موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - آثار عن مكحول في الملاحم - شرح كتاب السنة
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح كتاب السنة لفضيلة الشيخ عبدالله بن عبدالعزيز العنقري
  
 
 شرح كتاب السنة
 باب شرح السنة
 باب النهي عن الجدال وإتباع المتشابه من القرآن
 مجانبة أهل الأهواء وبغضهم وترك السلام عليهم
 باب النهي عن الجدال في القرآن
 باب في لزوم السُّنَّة
 باب لزوم السنة
 آثار عن الإمام الحسن البصري
 باب في التفضيل
 باب في الخلفاء
 آثار عن مكحول في الملاحم
 آثار مروية عن الحجاج
 الخلافة ثلاثون ودلائل فضل الصحابة رضي الله عنهم
 أبواب في فضل الصحابة والنهي عن سبهم، واستخلاف أبي بكر رضي الله عنه
 بَابُ مَا يَدُلُّ عَلَى تَرْكِ الْكَلَامِ فِي الْفِتْنَةِ
 بَابٌ فِي التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ
 بَابٌ فِي رَدِّ الْإِرْجَاءِ
 بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى زِيَادَةِ الْإِيمَانِ وَنُقْصَانِهِ
 باب في القدر
 بَابٌ فِي ذَرَارِيِّ الْمُشْرِكِينَ
 أبواب في الجهمية والرد عليهم، والرؤية والقرآن
 أبواب متفرقة
 أبواب متعلقة بالخوارج واللصوص
شرح كتاب السنة - آثار عن مكحول في الملاحم

وعن مكحولٍ -رحمه الله تعالى-، قال: لَتَمْخُرَنَّ الرُّومُ الشامَ أربعينَ صباحًا لا يَمتنعُ منها إلا دمشقُ وعمَّان.

وعن عبدَ الرحمن بنَ سلمان، يقول: سيأتي مَلِكٌ من ملوك العَجَم يَظهرُ على المدائن كلِّها إلا دمشقَ.

وعن مكحول -رحمه الله تعالى-، أن رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم - قال: «مَوضِعُ فُسطاطِ المسلمين في الملاحِمِ أرضٌ يقال لها الغوطة»(1).


هذه الآثار الثلاثة عن مكحول فيه مقال في الأثر الأول: لَتَمْخُرَنَّ الرُّومُ الشامَ أربعينَ صباحًا لا يَمتنعُ منها إلا دمشقُ وعمَّان، وحتى لو صح عن مكحول فإنه يكون في حكم المرسل، وأيضًا لم يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فالأثر فيه ضعف.

 قول عبدَ الرحمن بنَ سلمان -رحمه الله تعالى-: سيأتي مَلِكٌ من ملوك العَجَم يَظهرُ على المدائن كلِّها إلا دمشقَ، عبد الرحمن أيضًا من التابعين -رحمه الله تعالى-، ولم يروه موصولًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فهو من كلامه هو-رحمه الله.

الحديث بعده أيضًا عن مكحول أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَوضِعُ فُسطاطِ المسلمين في الملاحِمِ أرضٌ يقال لها الغوطة»(2)، وهي في دمشق لا تزال تسمى بالغوطة إلى الآن وأيضًا هذا الأثر عن مكحول أرسله إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولم يذكر الصحابي.

وجاء في أحاديث كثيرة أن الملحمة الكبرى، ستكون بين المسلمين وبين أذاهم الله الروم في الشام الأحاديث عنها كثيرة؛ لكن مما لا يشك فيه ولا يرتاب أن من الخلل الكبير جدًا، وهذا حدث عدة مرات حتى في الأزمنة الكبيرة من عام ألف وأربعمائة وعشرة وما بعدها.

من الخلل الكبير أن تؤخذ مثل هذه الأحاديث وتنزل على وقائع، ويقال: إنها المراد بقول النبي صلى الله عليه وسلم هذا في الحقيقة أنه جرأة، كما تقول العربُ: أجرأ من خاص الأسد، جرأة عجيبة جدًا من الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

لما كانت الحرب الأولى على العراق أنزل كثيرٌ من خطباء الجمعة، ومن الوعاظ الحديث الصحيح الذي في مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «تأتيكم الروم في ثمانين راية تحت كُلِّ رَايَةٍ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا»(3).

