موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - أبواب في فضل الصحابة والنهي عن سبهم، واستخلاف أبي بكر رضي الله عنه - شرح كتاب السنة
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح كتاب السنة لفضيلة الشيخ عبدالله بن عبدالعزيز العنقري
  
 
 شرح كتاب السنة
 باب شرح السنة
 باب النهي عن الجدال وإتباع المتشابه من القرآن
 مجانبة أهل الأهواء وبغضهم وترك السلام عليهم
 باب النهي عن الجدال في القرآن
 باب في لزوم السُّنَّة
 باب لزوم السنة
 آثار عن الإمام الحسن البصري
 باب في التفضيل
 باب في الخلفاء
 آثار عن مكحول في الملاحم
 آثار مروية عن الحجاج
 الخلافة ثلاثون ودلائل فضل الصحابة رضي الله عنهم
 أبواب في فضل الصحابة والنهي عن سبهم، واستخلاف أبي بكر رضي الله عنه
 بَابُ مَا يَدُلُّ عَلَى تَرْكِ الْكَلَامِ فِي الْفِتْنَةِ
 بَابٌ فِي التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ
 بَابٌ فِي رَدِّ الْإِرْجَاءِ
 بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى زِيَادَةِ الْإِيمَانِ وَنُقْصَانِهِ
 باب في القدر
 بَابٌ فِي ذَرَارِيِّ الْمُشْرِكِينَ
 أبواب في الجهمية والرد عليهم، والرؤية والقرآن
 أبواب متفرقة
 أبواب متعلقة بالخوارج واللصوص
شرح كتاب السنة - أبواب في فضل الصحابة والنهي عن سبهم، واستخلاف أبي بكر رضي الله عنه

بَابٌ فِي فَضْلِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ح، وحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خَيْرُ أُمَّتِي الْقَرْنُ الَّذِينَ بُعِثْتُ فِيهِمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَذَكَرَ الثَّالِثَ أَمْ لَا، ثُمَّ يَظْهَرُ قَوْمٌ يَشْهَدُونَ، وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَنْذِرُونَ، وَلَا يُوفُونَ، وَيَخُونُونَ، وَلَا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَفْشُو فِيهِمُ السِّمَنُ»(1).

بَابٌ فِي النَّهْيِ عَنْ سَبِّ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَوَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ»(2).

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ بْنُ قُدَامَةَ الثَّقَفِيُّ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ قَيْسٍ الْمَاصِرُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي قُرَّةَ، قَالَ: كَانَ حُذَيْفَةُ بِالْمَدَائِنِ فَكَانَ يَذْكُرُ أَشْيَاءَ قَالَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لِأُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فِي الْغَضَبِ، فَيَنْطَلِقُ نَاسٌ مِمَّنْ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ حُذَيْفَةَ فَيَأْتُونَ سَلْمَانَ فَيَذْكُرُونَ لَهُ قَوْلَ حُذَيْفَةَ، فَيَقُولُ سَلْمَانُحُذَيْفَةُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُ، فَيَرْجِعُونَ إِلَى حُذَيْفَةَ فَيَقُولُونَ لَهُ قَدْ ذَكَرْنَا قَوْلَكَ لِسَلْمَانَ فَمَا صَدَّقَكَ وَلَا كَذَّبَكَ، فَأَتَى حُذَيْفَةُ سَلْمَانَ وَهُوَ فِي مَبْقَلَةٍ فَقَالَ: يَا سَلْمَانُ، مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تُصَدِّقَنِي بِمَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقَالَ سَلْمَانُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَغْضَبُ فَيَقُولُ فِي الْغَضَبِ لِنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَيَرْضَى فَيَقُولُ فِي الرِّضَا لِنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، أَمَا تَنْتَهِي حَتَّى تُوَرِّثَ رِجَالًا حُبَّ رِجَالٍ وَرِجَالًا بُغْضَ رِجَالٍ، وَحَتَّى تُوقِعَ اخْتِلَافًا وَفُرْقَةً؟ وَلَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ فَقَالَ: «أَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي سَبَبْتُهُ سَبَّةً، أَوْ لَعَنْتُهُ لَعْنَةً فِي غَضَبِي، فَإِنَّمَا أَنَا مِنْ وَلَدِ آدَمَ أَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُونَ، وَإِنَّمَا بَعَثَنِي رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، فَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ صَلَاةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ»(3). وَاللَّهِ لَتَنْتَهِيَنَّ أَوْ لَأَكْتُبَنَّ إِلَى عُمَرَ.

