موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - كتاب الصيام - شرح كتاب الصيام
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح كتاب الصيام لفضيلة الشيخ عمر بن حمد الحركان
  
 
 شرح كتاب الصيام
 كتاب الصيام
 إذا رؤي الهلال لزم الناس كلهم الصوم
 يكفي لدخول الشهر عدل واحد
 صيام واحد وثلاثين يوما
 رد مجهول الحال إذا رأى وحده الهلال
 شروط وجوب الصوم
 مسائل
 من لا يستطيع الصوم
 من يجوز له الفطر
 إفطار الحامل والمرضع
 حكم صيام المغمى عليه والمجنون والنائم
 اختلاف وقت النية مع اختلاف نوع الصيام
 بَابُ مَا يُفْسِدُ الصَّوْمَ
 الشك في طلوع الفجر أو غروب الشمس
 الجماع في نهار رمضان
 كفارة الجماع
 المكروهات والمستحبات
 القضاء
 بَابُ صَوْمِ التَّطوُّع
شرح كتاب الصيام - كتاب الصيام

... نستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلي وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، اللهم علمنا ما ينفعنا وزدنا علما ًنافعاً وأنفعنا بما علمتنا إنك سميعٌ مجيب الدعاء، حياكم الله في روضةٍ من رياض الجنة في بيتٍ من بيوت الله، أُهنئكم أنكم جئتم إلى هذا البيت تطلبون العلم، وأُعزيكم أنكم أتيتم لمثلي، فأسأل الله -جل وعلا- أن يُجبر مُصابي ومُصابكم -تفضل:


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة وأتم التسليم، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللمسلمين..

قال المؤلف-رحمه الله تعالى- الإمام موسى ابن أحمد المقدسي الحجاوي في كتابه زاد المستقنع كتاب الصيام قال -رحمه الله:

يَجِبُ صَوْمُ رَمَضَانَ بِرُؤْيَةِ هِلاَلِهِ، فَإِنْ لَمْ يُرَ مَعَ صَحْوِ لَيْلَةِ الثَّلاَثِينَ أَصْبَحُوا مُفْطِرِينَ، وَإِنْ حَالَ دُونَهُ غَيْمٌ، أوْ قَتَرٌ فَظَاهِرُ المَذْهَبِ يَجِبُ صَوْمَهُ.


الحمد لله، قال -رحمه الله تعالى- كتاب الصيام، زاد المستقنع كتابٌ معتمد في مذهب الحنابلة، كان يعتني به العلماء إلى عهدٍ قريب، ولكن لما ضعفت الهمم اتجه الطلاب إلى المختصرات، رغم أن الزاد مختصر إلا أنهم يبحثون عن مختصراتٍ أشد اختصاراً؛ وهذا لضعف الهمم فلا حول ولا قوة إلا بالله.

فينبغي لطالب العلم أن ينهض بهمته، لا تنظر إلى كثرة الزملاء أو قلتهم، بل انهض بهمتك وانظر إلى همة الذين سبقوك تجد أنهم قد حفظوا زاد المستقنع حفظاً متيناً.

أذكر أن مع شيخنا الشيخ عبد العزيز بن علي المساعد -رحمة الله عليه وعلى المسلمين أجمعين- وهو من طلاب الشيخ ابن سعدي، تُوفي -رحمه الله- سنة ألفٍ وأربعمائة وإحدى عشر، فكنا نتدارس أحياناً فتأتي المسألة -بعد جهدٍ كثيف- فأقرأ عليه أحياناً فيقول افتح كذا.. فأقرأ عليه كلمتين أو ثلاث، فيقول -لا، تقدم، فأتقدم وقد أتجاوز، فيقول -لا عُد، لماذا؟ لأنه قد استظهر الزاد.

فحفظك للمتن يسهل عليك الرجوع إلى المشروح، واعتنى العلماء -رحمهم الله- بشرح زاد المستقنع، ومن أوفاها شرح شيخنا الشيخ محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله- المسمى "الممتع"؛ فإنه شرحه وأعاد قراءته حتى خرج بهذه الصورة، وإن لم يكن هو في تمام الرضا عنها، لكن الأجل حال دون تحقيق الأمل اسأل الله -جل وعلا- أن يغفر الله لنا وله ولكل المسلمين.

