موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - بَابٌ فِي التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - شرح كتاب السنة
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح كتاب السنة لفضيلة الشيخ عبدالله بن عبدالعزيز العنقري
  
 
 شرح كتاب السنة
 باب شرح السنة
 باب النهي عن الجدال وإتباع المتشابه من القرآن
 مجانبة أهل الأهواء وبغضهم وترك السلام عليهم
 باب النهي عن الجدال في القرآن
 باب في لزوم السُّنَّة
 باب لزوم السنة
 آثار عن الإمام الحسن البصري
 باب في التفضيل
 باب في الخلفاء
 آثار عن مكحول في الملاحم
 آثار مروية عن الحجاج
 الخلافة ثلاثون ودلائل فضل الصحابة رضي الله عنهم
 أبواب في فضل الصحابة والنهي عن سبهم، واستخلاف أبي بكر رضي الله عنه
 بَابُ مَا يَدُلُّ عَلَى تَرْكِ الْكَلَامِ فِي الْفِتْنَةِ
 بَابٌ فِي التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ
 بَابٌ فِي رَدِّ الْإِرْجَاءِ
 بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى زِيَادَةِ الْإِيمَانِ وَنُقْصَانِهِ
 باب في القدر
 بَابٌ فِي ذَرَارِيِّ الْمُشْرِكِينَ
 أبواب في الجهمية والرد عليهم، والرؤية والقرآن
 أبواب متفرقة
 أبواب متعلقة بالخوارج واللصوص
شرح كتاب السنة - بَابٌ فِي التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ

بَابٌ فِي التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ

وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تُخَيِّرُوا بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ»(1).

حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «مَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ إِنِّي خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى»(2).

حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى الْحَرَّانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ يَقُولَ إِنِّي خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى»(3).

حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ أَبِي يَعْقُوبَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى فَرَفَعَ الْمُسْلِمُ يَدَهُ فَلَطَمَ وَجْهَ الْيَهُودِيِّ فَذَهَبَ الْيَهُودِيُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تُخَيِّرُونِي عَلَى مُوسَى، فَإِنَّ النَّاسَ يُصْعَقُونَ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ فَإِذَا مُوسَى بَاطِشٌ فِي جَانِبِ الْعَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَكَانَ مِمَّنْ صَعِقَ فَأَفَاقَ قَبْلِي، أَوْ كَانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ»(4) قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَحَدِيثُ ابْنِ يَحْيَى أَتَمُّ.

حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ مُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلٍ، يَذْكُرُ عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا خَيْرَ الْبَرِيَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «ذَاكَ إِبْرَاهِيمُ»(5)

حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ أَبِي عَمَّارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ فَرُّوخَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ، وَأَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ»(6).

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُتَوَكِّلِ الْعَسْقَلَانِيُّ، وَمَخْلَدُ بْنُ خَالِدٍ الشَّعِيرِيُّ الْمَعْنَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا أَدْرِي أَتُبَّعٌ لَعِينٌ هُوَ أَمْ لَا، وَمَا أَدْرِي أَعُزَيْرٌ نَبِيٌّ هُوَ أَمْ لَا»(7).

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِابْنِ مَرْيَمَ، الْأَنْبِيَاءُ أَوْلَادُ عَلَّاتٍ، وَلَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ»(8).


الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد على آله وصحبه وسلم آمين:

قرأت أحاديث باب التخيير بين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ونشرح هذا بإذن الله عز وجل، الحديث الأول في قوله: «لا تُخَيِّرُوا بَيْنَ الأَنْبِيَاءِ»(9)، أي لا تفضلوا بعضهم على بعض.

حمل بعض أهل العلم الحديث على أن المراد التخيير الذي يكون فيه تنقيص للمفضول وإلا فقد قال الله عز وجل : ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ(10)، فالرسل لا شك أنهم بينهم تفضيل وعليه يحمل هذا الحديث على هذا الوجه.

وقيل إن هذا قبل أن يوحى إليه صلى الله عليه وسلم أن الله عز وجل فضل بعضهم على بعض، ولا شك أن المقصود بتفضيل الأنبياء بعضهم على بعض هو بيان درجاتهم -عليهم صلوات الله وسلامه- وليس المقصود أن يهضم وأن ينال من أي أحد منهم فإن هذا من الباطل العظيم لا يقصد بكون محمد صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء أن ينال من غيره معاذ الله، وعليه يحمل الحديث على ما ذكر.

