موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - بَابُ مَا يَدُلُّ عَلَى تَرْكِ الْكَلَامِ فِي الْفِتْنَةِ - شرح كتاب السنة
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح كتاب السنة لفضيلة الشيخ عبدالله بن عبدالعزيز العنقري
  
 
 شرح كتاب السنة
 باب شرح السنة
 باب النهي عن الجدال وإتباع المتشابه من القرآن
 مجانبة أهل الأهواء وبغضهم وترك السلام عليهم
 باب النهي عن الجدال في القرآن
 باب في لزوم السُّنَّة
 باب لزوم السنة
 آثار عن الإمام الحسن البصري
 باب في التفضيل
 باب في الخلفاء
 آثار عن مكحول في الملاحم
 آثار مروية عن الحجاج
 الخلافة ثلاثون ودلائل فضل الصحابة رضي الله عنهم
 أبواب في فضل الصحابة والنهي عن سبهم، واستخلاف أبي بكر رضي الله عنه
 بَابُ مَا يَدُلُّ عَلَى تَرْكِ الْكَلَامِ فِي الْفِتْنَةِ
 بَابٌ فِي التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ
 بَابٌ فِي رَدِّ الْإِرْجَاءِ
 بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى زِيَادَةِ الْإِيمَانِ وَنُقْصَانِهِ
 باب في القدر
 بَابٌ فِي ذَرَارِيِّ الْمُشْرِكِينَ
 أبواب في الجهمية والرد عليهم، والرؤية والقرآن
 أبواب متفرقة
 أبواب متعلقة بالخوارج واللصوص
شرح كتاب السنة - بَابُ مَا يَدُلُّ عَلَى تَرْكِ الْكَلَامِ فِي الْفِتْنَةِ

بَابُ مَا يَدُلُّ عَلَى تَرْكِ الْكَلَامِ فِي الْفِتْنَةِ

حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، وَمُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، ح وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْأَشْعَثُ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ: «إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يُصْلِحَ اللَّهُ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ، مِنْ أُمَّتِي»(1) - وَقَالَ فِي حَدِيثِ حَمَّادٍ وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَظِيمَتَيْنِ »(2).

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنْ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَ حُذَيْفَةُ: مَا أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ تُدْرِكُهُ الْفِتْنَةُ، إِلَّا أَنَا أَخَافُهَا عَلَيْهِ إِلَّا مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ «لَا تَضُرُّكَ الْفِتْنَةُ»(3)

حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْأَشْعَثِ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ ضُبَيْعَةَ، قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى حُذَيْفَةَ فَقَالَ: إِنِّي لَأَعْرِفُ رَجُلًا لَا تَضُرُّهُ الْفِتَنُ شَيْئًا، قَالَ: فَخَرَجْنَا فَإِذَا فُسْطَاطٌ مَضْرُوبٌ فَدَخَلْنَا فَإِذَا فِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: مَا أُرِيدُ أَنْ يَشْتَمِلَ عَلَيَّ شَيْءٌ مِنْ أَمْصَارِكُمْ حَتَّى تَنْجَلِيَ عَمَّا انْجَلَتْ.

حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ ضُبَيْعَةَ بْنِ حُصَيْنٍ الثَّعْلَبِيِّ بِمَعْنَاهُ.

حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْهُذَلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عَبَّادٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَخْبِرْنَا عَنْ مَسِيرِكَ هَذَا أَعَهْدٌ عَهِدَهُ إِلَيْكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْ رَأْيٌ رَأَيْتَهُ فَقَالَ: مَا عَهِدَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَيْءٍ وَلَكِنَّهُ رَأْيٌ رَأَيْتُهُ.

حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ الْفَضْلِ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَمْرُقُ مَارِقَةٌ عِنْدَ فُرْقَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، يَقْتُلُهَا أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ»(4).