قال: "كتاب الصيام".

الصيام لغةً: الإمساك، والمصطلحات الشرعية لها معاني في اللغة ومعاني في الشرع، فإذا كانت المادة مادة شرعية يُقال التعريف لغةً وشرعاً، وإذا كانت المادة مادة في شيءٍ آخر فإنه يقال: لغةً واصطلاحاً، أي هذا ما اصطلح عليه أهل ذلك الفن.

فالصيام لغةً: الإمساك، ومنه قول الله -تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا(1)، فهي أمسكت عن الكلام.

وشرعاً هو: التعبد لله، يُتفطَّن لهذا القيد: التعبد لله، بالإمساك عن المفطرات من طعام أو شراب أو جِماع أو غيرها من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.

إذاً الإمساك شرعاً هو: التعبد لله بالإمساك عن المفطرات مثل: الطعام والشراب والجماع من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.

ولا يهمنا طال الوقت أو قصر، ففي الشتاء يكون النهار قصيراً، وفي الصيف يطول.

والإمساك من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، سواءً زاد عدد الساعات أو نقص، هذا هو ما حدده  قال -تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ(2)، إذا الصيام هو التعبد والتعبد -أيها الإخوة- هو التقرب إلى الله، التعبد هو التقرب إلى الله طلباً لرضاه وإتباعا لما شرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا هو التعبد. أما ما فقد شيئاً من هذه فإنه ليس تعبد.

التقرب إلى الله، فهو ينوي بعمله أن يتقرب إلى الله مخلصاً يطلب رضا الله، متبعاً للنبي -عليه الصلاة والسلام-، وينبغي للمسلم أن يتفقد نفسه في كل عملٍ يعمله أن يجعله وأن يستحضر أن ينوي فيه التعبد لله -جل وعلا-، «تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ صَدَقَة»(3).

يتبسم الناس ويختلفون في النيات أليس كذلك؟ ولكن الموفق ينوي بتبسمه التقرب إلى الله -جل وعلا- وتنفيذاً لما وجه النبي صلى الله عليه وسلم «تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ صَدَقَة» أو: «أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ»(4).

قال: "يَجِبُ صَوْمُ رَمَضَانَ".

يجب، ما الدليل على وجوبه؟ أنه أحد أركان الإسلام، قال -تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ(5)، إذًا وجب على الإنسان أن يصوم إذا شهد الشهر، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم : «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ»(6) فذكر منها الصيام، فلابد أن يتفطَّن لذلك -يجب-.

والصيام فيه فرائض وفيه نافلة، والفريضة أحب إلى الله، يقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي: «وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ»(7)، فينبغي للمسلم أن يتقرب إلى الله بهذه الأعمال.

"يَجِبُ صَوْمُ رَمَضَان" الصوم هو الإمساك وبيَّناه.

رمضان هو شهر بين شعبان وشوال وهو الشهر التاسع من السنة القمرية مما بدأه عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- لما بدأ بشهر الله المحرم، إذاً "يَجِبُ صَوْمُ رَمَضَانَ".

 قال: "بِرُؤْيَةِ هِلاَلِهِ" يعني إذا رئي الهلال، رؤية الهلال قضية أشغلت الإعلاميين في هذا الزمن، ولكنها لم تشغل العلماء في الماضي ولا في الحاضر، لماذا؟ رؤية الهلال أقول أشغلت من؟ الإعلاميين، أما العلماء ففي الماضي والحاضر ما اشتغلوا بها، لماذا؟ لأن الرؤية أمر غير متكلف، يرفع الإنسان نظره إلى الأفق بعد غروب الشمس فيرى الهلال، هذه هي الرؤية، أتحتاج إلى تكلف؟ لا، لكن يتفاوت الناس في حدة الإبصار وفي معرفة منازل أو مكان الترائي، ومن أراد أن يتراءى فليتخذ لنفسه مكاناً يرى فيه الأفق قبل غروب الشمس بدقائق، خمس دقائق أقل أكثر، المهم أنه قبل أن تغرب الشمس يكون في مكان الترائي، فإذا غربت الشمس يحدد مكان غروبها، ثم يبحث فوق هذا المكان وعن يمينه -وعن يمينه فقط- إذا في هذا الجزء يكون ترائي الهلال.

