موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - الحظر والإباحة واستصحاب الحال - شرح الورقات
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح الورقات لفضيلة الشيخ محمد بن فهد الفريح
  
 
 شرح الورقات
 مقدمة
 الأحكام سبعة
 العلم والجهل
 مسائل أصول الفقه_الكلام
 تابع الكلام
 الأمر
 التكرار
 الذي يدخل في الأمر والنهي ومن لا يدخل
 الأمر بالشيء نهي عن ضده
 النهي وصيغ الأمر
 العام
 الخاص
 الشرط
 المطلق والمقيد
 المخصصات المنفصلة
 المجمل والمبين
 الظاهر
 الأفعال
 السنة قول أو فعل أو تقرير
 النسخ ومسائله
 التعارض بين الأدلة
 الإجماع
 قول الصحابي
 الأخبار
 القياس
 الحظر والإباحة واستصحاب الحال
 ترتيب الأدلة
 المفتي والمستفتي
 الاجتهاد والتقليد
شرح الورقات - الحظر والإباحة واستصحاب الحال

الحظر والإباحة واستصحاب الحال

وَأَمَّا الْحَظْرُ وَالإِبَاحَةُ فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الأَشْيَاءَ عَلَى الحَظَرِ إلا مَا أَبَاحَتْهُ الشَّرِيعَةُ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِي الشَّرِيعَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى الإبَاحَةِ فَيُسْتَمْسَكُ بِالأَصْلِ وَهُوَ الحَظْرُ، ومِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ بِضدِّهِ، وَهُوَ أَنَّ الأَصْلَ فِي الأَشْيَاءِ الإبَاحَةُ إِلا مَا حَظَرَهُ الشَّرْعُ.


مسألة الأصل في الأشياء الإباحة هذا الأصل، هذا من المسائل المشهورة في الفقه، هل الأصل في الأشياء الإباحة؟ لا شك أن الأصل في الأشياء الإباحة وعلى ذلك أدلة في الكتاب والسنة، فمن القرآن قول الله تعالى: ﴿قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً(1) ، فقد ذكر هذا الدليل ابن رجب رحمه الله تعالى، ونص على أن هذا يدل على أن ما لم يجد تحريمه فليس بمحرم ﴿قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ فأنت تبحث في الكتاب والسنة إذا لم تجد تحريمه فهو يدل على الإباحة، والله سبحانه وتعالى في الآية الأخرى وهو الدليل الثاني من أدلة أن الأصل في الأشياء الإباحة:  ﴿ومَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ(2).

 ذكر ابن رجب -رحمه الله تعالى-  أن الله عنفهم على ترك الأكل مما ذكر اسم الله عليه؛ لأنه بين لهم ما حرم فدل على ما عداه على الإباحة وأنه مباح لهم.

ومن السنة ما جاء في الصحيحين من حديث سعد بن أبي وقاص t أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ أَعْظَمَ المُسْلِمِينَ جُرْمًا، مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ، فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ»(3) فقد أستدل بهذا الحديث كذلك ابن رجب، يعني الأصل الإباحة، الأصل الإباحة من الأشياء لا تحرم إلا بنص، «إِنَّ أَعْظَمَ المُسْلِمِينَ جُرْمًا، مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ»(4)، فدلنا على أنه مباح، فدل على إباحته فحرم من أجل مسألته، قبل التحريم ماذا كان حكمه؟ كان مباحاً، فهذه بعض الأدلة على أن الأصل في الأشياء الإباحة.

وَمَعْنَى اسْتِصحَابِ الْحَالِ: أَنْ يَسْتَصْحِبَ الأَصْلَ عِنْدَ عَدَمِ الدَلِيلِ الشَّرْعِي.