 وذكر الملحمة الكبرى التي تكون بين المسلمين والروم؛ وأن من شدتها أن الطير يمر من فوقهم فيسقط، يعني من شدة وكثرة الجيف كثرة الموتى، حتى يتعادى بنو الجد يبلغون المائة لا يوجد منهم إلا واحد، فقال قائلٌ: هذا هو المقصود.

هل وقع هذا؟ ما وقع، بهذا أتريدون أن يكذب الله ورسوله، خطأ عظيم جدًا أن تبادر تجد حديثًا فتنزله على واقعة، أليس من السوء عندك؟ هذه الأحاديث الله عز وجل  كما يعلم مكانها يعلم زمانها -سبحانه وتعالى.

فالمبادرة بأن يقال: هذا المراد هذه الواقعة المحددة الكائنة الآن، هذا خطأ كبير وهو تعريضٌ لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم للتكذيب، بأن يقول: المنافقون والزنادقة والعلمانيون والروافض أين حديثكم؟.

 أين القتلى الذين يمر الطير من فوقهم فيسقط؟ أين بنو الجد الذين يبلغون المائة يتعادون لا يوجد منهم إلا واحد؟ بنو الجد له أحفاد عدة يبلغون مائة، وبيدوا كلهم ما بقي إلا واحد أين هذا؟ هل تحقق؟ والله يعلم أنه سيكون وسيتحقق بلا ريب؛ لكن: ﴿عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى﴾.

فمن الخطأ الكبير الآن الواقع من الوعاظ وأنصاف المتعلمين، أن يأت إلى حديث من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وينزله على واقعة، وهذا كثير كثيرْ الآن وصار يفشى في رسائل الجوال وفي غيرها، يقال: أن النبي صلى الله عليه وسلم يقصد كذا.

 هذه الأحاديث يجب أن يكون دونها سياج عظيم من الاحترام والتقدير، وعدم الخوض في تفسيرها من قبل أي أحد، لأن تفسيرها على هذه الطريقة إذا ارتفع الحدث هذا وانتهى انفتح باب التكذيب في النص.

 فقيل: قلتم إن النبي صلى الله عليه وسلم أراد هذه الواقعة، وها نحن نرى بأعيننا أن هذه الواقعة ما تحقق فيها الذي ...، فمن الذي يخطأ؟ الذي يخطأ المتهور المتعجل الذي أنزل حديث النبي صلى الله عليه وسلم على همه الساذج هو، أتدري متى يكون هذا؟ بعد ألف أو ألفين سنة، أو بعد عشر أو عشرين سنة، أو بعد يوم أو يومين ما تدري لا تعرف.

كما أنك لا تدرس متى سينزل المسيح ومتى سيكون الدجال؟ ومتى سيكون قوم يأجوج ومأجوج؟ لا تدري فكذلك مثل هذه النصوص، الذين تعجلوا فيمن ظنوا مثل هذه الأمور سابقًا، والذين تعجلوا الآن والذين سيتعجلون لاحقًا، كلهم قد اجترئوا على النص.

نص النبي صلى الله عليه وسلم حق لا يمكن أن يتطرق إليه الخلل، وإنما الإشكال الكبير في العجلة في تفسيره ومنه ما يتعلق بالمهدي، المهدي ثابت ثبوت لا إشكال فيه عند أهل السنة.

وأبو داود -رحمه الله تعالى- في هذا الكتاب، قد وضع كتابًا متعلقًا بالمهدي، أحاديث المهدي فيها الضعيف وفيها الصحيح؛ لكن لا شك أن المهدي حق، كم ادعى المهدي من الناس؟ مثل أن يقول: أن المهدي ويتبعه ألوف، إلى الآن.

حتى في رجل الآن ادعى أنه نبي وله أتباع لا يحصرون، المهدي دلت الأحاديث على وصفٍ له دقيق جدًا لا يختلف على المسلمين إذا جاء وقته، فكل مرة يدعي إنسان يقول: أن المهدي، يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث صحيح لأبي داود ذكر المهدي وأنا المهدي، فيتبعه أعداء الله.

