موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - المفتي والمستفتي - شرح الورقات
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح الورقات لفضيلة الشيخ محمد بن فهد الفريح
  
 
 شرح الورقات
 مقدمة
 الأحكام سبعة
 العلم والجهل
 مسائل أصول الفقه_الكلام
 تابع الكلام
 الأمر
 التكرار
 الذي يدخل في الأمر والنهي ومن لا يدخل
 الأمر بالشيء نهي عن ضده
 النهي وصيغ الأمر
 العام
 الخاص
 الشرط
 المطلق والمقيد
 المخصصات المنفصلة
 المجمل والمبين
 الظاهر
 الأفعال
 السنة قول أو فعل أو تقرير
 النسخ ومسائله
 التعارض بين الأدلة
 الإجماع
 قول الصحابي
 الأخبار
 القياس
 الحظر والإباحة واستصحاب الحال
 ترتيب الأدلة
 المفتي والمستفتي
 الاجتهاد والتقليد
شرح الورقات - المفتي والمستفتي

المفتي والمستفتي

وَمِنْ شَرْطِ الْمُفْتِي: أَنْ يَكُونَ عَالِماً بِالْفِقْهِ أَصْلاَ وَفَرعاً، خِلافاً وَمَذْهباً وَأنْ يَكُونَ كَاملَ الآلَةِ في الاجْتِهَادِ، عَارِفاً بِمَا يَحْتَاجُ إِلَيهِ فِي استِنْبَاطِ الأحكَامِ مِنَ النحْوِ وَاللُّغَةِ، وَمَعْرِفَةِ الرّجَالِ الرَّاوينَ، وَتَفْسِيرِ الآيَاتِ الْوَارِدَة فِي الأحكَامِ وَالأَخْبَارِ الْوَارِدِةِ فِيهَا.


بدأ المؤلف الآن في المفتي والمستفتي والتقليد والاجتهاد، لا شك أن المفتي يشترط فيه أن يكون مسلمًا مكلفًا عدلًا وهذا محل إجماع، لا بد أن يكون المفتي مسلمًا مكلفًا عدلًا فيشترط فيه الإسلام والتكليف والعدالة، هذا محل إجماع كما ذكر ذلك ابن حمدان في صفة الفتوى.

وقد أجمع أهل العلم على أن من عُرف بالعدالة والعلم أنه يجوز استفتاؤه، إذا كان مستور الحال، لا يُعرف هل هو عدل أو ليس بعدل؟ حكي الإجماع على من الاستفتاء من مثل هذا الرجل مجهول حاله، وقد أشار إلى ذلك الزركشي في البحر والشوكاني في إرشاد، أن الإجماع محكي على أن مستور الحال أنه لا يستفتى.

ابن القيم  -رحمه الله تعالى- ذكر أن مستور الحال في استفتائه وجهان، وصوب جواز استفتائه، ويُشترط في المفتي معرفته لأدلة الأحكام، لا بد للمفتي أن يعرف أدلة الأحكام ولا يُشترط أن يحيط بها، لا يُشترط أن يحيط بأدلة الأحكام، الآيات التي فيها أحكام، وكذلك أحاديث الأحكام لا يشترط في ذلك، فالصحابة رضي الله عنهم قد صح اجتهادهم ولم يحيطوا بها علمًا كما ذكر ذلك الصنعاني، بل ذكر الشافعي رحمه الله تعالى وتناقل بعض أهل العلم مقولته: "علمان لا يحيط بهما أحد الحديث واللغة"، وهذا صحيح وهذا هو قول الجمهور من أهل العلم، أنه لا يشترط الإحاطة بأحاديث الأحكام، ولكن يجب على المفتي أن يعرف مواطن الإجماع من مواطن الاجتهاد حتى لا يخالف إجماعًا، وكذلك يعرف الناسخ من المنسوخ، كذلك كما ذكرت لكم في مقدمة هذه الورقات أنه يعرف من اللغة ما يقيم لسانه وفهمه، وكذلك من الأصول ما يقيم استدلاله أو من المصطلح ما يقيم حُجته.

