأن الإيمان هو الاعتقاد والنطق فقط هذا قول مرجئة الفقهاء، جعلوا الإيمان متعلقًا بالقلب فقط بأن يقول هو المعرفة أو هو التصديق، هذا قول الغلاة، القول بأنه المعرفة قول الجهم بن صفوان، والقول بأنه مجرد التصديق قول الأشعرية والماتريدية.

قال: بأن الإيمان هو نطق اللسان فقط، فإذا نطق بلسانه فهو كامل الإيمان، وأغفلوا حتى اعتقاد القلب؛ إذًا اتفقت جميع المرجئة على إخراج العمل من الإيمان، قلنا أن هذا انعكس انعكاسًا شديدًا عليهم في مسألة الكفر.

وأقر الكشميري وهو من أحسن من فهم هذا من المرجئة المتأخرين، أقر بخطورة مقولة المرجئة، قال: إن عندنا إشكالاً يرد علينا، ما هو؟ قال: إن قلنا أن رمي المصحف في القاذورات وسب الله ورسوله ليس كفرًا فقد خالفنا إجماع الأمة، وإن قلنا أنه كفر أسقطنا قولنا في الإيمان أنه تصديق، لماذا؟ لأنه يقول: الإيمان هو التصديق والكفر هو الجحود هكذا هم فسروا، وبناء عليه: قالوا لا يخرج من الإيمان إلا من الطريق الذي دخل به، دخل الإيمان من ماذا؟ قالوا: من قلبه، فلا يُخرج إلا من قلبه، فجاءت مسألة سب الله وسب رسول الله، هي باللسان، قال: عندنا إشكال الآن، إن قلنا إنها كفرٌ فمعنى ذلك أن الكفر إذا تطرق إلى العبد من جهة لسانه فمعنى ذلك أن للسان علاقةً بالإيمان، يقول: فإن تطلبوا قولنا أن الإيمان هو التصديق، وصدق، وإن قلنا إن هذه الأعمال الخبيثة كرمي المصحف في القاذورات وسب الله وسب رسول الله ليس كفرًا قال: هذا إجماع أمة محمد، إجماع الصحابة والتابعين، معلوم أنه كفر، قال: فهذه ورطة، كأنه يعبر عنها، هذه مشكلة وهي في الحقيقة ورطة للمرجئة، ولهذا الإيمان: "قول باللسان واعتقاد بالجنان، وعمل بالجوارح".

قال الشافعي -رحمه الله تعالى- فيما نقله شيخ الإسلام: إن هذا إجماع السلف من الصحابة والتابعين، قال: لا يجزئ واحد عن الآخر، فلو أن إنسانًا نطق بلسانه واعتقد بقلبه ولم يعمل نهائيًا، يقول أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي: بإجماع الصحابة والتابعين لا يكون مؤمنًا، هذا المعروف، لأنك الآن تقول: الإيمان قول واعتقاد وعمل، نقول لك: إذا لم ينطق متعمدًا، نقول: يكفر، إذا كان اعتقاده اعتقاد المنافقين، قال: وعمل، لكن هو في الباطن كاذب منافق، تقول: لا ينفعه، فإذا قال واعتقد ولم يعمل لابد أن تقول إنه كافر، إذا ترك العمل بالكلية، لم؟ لأنك تقول قول واعتقاد وعمل، إن ترك القول كفر، إن ترك الاعتقاد كفر، فإذا ترك العمل، إذا قلت لا يكفر عدت إلى قول المرجئة الفقهاء وإن كنت لا تريد هذا، يلزمك أن تكون عائدًا إليه، لأن مرجئة الفقهاء ماذا قالوا؟

قالوا: إذا ترك قول اللسان كفر، وإذا ترك اعتقاد القلب كفر، وإذا ترك العمل ما يكفر، قلنا: لماذا؟ قالوا: لأنا نقول: العمل لا علاقة له بالإيمان، وبالتالي لا علاقة له بالكفر، هذا التقرير ينضبط مع قول مرجئة الفقهاء، أما أن يأتي شخص ويقول: الإيمان قول واعتقاد وعمل، إن ترك القول كفر، وإن ترك الاعتقاد كفر، وإن ترك العمل لا يكفر؟! هذا ركب قولين، ركب قول لأهل السنة وقول المرجئة، وهو لا يشعر.