وإن كان مثل هذه الليالي يوجد كواكب مضيئة فليضع خطاً بين محل غروب الشمس والكوكب المضيء فإنه سيكون الهلال على هذا الخط أو عن يمينه فقط، ولا يتكلف في شيء آخر، فإن رآه فالحمد لله، طبعاً لن يصل في الغالب إلى الكوكب المضيء الآن في مثل هذه الأيام، إذاً آباؤنا وأجدادنا لم يكن يكلفهم رؤية الهلال ما نتكلفه نحن في هذا الزمان، طبعاً ليس كل إنسان يراه، لماذا؟ بسبب قوة الإبصار ومعرفة أين يكون الترائي.

ويكون الهلال في ليلة دخول الشهر ضعيفاً جداً، لكن رغم ضعفه إلا أنه يراه الناس، فإن ولد الهلال ولم يراه الناس أصبحوا مفطرين، إن ولد الهلال ولم يراه الناس أصبحوا مفطرين، في حالة ثانية وهو:إن لم يولد الهلال فإنهم لن يروه فسيصبحون مفطرين، فصار عندي كم حالة؟ ثلاث حالات، اللي يعرف الحالات الثلاث يرفع يده، ثلاث حالات أنا ذكرت اثنتين وألمحت للثالثة.

طيب تفضل أنت أقرب واحد.. لا ما هي.

طيب أنا سأعيدها فانتبهوا، الحالات التي تشغل الإعلام ثلاث حالات: أن يولد الهلال فيراه الناس فإنهم يصومون، الحالة الثالثة عكسها: أن لا يولد الهلال فلن يراه الناس فلن يصوموا، واضح؟ الحالة الوسط أن يولد الهلال ولا يراه الناس غمَّ عليكم ، لم يتمكنوا من رؤيته لأي سبب، إذاً إذا ولد ورأوه أصبحوا صائمين، واضح؟، إذا لم يولد ولم يروه أصبحوا مفطرين، المشكلة التي يثيرها الإعلام: إذا ولد ولم يراه الناس، إذا ولد ولم يره الناس، نقول إذا ولد الهلال ولم يره الناس فالحكم شرعي أنهم يصبحون مفطرين، فإن صاموا تسعة -طبعاً سيفطرون حسب الولادة- أي اليوم الأول سيكون إفطار، اليوم الأول سيكون إفطار لأنهم ما رأوا الهلال، فإن صاموا تسعة وعشرين يوماً، يعني -رأوه- سيرونه في مساء الثلاثين حسب الولادة ومساء التاسع والعشرين حسب الصيام, فقد صاموا تسعة وعشرين يوماً، وإن رأوه في مساء الثامن والعشرين أصبحوا مفطرين.

كم صاموا؟ ثمانية وعشرين يوم، والصيام أقله تسعة وعشرون، فيصبحون مفطرين يتعيدون لأنه يحرم صيام يوم العيد، ثم يقضون يوماً بعد العيد، من يوم اثنين شوال إلى يوم ثمانية وعشرين شعبان كله فرصة لقضاء ذلك اليوم الذي فات، هل يأثمون؟ لا يأثمون، إذا لماذا هذه الضجة الإعلامية؟ إنما هي لأمر يريده من أثارها، أما نحن فلا يعنينا ولد أم لم يولد نحن في الشريعة يهمنا رُئي أو لم يُرى، إذا ً عندنا في الشريعة حالتان: إن رأيناه صمنا وإن لم نره أتممنا العدة ثلاثين، ما في شيء ثالث، عندهم الشيء الثالث وهو أنه يولد ولا يُرى -يولد الهلال ولا يتمكن الناس من رؤيته- نقول فليصبحوا مفطرين.

وقد كان هذا في سنة ألف وأربعمائة وأربعة، في مساء الخميس ثمانية وعشرين رمضان ألف وأربعمائة وأربعة، رئي الهلال، فالناس سيصبحون يوم الجمعة عيد-مفطرين- رغم أنه هو اليوم التاسع والعشرين، فذهبت إلى الشيخ محمد العثيمين -رحمه الله- في تلك الليلة، وقلت: ماذا، قال: سنبينه في خطبة العيد، قلت: أنا عندي خطبة، قال: ستسمع-معنى كلامه لي رحمه الله- إذاً نحن لسنا في حاجة إلى هذه الضجة.

