موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - القياس - شرح الورقات
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح الورقات لفضيلة الشيخ محمد بن فهد الفريح
  
 
 شرح الورقات
 مقدمة
 الأحكام سبعة
 العلم والجهل
 مسائل أصول الفقه_الكلام
 تابع الكلام
 الأمر
 التكرار
 الذي يدخل في الأمر والنهي ومن لا يدخل
 الأمر بالشيء نهي عن ضده
 النهي وصيغ الأمر
 العام
 الخاص
 الشرط
 المطلق والمقيد
 المخصصات المنفصلة
 المجمل والمبين
 الظاهر
 الأفعال
 السنة قول أو فعل أو تقرير
 النسخ ومسائله
 التعارض بين الأدلة
 الإجماع
 قول الصحابي
 الأخبار
 القياس
 الحظر والإباحة واستصحاب الحال
 ترتيب الأدلة
 المفتي والمستفتي
 الاجتهاد والتقليد
شرح الورقات - القياس

القياس:

وَأَمَّا الْقِيَاسُ فَهُوَ: رَدُّ الْفَرْعِ إِلَى الأَصْلِ بِعِلّةٍ تَجْمَعُهُمَا فِي الْحُكْمِ.

وَهُوَ يَنْقَسِمُ إِلَى ثَلاثَةِ أقْسَامٍ: إلَى قِيَاسِ عِلّةٍ، وَقِيَاسِ دَلالَةٍ، وَقِيَاسِ شَبَهٍ.

فَقِيَاسُ الْعِلَّةِ: مَا كانَتْ الْعِلّةُ فِيهِ مُوجِبَةً لِلْحُكْمِ.

وَقِيَاسُ الدَّلالَةِ: هُوَ الاسْتِدْلالُ بِأَحَدِ النَّظِيرَيْنِ عَلَى الآخَرِ، وَهُوَ: أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ دَالَّةً عَلَى الْحُكْمِ، وَلا تَكُونَ مُوجِبَةَ لِلْحُكمِ.

وَقِيَاسُ الشَبَهِ: هُوَ الْفَرْعُ الْمُرَدَّدُ بَيْنَ أَصْلَيْنِ فَيُلْحَقُ بِأَكْثَرِهِمَا شَبَهاً.

وِمِنْ شَرْطِ الْفَرْعِ أَنْ يَكُونَ مُنَاسباً للأصْلِ فِيمَا يُجْمَعُ بِهِ بَيْنَهُمَا لِلْحُكْمِ، وَمِنْ شَرْطِ الأصلِ أَنْ يَكُونَ ثابِتاً بِدَلِيلٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ، وَمِنْ شَرْطِ العِلَّةِ أَنْ تطَّرِدَ فِي مَعْلُولاتِهَا فَلا تَنْتَقِضُ لَفْظاً وَلا مَعْنَى، وَمِنْ شَرْطِ الْحُكْمِ، أَنْ يَكُونَ مِثْلَ الْعِلَّةِ فِي النَّفْي، وَالإِثْبَاتِ.

وِالْعِلّةُ: هِيَ الْجَالِبَةُ للحُكْمِ، وَالحُكْمُ هُوَ الْمَجْلُوبُ لِلْعِلَّةِ.


هذا الدليل الرابع من أدلة الشرع والقياس، والقياس عرفه المؤلف رحمه الله بأنه (رَدُّ الْفَرْعِ إِلَى الأَصْلِ بِعِلّةٍ تَجْمَعُهُمَا فِي الْحُكْمِ) هذا تعريف مستقيم أنه يحمل الفرع على أصل في حكم جامع للعلة، إلحاق الفرع بالأصل في الحكم لعلة جامعة بينهما هذا هو القياس، وكون القياس حجة هذا محل اتفاق، حكا الاتفاق على ذلك الجصاص والغزّالي، فإنه ليس بين الصحابة خلاف في القياس، وكذلك مما حكا الإجماع ابن قدامة والطوفي وجماعة، حتى قال الإمام أحمد رحمه الله: لا يستغني أحد عن القياس، وابن عبد البر ينص على أن العلماء ما زالوا يقولون بالقياس حتى أحدث النَّظار وقوم من المعتزلة سلكوا طريقه في الكلام في القياس.