هذا ما يتعلق بالمفتي، وينبغي للمفتي أن يتقي الله ويخشى عقابه سبحانه وتعالى؛ لأنه لا ثمرة للفتوى البتة إلا الأجر من الله سبحانه وتعالى، وإلا كان جسرًا للناس يمرون على ظهره لا يستفيد شيء، ولذلك تكلم ابن القيم -رحمه الله تعالى- كلامًا لا مزيد عليه في "إعلام الموقعين" على مسألة خطورة الفتوى، وأن السلف كانوا يتدافعونها حقيقة مع علمهم بالحكم الشرعي، لكنهم كانوا يتدافعون الفتوى خطورة هذا الأمر عظيم، ولذلك ابن حصين الأسدي يقول: كان أحدكم يجرأ الفتوى ولو أوردت على عمر لجمع لها أهل بدر، عمر يجمع لهذه المسألة أهل بدر خطورة الأمر.

وابن الحامد في "تهذيب الأجوبة" لما ذكر خطورة الفتوى قال ومن عرف هذا الطريق أكسبه الخرس، وتتعجب في هذا الزمان محبة كثيرًا من الناس خاصة من الطلبة يتصدرون الفتوى، كأنهم يقول ها أنا فرحون يفتي في كل وقت وفي كل زمان وعلى الهواء مباشرة، يعني لا يمكن يستدرك ما يقول، وأمام ملايين من الناس كم من الأغلاط التي يقع فيها كثير من طلبة العلم الذين يفتون، ولا تسمع من أحدهم هذه منتشرة وهذه خطيرة جدًا جدًا، من يقول لا أعلم أو لا أدري، وهذا من العجائب، يُسأل في العقيدة وفي الفقه وفي التفسير وفي الحديث وفي جميع الفنون، وهو يجيب كأنه ابن تيمية زمانه أو الإمام أحمد.

الإمام أحمد يقول: أجبن، لا يعجبني يتورع عن الفتوى مع أنه يحفظ أكثر من ألف ألف حديث، ومن أعلم أمة محمد ومع ذلك يتورع من الفتوى، الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله تعالى- من أعلم أهل هذا العصر ومع ذلك كان يسأل في نور على الدرب، وهو مسجل يستطيع أن يستدرك ويستطيع أن يبحث ويعيد التسجيل، سئل أكثر من مرة يقول لا أدري، وهو ينشر أمام الناس، وسئل في محاضرة من المحاضرات عن امرأة تقول: أحدث ابني بقصص خيالية قبل المنام حتى ينام هل هذا يدخل في الكذب؟ قال لا أدري، يحتاج إلى مراجعة، ولو يورد لأحد من هؤلاء لأفتى مباشرة؛ لذلك الواحد يتقي الله في نفسه، لو واحد جاءه مرض لا قدر الله في بدنه أو في سيارته يلحقها شيء أو في منزله لبحث عن أفضل الناس وأحذقهم في ذلك، ابحث عن دينك لا تهوي به ذمتك؛ ولذلك سيأتينا في مسألة المستفتي أنه يجب أن يبحث عن أعدل أهل العلم وأعلمهم وأتقاهم وأورعهم ولا يستفتي أي أحد ويضيع دينه خاصة في هذا الزمان الذي انتشر فيه الذين يفتون بغير علم، ويتكلمون في دين الله بالجهل، مجرد أنه أخذ شهادة عالية صار يخوض في دين الله، ويتصدر للناس وليته يتصدر في أمور قد تُستدرك أحيانًا أمور مصيرية تتعلق بالأمة التي كان السلف لا يتكلمون فيها، هي من خالص حق السلطان، كما ذكر ذلك ابن عبد البر في "جامع بيان علم الفضل" في الهرمز وغيره من أهل العلم كان يقول ينزل الأمر في المدينة فيسألون فيه يقولون هذا لا علم لنا فيه هذا من خالص أمر السلطان هذه ترجع إلى ولي الأمر ما ترجع إلينا؛ لذلك لا بد أن تضبط الفتوى، لأن الانطلاق والانفلات الحاصل الآن لا شك أنه مضر، وهذه ليست علامة صحية إن صحت العبارة ، ومما يزيد وهن هذه الأمة، لا يزيد من قوتها.