هذا دليل الاستصحاب، وهو من الأدلة المختلف فيها، ومعنى الاستصحاب: هو استدامة الحكم الثابت في الزمن الماضي للزمن في المستقبل، أو للزمن الذي في المستقبل، يعني حكم الشيء قبل كان حراماً، أو أنه على الطهارة أو أنه على أنه كان محدثاً فيستصحب هذا الحكم حتى يأتي ما يرفعه، والاستصحاب من أضعف الأدلة كما ذكر ذلك ابن تيمية -رحمه الله تعالى.

وذكر ابن القيم -رحمه الله تعالى- أن استصحاب الحال من أضعف البيّنات، وذكر المؤلف -رحمه الله تعالى- نوعاً من أنواع استصحاب الحال وقال: (أَنْ يَسْتَصْحِبَ الأَصْلَ عِنْدَ عَدَمِ الدَلِيلِ الشَّرْعِي) استصحاب الأصل عند عدم الدليل الشرعي المراد به البراءة الأصلية، وإذا أُطلق الاستصحاب في كتب الأصول أو في الأدلة فالمراد به هذا النوع، عندنا ثلاثة أنواع للاستصحاب:

النوع الأول: البراءة الأصلية، وهو أن يستصحب الأصل عند عدم الدليل الشرعي، يعني الآن هل يجب صلاة سادسة أو لا تجب صلاة سادسة؟ لا تجب، لماذا لا تجب؟ ما الدليل؟ استصحبنا الأصل في براءة الذمة، الدليل الشرعي دل على خمس صلوات، من أراد أن يُثبت صلاة سادسة فليأتي بدليل، ما في دليل نرجع إلى الأصل وهو البراءة الأصلية، أن نستصحب الأصل عند عدم الدليل الشرعي هذا هو المراد.

وهذا النوع من الاستصحاب أو البراءة الأصلية الجمهور على العمل به وأنه حجة، جمهور أهل العلم يحتجون بمثل هذا الدليل، بل حُكي الإجماع على ذلك، على البراءة الأصلية وأنه يستصحب الأصل عند عدم الدليل الشرعي هذا هو النوع الأول، هل يجب الوتر؟ هل تجب الأضحية؟ كل هذا ترجع عند عدم الدليل الشرعي تستصحب الأصل وهو عدم الوجوب.

النوع الثاني: استصحاب دليل الشرع، فإنك تستصحب العموم حتى يرد التخصيص، وتستصحب الإطلاق حتى يأتي التقييد، وتستصحب النص حتى يأتي الناسخ.

 وهذا النوع حجة عند جمهور أهل العلم، استصحاب دليل الشرع الآن رجل توضأ، حكمه أنه على طهارة، شك في طهارته مع استيقانه أنه قد توضأ، فالشرع دل على أنه متطهر لأنه توضأ، وأعطاه حكم الطهارة، فهو يستصحب دليل الشرع أنه طاهر، وكذلك لو كان محدثاً، يقين أنه أحدث، شك في طهارته فأنه يستصحب حكم الإحداث وكذلك حكم الطهارة، وكذلك مسألة لقاء النكاح، الشرع أثبت له أن هذه زوجته فشك في طلاقها هنا يستصحب .. أن الشرع قد حكم له بأن هذه زوجته فيستصحب بقاء النكاح وأن العقد ما زال قائمًا، هذا هو النوع الثاني.

• النوع الأول: البراءة الأصلية، استصحاب الأصل عند عدم الدليل الشرعي.

• الثانية: استصحاب دليل الشرع.

• الثالثة: استصحاب حكم الإجماع في محل النزاع.

مثال ذلك: من لم يجد ماء فتيمم، الآن تيممه أليس بالإجماع صحيح؟ بالإجماع صحيح، لو أتم صلاته كاملة، صلاته صحيحة بالإجماع، ولو جاء الماء بعد أن سلم تسليمًا ثانية، لو ورد الماء بعد التسليمة الثانية حكم صلاته صحيحة وبرأت ذمته، طيب لو جاء الماء في أثناء صلاته في الركعة الثانية أو الثالثة جاء الماء، هل صلاته تبطل أو لا تطبل؟ هذا هو الآن محل استصحاب حكم الإجماع في محل النزاع.