طيب، قد يستخدم بعض الناس المناظير المكبرة، نقول: لا بأس، يقول الشيخ صالح اللحيدان -حفظه الله: "المناظير المكبرة لا توجد معدوماً وإنما تؤكد موجوداً"، فإذا استخدم الإنسان هذه المناظير ورأى الهلال فإننا إن وثقنا في كلامه صمنا، وإن لم نثق بكلامه لم نأخذ به حتى يأتينا من يؤخذ بكلامه، إذاً تفطن لذلك. هناك طريقة ثانية، إذاً يثبت الهلال بطريقة الترائي بالعين المجردة، أو الترائي بالوسائل المكبرة، الطريقة الثالثة: طريقة الحساب، طريقة الحساب طريقة معقدة لا يفهمها إلا ذوو المواهب العالية، ومن كانت عنده موهبة عالية فهل سيضيع وقته -إذا كان موفقاً- في تعلم الحساب وآلا في تعلم كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم؟

الجواب: نعم.. الثانية وليست، إن استطاع علمه بها كثر خيره لكن الموقف سيجد إن كل طاقة من طاقاته يصرفها في غير تعلم كلام الله وكلام النبي صلى الله عليه وسلم يشعر أنها ضياع، لذلك من الدعاء الطيب حديث الأرقم ابن أبي الأرقم رضي الله عنه: «اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا. أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا»(8).

فهذا الشخص الذي أُعطي ذكاءً ومواهب، إذا وُفق وقلت له خذ هذه القصيدة أحفظها، أو خذ هذه الآية أحفظها، فالموفق سيختار ماذا؟ الآية ولن يلتفت للقصيدة، يقول إن جاءت القصيدة هكذا دون كلفة حفظتها وإلا فإني لن أمضي وقتاً.

وبالمناسبة أهل الحديث هم أهل المواهب الحقيقية أما سواهم فإن مواهبهم محدودة، كان بعض الأُدباء في زمن العباسيين يقول: الحديث ما الحديث؟، طبعاً الغالب أن أهل المواهب يحتقرون أهل الحديث، الحديث ما الحديث؟ -محتقراً-، أنا أحفظ قصيدة مقلوبة من قراءة واحدة، فسمع به أحد الأئمة، فجاءه بكراس عشرين حديث، وقال أمهلك -أظنه قال- عشرة أيام، طبعاً هو يكفيه عشر دقائق ليحفظ القصيدة ولكن الحديث أُمهل عشرة أيام، فما استطاع، قال أعرف قدرك، أعرف قدرك، الحديث علم فحل يناسب للفحول، أما الأدب فيناسب أي أحد، لذلك لا يغرنكم أهل الأدب وأهل الإعلام مما يظهرون من المواهب، فمواهب أهل الحديث أضعاف ذلك ولكن أهل الحديث مواهبهم في ما يرفع درجاتهم عند من؟ عند الله، فهم أحرص الناس أن لا يُعرفوا، أهل العلم أحرص الناس أن لا يُعرفوا، وأنظر إلى الأئمة كم تلاميذهم؟ كثر، فكم يعرف من هؤلاء -من هذا الجمع- عدد محدود، لو سألتم تلاميذ مالك كم عددهم؟ تقول: كذا، كم عُرف منهم؟ العدد المحدود.

أنا ما أدركت الشيخ ابن سعدي -رحمه الله- لكني أدركت عدداً من طلابه -رحمهم الله أجمعين- ولو سألتكم أنتم الآن، هل تستطيع أن تذكر لي رابعاً من طلاب ابن سعدي؟ أقول رابعاً لأنكم ستذكرون من؟ ابن عثيمين، وستذكرون ابن عقيل، وتذكرون البشار، اذكروا لي رابعاً، وأُمهلكم إلى نهاية الدورة، فأين البقية من طلاب الشيخ؟ يربي العلماء طلابهم على أن: احرص أن لا تُعرف، احرص أن لا تُعرف، ماذا ستستفيد يا مسكين إذا عرفك الناس؟ إنما يعرفك الله ذاك الذي مدحه زين وذمه شين، أما الناس إذا عرفوك نعم سيدعون لك تكسب حسنات، لكنك يا مسكين قد تذل بكلمة تذهب بتلك الحسنات كلها، إذاً ما حاجتي أن أورط نفسي في هذه المفاضلة؟ إن أبقى مستوراً مغموراً لا يعرفني أحد، خير لي.