الحديث الذي بعده قوله صلى الله عليه وسلم : «لا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى»(11)، يونس عليه السلام خص بالذكر لأن الله تعالى قص في كتابه ذهابه مغاضبًا فذكر ما حصل من انتقام الحوت له، فقد يظن جاهل أن هذا يبيح تنقصه صلوات الله وسلامه عليه، وهذا خطأ بالغ لا يحل التعرض للأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالمسبة كفر، ليس بالأمر الهين، ثم إن الله تعالى قال: ﴿فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ(12).

هذا أمر وقع منه عليه الصلاة والسلام ثم إن الله -سبحانه وتعالى- اجتباه بعد ذلك فلا يحل لأحد أن يتعرض ليونس بكلمة فضلًا عن أن يقول: إن أحد خير من يونس ابن متى، درجة النبوة هي أفضل الدرجات، أفضل درجة يصلها بشر هي درجة الرسالة، فالرسل أفضل بني آدم على الإطلاق، وبعد الرسالة النبوة، وكل رسول فهو نبي لزامًا، وليس بالضرورة أن يكون كل نبي رسول، ثم درجة الصديقين، هي الدرجة التي تكون بعد درجة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فلا يوجد بشر واحد ممكن أن يقال إنه من أي من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

الأنبياء اختارهم الله تعالى، ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ(13)، وعلى هذا فهذه الدرجة التي حاذها يونس عليه الصلاة والسلام، لم يحذها أي أحد من غير الأنبياء، فل يحل أن يتعرض له ولا يمكن أن يفضله احد من غير الأنبياء كائن من كان.

الحدث الذي بعده حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رجل من اليهود حلف فقال: والذي اصطفى موسى، في اللفظ الآخر، والذي اصطفى موسى على العالمين، فسمعه مسلم غضب وقال وعلى محمد صلى الله عليه وسلم، يعني تحلف هذا الحلف لأن الله اصطفى موسى حتى على العالمين ومن ضمن من يدخل في العالمين محمد صلى الله عليه وسلم، فرفع يده فلطم وجهه، فاليهودي معلوم أنه له عهد، فذهب للنبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم الرجل عن سبب ضربه ذا اليهودي على وجهه فأخبره الخبر فقال صلى الله عليه وسلم : «لَا تُخَيِّرُونِي عَلَى مُوسَى؛ فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَأَصْعَقُ مَعَهُمْ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ»(14) يعني بعد الصعق.

الصعق هو إذا أصاب الإنسان فزع وأغمي عليه هذا يسمى صعق، والناس في الموقف يصيبهم صعق عظيم هائل ثم يفيقون من ذلك الصعق، يقول: «فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ» يعني من هذا الصعق، «فَإِذَا مُوسَى بَاطِشٌ جَانِبَ الْعَرْشِ»، يقول إذا أفقت وإذا بموسى صلى الله عليه وسلم وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، باطح، البطح هو الأخذ بالشدة، في جانب العرش، بعض الروايات في قائمة من قوائم العرش، يقول صلى الله عليه وسلم: «فَلا أَدْرِى أَكَانَ فِيمَنْ صَعِقَ فَأَفَاقَ قَبْلِي، أَوْ كَانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللهُ-سبحانه وتعالى»(15)، بدليل قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ(16).

 يقول لا أدري، أدخل في هذا الاستثناء أو أنه أفاق قبلي، يعني صعق كما صعق محمد صلى الله عليه وسلم وسائر الناس، لكن أفاق قبل محمد صلى الله عليه وسلم، ولهذا في بعض الروايات «فَمَا أَدْرِي أَفَاقَ قَبْلِي أَمْ جُوزِيَ بِصَعْقَةِ الطُّورِ»(17)، لأنه صعق عندما طلب منه الله عز وجل ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ(18).

«فَمَا أَدْرِي أَفَاقَ قَبْلِي أَمْ جُوزِيَ بِصَعْقَةِ الطُّورِ»(19)، بحيث يكون ممن استثناه الله عز وجل فلا يدخل في الصعقة المذكورة في القيامة، وعلى التقديرين سواء أفاق قبل النبي صلى الله عليه وسلم أو كان ممن استثنى الله فهذه فضيلة لموسى، فأراد صلى الله عليه وسلم أن ينبههم على فضيلة موسى، لكن هذا لا يعني تفضيل موسى على محمد صلى الله عليه وسلم .