وكان شيخنا الشيخ ابن باز -رحمه الله تعالى- يغضب كثيرًا إذا استدل بعض طلبة العلم عليه بحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر في أحاديث الشفاعة أنه يُخرج من النار من لم يعمل خيرًا قط، فكان -رحمه الله تعالى- يسائل السائل هو نفسه، يقول: إذا قال: أشهد أن لا إله إلا الله، ولم يقل أشهد أن محمد رسول الله يكفر أو لا يكفر؟ قال: بلى، يكفر.

طيب الأحاديث ماذا وردت؟ «مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ دَخَلَ الجَنَّةَ»(23) أليس كذلك؟ ما جاء في الرواية: «مَنْ لَقِيَ اللهَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ دَخَلَ الجَنَّةَ»(24) فتأخذ رواية وتقول هذه الرواية دالة على أن من ترك العمل بالكلية نهائيًا، لم يسجد لله سجدة حياته كلها، أنه إذا ترك العمل على هذا النحو فإنه يكون مسلمًا؟! ما ضبط قول المرجئة ولا قول أهل السنة في هذه الحال.

فقال -رحمه الله تعالى: تضم الأحاديث، ما يأتي إنسان يأخذ حديثًا ويترك بقية النصوص الأخرى، ألم يبين الله عز وجل أمر الصلاة، وتأتينا في الأحاديث الآتية إن شاء الله: «بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ تَرْكُ الصَّلَاةِ»(25) ونحوها، كيف يقال أن ترك العمل بالكلية يكون معه مؤمنًا؟! هذا كلام باطل وحتى أهل النار.

إذا دخل أهل النار النار، ودخل من ضمنهم الموحدون، فإن الله حرَّم على النار أن تأكل من المصلين مواضع السجود؛ لأنهم أهل صلاة، ولهذا ماذا يُسمى أهل الإسلام؟ يُسمون أهل الصلاة، لابد أن يكون عندهم شيء من العمل، أما ألا يكون عنده عمل نهائيًا، ثم نقول: إنه مؤمن، ونقول نحن أهل السنة الإيمان عندنا قول واعتقاد وعمل، هذا تناقض، إما أن تقول أنه لا يؤثر العمل فتكون مرجئًا، وإما أن تقول الإيمان قول واعتقاد وعمل، سيكون للعمل تأثير، كما أن القول إذا تُرك يكون له تأثير، والاعتقاد إذا تُرك يكون له تأثير، أما أن تركب المذاهب هكذا، فهذا مثلما قلت من تداخل المذاهب ومن تداخل من لم يحرر المسألة تداخل كلام الشراح عليه، شروح الحديث نافعة نفعًا عظيمًا جدًا، لكن عليك أن تعي وتضبط مسائل الاعتقاد قبلها، أما أن تخوض في مسائل شروح الأحاديث وتفاسير الآيات على يد من لم يحرر المسألة التحرير الشرعي السليم على طريقة أهل السنة ثم تدخل عليك هذه الإشكالات ورأيناها في رسائل دكتوراة ورسائل ماجستير، ليس فئة خاصة بآحاد من طلبة العلم، أناسًا تتعجب كيف يكتب هؤلاء!

وإذا أوقفتهم وسألتهم، قلت: أنت لا تقر بالصفات؟ يقول: أعوذ بالله، أنا من أهل السنة كيف لا أقر بالصفات؟! تعرف النقل الذي نقلته هذا، عن الجرجاني أو عن غيره حين تقبل صفة دون الوصف، معناه أنه يقبل الصفات الذاتية دون الاختيارية، تقول: معاذ الله، أنا أقول بهذا؟! هذا الآن نقلته في كتابك، لأنكم تنقلون مالا تعلمون، فينبغي أن يلاحظ هذا ويُتفطن غاية التفطن.

من أهم الأمور أيضًا ضبط مسائل الاعتقاد، يأتي طلبة علم موفقون إن شاء الله تعالى يكونون دقيقين جدًا في ضبط مسائل مصطلح الحديث، ويمضون أوقاتًا طويلة في ضبطها وخلاف ابن الصلاح مع العراقي مع ابن حجر، مع فلان مع فلان، بعض الأحيان لا يستحضرون معنى لا إله إلا الله، هذا مشكل، علم المصطلح علم آلة، أما علم الاعتقاد فهو علم أصل، فينبغي أن يلاحظ هذا الأمر.