فلا بد أن يكون هناك مرجعية يرجع إليها الجميع قد جعل ولي الأمر في هذه البلاد، وعندنا علماء راسخون في العلم يرجع إليهم في الموصلية، الآن يشترط هذه الجماعة الموجودة التي فتكت بالشباب وصاروا يفجرون في بلاد الإسلام ويقتلون أهل السنة ..، أحدهم وهو طفل وهو بالغ يستفتي يسأل يقول مكان الجهاد الفلاني أو مكان الجهاد الفلاني يستفتي بخمس سنوات ولا عشر سنوات أو عشرين سنة ويترك ما عليه أئمة الإسلام ويزج بنفسه تحت راية لا يعلمها، ثم يقتل المسلمين! يعني هذا من أسباب الفتوى الضائعة، فعلى كثير من الذين يفتون أن يتقوا الله، وأن يراجعوا ما كان عليه السلف الصالح أن يخافوا على أنفسهم.

ما الفائدة من أنك تفتي ويُقال حافظ وعالم ثم تسعر بك النار؟ ولذلك ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًا فِي الأَرْضِ ولا فَسَادًا(1)، قال ابن تيمية -رحمه الله تعالى: الفقيه لا يريد فسادًا في الأرض ولكن يريد علو في الآخرة، يريد أن يعلو، يعلو إما صوته يسمع أو فتواه تنقل أو يشهر قوله هذا يدخل في المتفقه كما قال ذلك ابن تيمية رحمه الله تعالى، والله سبحانه وتعالى لم يجعل الدار الآخرة لهؤلاء ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًا فِي الأَرْضِ ولا فَسَادًا والْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾.

ولو اتقى الله حقيقة لارتعدت فرائسه قبل أن يلقي الفتوى، إذا كان السلف وهو واحد ولا اثنين إلى جواره لا تلقى على الهواء ولا تسجل يخشى ويخاف مع أنه لو أخطأ هو مقدم واحد، ومع ذلك هذا يتصدر الفتوى لمجرد أنه قيل له أنه الشيخ الفلاني ولا قيل، وتجد أن كثيرًا من العلماء لا يتصدر الفتوى إلا بعد الخمسين أو الستين من عمره، فالواجب على الإنسان أن يراعي نفسه وأن يحمي أهل بيته هذا بداية، وينصح من يستطيع أن ينصحه في هذا الباب.

وَمِنْ شَرْطِ الْمُسْتَفْتِي أَنْ يَكُون أَهلاً للتقليد فيقلّدُ المفتِي فِي الْفتْيَا.


(وَمِنْ شَرْطِ الْمُسْتَفْتِي أَنْ يَكُون أَهلاً للتقليد فيقلّدُ المفتِي فِي الْفتْيَا)، وليس العامي أن يقلد، لا شك أن العامي كما ذكر ذلك الآمدي وغيره من أهل العلم يلزمه المصير إلى أقوال العلماء بالإجماع، أقوال العلماء للعامي كالأدلة في العابد، فإذا ذهب العالم إلى دليل ضعيف، فهو كالعامي إذا ذهب إلى من ليس من أهل العلم أو إلى عالم لا يعتد بعلمه أو عالم ضعيف، يعني الآن لو جاءنا عالم ونظر في الأدلة فصار إلى دليل ضعيف وترك الدليل الصحيح، هو كذلك كالعامي الذي ذهب إلى عالم متساهل وترك الأوثق والأعلم والأورع، فيجب على العامي أن يرجع إلى الأعلم والأوثق والأورع، ولا يجعل دينه ألعوبة يتلاعب به المفتون، أن يلزم أهل الدين والثقات الذين يخافون الله سبحانه وتعالى.

وتقليد العامي للعالم هو هذا محل إجماع، قال: (فيقلّدُ المفتِي فِي الْفتْيَا) وليس للعالم أن يقلد، لا شك أن المجتهد إذا اجتهد في المسألة وخلص إلى حكم فيها فإنه لا يجوز أن يقلد أحدًا، بل يجب أن يأخذ بما خلص أو بما انتهى إليه اجتهاده، وقد حكا الإجماع على ذلك الغزالي في المستصفى، والحاكم والآمدي في الإحكام، وإذا لم يعلم العالم الحكم في المسألة فإنه يقلد أحد العلماء بما يثق به، وإن كان عالمًا فإنه جاهل في تلك المسألة فيقلد أحد العلماء.

الشافعي رحمه الله تعالى في مسائل الحج يقول قد جعلت بيني وبين الله في هذه المسألة عطاء، وهو قلد عطاء، كذلك أهل العلم يقلد العالم العالم الآخر إذا لم يدله لحكم مسألة أو لم يستطع الاجتهاد فيها.


(1) القصص:83.