هناك فرق بين التفضيل المطلق والتفضيل في جانب من الجوانب، جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في أبي ذر «مَا أَقَلَّتِ الغَبْرَاءُ وَلا أَظَلَّتِ الخَضْرَاءُ -يعني السماء- مِنْ رَجُلٍ أَصْدَقَ مِنْ أَبِى ذَرٍّ»(20) رضي الله عنه، وهذا فيه تفضيل عظيم له في هذا الجانب لكن لا يعني ذلك أنه أفضل من غيره مطلقًا، فقد يكون المفضول متميز في أمر معين ومحدد، دون أن يعني ذلك التفضيل المطلق بحيث يكون أفضل الجميع، أفضل الجميع محمد صلى الله عليه وسلم .

المهم أن النبي صلى الله عليه وسلم أنكر أن يكون هناك تفضيل على سبيل الحمية المبنية على جهل، وأيضًا نهى صلى الله عليه وسلم أن يكون التفضيل، على سبيل التنقص لغير من تفضل من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، كل هذا لا يجوز ولا يصلح وإنما تكون الأمور من خلال العلم كما سيأتي إنشاء الله الدليل على فضل محمد صلى الله عليه وسلم .

وهكذا لما قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم : يَا خَيْرَ البَرِيَّةِ قَالَ صلى الله عليه وسلم : «ذَاكَ إِبْرَاهِيمُ»(21)، قيل إن ذلك قبل أن يوحى إليه، أنه أفضل ولد آدم على الإطلاق ومن ضمنهم إبراهيم صلى الله عليه وسلم، وقيل عن النبي صلى الله عليه وسلم كره إظهار المطاولة على الأنبياء أو قاله على سبيل التواضع، أما من أفضل الأنبياء على الإطلاق فلا شك أنه رسول الله محمد بن عبد الله، هو خيرته من عباده ودل عليه الحديث بعده.

قال صلى الله عليه وسلم : «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ»(22).

هذا فيه الدلالة على أنه أفضل ولد آدم على الإطلاق، آدم ومن بعده، كلهم هو أفضل منهم -عليه الصلاة والسلام-.

لمَ قال صلى الله عليه وسلم هذا؟

قاله لإعلام الناس بالأمر، إذ لا يمكن العلم بالأفضلية إلا بدليل، ولم يقله حاشاه صلى الله عليه وسلم على سبيل التفاخر؛ ولهذا قال في بعض الروايات: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلَا فَخْرَ»(23) يعني: لا أقوله متفاخرًا، لكن على سبيل الإعلام؛ لأنه لو لم يعلمنا ولم يخبرنا وقال قائل: إن أفضل الأنبياء هو إبراهيم لأن الله اتخذه خليلًا، أو قال آخر: بل موسى، لأن الله تعالى كلمه تكليمًا، ما الذي يحدد للناس أفضل الأنبياء على الإطلاق؟ لابد من دليل، ولهذا قال: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلَا فَخْرَ»(24) عليه الصلاة والسلام.

«وَأَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ» أيضًا هذا في خصائصه وفضائله صلى الله عليه وسلم، «وَأَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ»(25) صلى الله عليه وسلم، فضائله كثيرة -صلوات الله وسلامه عليه-.

الشاهد منها هنا: أنه سيد ولد آدم ولا فخر، فهو سيد الأنبياء والمرسلين أجمعين صلى الله عليه وسلم .

الحديث بعده، قوله صلى الله عليه وسلم : «مَا أَدْرِي أَتُبَّعٌ لَعِينٌ هُوَ أَمْ لَا»(26).

في قوله تعالى: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ(27) تلاحظ في الآية أن الله عز وجل ذكر قوم تُبَّع وذكر إهلاك قوم تبع، وما ذكر هلكة تُبَع، بينما لما ذكر هلكة فرعون قال: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ(28) جميعًا هو وقومه، أما تُبَّع قال: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ﴾، فلما ذكر إهلاك قوم تُبَّع ولم يذكر تُبعًا، قال صلى الله عليه وسلم : «مَا أَدْرِي أَتُبَّعٌ لَعِينٌ هُوَ أَمْ لَا»(29).