أطلت في هذا الموضوع لأنه إذا أتتنا بعض هذه المسائل من الإرجاء ونحوها لابد أن نعرفها خاصة إذا كانت مداخلة على الناس، ثم ينبغي أن نعرف شيئًا هو أن من بدع المتأخرين العجيبة الآن أن هذه المسائل المرجئة، الخوارج صارت للأسف الشديد نوعًا من اللعب، كل من أراد أن يسقط شخصًا قال: أنت مرجئ، ويقول الذي أسقط أنت خارج.

يا إخوة المسألة ليست بعيدًا، إذا قلت أنه خارجي وليس بخارجي، الكلام خطير جدًا؛ لأن الخارجي ما حكمه شرعًا؟ حكمه القتل، قال صلى الله عليه وسلم : «أَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُم، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتلا»(26) أنت الآن تشيط بدمه بهذه الطريقة، يقول: إنه خارجي، إذا رد وقال إنه مرجئ، الإرجاء خطير جدًا كما نرى، حتى قال بعض السلف إني لأخشى على هذه الأمة من المرجئة أشد خشيةً عليهم من الأزارقة، الأزارقة من غلاة الخوارج، كانوا يقتلون حتى الأطفال، لماذا؟ لأن الإرجاء يدخل على الناس ولا يشعرون به، وتجد عامة الناس يحبون هذا الكلام، أنت تصلي الفجر وتتقي الله، وكذا، الله غفور رحيم، تشدد، نحن أبناء فطرة، هذا نوع من الإرجاء، تخوين العمل والتسهيل في أمر العلم، لا تشرب الخمر، لا ترابي، تقول: لا تشدد، نحن نفهم معنى التوحيد، هذه مقولة المرجئة دخلت على الناس، لهذا خشي السلف عليهم، فإذا قلت أنه مرجئ فقد ضربته بتهمة كبيرة، وإذا قال لك خارجي ضربك بتهمة كبيرة.

ثم إن اللعب بهذه الطريقة يجعلون الخارجي الحقيقي إذا اتهم بأنه خارجي الناس صارت تسمع الخارجي في خطب جمعة ولأهل علم ولطلاب علم ولأناس صالحين فخفت في الناس كلمة خارجي، بسب أنه يطرقها على كل أحد، هذا خلل، خلل كبير، يجب أن نعرف أن الرافضي، خارجي، جهمي، معتزلي، أنك الآن ضربته ضربةً شديدةً جدًا في صلته بالسنة وفي أصل اعتقاده، فلا يتلاعب بهذا، وتتقاذف تقاذف الصبيان، يجب إذا أُطلقت أن تُطلق إطلاقًا علميًا سليمًا على شخص يحدد ما وجه كونه خارجيًا؟ ما وجه كونه مرجئيًا؟ ما وجه كونه جهميًا؟ صارت الأمور لعبة.

فالحاصل: أن الإرجاء على ما ذكرنا لك.

لاحظ أبا داود -رحمه الله تعالى- من فقهه وعلمه قال: (بَابٌ فِي رَدِّ الْإِرْجَاءِ).

المعتاد هذه الأحاديث أين تُذكر أيها الإخوة؟ باب في الإيمان أو في حقيقة الإيمان، هو يقول: سأروي الأحاديث التي في الإيمان وستعرف من خلالها القول الحق في الإيمان، فإذا عرفت القول الحق في الإيمان صارت ردًا على الإرجاء، هذا نوع من الدقة في العنوان (بَابٌ فِي رَدِّ الْإِرْجَاءِ)، كيف يُرد الإرجاء؟ بالنصوص الصحيحة الثابتة.

بدأها -رحمه الله تعالى- بالحديث الجامع، وهو قوله صلى الله عليه وسلم : «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ»(27) والظاهر أن صواب الرواية وهي التي جزم بها البخاري: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَستُونَ شُعْبَة»(28) أي: أنه أجزأ الشعبة الخصلة، فهو ليس شيئًا واحدًا، لأن المرجئة ماذا تقول؟ تقول: الإيمان شيء واحد في القلب، إما أن يكون ثابتًا فيكون مثل إيمان جبريل وميكائيل، وإما أن يرتفع فيكون الإنسان كافرًا وليس شعبًا، إذا قيل أنها شُعب سقط قول المرجئة مباشرة.

قال صلى الله عليه وسلم : «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَستُونَ شُعْبَة، أَفْضَلُهَا» وفي لفظٍ: «أعلاها، قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْعَظْمِ» وفي الرواية الأخرى: «وأدناها إماطة الأذى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ»(29).