هذه بقية أحاديث الصحابة رضي الله عنه أو ما له علاقة بالصحابة في الباب، باب ما يدل على ترك الكلام في الفتنة هذا هو الأصل، الأصل أن الفتنة إذا تحقق أنها فتنة يترك الكلام فيها حتى يعلو الصوت العلمي، فإذا تكلم كل احد كما هو الحاصل الآن وصاحت وسائل الإعلام خفت صوت أهل العلم فالفتنة نار لا بد في إطفائها من العلم، كالنار لا يطفئها إلا الماء، إذا استعملت وسائل لإطفاء النار، هذه الأشياء بعض الأحيان لا تزيد النار إلا اشتعالا، فالفتنة الأصل أن يكف عن الكلام فيها ويرجع فيها إلى العلماء وأهل العلم يتحدثون بالذي ينبغي في مثل هذه الفتن لكن كما تلاحظ، الفتن أكثر من يتكلم فيه أغير أهل العلم ولهذا اشتدت.

وقد اخبر صلى الله عليه وسلم أنه رأى في معراجه خطباء الفتنة تقرض أفواههم وشفاههم بمقاريض من نار، لأنهم تكلموا في الفتنة، والواجب في الفتنة عدم الكلام، وان يرجع فيها لأهل العلم ليخبروا بالحكم الشرعي فيها، فإذا صاح هذا وصاحت هذه الوسيلة، وصاحت هذه الإذاعة وهذه القناة، وهذا الشاعر زادت الفتنة، بينما لو ارجع الأمر لمن قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا(5).

الحاصل أن الأصل ترك الكلام في الفتنة وان يرجع لأهل العلم فيها، وهذا لا يكاد يعمله إلا أقل الناس، يندر جدًا أن عمل هذا إلا قلة من الناس من يكفون عن الفتنة لأنها تهيج لمتابعتها، والكلام فيها فيخوض فيها من لا يجوز له الخوض فيها، وقد يكون لكلامه كما في الحديث اللسان فيها أشد من وقع السيف، إذا تكلم الإنسان كلام في الفتنة فيترتب عليه شيء أفظع من القتل بالسيف.

في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أثنى على الحسن، وهذا يدل على أن التنازل الذي تنازله الحسن لمعاوية رضي الله عنه  أنه أمرٌ طيب، ولهذا استحق معه الإشادة، قال النبي صلى الله عليه وسلم : «إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ» وصف نبوي، ليس كأوصاف الناس ومجاملاتهم، وصف نبوي يدل على أن الحسن أهل لذلك رضي الله عنه .

«إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ وَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يُصْلِحَ اللهُ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنْ أُمَّتِي»(6) في اللفظ الآخر: «بَيْنَ فِرْقَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ»(7) هذا الحديث فيه دلالة على منقبة للحسن، فيه دلالة على أن الصلح الذي وقع رضيه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، فيه ردٌ على الطائفتين الزائغتين: الرافضة الذين يكفرون معاوية ومن معه، والخوارج الذين يكفرون الحسن ومعاوية معه، النبي صلى الله عليه وسلم  يقول: «وَلَعَلَّ اللهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ»(8) وكذلك كان، فإن هذا حدث عام واحد وأربعين، واجتمعت الأمة، وسمي عام الجماعة.

محمد بن مسلمة شهد له النبي صلى الله عليه وسلم  بأنه سالم من الفتنة، حتى قال حذيفة: ما أحد من الناس تدركه الفتنة إلا أنا أخافها عليك، إلا محمد بن مسلمة، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم  يقول: «لَا تَضُرُّكَ الْفِتْنَةُ»(9) لما وقعت الفتنة ماذا فعل؟ اعتزلها رضي الله عنه ؛ لهذا قال حذيفة: رجل لا تضره الفتن شيئًا، فخرج الراوي فإذا فسطاط، خيمة مضروبة قد هجر البلد، دخلوا فإذا محمد بن مسلمة، سألناه، قال: ما أريد أن أشتمل علي شيءٌ من أمصاركم، يعني لا أريد أن أسكن في البلدان حتى تنجلي عن مجالسكم، يعني حتى تنتهي هذه الفتنة، أما أنا فسأخرج حتى يطفئ الله تعالى هذه الفتنة.

