موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - مجانبة أهل الأهواء وبغضهم وترك السلام عليهم - شرح كتاب السنة
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح كتاب السنة لفضيلة الشيخ عبدالله بن عبدالعزيز العنقري
  
 
 شرح كتاب السنة
 باب شرح السنة
 باب النهي عن الجدال وإتباع المتشابه من القرآن
 مجانبة أهل الأهواء وبغضهم وترك السلام عليهم
 باب النهي عن الجدال في القرآن
 باب في لزوم السُّنَّة
 باب لزوم السنة
 آثار عن الإمام الحسن البصري
 باب في التفضيل
 باب في الخلفاء
 آثار عن مكحول في الملاحم
 آثار مروية عن الحجاج
 الخلافة ثلاثون ودلائل فضل الصحابة رضي الله عنهم
 أبواب في فضل الصحابة والنهي عن سبهم، واستخلاف أبي بكر رضي الله عنه
 بَابُ مَا يَدُلُّ عَلَى تَرْكِ الْكَلَامِ فِي الْفِتْنَةِ
 بَابٌ فِي التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ
 بَابٌ فِي رَدِّ الْإِرْجَاءِ
 بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى زِيَادَةِ الْإِيمَانِ وَنُقْصَانِهِ
 باب في القدر
 بَابٌ فِي ذَرَارِيِّ الْمُشْرِكِينَ
 أبواب في الجهمية والرد عليهم، والرؤية والقرآن
 أبواب متفرقة
 أبواب متعلقة بالخوارج واللصوص
شرح كتاب السنة - مجانبة أهل الأهواء وبغضهم وترك السلام عليهم

باب مجانبة أهل الأهواء وبغضهم

 قال رجل عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَوْثَقُ عُرَى الْإِيمَانِ: الحُبُّ فِي اللَّهِ، وَالْبُغْضُ فِيهِ»(1)، وعن عبد الله بن كعب بن مالك وكان قائد. . سمعت كعب بن مالك، وذكر ابن الصرح قصة تخلفه عن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك قال، «ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلامنا.. أطال علي حَتَّى تَسَوَّرْتُ جِدَارَ حَائِطِ أَبِي قَتَادَةَ وَهُوَ ابْنُ عَمِّي وَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَوَاللَّهِ مَا رَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ»(2) ثم ساق خبر.. توبتي.

باب ترك السلام على أهل الأهواء.

عن عمار بن ياسر رضي الله عنه قال، قدمت على أهلي وَقَدْ تَشَقَّقَتْ يَدَايَ فَخَلَّقُونِي فَخَلَّقُونِي بِزَعْفَرَانٍ، فَغَدَوْتُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ، وَقَالَ: «اذْهَبْ فَاغْسِلْ هَذَا عَنْكَ»(3).

وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِي سَفَرٍ فَاعْتَلَّ بَعِيرٌ لِصَفِيَّةَ، وَفِي إِبِلِ زَيْنَبَ فَضْلٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: " إِنَّ بَعِيرًا لِصَفِيَّةَ اعْتَلَّ، فَلَوْ أَعْطَيْتِهَا بَعِيرًا مِنْ إِبِلِكِ "، فَقَالَتْ: أَنَا أُعْطِي تِلْكَ الْيَهُودِيَّةَ، فَتَرَكَهَا رَسُولُ اللَّهِ ذَا الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمَ شَهْرَيْنِ أَوْ ثَلاثَةً لا يَأْتِيهَا، قَالَتْ: حَتَّى يَئِسْتُ مِنْهُ وَحَوَّلْتُ سَرِيرِي، قَالَ: فَبَيْنَمَا أَنَا يَوْمًا مُنْتَصَفَ النَّهَارِ إِذَا أَنَا بِظِلِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُقْبِلا»(4).