بَابٌ فِي اسْتِخْلَافِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ، قَالَ: لَمَّا اسْتُعِزَّ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا عِنْدَهُ فِي نَفَرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ دَعَاهُ بِلَالٌ إِلَى الصَّلَاةِ فَقَالَ: مُرُوا مَنْ يُصَلِّي لِلنَّاسِ، فَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَمْعَةَ فَإِذَا عُمَرُ فِي النَّاسِ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ غَائِبًا، فَقُلْتُ: يَا عُمَرُ قُمْ فَصَلِّ بِالنَّاسِ، فَتَقَدَّمَ فَكَبَّرَ، فَلَمَّا سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَوْتَهُ وَكَانَ عُمَرُ رَجُلًا مُجْهِرًا، قَالَ: «فَأَيْنَ أَبُو بَكْرٍ؟ يَأْبَى اللَّهُ ذَلِكَ وَالْمُسْلِمُونَ، يَأْبَى اللَّهُ ذَلِكَ وَالْمُسْلِمُونَ»(4) فَبَعَثَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَجَاءَ بَعْدَ أَنْ صَلَّى عُمَرُ تِلْكَ الصَّلَاةَ فَصَلَّى بِالنَّاسِ

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ يَعْقُوبَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَمْعَةَ، أَخْبَرَهُ بِهَذَا الْخَبَرِ، قَالَ: لَمَّا سَمِعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: صَوْتَ عُمَرَ قَالَ ابْنُ زَمْعَةَ: خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَطْلَعَ رَأْسَهُ مِنْ حُجْرَتِهِ ثُمَّ قَالَ: «لَا لَا لَا لِيُصَلِّ لِلنَّاسِ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ يَقُولُ ذَلِكَ مُغْضَبًا»(5).


هذه الأحاديث في فضائل الصحابة، وفضائلهم رضي الله عنهم كثيرة جدًا، تارة تكون فضائل عامة في عموم الصحابة، وتارة تكون فضائل مثل ما تقدم لأهل بدر، أو لأهل بيعة الرضوان، وتارة تكون فضائل لأفراد منهم، وسيدهم وأفضلهم أبو بكر رضي الله عنه فلهذا بدأ به.

أولًا من حيث الصحابة رضي الله عنهم القرن الذي كان فيه النبي صلى الله عليه وسلم هو خير قرون الأمة وهذا منصوص في القرآن قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ(6).

الآية هذه وجهت للصحابة ولهذا قال بعض المفسرين إن الآية أصلًا ليست إلا في الصحابة، فالمقصود كنتم يا أصحاب محمد خير امة أخرجت للناس، وقال آخرون من أهل العلم، إن الآية في الصحابة بلا شك  والأمة على سبيل التباعة، فخير الأمة بلا أدنى تردد هم الصحابة رضي الله عنه، ولهذا لا يوجد صنف يمكن أن يأتي لا تابعي ولا غير تابعي، ولا من يكون من الغرباء في آخر الزمان ولا من يتبعون ويلحقون وقف عيسى ابن مريم، كل هؤلاء لا يمكن أن يكونوا أفضل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