واعتزلها عدد كثير من الصحابة، كابن عمر وسعد بن أبي وقاص، وسلمة بن الأكوع، وعدد من الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، رأوا الاعتزال وعدم القتال لما وقع ما وقع بين معاوية وعلي، وبين علي وطلحة والزبير رضي الله تعالى عن الجميع.

في المسير الذي ساره علي رضي الله عنه  في قتال معاوية، أو لقتال طلحة والزبير، سئل وهذا من أمانته، لقتال معاوية أو لقتال طلحة، أحد المسيرين أو الزبير، سئل وهذا من أمانته وتقواه لله، مسيرك هذا الآن لتقاتل معاوية، أو لتقاتل طلحة والزبير، أعهدٌ عهده إليك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يعني هل النبي صلى الله عليه وسلم  أوصاك أن تقاتلهم، أم رأيٌ رأيته؟.

قال: ما عهد إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم  بشيء، يعني في هذه المسألة، لكنه رأيٌ رأيته، يعني أنا مجتهدٌ في أن يجب أن أقاتله، أما أن يكون عهد أو وصية مني أنسبها لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، معاذ الله! من أعظم الردود على الرافضة حين يقولون أن عليًا كان يقاتلهم؛ لأنهم منافقون.

لما جاء قتال الخوارج، اتفق الصحابة على أن قتال عليٍ رضي الله عنه  للخوارج منصوصٌ من النبي صلى الله عليه وسلم ، وحدث علي رضي الله عنه  الناس بأن النبي صلى الله عليه وسلم  أخبره بأمرهم، وأنه أمره بقتالهم، وأخبره بعلامة الخارجي، السدية الذي سيجدونه علامةً على أنهم الخوارج المقصودون في الحديث، وقال رضي الله عنه  علي، وجهر بهذا وأفشاه، قال: لولا أن تبطروا يعني يصيبكم البطر وتتركوا العمل، لأخطرتكم بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  في قتالهم، يعني من الفضل؛ لأن قتال الخوارج من أعظم القتال.

حتى قال صلى الله عليه وسلم : «لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ»(10) بنفسه صلى الله عليه وسلم ، وقال: «خَيْرُ قَتِيلٍ مَنْ قَتَلُوهُ»(11) أفضل القتلى من يقتله الخوارج، «وقتيلهم شر قتيل تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ»(12).

لما جاء يقاتل معاوية، قال: أنا لم يعهد لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، هذا رأي واجتهاد أجتهده، من أمانته رضي الله عنه ، قال هذا مجرد رأي واجتهاد أنا ولي أمر انعقدت لي البيعة، أرى أن يُقاتلوا، أما الخوارج فاسمعوا ما قال النبي صلى الله عليه وسلم  فيهم.

لهذا قال أبو سعيد لما حدث بالحديث: قال: وأشهد أنكم قتلتموه يا أهل العراق؛ لأنهم كانوا مع علي رضي الله عنه ، ففرق كبير.

لهذا قال شيخ الإسلام فرق بين مسألة مهمة وقع فيها بعض الفقهاء، قال: إنهم جعلوا قتال علي لطلحة والزبير، وقتال علي لمعاوية مثل قتال الخوارج، نقول: هذا خطأ كبير جدًا، وفرق كبير بين قتال علي للخوارج، وقتال علي لطلحة وقتال علي لمعاوية، كما سيأتي الفرق إن شاء الله تعالى.

الحديث اللي بعده أن النبي صلى الله عليه وسلم  قال: «تَمْرُقُ مَارِقَةٌ» يعني تخرج، وهم الخوارج، «عِنْدَ فُرْقَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ» يعني في الوضع الذي كان فيه فرقة، حيث كان هناك خلاف بين علي من جهة، وطلحة والزبير وعائشة رضي الله عنهم من جهة أخرى، قال: ، «يَقْتُلُهَا أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالحَقِّ»(13) من الذي قتل الخوارج؟.