ومنه مثل هذه الوقائع التي تكون، يقال مثل هذا الذي يقع الآن في الشام هو المقصود في حديث النبي صلى الله عليه وسلم، كيف تقول مثل هذا؟ النبي -عَلَيْهِ الصلاة والسَّلَامُ- أخبر أن موضع الفسطاط.

 والفسطاط هو الخباء من الشعر أو غيره الذين يكون فيه المسلمون، وتكون فيه الملاحم العظام بين أهل الإسلام وبين أهل الروم، فتكون في الشام، لكن الآن لماذا لم يكن في فترة الاستعمار المسماة بالاستعمار الحقيقة؟ وهي فترة الاحتلال الحقيقة.

أما أتى الروم واحتلوا بلاد المسلمين، وتمكنوا من لبنان والأردن وسوريا وفلسطين؟ كل هذا وقع لماذا لم يتحقق هذا الحديث؟ لأنه ليس وقته فقط، أما إذا جاء وقته فإن الذي أمسك السموات والأرض أن تزولا؛ سيوقعه-سبحانه وبحمده.

فلا يستعجل ما هو كل مرة يأت الروم أو يقع حدث من الأحداث يبادر الناس ويقولوا: هذا المراد، احتل أعداء الله من الروم من الفرنسيين والبريطانيين وغيرهم، مجموعة كبيرة من هذه البلاد سنوات متوالية.

فالذي عنده إيمان وثقة بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: نحن نعلم أن هذه واقعة ستكون؛ لكن هذا الاحتلال ليس هو المقصود، لا يستعجل وهكذا كل ما يقع من حدث يبادر الناس ويقول: هذا الحديث هو المقصود به؛.

 حتى أخرج بعض السفهاء الكذبة أرجوزةً من فترة، وقالوا: إن هذا في القرن الثامن أخبر بأنه ستكون أوصافه كذا وكذا، كاذبون هؤلاء والله، حتى الشخص المسمى بالموصلي وغيره وأن المقصود به كذا، وأن سيكون كذا وسيفعل به. . . كل هذا من الإرجاء والروافض وأضرابهم.

ومحاولة ربط ما يقع من أحداث بأمور، لو اعتقد هذا في ذاك الشاعر المجهول غير الموجود هنا، لا أساس له وليست له حقيقة لكان هذا من اعتقاد أنه يعلم الغيب، الغيب الذي لا تعلمه الرسل.

قال شيخ الإسلام بن تيمية -رحمه الله تعالى: العلم التفصيلي بالغيب لا يكون إلا برسول، يخبرك النبي بشخص مثل الدجال وبيأجوج ومأجوج وترتيب، هذا لا يكون إلا لنبي فاعتقاد مثل هذه الأمور خطير خطر جدًا على عقلية الإنسان.

معناه أن الناس يعلمون الغيب، شخص من القرن الثاني يصف لك الناس ماذا يفعلون وأنه سيفعل كذا، لهذا الحد صارت عقيدة الناس متهافتة بهذه السهولة، يكذب رافضي أو مخالف صوفي ويدعي مخطوطة، هل تظن أن مسألة المخطوطة عثرة؟.

الآن مجمعة من العابثين الذين يأتون بالنقود القديمة، ويضرب عليها شكة عبد الملك بن مروان تخفى على كثير من الناس وتشترى بالآلاف يظن أنها شكة عبد الملك بن مروان، ويأت بمخطوطة ويعالجها بطريقة معينة تجعل شكل الورق قديم، ويخطوا خطًا ويبيعه على الناس...

هذه وجدت عام القرن الخامس هذه ليست، لهذا خبراء المخطوطات وأمثالهم يشتركون الفرق بين هذا الخط، وهذا الخط أصلًا ليس بخط القرن الخامس، هذا الخط من خط القرن العاشر، وهذه الأوراق أنا أعطيك ورقةً جديدة وأعالجها بطريقةٍ معينة.

 أرأيت الورقة الآن كيف صارت قديمة هذه ألاعيب، الغيب لله كما قال عز وجل : ﴿فَقُلْ إِنَّمَا الغَيْبُ لله﴾، ولهذا إذا أتتنا أحاديث فعلين أن نتقي الله في إنزالها، لأننا إذا أنزلناها على وقائع وانتهت الوقائع كُذب الرسول صلى الله عليه وسلم.