يقول صلى الله عليه وسلم: «خَيْرُ أُمَّتِي الْقَرْنُ الَّذِينَ بُعِثْتُ فِيهِمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ»، ولهذا تجد السلف دائمًا يقولون: القرون المفضلة، السلف الصالح، فضلت بالنص، «خَيْرُ أُمَّتِي الْقَرْنُ الَّذِينَ بُعِثْتُ فِيهِمْ»، يعني الصحابة «ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» من التابعين، «ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ»(7)، أتباع التابعين، والصحيح أنهم ثلاثة قرون، فتردد الراوي يقول الله اعلم أذكر بعد الثالث قرن أو لا، يعني هل هم أربعة والصواب أنهم ثلاثة، قرن النبي صلى الله عليه وسلم ثم القرن الذي بعده، ثم القرن الذي بعده.

انظر ماذا يقول صلى الله عليه وسلم في من يخلفون بعد الصحابة، لو تلاحظ أن كثير من النصوص المدح الأكثر قطعًا للصحابة، إذا جاء ذكر من بعد الصحابة في أحيان كثيرة يبين النبي صلى الله عليه وسلم الاختلاف الذي سيقع كما قال صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم «إِنَّ أُمَّتَكُمْ هَذِهِ جُعِلَ عَافِيَتُهَا فِي أَوَّلِهَا، وَسَيُصِيبُ آخِرَهَا بَلَاءٌ وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا»(8).

هنا بعد أن ذكر القرون الثلاثة المفضلة قال: «ثُمَّ يَظْهَرُ قَوْمٌ» على خلاف هؤلاء الذين يقول خير أمتي فيهم هذه الخصال السيئة، «يَشْهَدُونَ، وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ» ومن شدة مبالغتهم في الشهادة وحرصهم عليها، حتى لو لم تطلب منهم، كون إنسان تسهل عليه الشهادة، هذا فيه دلالة على أن أمانته محل إشكال، لأن الشهادة يفترض أن تؤدى أداء عن يقين وعن جزم، هذا مستعد بالشهادة يأتي بها يعدو، فهذا يدل على أنه وإن لم يستشهد، يدل على أنه غير مكترث وغير مهتم بالشهادة، «وَيَنْذِرُونَ، وَلَا يُوفُونَ»، خصلة رديئة، النذر أصلا منهي عنه، فإذا نذر الإنسان لزمه أن يوفي، فهذا ينذر ويخالف النهج، ثم بعد ذلك إذا نظر لا يوفي، «وَيَخُونُونَ، وَلَا يُؤْتَمَنُونَ»، خصال المنافقين هم أهل خيانة، إشارة غلى أنهم مقبلون على الدنيا وملاذها، لكن لو كان لا يعني ذلك أن المؤمن الثابت الصالح الذي ظهر فيه. . انه يكون من ضمن هؤلاء يعني هذه خصال مجتمعة «وَيَفْشُو فِيهِمُ السِّمَنُ»، «وَيَنْذِرُونَ، وَلَا يُوفُونَ»، «وَيَخُونُونَ، وَلَا يُؤْتَمَنُونَ»(9)، فإذا كان المسلم مؤتمن وإذا نذر أوفى، لا يقال أنه يدخل في هؤلاء، لكن ظهور السمن فيهم يدل على نوع من الإقبال على الدنيا وملاذها.

الباب الذي بعده في النهي عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم

في هذا الحديث الصحيح في الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم قال«لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا»(10)، وهذا الأمر لا يكاد يصور، جبل أحد على ضخامته لو أن إنسان صار عنده في النفقة مثل هذا الجبل، لكن ذهب هل سيبلغ شيء مما قدمه الصحابة؟ لن يبلغ المد.