علي رضي الله عنه ، فدل على أنه أولى بالحق، لكن قال شيخ الإسلام في منهاج السنة: هذا الحديث فيه دلالة مهمة جدًا، وهي تدل على أن مع من قاتلوا عليًا وهم طلحة والزبير ومعاوية معهم بعض الحق، قال الدليل قوله: «أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ» فدل على أن عند الطائفة الأخرى حقًا، لكن أولى الطائفتين بالحق علي رضي الله عنه .

فهذا الحديث إذا فرح به الرافضة يقال: نعم، أهل السنة قرروا هذا أن عليًا هو في قتاله على الصواب رضي الله عنه ، لكن الطرف الثاني الذي تريدون أن تكفروه جاءكم هذا الحديث، الذي يدل على أن عند الطرف الثاني حقًا؛ لأن لا طلحة ولا الزبير ولا عائشة ولا معاوية كلهم رضي الله عنهم، ما أحد فيهم اعترض على أن يكون علي هو الخليفة، وليس هذا أصلًا من طبعهم، وليس هذا من شيمهم، علي بويع له بالخلافة سمعًا وطاعة، أثيرت مسألة قتل عثمان؛ لأن القتلة أخزاهم الله ماذا فعلوا؟.

انضموا إلى جيش علي، البيعة لك والسمع والطاعة لك، ما قاتلناك، ولا يمكن أن نقاتلك، ألست الآن أمير المؤمنين، اقتل هؤلاء المجرمين الذين قتلوا خليفة المسلمين بالأمس، علي رضي الله عنه  قال: ها هم قد صارت معهم عبدانكم، حتى عبيدكم أنتم، لن تتمكنوا من التصرف فيهم، يقول: كيف أستطيع أن أقتلهم، وهم الآن كثرة كاثرة، لابد أن تكون اليد واحدة، عندئذ تقاتلهم الأمة دفعة واحدة.

فرأى طلحة والزبير ألا ينتظرا، واتجها إلى البصرة، ليقتلا القتلة من أهل الكوفة، القتلة جاءوا من الكوفة ومن البصرة ومن مصر، علي رضي الله عنه  تبعهم لا يريد قتالهم، وإنما قال: أنا ولي أمر المسلمين وليس لهم أن يذهبوا هكذا من تلقاء أنفسهم، وهذا واجب كونه على الصواب؛ لأن مثل هذه المسائل يباشرها ولي الأمر، لكن هم رضي الله عنهم يقولون: عثمان أمير المؤمنين، زوج بنتي النبي صلى الله عليه وسلم  مهاجري، قُتل في مدينة النبي صلى الله عليه وسلم  عند نسائه وعند أهله، والخونة الفجرة يُتركون، قالوا لا نتركهم، نحن الذين نقتلهم.

لاشك أن مثل هذه المسائل منوطة بمن؟ بولي الأمر، لكن هم لم يتحملوا رضي الله عنهم، فوقع القتال، ولم يكن طلحة يريد قتال علي بلا شك؛ لأن طلحة والزبير لو أرادا قتال علي، أين يقاتلاه؟ في المدينة، فيذهبان إلى البصرة وهو في المدينة، لو كانا يريدان قتال علي نفسه، لقتلاه في المدينة، لكنهما اتجها إلى البصرة، وصارت المعركة في البصرة؛ لأن طلحة والزبير لا يريدان قتال علي نفسه، وإنما يريدان قتل القتلة، وهكذا معاوية رضي الله عنه  ثبت عنه بالسند الصحيح، أنه لما قال له أبو مسلم الخولاني: أتقاتل عليًا أفأنت مثله؟.

قال: لا والله، إني لأعلم أنه خيرٌ مني، وأعلم أنه أولى بالأمر، يعني ولاية الأمر مني، لكن ألستم تعلمون أن عثمان ابن عمي، وأني أولى الناس بدمه! فليبعث إلى بقتلة عثمان وأنا أسلم له.