هذان البابان يبينان جانب من الحذر الذي قاله النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث السابق فاحذروهم، من الحذر ما ذكره في الترجمة قال: باب مجانبة أهل الأهواء، إذا جانيتهم وأبعدت عنهم وعن مجالسهم، وكتبهم وقنواتهم فقد سلمت، وأنت مأمور بهذا، باب مجانبة أهل الأهواء وبغضهم، يعني يبغضوا في الله عز وجل، هذا البغض شرعي، يؤجر عليه الإنسان، كما أنه يؤجر على الحب في الله فإنه يؤجر على البغض في الله، فيبغضون في الله -سبحانه وتعالى- لما هم عليه من البدع والضلالات والمحدثات، فلهذا يبغضون في الله -سبحانه وتعالى-.

الحديث الأول فيه ضعف لوجود الرجل المجهول حيث قال رجل عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَوْثَقُ عُرَى الْإِيمَانِ: الحُبُّ فِي اللَّهِ، وَالْبُغْضُ فِيهِ»(5)، والمعنى من جهة الحب في الله والبغض في الله هو أنهما من أصلح الأعمال لا شك أنها من أصلح ما يتقرب به العبد لله -سبحانه وتعالى- لأن المحبة والبغضاء إذا تحكمت فيها، فجعلتها خاضعة للشرع لا للهواء، وتحب لله وتبغض لله فإن ذلك من أعلى مقامات الإيمان لأنك جانبت هواك وحكمت شرع الله تعالى حتى فيما تحب وفيما تبغض وهذا من الخضوع العظيم لله رب العالمين.

الحديث الذي بعده حديث مشهور رواه الشيخان وغيرهما في قصة تخلف كعب ابن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية عن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، فلما تخلفوا اقروا أنهم لم يكن لهم عذر، فالنبي صلى الله عليه وسلم أمر بهجرهم حتى أمر بعدم الكلام معهم وبقوا على هذا خمسين ليلة حتى انزل الله -سبحانه وتعالى- في توبتهم كما قال تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ(6).

في هذه الفترة لأنهم كانوا قد خالفوا وعصوا أمر صلى الله عليه وسلم بهجرانهم فكانوا إذا سلموا على احد لم يرد عليهم السلام، حتى إن كعب رضي الله عنه تسور على جدار أبي قتادة، حائط بستان، فأتى وسلم عليه قال، وكان أحب الناس إلي، قال: فو الله ما رد علي السلام طاعة لله ورسوله، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن الكلام معهم نهائي، فلم يرد عليه السلام، هذا نموذج من المجانبة.

هؤلاء جميعًا قطعًا ليسوا من أهل الأهواء وإنما حصل عندهم معصية، فما علاقتهم بالباب، علاقتهم بالباب بينة إذا هجر أهل المعصية وهم اقل جرم من أهل الأهواء فهجر أهل الأهواء من باب أولى، ولذلك قال باب مجانبتهم وذكر حديث في من عصوا ثم أن الله تاب عليهم كما تقدم.

الباب الذي بعده هذا نموذج لنماذج هجر أهل الأهواء وفيه ترك السلام عليهم، وترك رده أيضًا، ذكر فيها حديث عمار رضي الله عنه قدم على أهله وقد تشققت يداه إما من آثار العمل أو نحوه، فمن باب العلاج خلقوه بزعفران، الزعفران لا يناسب الرجال ولا ينبغي أن يتزعفر الرجل، وإنما هو من شأن النساء فهو رضي الله عنه تأول من باب أن هذا نوع من العلاج وليس من باب التزين لكن يداه قد تشققت فأراد أن يعالج علاجًا، أتى للنبي صلى الله عليه وسلم فسلم عليه، النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد عليه السلام، وأمره مباشرة بقوله: «اذْهَبْ فَاغْسِلْ هَذَا عَنْكَ»(7)، يعني أمره أن يرجع ويغسل آثار الزعفران، ولم يرد عليه السلام.