المد هو ربع الصاع، الصاع هذا الذي تخرج به زكاة الفطر، المد ربع الصاع لم يكثر النبي صلى الله عليه وسلم قال ولا نصيفه، أي ولا نصيف حتى هذا المد، يعني ثمن الصاع، من الصحابي لو أنفقت مثل أحد ذهب ما تعادله، يقال ما يبلغه أصلا، كل هذا للكف عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، لهذا من الشقاء العظيم ودلائل الخيبة وانعدام الدين أن يتعرض أحد لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

الحديث بعده أن حذيفة رضي الله عنه كان بالمدائن، لد، فكان يذكر أشياء قالها النبي صلى الله عليه وسلم، حذيفة رضي الله عنه أخبره النبي صلى الله عليه وسلم ببعض المنافين وأحوالهم فكان يعرف بعض المنافقين لكن النبي صلى الله عليه وسلم بشر يغضب ويرضى فربما غضب على أحد الصحابة الأخيار ودعا عليه، بل ربما دعا على صبي صغير ليس بالمكلف كما دعا على يتيمة أم سلمة، قال: أراك كبرت، لا كبر قرناك وما نحوه، فقالت يا رسول الله  هلكت أبنتي، فقال صلى الله عليه وسلم ألم تعرفي شرطي على ربي إني اشترطت على ربي شرط أني بشر أغضب كما يغضب البشر وأرضى كما يرضى البشر « فأَيُّمَا مُؤْمِنٍ سَبَبْتُهُ أَوْ لَعَنْتُهُ فَاجْعَلْ ذلك صلاة عليه»(11).

يعني النبي صلى الله عليه وسلم إذا قال لحذيفة، تربت يمينك، لمعاذ، ثكلتك أمك يا معاذ، هذه الآن دعوة قال أهل العلم إنها تجري على ألسنتهم دون قصد الدعاء، فقالها صلى الله عليه وسلم، فيقال هذه دعوة على معاذ وهي دالة على أن معاذ قد دعا عليه النبي صلى الله عليه وسلم، يقول حذيفة: النبي صلى الله عليه وسلم بشر، يغضب ويرضى وقد علمت أنه قال في أصحابه في الغضب أشياء، وقال في الرضا أشياء، يقول سلما لحذيفة فكونك تأتي وتقول إنه قال في فلان كذا وفي فلان كذا، هذا الجيل الأتي بعدهم لا يتصور ولا يعرف الفرق، ولا يدري بان النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي سَبَبْتُهُ سَبَّةً، أَوْ لَعَنْتُهُ لَعْنَةً فِي غَضَبِي، فَإِنَّمَا أَنَا مِنْ وَلَدِ آدَمَ أَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُونَ، وَإِنَّمَا بَعَثَنِي رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، فَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ صَلَاةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ»(12).

يقول: أنت تعرف أن النبي صلى الله عليه وسلم قالها، وأن الآن تقول غن النبي صلى الله عليه وسلم قال في فلان من الصحابة كذا، هؤلاء الآن الذين يسمعونك سيبغضون هذا الصحابي مع أن النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الروايات أنه اشترط على ربه في شرط، لأنه بشر يغضب كما يغضب البشر ويرضى كما يرضى البشر، فأيما مؤمن سبه فإنه يسأل الله أن يجعل ذلك عليه رحمة كما في الحديث هنا.

قال: أما تنهي حتى تورث رجال حب رجال ورجال بغض رجال، يعني أنت إذا قلت النبي صلى الله عليه وسلم قال في أبي بكر كذا، سيحبون أبا بكر، وإذا قلت مرة غضب فقال في فلان من الصحابة الأخيار كذا سيبغضونه، هذا الذي سيؤدي إليه قولك، مع انك تعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال هذا الحديث، أيما رجل، والله لتنتهين عن هذا أو لأكتبن لعمر، لأن مثل ما قلنا: الجيل الذي يأتي ولا يعرف بهذا الأمر الخاص بالرسول صلى الله عليه وسلم لا يعرفون الأمر، فحذيفة اقره رضي الله عنه، لأنهم كانوا يقولون حذيفة إذا حدث بالحديث حدثنا به سلمان، لا صدقك ولا كذبك، هو يقول حذيفة أدرى بما يقول؛ لأنه يحب وهذا من أدب سلمان، ما يريد أن يقول كيف يقول لكم هذا، يريد أن يقول كلمة، يكون فيها نوع احتمال؛ ليدفع عن الصحابة من جهة؛ ولألا يجعل حذيفة في مقام المخطى، حتى أتى إليه سلمان، قال ما يمنعك، إذا قلت حدثني بالحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم لا تصدقوني ولا تكذبوني، فقالوا له هذا الكلام الذي تقدم.