طيب إن احتاجك الناس؟ الناس يحتاجون لي أنا؟ قد يحتاجون لك، الحمد لله، إن احتاجوا لي فإن المشهور من أهل العلم يعرف قدر أخيه المغمور، أليس كذلك؟

الآن -أسأل الله أن يثبته ويبارك لنا في علمه ويمد في عمره على طاعته-الشيخ صالح الفوزان -حفظه الله- لو سألته عن زملائه أيام الكلية فربما عدهم كاملين لك، وقد لا نعرفهم كلهم، نفرض أن واحد من هؤلاء الزملاء شَعَر أن الناس بحاجة إلى شيء عنده وهو مغمور، ماذا يفعل؟ هل يأتي يزاحم الشيخ صالح يقول: أبعد أريد أن ابلغ الناس كلامًا هم بحاجة إليه؟

 الجواب: لا، كل ما عليه إنه يحكي للشيخ صالح يقول: يا شيخ صالح وجدت أن الناس في حاجة إلى هذا الأمر، فماذا سيقول الشيخ صالح؟ يقول: جزآك الله خير، أمر كنا عنه غافلين فنبهتنا له، فيأخذ من زميله وينشره في الناس، ويبقى زميله في العافية، أو في ظل العافية، فإن اقترح الشيخ صالح -مثلاً- على ما اقترح زميله، قال: والله يا فلان الناس ليسوا بحاجة إلى هذه، فإن اقتنع زميله يبقى وين؟ في العافية وإن لم يقتنع فإنه من السهل عليه أن يناقش زميله في هذا الأمر حتى يشرح الله صدر الشيخ صالح مثلاً لأخذ هذا الأمر أو يشرح صدره لتركه، فإن لم يستطع أحدهما أن يُقنع الثاني عندها يتوكل على الله ويقول أيها الناس أنتم بحاجةٍ إلى هذا الأمر فخذوا به، فإن أخذ الناس به الحمد لله، وإن تركوه برئت ذمته، ثم يرجع إلى العافية.

إذاً احرص على العافية ومن العافية أن لا يعرف الناس أنك تحمل شيئاً من العلم رغم أنه سيصلهم كل ما تعلمه يجب أن توصله إليه كل ما تعلمه يجب أن توصله إلى الناس لكن أوصله عن طريق ذلك الذي أُبتلي بالشهرة؟

نرجع إذاً الإعلاميون يشغلهم الحالة الثالثة إذا وُلد الهلال ولم يره الناس، نحن هذا الأمر لا يشغلنا لماذا؟ لأننا إذا ولد ولم نره فنصبح مفطرين متمين ثلاثين من شعبان، فإن رأيناه ليلة التاسع والعشرين من رمضان -كما حصل في ألف وأربعمائة وأربعة- فإننا نصبح مفطرين ثم نقضي يوماً بعد العيد ولا إثم على الناس، لا يأثمون أبداً، إذاً تفطنوا لذلك قال: "بِرُؤْيَةِ هِلاَلِهِ" أي برؤية هلال رمضان، برؤية هلال رمضان. "يَجِبُ صَوْمُ رَمَضَانَ بِرُؤْيَةِ هِلاَلِه"ِ.

 قال: "فَإِنْ لَمْ يُرَ مَعَ صَحْوِ لَيْلَةِ الثَّلاَثِينَ أَصْبَحُوا مُفْطِرِينَ" قال مع صحوٍ طبعاً هذا من تكلف الفقهاء فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل صحو أو بدون صحو، قال: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين»(9)، فهم جاءوا بحالة جديدة أنه إذا كان الجو صحواً ولم يراه أحد قال: "أَصْبَحُوا مُفْطِرِينَ" لماذا؟ يقولون لأنه لو كان موجود لرُئي، نقول إن لم نره ولو كان موجوداً سنصبح مفطرين.