 فليتقى الله عز وجل  وليعلم أن مثل هذه النصوص وغير هذه النصوص، إنه من علامات ودلائل النبوة لا يحل أن يتقدم بين يدي الله ورسوله، يقال: هذا هو المقصود، إلا إذا وقعت وقوعًا واضحًا وهذا لأهل العلم.

يا إخوة يا كرام ألسنا الآن نرجع في ألفاظ هذه الأحاديث إلى العلماء وللشراح؟ فكيف نأت للواقع بأشد من توضيح الكلمة، الواقع هنا ننزله على الحديث وننزله على واقعنا، هذا أشد من شرح الحديث.

يعني إذا كان في الحديث مثلًا الخباب، نأت ونرجع فنقول: ما المقصود بالخباب؟ هذا نرجع إلى غيرنا من أهل العلم، فكيف نقول: الواقعة نفسها هذه التي وقعت هي المرادة بحديث النبي صلى الله عليه وسلم، هذا أشد.

أما إذا أتضح الأمر فنعم، كما قالت أسماء -رضي الله عنها- للحجاج لما قتل ابنها، عبد الله بن الزبير -رضي الله عنهما-، قالت: إن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا أنه يخرج في ثقيفٍ كذابٍ ومبيد أما الكذاب فقد عرفناه، تعني المختار بن أبى عبيدة الثقة، وأما المبيد فلا أُراه إلا أنت.

المبيد وهو المهلك الذي يهلك الناس، قال أهل العلم: فكان الحجاج هو المبيد فعلًا، أنظر صحابية روت الحديث وأنزلته على، لأن الصحابة أفقه بالأحاديث، أما تأثير الأحاديث في هذا القرن أو لما كانت فترة الاحتلال المسماة فترة الاستعمار فيقال: هذا هو المقصود، نأت الآن فنقول: هذا هو المقصود، ثم نموت ويأت أناسٌ بعدنا الله أعلم متى يقع؟ فتع وقائع مماثلة أو مقاربة يقول: هذا المقصود.

هذا يعرض حديث النبي صلى الله عليه وسلم للتكذيب، في كل مرة نقول: هذا هو المقصود، ومن قبلنا يقول: هذا هو المقصود، ومن بعدنا يقول: هذا هو المقصود، انتظر حتى تراه بعينك، إن كان -الله تعالى- قد كتب لك حياةً، وأنت لست بحاجة  إلى تصدق النبي صلى الله عليه وسلم حتى ترى.

أنت تصدقه صلى الله عليه وسلم بالغيب الذي تؤمن به، فالحاصل أن هذا من الخطر الكبير وهذا من الأشياء التي تسارع فيها الناس، والعجب أن بعض من تسارعوا فيها بعضُ من كبار السن وممن يعني لديهم نوع من المسحة العلمية، ومع ذلك تسارعوا في هذه المسائل.

لأن هذه المسائل أيها الإخوة إذا تكلمت فيها أنت بكلمة الآن، خلال عشر دقائق تصل المغرب والمشرق، فهذه من المسائل التي تنتشر فتتسبب في تكذيب النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الأرض، فاتقي الله واضبط أمر الأحاديث النبوية وأعلم أن الجرأة على تفسيرها ليس بالأمر الهين.

أحيانًا يجلس إنسان كلما أتت واقعة، قال: المقصود بحديث النبي صلى الله عليه وسلم هو هذا، نتقي الله عز وجل  ونتأدب مع رسوله صلى الله عليه وسلم.


(1) أخرجه أبو داود في كتاب الملاحم- باب في المعقل من الملاحم (4298)، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود».
(2) أخرجه أبو داود في كتاب الملاحم- باب في المعقل من الملاحم (4298)، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود».
 (3) أخرجه بنحوه الإمام أحمد في «مسنده» (23985)، وابن ماجه في كتاب الفتن – باب أشراط الساعة (4042) بألفاظ متقاربة، وقال شعيب الأرناؤوط في تحقيق المسند: إسناده صحيح على شرط مسلم.