فما كان عندهم خلاف بأن علي هو الخليفة، ما أحد يقول هو الخليفة أنا معترض على خلافته، هذا فعل السفهاء، ليس فعل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، شخص تمت البيعة له، انتهى الكلام والمنازعة. . في حكمه، ما أحد ينازعه في الخلافة، لكن جاء أمر الاجتهاد، قالوا لم يقاتلهم، والخونة أمامنا، والله لا نتركهم، نذهب ونقتلهم، معاوية يقول: أنا ابن عمه، والله تعالى يقول: ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا(14).

أنا سأقتل القتلة، ولهذا قال معاوية أيضًا: ما قاتلت عليًا إلا في شأن عثمان، ما قاتلته في الولاية، ولهذا لم ينصب طلحة ولا الزبير ولا معاوية، لم ينصبوا أحدًا يبايعوه، لم يقولوا إن عليًا ليس أهلًا، معاذ الله أن يقولوا هذا! لكن لابد من قتل من قتله؛ لهذا قال صلى الله عليه وسلم : «يَقْتُلُهَا أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالحَقِّ»(15) يعني أن عند الطائفة الأخرى شيء من الحق بلا شك، لم يقولوا ما نريده، هذا فعل الذين لا يفقهون من المتأخرين، إذا تمت بيعة قال أنا ما اقتنعت، هذا ليس له، إذا تمت البيعة لزمتك البيعة ولزمت الجميع، حتى من كانوا في الأرياف وفي المدن وفي القرى، وفي البادية، كل هؤلاء انتهى، انتهت البيعة، إذا انتهت البيعة وبويع من قبل أهل الحل والعقد، بايعه أهل بدر، لزمت البيعة الأمة كلها، هذا انتهى.

جاء النقاش بين معاوية وبين علي في موضوع قتلة عثمان، ولم يكن نقاش أنت تستحق أو لا تستحق، أنا الخليفة أو أنت لست مستحق الخلافة، ما كان يقاس بهذه الطريقة؛ لهذا قال صلى الله عليه وسلم : «أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالحَقِّ»(16)  فدل على أن الأحق الأولى بالحق علي، لكن الطائفة الثانية عندها نوع حق، الحديث احفظه واضبطه؛ لأن ثمة أحاديث كثيرة، وأهل السنة يقررون أن علي رضي الله عنه  هو الذي على الصواب، لماذا؟.

لأنه هو ولي الأمر، وولي الأمر الأصل أنه هو الذي يباشر مثل هذه الأمور، هذا هو الأصل، والاجتهاد الذي اجتهده طلحة والزبير ومعاوية رضي الله عنهم، اجتهادهم هذا بإذن الله تعالى مأجورون، لكنهم أخطئوا، أما علي فاجتهد فأصاب، تنتهي المسألة عند هذا.

لكن هل كان عند أولئك حق؟ نعم عندهم حق؛ لأن عندهم قضية عندهم موضوع، يقولون: أمير المؤمنين قُتل، حتى عند نسائه، حتى لما أُريد أن يُدفن، أبوا أن يُدفن مع النبي صلى الله عليه وسلم  ومع صاحبيه، وأبوا أن يُدفن حتى إلا في موضع ناء، ودفنوه سرًا من سيطرتهم على المدينة، كل هذا؛ لأن هؤلاء تجبروا وطغوا، قالوا ما نتركهم، والله لا نتركهم حتى لو نُقتَل، يعني لم يدفن عثمان رضي الله عنه  إلا عدد قليل جدًا كله لأن هؤلاء سيطروا على المدينة.