 قال: "وَإِنْ حَالَ دُونَهُ غَيْمٌ، أوْ قَتَرٌ"، الغيم معروف السحب التي تكون، والقتر ما يكون في الأفق من غبار أو غيره، ومن حاول منكم أن يتابع غروب الشمس سيجد أنه في بعض الأيام تغرب الشمس صافية، بحيث إنك ترى خط الأفق والشمس تغطس فيه، سواءً كنت على البحر أو في البر، وفي بعض الأيام لا، ترى الشمس عالية ومع ذلك تختفي، من الذي أخفاها؟ "غَيْمٌ" سحاب، "أوْ قَتَرٌ" شيء من الغبار أو غيره.

 قال: "وَإِنْ حَالَ دُونَهُ غَيْمٌ، أوْ قَتَرٌ" قال: "فَظَاهِرُ المَذْهَبِ يَجِبُ صَوْمَهُ" من أين جاءوا بيجب صومه؟ قالوا احتياط، والصحيح إنه لا يجب صومه، بل إن لم يُرَ يفطرون، إن لم يُرَ يفطرون على كل حالة، وهنا -نعم ستأتي- قال: "وَإِنْ رُئيَ نَهَاراً فَهْوَ للَّيْلَةِ المقبلة"، "رُئيَ نَهَاراً" يعني كيف رئي نهارً؟ تعرفون هذا؟ لا، حاول غداً إن شاء الله في الصباح أن تبحث عن القمر ستجده أمام الشمس لأنه مازلنا القمر كبير، فالقمر يشرق هذه الليالي وفي كل ليلة يتأخر إشراقه حتى يأتي ليلة الولادة تشرق الشمس قبله، ثم يشرق بعدها، واضح؟ يعني القمر الآن نراه في آخر الليل مرتفع والشمس إلى الآن ما أشرقت، غداً سنراه أقل ارتفاع، وقد نراهما في الصباح معاً، نرى القمر أقرب إلى المغرب من الشمس، وفي كل يوم يدنو، لو أنك حاولت أن ترصد القمر والشمس -مثلاً- في الساعة السابعة صباحاً غداً ستجد أن القمر هنا، والشمس هنا، ثم كل يوم أرصد ستجد إنه المسافة تضيق، طبعاً الشمس في مكانها -في كل يوم في مكانها- أما القمر فهو في كل يوم يدنو من الشمس، حتى إذا كان يوم ولادة الهلال تشرق الشمس قبله ثم يشرق بعدها، -طبعاً- هل يمكنك أن تراه؟ إن رأيته فهو لليلة المقبلة، طبعاً ستسير الشمس والقمر إلى الغروب فتغرب الشمس ويبقى القمر هلال يراه الناس، إذاً فإن قوله: "رُئيَ نَهَاراً" أي بعد الشمس، -أعيد- لأن هذه الصورة متكلفة، الساعة السابعة غداً إن شاء الله سترون القمر أقرب إلى جهة الغرب من الشمس، واضح؟ صباح الأحد، صباح الاثنين سيكون أقرب لكنه قرب من الشمس، المسافة بينه وبين الشمس صغرت -الثلاثاء أصغر- حتى يأتي يوم الولادة فيقترن الشمس والقمر جميعاً، ثم يولد بأن تسبقه الشمس فإن تمكنت من رؤيته في السابعة صباحاً ستجد أن الشمس أقرب إلى الأفق الغربي من القمر، ستغرب ويبقى هو يعلن الهلال، هذا معنى قوله: "وَإِنْ رُئيَ نَهَاراً فَهْوَ للَّيْلَةِ المقبلة". قال


(1) مريم: 26.
(2) البقرة: 187.
(3) أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب- باب استحباب طلاقة الوجه عند اللقاء (2626).
(4) أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب- باب استحباب طلاقة الوجه عند اللقاء (2626).
(5) البقرة: 185.
(6) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان- باب بني الإسلام على خمس (8)، ومسلم في كتاب الإيمان- باب بيان أركان الإسلام ودعائمه العظام (16).
(7) أخرجه البخاري في كتاب الرقاق- باب التواضع (6502)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(8) أخرجه مسلم في كتاب الذكر والدعاء- باب التعوذ بالله من شر ما عمل ومن شر ما لم يعمل (2722).
(9) أخرجه البخاري في كتاب الصوم، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا رأيتم الهلال فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا» (1909) ومسلم في كتاب الصيام، باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال والفطر لرؤية الهلال وأنه إذا غم في أوله أو آخره أكملت عدة الشهر ثلاثين يومًا (1080).