أما إذا أخبر صلى الله عليه وسلم عن رجل بأنه من أهل النار، وأخبر عن رجل بأنه من المنافقين، هذا انتهى، هذا إخبار لا يمكن أن يخوض النبي صلى الله عليه وسلم في أمرٍ مثل هذا على سبيل، أنه يقول أنه من أهل النار، ثم يقول لا، إن هذه سبة لا المقصود أنه ربما غضب صلى الله عليه وسلم، غضب من صحابي في أثناء الغزو وتقدم الجيش، ربما قال كلمة فيه وغضب عليه ودعا عليه، قال: فلا تحفظوا هذه بهذه الطريقة وتخبروه بالناس فيمن بعد حتى يقولوها، الرجل قد دعا عليه النبي صلى الله عليه وسلم مع أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترط على ربه هذا الشرط فثمة فرق بين إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بكون هذا الرجل من المنافقين أو من أهل النار أو نحو ذلك، فكونه يغضب على صحابي كريم، فيقول له كلمة، مثل ما قال ليتيمة أم سلمة فإن هذا له معناه وذاك له معناه.

الأحاديث التي بعده في استخلاف أبي بكر رضي الله عنه، أبو بكر لم يستخلفه النبي صلى الله عليه وسلم لكن لا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم وضع من الدلالات والعلامات ما فيه الكفاية ليستخلف الصحابة أبا بكر رضي الله عنه من بعده، من أقوى وأعظم هذه الإشارات أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر في مرض وفاته في أخر حياته صلى الله عليه وسلم أن يصلي بالناس أبو بكر، فمرة لما اشتد بالنبي صلى الله عليه وسلم، قال: «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ»(13)، فصلى بهم خير الصحابة بعد أبي بكر وهو عمر رضي الله عنه، فأبى النبي صلى الله عليه وسلم، كان عمر رضي الله عنه رجل مجهر، يعني صاحب صوت يجهر في كلامه، صوته قوي واضح، وسمع النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: «فَأَيْنَ أَبُو بَكْرٍ؟ يَأْبَى اللهُ ذَلِكَ وَالمُسْلِمُونَ»(14)، حتى لو كان المصلي عمر، لا يصلي إلا أبو بكر، يأبى الله ذلك والمسلمون، فبعث لأبي بكر فجاء بعد أن صلى عمر تلك الصلاة فصلى بالناس، هذه إشارة للصحابة قوية على أن الذي يصلي، الذي يليكم ويكون خليفة من بعد هو أبو بكر، لأن النبي صلى الله عليه وسلم والأئمة من بعده الخلفاء كانوا هم الذين يصلون بالناس، إلا أن ينيبوا أحد، لهذا الحج لا بد أن يقوده الإمام، لا يقال للناس حجوا هكذا، لا ما في شيء هكذا، لا بد أن يكون هناك من يحج بالناس، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يحج بالناس والخلفاء يحجون بالناس ولا يزال هذا هناك، لا بد أن يقوم بالحج أمير مكة.