ما مزية هذا الحديث؟

مزية هذا الحديث أنه شاهد لقول أهل السنة أن الإيمان قول واعتقاد وعمل، هنا يقول صلى الله عليه وسلم : «أَفْضَلُهَا أو أعلاها قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ»، فدل على أن الإيمان، يقول: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَستُونَ شُعْبَة» هذه الشعب على النحو الآتي:

منها ما هو قولي، ومنها ما هو قلبي، ومنها ما هو من الجوارح، «أَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأذى» تأخذ الأذى وتزيله بيدك.

«وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ»(30) ومعلوم أن الحياء في القلب، فهذا دل على مقولة أهل السنة، والأدلة لأهل السنة والحمد لله كثيرة لكن هذا الحديث جمعها، مزية هذا الحديث أنه جمعها.

في حديث وفد عبد القيس أن النبي صلى الله عليه وسلم بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ، ثم قَالَ لهم: «أَتَدْرُونَ مَا الْإِيمَانُ بِاللَّهِ؟» في البخاري: أن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: ثم فسره لهم، يعني: فسر لهم الإيمان، ثم فسره يعني أن هذا تعريف للإيمان، ما الإيمان؟قَالَ: «شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُعْطُوا الْخُمْسَ مِنَ الْمَغْنَمِ»(31) هذا الحديث يُعد من أكبر أصول أهل السنة وأدلتهم، لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أدخل في تعريف الإيمان الأعمال، أدخل الرسول صلى الله عليه وسلم الصلاة والزكاة وأدخل أداء الخمس، «وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُعْطُوا الْخُمْسَ مِنَ الْمَغْنَمِ»(32) هذه كلها أعمال ومع ذلك أدخلها صلى الله عليه وسلم في الإيمان.

يقول ابن عباس في حديث وفد عبد قيس: (ثم فسره لهم) فسر لهم الإيمان، قال: آمركم بالإيمان بالله، ثم قال: «أَتَدْرُونَ مَا الْإِيمَانُ بِاللَّهِ؟» هذا تفسير محمد صلى الله عليه وسلم أدخل الأعمال في الإيمان، فلهذا هذا الحديث من الأصول الكبار الدالة على أن العمل من الإيمان، وفيه -كما قال أبو داود- رد قول المرجئة، وهكذا الحديث السابق: «أَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا» إلى آخره، فيه رد لقول المرجئة، وهو الذي قال: (بَابٌ فِي رَدِّ الْإِرْجَاءِ).

في قوله صلى الله عليه وسلم : «بَيْنَ الْعَبْدِ، وَبَيْنَ الْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ»(33) الحديث صحيح، وكذلك الأحاديث السابقة، فيه رد أيضًا على قول المرجئة؛ لأنهم يقولون بعدم دخول العمل في حقيقة الإيمان، الصلاة عمل، كفر تاركها، فكيف لا يكون للعمل تأثير في الإيمان؟ فكما أن الإيمان يكون بأن تفعل وتقول وتعتقد، فالكفر يكون بأن تترك الفعل، فلما ترك الصلاة صار بها كافرًا.

واعلم الفتوى بأن الكفر بترك الصلاة هو القول الصحيح، الذي لا يُعلم أحدٌ من الصحابة خالف فيه نهائيًا، وهو الذي نقله عبد الله بن شقيق العقيلي -رحمه الله تعالى- عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قال: لم يكن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يرون شيئًا من الأعمال تركه كفرٌ إلا الصلاة، هذا فيما يتعلق بالصحابة.

أما فيما يتعلق بكلام أهل العلم: فإن هنا خطأً شائعًا جدًا بنسبة هذا القول لأحمد بن حنبل وحده، وهذا خطأ كبير للغاية في النسبة، هناك أخطاء في نسبة الأقوال توجد تارةً في كتب الفقه، تارةً تكون شائعة، القول بكفر تارك الصلاة هو قول جمهور المحدثين، من الذي قال أنه قول جمهور المحدثين؟ قاله الإمام الجليل محمد بن نصر المروزي صاحب كتاب "تعظيم قدر الصلاة" هو من أنفس وأنفع الكتب -رحمه الله تعالى-، مع أنه في "تعظيم قدر الصلاة" إلا أنه تطرق في الإيمان ومسائله والرد على المرجئة ردودًا عظيمةً جدًا في الكتاب هذا.

القول بأنه قول جمهور المحدثين حكاه محمد بن نصر، وإذا حكاه محمد بن نصر، ما مزية محمد بن نصر؟ محمد بن نصر اعتنى عنايةً خاصة بتتبع الأقوال، قالوا: كان أعلم الناس بأقوال الصحابة والتابعين.