الآن هو يستصحب، يقول قبل قليل أجمعنا على صحته تيممه وعلى ابتدائه لصلاته فنستصحب هذه الصحة في بقية الصلاة ولو ورد في أثناء الصلاة الماء، لأنه ابتدأها بطريقة شرعية صحيحة فيتمها كما ابتدئها، أو استصحاب حكم الإجماع في محل نزاع، وهذا محل خلاف الجمهور على أنه ليس بحجة.

وذهب بعض أهل العلم إلى أنه حجة، وهو قول المزني من الشافعية وابن حامد من الحنابلة، وهو الذي نصره ابن القيم رحمه الله تعالى أنه حجة، استصحاب حكم الإجماع في محل نزاع هذا مما نصره ابن القيم رحمه الله تعالى.

فإن مجرد النزاع مما ذكره ابن القيم أن مجرد النزاع لا يوجد سقوط استصحاب حكم الإجماع، لمَ؟ لأن مجرد النزاع لا يرفع ما ثبت حكمه لما في التيمم الآن، الآن ثبت أن هذا تيمم تيمما صحيحًا وبدأ في صلاته، ما الدليل على إبطال صلاته؟ نحن نستصحب، ثبت شرعًا أن هذا بدأ صلاته بطريقة شرعية، وجود نزاع بين أهل العلم أن صلاته تصح أو لا تصح هذا ليس رفعًا بالدليل الشرعي، هذا الخلاف لا يرفع الدليل الشرعي وهو ما أثبت له بأنه قد تيمم على وجه يصح، فإن النزاع لا يرفع ما ثبت من الحكم، فلا يمكن للمعترض رفعه إلا أن يقيم دليلا على أن ذلك الوصف الحادث قد جعله الشارع دليلًا، وهو وجود الماء في أثناء صلاته، أنه لا بد أن يأتي بدليل من الشرع يبطل صلاة هذا الذي بدأ في صلاته بالتيمم، إذا قام الدليل صار الرابع هو الدليل لا النزاع، فاستصحاب حكم الإجماع في محل النزاع، هذا هو الأصل، إذا أردت أن تُبطل هذا الحكم ائتي بدليل، أما مجرد وقوع خلاف بين أهل العلم فإنه لا يرفع حكم الإجماع الذي ثبت قبل ذلك، وقد سمعتم أن الجمهور على خلاف ما قرره ابن القيم -رحمه الله تعالى-، وذكرت لكم إن ابن تيمية يقول من أضعف الأدلة، وكذلك ابن القيم يقول إنه من أضعف الدلالات.


(1) الأنعام:145.
(2) الأنعام:119.
(3) أخرجه البخاري في كِتَابُ الِاعْتِصَامِ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ- بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنْ كَثْرَةِ السُّؤَالِ وَتَكَلُّفِ مَا لاَ يَعْنِيهِ (7289)، ومسلم في كتاب الْفَضَائِلِ- بَابُ تَوْقِيرِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَتَرْكِ إِكْثَارِ سُؤَالِهِ عَمَّا لَا ضَرُورَةَ إِلَيْهِ، أَوْ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ تَكْلِيفٌ وَمَا لَا يَقَعُ، وَنَحْوِ ذَلِكَ (2358).
(4) أخرجه البخاري في كِتَابُ الِاعْتِصَامِ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ- بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنْ كَثْرَةِ السُّؤَالِ وَتَكَلُّفِ مَا لاَ يَعْنِيهِ (7289)، ومسلم في كتاب الْفَضَائِلِ- بَابُ تَوْقِيرِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَتَرْكِ إِكْثَارِ سُؤَالِهِ عَمَّا لَا ضَرُورَةَ إِلَيْهِ، أَوْ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ تَكْلِيفٌ وَمَا لَا يَقَعُ، وَنَحْوِ ذَلِكَ (2358).