مرة أخرى، ما علاقة الحديث بأهل الأهواء؟ إذا كان هذا يقع لصحابي جليل في أمر ليس من المعتزلة أو الجهمية أو الخوارج، وإنما في أمر مما قد يكون خفي عليه حتى، وهو أمر يختص به النساء، فتأول رضي الله عنه وجعله في يديه من باب العلاج، فأبى النبي صلى الله عليه وسلم أن يرد عليه السلام، وكلمه مباشرة اذهب فأغسل هذا عنك، إذا هجر هذا وهو صحابي جليل ولم يرد عليه السلام، فأهل الأهواء والضلال من شاتمي الصحابة رضي الله عنهم ومن ناشئي الأفكار الخبيثة السيئة في الأمة، هؤلاء من باب أولى ألا يسلم على هؤلاء.

الحديث بعده فيه مقال لأنه من طريق سمية عن عائشة رضي الله عنها فيه قصة أن بعير لصفية رضي الله عنها اعتل وكان في الحج، فلما اعتل هذا البعير أراد النبي صلى الله عليه وسلم من زينب أن تعطي صفية بعير لها وكان عندها فضل ظهر، يعني عندها مركب خامل، الظهر يطلق على البعير، يقول أحضرت ظهري يعني لأنه يركب، فكان الظهر فاضل عن حاجتها رضي الله عنها فأشار عليها النبي صلى الله عليه وسلم أن تعطي صفية هذا البعير، هي غيور كغيرها من النساء لأن صفية ضرة لزينب رضي الله عنهم، ومن شأن الضرائر والزوجات أن يكون بينهم ما بينهم من التنافس فأطلقت كلمة غير لائقة رضي الله عنها، وقالت: أنا أعطي تلك اليهودية، تريد أن أصلها من يهود، لأنها من ذرية هارون عليه الصلاة والسلام، فغضب صلى الله عليه وسلم فهجرها في ذي الحجة الذي كان فيه الحج وفي محرم وفي صفر ودخل عليها في ربيع وأنهى هجرها قبل أن يموت بفترة قصيرة صلى الله عليه وسلم.

على كل حال الحديث كما قال، لكن من جهة هجر أهل الأهواء هذا لا شك أنه حق، وإذا هجر من عصا بكلمة غير لائقة أو فعل، فعل غير لائق على سبيل العصيان، فجران أهل البدع والضلالات من باب أولى.

لكن يا إخوة ينبغي أن يتنبه لأمر مهم جدًا في مسألة الهجر، وهي أن من كان عنده هوى وبدعة بسبب جهل فإن على طالب العلم أن يرفع عنه جهله، ما نبادر نقول هذا الرجل صاحب الهوى، اهجره واتركه ولا تكلمه مباشرة إلا إذا تبين لك عناده وإصراره، أما إذا وجهته وقلت له عن هذا على خلاف هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهدي الصحابة، وان عليك أن تلزم الحق فقال جزاك الله خير، ما كنت اعلم، حياتي هكذا أنا وأبي وجدي، وأنت طالب علم عجل الله لك التوبة، فأستغفر الله مما كنت فيه، وسلك السنة.

إن كان جاهل يحتاج أن يعلم وإذا علم قبل فلا تهجره، إنما الهجر كما نص أهل العلم في من عناد وإصرار، أما هؤلاء الجهال الذين ينتظرون منك توجيه وينتظرون منك إنقاذ لما هم فيه من الضلال، المبادرة على هديهم ها كسل، بدل ما يدعو الإنسان على الله ويبذل الجهد معهم يقول أنا اهجرهم، هذا غير صحيح وليس هذا من الهجر الشرعي، الهجر الشرعي نوعه العلاج، لعل هذا المبتدع أن يتوب وأيضًا نوع تحذير منه لأن أهل العلم إذا هجروه اتضح للعامة أنه ضال، لكن إذا كان رجلًا جاهل ووجه توجه، وإذا علم تعلم، فغنه لا يهجر، بل يبين له الحق فإن قبل فالحمد لله وإن أبى فإنه يهجر.