 لا بد أن يكون قائم على الحج لأن الحج يكون مع الأمراء مثل الجهاد، مثل الجمعة والجماعة والعيدين، تكون خلف الأمراء ولهذا قال أهل العلم نصلي خلفهم الجمع والجماعة والأعياد أبرا ر كانوا أو فجار حتى لا تنقطع هذه العبادة، فالأصل أنها تكون للولاة، النبي صلى الله عليه وسلم لما جعل أبو بكر يصلي بالناس هذه اقوي إشارة على أنه هو الخليفة من بعده لن الذي يتولى الصلاة هو ولي أمر المسلمين، ثم إصراره صلى الله عليه وسلم لما سمع صوت عمر ما سمع أي أحد، حتى قال «لَا،لَا،لَا لِيُصِلِّ لِلنَّاسِ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ»(15) يقولها مغضب صلى الله عليه وسلم، الصحابة يتساءلون ما هذا الإصرار على أبي بكر لأنه خيركم وأفضلكم ولأنه أولاكم بأن يكون خليفة بعد رسول الله هذا المعنى المراد.


(1) أخرجه البخاري في كتاب الشهادات- باب لا يشهد على شهادة جور إذا شهد (2651)، ومسلم في كتاب فضائل الصحابة- باب فضل الصحابة رضي الله تعالى عنهم (2535).
(2) أخرجه مسلم في كتاب فضائل الصحابة- باب تحريم سب الصحابة رضي الله عنهم (2540).
(3) أخرجه الإمام أحمد في «مسنده» (39/ 110)، وأبو داود في كِتَاب السُّنَّةِ – بَابٌ فِي النَّهْيِ عَنْ سَبِّ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (4659).
(4) أخرجه أبو داود في «سننه»: كتاب السنة- باب استخلاف أبي بكر رضي الله عنه (4660)، وأحمد في «مسنده» (4/322)، والطبراني في «المعجم الأوسط» (1065)، والحاكم في «المستدرك على الصحيحين» (3/743).
(5) أخرجه أبو داود في «سننه»: كتاب السنة- باب استخلاف أبي بكر رضي الله عنه (4661).
(6) آل عمران: 110.
(7) أخرجه البخاري في كتاب الشهادات- باب لا يشهد على شهادة جور إذا شهد (2651)، ومسلم في كتاب فضائل الصحابة- باب فضل الصحابة رضي الله تعالى عنهم (2535).
(8) أخرجه مسلم في كتاب الإمارة- باب وجوب الوفاء ببيعة الخلفاء الأول فالأول (1844).
(9) أخرجه البخاري في كتاب الشهادات- باب لا يشهد على شهادة جور إذا شهد (2651)، ومسلم في كتاب فضائل الصحابة- باب فضل الصحابة رضي الله تعالى عنهم (2535).
(10) أخرجه البخاري في كتاب المناقب- باب قول النبي صلى الله عليه وسلم : «لو كنت متخذًا خليلًا» (3673)، ومسلم في كتاب فضائل الصحابة- باب تحريم سب الصحابة رضي الله عنهم (2541).
(11) أخرجه الإمام أحمد في «مسنده» (39/ 110)، وأبو داود في كِتَاب السُّنَّةِ – بَابٌ فِي النَّهْيِ عَنْ سَبِّ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (4659).
(12) أخرجه الإمام أحمد في «مسنده» (39/ 110)، وأبو داود في كِتَاب السُّنَّةِ – بَابٌ فِي النَّهْيِ عَنْ سَبِّ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (4659).
(13) أخرجه البخاري في كتاب الأذان- باب إنما جعل الإمام ليؤتم به (687)، ومسلم في كتاب الصلاة- باب استخلاف الإمام إذا عرض له عذر من مرض وسفر (418) واللفظ له.
(14) أخرجه أبو داود في «سننه»: كتاب السنة- باب استخلاف أبي بكر رضي الله عنه (4660)، وأحمد في «مسنده» (4/322)، والطبراني في «المعجم الأوسط» (1065)، والحاكم في «المستدرك على الصحيحين» (3/743).
(15) أخرجه أبو داود في «سننه»: كتاب السنة- باب استخلاف أبي بكر رضي الله عنه (4661).