بعض أهل العلم يقول: لديه نوع من التدقيق في جانب من الجوانب، هو دقق -رحمه الله تعالى- في حكاية الأقوال، واختار -رحمه الله تعالى- في هذا الكتاب من الشافعية هو، اختار -رحمه الله تعالى- أن تارك الصلاة كافر، ونقل آثار مهمة جدًا عن الصحابة في كفر تارك الصلاة، فالقول بأن هذا قول أحمد وخالفه العلماء هذا قول غير صحيح، هذه حكاية خاطئة، لأن تكفير تارك الصلاة قبل أحمد وقبل الشافعي هو قول جماهير المحدثين في السابق، ثم قال أحمد بقول الجمهور من المحدثين، فترك الصلاة لاشك أنه كفر.

هذا القول بتكفير تارك الصلاة فيه رد على المرجئة الذين يقولون بأن العمل ليس من الإيمان؛ إذًا لماذا كفر تارك الصلاة؟


(1) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان- باب أمور الإيمان (9)، ومسلم في كتاب الإيمان- باب بيان عدد شعب الإيمان وأفضلها وأدناها (35).
(2) أخرجه البخاري في كتاب مواقيت الصلاة- باب قول الله تعالى: {مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (523)، ومسلم في كتاب الإيمان- باب الأمر بالإيمان بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم (17)، من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.
(3) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب: بيان إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة (82).
(4) المدثر: 31.
(5) مريم: 76.
(6) الأنفال: 2.
(7) الأنفال: 1-4.
(8) الأنفال: 74.
(9) المائدة: 27.
(10) المؤمنون: 60.
(11) أخرجه الترمذي في كتاب تفسير القرآن- باب ومن سورة المؤمنون (3175)، وصححه الألباني في «مشكاة المصابيح» (162).
(12) الفتح: 27.
(13) الأنبياء: 34.
(14) أخرجه مسلم في كتاب الجنائز - باب ما يقال عند دخول القبور والدعاء لأهلها (974).
(15) أخرجه ابن جرير الطبري في «تفسيره» (7/446)، وابن حبان في «صحيحه» (3113 ابن بلبان).
(16) الحجر: 39.
(17) البقرة: 146.
(18) التوبة: 74.
(19) أخرجه البخاري في كتاب الدعوات- باب التوبة (6309)، ومسلم في كتاب التوبة- باب في الحض على التوبة والفرح بها (2747)، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، وفي «الصحيحين» أيضًا من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وعند مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(20) التوبة: 66.
(21) التوبة: 74.
(22) أخرجه أحمد في «مسنده» (28/ 252).
 (23)أخرجه أبو داود في كتاب الجنائز- باب في التلقين (3116). وصححه الألباني في «صحيح أبي داود».
(24) أخرجه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء- باب قوله يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم (3435)، ومسلم في كتاب الإيمان- باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة (28).
(25) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب: بيان إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة (82).
(26) أخرجه البخاري في كتاب المناقب - باب علامات النبوة في الإسلام (3611)، ومسلم في كتاب الزكاة - باب التحريض على قتل الخوارج (1066) عن علي رضي الله عنه.
(27) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان- باب أمور الإيمان (9)، ومسلم في كتاب الإيمان- باب بيان عدد شُعب الإيمان وأفضلها وأدناها (35).
(28) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان- باب أمور الإيمان (9)، ومسلم في كتاب الإيمان- باب بيان عدد شُعب الإيمان وأفضلها وأدناها (35).
(29) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان- باب أمور الإيمان (9)، ومسلم في كتاب الإيمان- باب بيان عدد شعب الإيمان وأفضلها وأدناها (35).
(30) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان- باب أمور الإيمان (9)، ومسلم في كتاب الإيمان- باب بيان عدد شعب الإيمان وأفضلها وأدناها (35).
(31) أخرجه البخاري في كتاب مواقيت الصلاة- باب قول الله تعالى: {مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (523)، ومسلم في كتاب الإيمان- باب الأمر بالإيمان بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم (17)، من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.
(32) أخرجه البخاري في كتاب مواقيت الصلاة- باب قول الله تعالى: {مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (523)، ومسلم في كتاب الإيمان- باب الأمر بالإيمان بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم (17)، من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.
(33) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب: بيان إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة (82).