(1) أخرجه أحمد في «مسنده» (4/286)، وأبو داود الطيالسي في «مسنده» (747)، وابن أبي شيبة في «مصنفه» (7/80)، وابن أبي الدنيا في «الإخوان» (1)، وابن قدامة المقدسي في «المتحابين في الله» (10)، وفيه: ليث بن أبي سليم، قال ابن حجر في «تهذيب التهذيب» (8/468): «وقال ابن سعد: كان رجلًا صالحًا عابدًا، وكان ضعيفًا في الحديث، يقال: كان يسأل عطاء وطاووسًا ومجاهدًا عن الشيء فيختلفون فيه فيروى أنهم اتفقوا، من غير تعمد، وقال ابن حبان: اختلط في آخر عمره فكان يقلب الأسانيد، ويرفع المراسيل، ويأتي عن الثقات بما ليس من حديثهم، تركه القطان، وابن مهدي وابن معين وأحمد كذا قال، وقال الترمذي في «العلل الكبير»: قال محمد: كان أحمد يقول: ليث لا يفرح بحديثه، قال محمد: وليث صدوقٌ يهم، وقال الحاكم أبو أحمد: ليس بالقويِّ عندهم، وقال الحاكم أبو عبد الله: مجمع على سوء حفظه، وقال الجوزجاني: يضعف حديثه، وقال البزار: كان أحد العباد إلا أنه أصابه اختلاط فاضطرب حديثه، وإنما تكلم فيه أهل العلم بهذا، وإلا فلا نعلم أحدًا ترك حديثه، وقال يعقوب بن شيبة: هو صدوقٌ، ضعيفُ الحديث».
(2) أخرجه البخاري في كِتَابُ المَغَازِي- بَابُ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، وَقَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا} (4418)، ومسلم في التَّوْبَةِ- بَابُ حَدِيثِ تَوْبَةِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ وَصَاحِبَيْهِ (2769).
(3) أخرجه أحمد في «مسنده» (31/ 182)، وأبو داود في كِتَاب التَّرَجُّلِ- بَابٌ فِي الْخَلُوقِ لِلرِّجَالِ (4176).
(4) أخرجه أحمد في «مسنده» (43/ 297)، وأبو داود في كِتَاب السُّنَّةِ- بَابُ تَرْكِ السَّلَامِ عَلَى أَهْلِ الْأَهْوَاءِ (4602).
(5) أخرجه أحمد في «مسنده» (4/286)، وأبو داود الطيالسي في «مسنده» (747)، وابن أبي شيبة في «مصنفه» (7/80)، وابن أبي الدنيا في «الإخوان» (1)، وابن قدامة المقدسي في «المتحابين في الله» (10)، وفيه: ليث بن أبي سليم، قال ابن حجر في «تهذيب التهذيب» (8/468): «وقال ابن سعد: كان رجلًا صالحًا عابدًا، وكان ضعيفًا في الحديث، يقال: كان يسأل عطاء وطاووسًا ومجاهدًا عن الشيء فيختلفون فيه فيروى أنهم اتفقوا، من غير تعمد، وقال ابن حبان: اختلط في آخر عمره فكان يقلب الأسانيد، ويرفع المراسيل، ويأتي عن الثقات بما ليس من حديثهم، تركه القطان، وابن مهدي وابن معين وأحمد كذا قال، وقال الترمذي في «العلل الكبير»: قال محمد: كان أحمد يقول: ليث لا يفرح بحديثه، قال محمد: وليث صدوقٌ يهم، وقال الحاكم أبو أحمد: ليس بالقويِّ عندهم، وقال الحاكم أبو عبد الله: مجمع على سوء حفظه، وقال الجوزجاني: يضعف حديثه، وقال البزار: كان أحد العباد إلا أنه أصابه اختلاط فاضطرب حديثه، وإنما تكلم فيه أهل العلم بهذا، وإلا فلا نعلم أحدًا ترك حديثه، وقال يعقوب بن شيبة: هو صدوقٌ، ضعيفُ الحديث».
(6) التوبة: 118.
(7) أخرجه أحمد في «مسنده» (31/ 182)، وأبو داود في كِتَاب التَّرَجُّلِ- بَابٌ فِي الْخَلُوقِ لِلرِّجَالِ (4176).