جاءت آثار وأحاديث فيها أن تبعًا أسلم، تبع هذا أحد الملوك الذين ذُكر في سعة ملكهم شيء هائل حتى ذكروا أنه إذا صُفت له الخيل صارت في كثرتها من الشام إلى اليمن، وذكروا أنه وصل في مملكته إلى سمرقند ومر بمدينة النبي صلى الله عليه وسلم قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم قطعًا، وتبع مثل كلمة النجاشي عند الحبشة، مثل كلمة كسرى عند الفرس، ليس اسمًا، وإنما هو على سبيل العلم على من يملك اليمن، وفي هذا يقال: تبع لعدد كثير من ملوكهم، مثلما يقال النجاشي، النجاشي الذي أدرك النبي صلى الله عليه وسلم وأسلم هو أصحنة -رحمه الله تعالى-، وأما النجاشي الذي جاء بعده فهذا مثلما نقول الملك، فكلمة النجاشي وكلمة تبع هذه لقب على من يملك؛ لهذا قال صلى الله عليه وسلم : «مَا أَدْرِي أَتُبَّعٌ لَعِينٌ هُوَ أَمْ لَا»، وجاءت آثار وأحاديث فيها أنه أسلم وأنه لا يُسب.

«وَمَا أَدْرِي أَعُزَيْرٌ نَبِيٌّ هُوَ أَمْ لَا»(30) عزير هو الذي قالت فيه اليهود -قاتلهم الله-: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ(31)، يقول: لا أدري أهو نبي من الأنبياء أيضًا أم ليس نبيًا.

الحديث الذي بعده: «أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِابْنِ مَرْيَمَ، الْأَنْبِيَاءُ أَوْلَادُ عَلَّاتٍ، وَلَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ»(32).

أولاد العلات هم الإخوة لأب، أمهاتهم مختلفة، كأن يتزوج الإنسان مثلاً أربع نساء أو ثلاثًا أو اثنتين، إذا وُلد له من هذه الأولى ولد ومن الثانية ولد ومن الثالثة ولد ومن الرابعة ولد، فهم ليسوا إخوةً أشقاء؛ لأن الأشقاء هم الذين يكونون من أبٍ وأمٍ، أما إخوة العلال فهم الذين يكون أبوهم واحدًا وأمهاتهم متفاوتة.

ما معنى الحديث «الْأَنْبِيَاءُ أَوْلَادُ عَلَّاتٍ»؟

أي: أن دينهم في التوحيد واحد، أما شرائعهم فمتفاوتة.

عيسى صلى الله عليه وسلم ليس بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم أي نبي، المدة التي كانت بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين عيسى هي فترة بنص القرآن: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ(33)، وبه يكون النبي صلى الله عليه وسلم أولى الناس بعيسى صلى الله عليه وسلم ؛ لأن ليس بينه وبينه نبي.

وبالحديث هذا استدل من استدل من أهل العلم على أنه لا تُثبت نبوة من سُمي بخالد بن سنان، وقد جاءت بعض الأخبار أن هناك نبيًا اسمه خالد بن سنان وأن قومه أضاعوه.

قول النبي صلى الله عليه وسلم : «وَلَيْسَ بَيْنِي» يعني عيسى «وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ»(34) يدل على أنه ليس هناك نبي بتاتًا، ولاسيما مع قوله تعالى: ﴿عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾ قيل: إن الفترة بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين عيسى ستمائة سنة، وقيل أقل، ففي هذه الفترة لم يكن هناك نبي، لا خالد بن سنان ولا غيره.

قال شيخنا ابن باز -رحمة الله تعالى عليه- في تعليقٍ على تفسير ابن كثيرخالد بن سنان ما له أصل، ما هناك واقع نبي بُعث اسمه خالد بن سنان بدلالة هذا الحديث.