قالوا: نحن نشيد ونبيد خبرهم، ولا نتركهم، أما ولاية علي فعلى الرأس والعين، ما قلنا فيها شيء، لكن كون علي سيتأخر، نحن الذين سنتقدم، يعني عندهم قضية، لكن الصواب مع علي؛ لأنه ولي الأمر، وكان يرى أن تجتمع الكلمة، فإذا اجتمعت الكلمة سيبيدهم بلا أدنى شك، يقول: حتى تجتمع الكلمة، وينضبط الأمر؛ لأن المسألة هاجت فتنة كبيرة جدًا بعد أن قُتل عثمان، ثم لابد أن يُعرف من هو الذي قتله، ويُحدد القتلة؛ لأنهم كانوا كثرة، أتوا من الكوفة ومن البصرة ومن مصر، فلابد أن يُحددوا ويضبطوا ويعرفوا؛ لأنهم بعد ما فعلوا ما فعلوا تبركوا بعد ما سيطروا عليه، وقتل عثمان بتلك الطريقة، فبعد أن تمت البيعة تفرقوا في الأمصار، وكان معهم أيضًا قبائل رجعوا إلى قبائلهم، ليس من السهولة أنك تأتي إلى قبيلة عشرات الألوف وتقول أعطوني فلانًا، القبيلة قد تقوم دونه، فكان يرى أنه لابد أن يُسمع له ويطاع، وأن تهدأ الأمور أولًا، وهذا هو الصواب.

لكن هل عند أولئك حق، نعم عندهم حق، ولهذا هذا الحديث مهم جدًا، «يَقْتُلُهَا أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ»(17)  أولى، لكن عند الطائفة الأخرى حق.


(1) أخرجه البخاري في كتاب المناقب- باب مناقب الحسن والحسين رضي الله عنهما (3746).
(2) أخرجه البخاري في كتاب الصلح- باب قول النبي صلى الله عليه وسلم  للحسن بن علي رضي الله عنهما: «ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين» (2704).
(3) أخرجه أبو داود في كتاب السنة – باب ما يدل على ترك الكلام في الفتنة (4663)، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح (6242).
(4) أخرجه البخاري في كتاب المناقب- باب علامة النبوة في الإسلام (3610)، ومسلم في كتاب الزكاة- باب ذكر الخوارج وصفاتهم (1065).
(5) النساء: 83.
(6) أخرجه البخاري في كتاب الصلح- باب قول النبي صلى الله عليه وسلم  للحسن بن علي رضي الله عنهما: «ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين» (2704).
(7) أخرجه البخاري في كتاب الصلح- باب قول النبي صلى الله عليه وسلم  للحسن بن علي: «إن ابني هذا لسيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين» (2704)، من حديث أبي بكرة رضي الله عنه.
(8) أخرجه البخاري في كتاب المناقب- باب مناقب الحسن والحسين رضي الله عنهما (3746).
(9) أخرجه أبو داود في كتاب السنة – باب ما يدل على ترك الكلام في الفتنة (4663)، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح (6242).
(10) أخرجه البخاري في كتاب المغازي- باب بعث علي بن أبي طالب عليه السلام، وخالد بن الوليد رضي الله عنه إلى اليمن قبل حجة الوداع (4351)، ومسلم في كتاب الزكاة- باب ذكر الخوارج وصفاتهم (1064).
(11) أخرجه أحمد في «مسنده» (36/ 654)، والترمذي في كتاب أَبْوَابُ تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ - بَابٌ: وَمِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ (3000).
(12) أخرجه الترمذي في باب: ومن سورة آل عمران (3000)، وحسنه الألباني في مشكاة المصابيح (3554) من حديث أبي أمامة رضي الله عنه.
(13) أخرجه البخاري في كتاب المناقب- باب علامة النبوة في الإسلام (3610)، ومسلم في كتاب الزكاة- باب ذكر الخوارج وصفاتهم (1065).
(14) الإسراء: 33.
(15) أخرجه البخاري في كتاب المناقب- باب علامة النبوة في الإسلام (3610)، ومسلم في كتاب الزكاة- باب ذكر الخوارج وصفاتهم (1065).
(16) أخرجه البخاري في كتاب المناقب- باب علامة النبوة في الإسلام (3610)، ومسلم في كتاب الزكاة- باب ذكر الخوارج وصفاتهم (1065).
(17) أخرجه البخاري في كتاب المناقب- باب علامة النبوة في الإسلام (3610)، ومسلم في كتاب الزكاة- باب ذكر الخوارج وصفاتهم (1065).