(1) أخرجه البخاري في كتاب الديات، باب إذا لطم المسلم يهوديا عند الغضب (6916)، ومسلم في كتاب الفضائل، باب من فضائل موسى صلى الله عليه وسلم  (2374).
(2) أخرجه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء- باب قول الله تعالى: {وهل أتاك حديث موسى} (2396)، ومسلم في كتاب الفضائل- باب في ذكر يونس عليه السلام (2377)، من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.
(3) أخرجه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء- باب قول الله تعالى: {وهل أتاك حديث موسى} (2396)، ومسلم في كتاب الفضائل- باب في ذكر يونس عليه السلام (2377)، من حديث عبد الله بن عباس ما.
(4) أخرجه البخاري في كتاب: الخصومات – باب ما يذكر في الأشخاص والخصومة بين المسلم واليهود (2411) .
 (5) أخرجه مسلم في كتاب الفضائل- باب من فضائل إبراهيم الخليل صلى الله عليه (2369)، من حديث أنس بن مالك .
(6) أخرجه مسلم في كتاب الْفَضَائِلِ- بَابُ تَفْضِيلِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى جَمِيعِ الْخَلَائِقِ (2278)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(7) أخرجه أبو داود في كِتَاب السُّنَّةِ- بَابٌ فِي التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ (4674).
(8) أخرجه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء- باب قول الله: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذْ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا} (3443)، ومسلم في كتاب الفضائل- باب فضائل عيسى عليه السلام (2365)، من حديث أبي هريرة .
(9) أخرجه البخاري في كتاب الديات، باب إذا لطم المسلم يهوديا عند الغضب (6916)، ومسلم في كتاب الفضائل، باب من فضائل موسى صلى الله عليه وسلم (2374).
(10) البقرة: 253.
(11) أخرجه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء- باب قول الله تعالى: {وهل أتاك حديث موسى} (2396)، ومسلم في كتاب الفضائل- باب في ذكر يونس عليه السلام (2377)، من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.
(12) القلم: 50.
(13) الحج: 75.
(14) أخرجه البخاري في كتاب: الخصومات - باب ما يذكر في الأشخاص والخصومة بين المسلم واليهود (2411) .
(15) أخرجه البخاري في كتاب: الخصومات - باب ما يذكر في الأشخاص والخصومة بين المسلم واليهود (2411) .
(16) الزمر: 68.
(17) أخرجه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء - باب قول الله تعالى: {وواعدنا موسى ثلاثين ليلة ...} (3398)، ومسلم في كتاب الفضائل - باب من فضائل موسى صلى الله عليه وسلم (2374)، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
(18) الأعراف: 143.
(19) أخرجه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء - باب قول الله تعالى: {وواعدنا موسى ثلاثين ليلة ...} (3398)، ومسلم في كتاب الفضائل - باب من فضائل موسى صلى الله عليه وسلم (2374)، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
(20) أخرجه أحمد في «مسنده» (2/163) والترمذي في كتاب المناقب- باب مناقب أبي ذر رضي الله عنه (3801)، وقال: «وهذا حديثٌ حسنٌ»، وابن ماجه في كتاب المقدمة- باب فضل أبي ذر (156).
 (21) أخرجه مسلم في كتاب الفضائل- باب من فضائل إبراهيم الخليل صلى الله عليه (2369)، من حديث أنس بن مالك .
(22) أخرجه البخاري في كتاب المناقب- باب علامات النبوة في الإسلام (3575)، ومسلم في كتاب الفضائل- باب في معجزات النبي صلى الله عليه وسلم (2279).
(23) أخرجه البخاري في كتاب المناقب- باب علامات النبوة في الإسلام (3575)، ومسلم في كتاب الفضائل- باب في معجزات النبي صلى الله عليه وسلم (2279).
(24) أخرجه البخاري في كتاب المناقب- باب علامات النبوة في الإسلام (3575)، ومسلم في كتاب الفضائل- باب في معجزات النبي صلى الله عليه وسلم (2279).
(25) أخرجه مسلم في كتاب الْفَضَائِلِ- بَابُ تَفْضِيلِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى جَمِيعِ الْخَلَائِقِ (2278)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(26) أخرجه أبو داود في كِتَاب السُّنَّةِ- بَابٌ فِي التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ (4674).
(27) الدخان: 37.
(28) هود: 98.
(29) أخرجه أبو داود في كِتَاب السُّنَّةِ- بَابٌ فِي التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ (4674).
(30) أخرجه أبو داود في كِتَاب السُّنَّةِ- بَابٌ فِي التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ (4674).
(31) التوبة: 30.
(32) أخرجه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء- باب قول الله: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذْ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا} (3443)، ومسلم في كتاب الفضائل- باب فضائل عيسى عليه السلام (2365)، من حديث أبي هريرة .
(33) المائدة: 19.
(34) أخرجه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء- باب قول الله: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذْ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا} (3443)، ومسلم في كتاب الفضائل- باب فضائل عيسى عليه السلام (2365)، من حديث أبي هريرة .