والرأي هو القياس، والقياس له أقسام ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أحده، وهو قياس العلة، القياس تستطيع أن تقسمه إلى عدة أقسام وقد ذكرها أهل العلم، فقسموه إلى جلي وخفي وسوف تأتي في ترتيب الأدلة، وقسموه إلى ما ذكره المؤلف باعتبار علته، والقياس باعتبار علته ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول: هو قياس علة كما ذكر المؤلف رحمه الله، قياس العلة وعرفها رحمه الله بقوله: (مَا كانَتْ الْعِلّةُ فِيهِ مُوجِبَةً لِلْحُكْمِ).

مثاله: ضرب الوالدين حكمه كبيرة من كبائر الذنوب، ومعصية شنيعة لا شك في ذلك، ما الدليل على تحريم ضرب الوالدين؟ هو قول الله تعالى: ﴿فَلا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ(1)  هل هذا نص في الضرب؟ لا هو نص فيما دون الضرب، ولكن العلة واحدة، فيقاس ضرب الوالدين بالتأفف للوالدين فيلحق هذا بهذا، وهذا هو قياس العلة؛ لأن الحكم جلب ما نص عليه في التأفف إلى مسألة ضرب الوالدين، ما سبب تسميته قياس علة؟ أنه صرح فيه بالعلة، هذا هو القسم الأول من تقسيم القياس باعتبار علته.

 القسم الثاني: قياس دلالة، وعرفه المؤلف -رحمه الله تعالى-، ولعل التعريف الأوضح أن يقال في تعريفه: هو ما لم تذكر فيه العلة، وكان الجامع بين الأصل والفرع إما حكم العلة أو دليل العلة أو لازم العلة.

يعني مثال لقياس الدلالة بلازم العلة، مثاله: إلحاق النبيذ بالخمر بجامع الرائحة المشتدة، الخمر ونبيذ فيلحق النبيذ بالخمر، لماذا ألحق النبيذ بالخمر؟ ليس لعلة الإسكار، ألحق لأجل الرائحة، الرائحة هنا كالرائحة ها هنا، طيب؟ وهذه الرائحة التي تجمع هذا وهذا هي رائحة الإسكار، فهذا بلازم العلة، فالعلة الإسكار وهذه الرائحة المنبعثة من النبيذ كالرائحة المنبعثة من الخمر، فهذه الرائحة هي لازمة للإسكار فيحرم قياس دلالة بلازم العلة؛ لأن هذه الرائحة تدل على اشتراكهما في العلة.

 فعندنا قياس الدلالة هو ما لم تُذكر فيه العلة، وكان الجامع بين الأصل والفرع لازم علة وقد مضى، أو حكم العلة مثاله: جواز رهن المشاع قياساً على جواز بيعه، بجامع حكم الجواز، ما حكم بيع المشاع؟ يجوز، ورهنه؟ نقول: يجوز قياساً على حكم الجواز، الجامع بينهما هو حكم الجواز الذي هو حكم العلة، هذا قياس الدلالة النوع الثاني من الأقسام قياس الدلالة، قياس الدلالة هو ما لم تذكر فيه العلة، وكان الجامع فيه بين الأصل والفرع إما لازم العلة أو حكمها أو أثرها.

 مثال قياس الدلالة بأثر العلة: إلحاق القتل المُثَقَّل بالقتل بالمُحَدَّد في وجوب القصاص بجامع الإثم، أنه هنا يأثم وهنا يأثم، هذا أثر القتل، العلة القتل هذه العلة الموجبة للقتل بالمثقل، والموجبة للقتل بالمحدد، الموجب للقتل هي العلة هي القتل، لكن إذا أرادنا أن نأخذ أثر العلة، أثر العلة ما هو؟ أنه آثم، فأنه يأثم بقتله بالمحدد ويأثم في قتله بالمثقل فيلحق من باب قياس الدلالة بأثر العلة القتل المثقل بالمحدد، والجامع بينهما هو الإثم، الإثم الحاصل من قتل مثقل كالآثم الحاصل من قتل بالمحدد، مع أنه يجب القصاص في كليهما والجامع هو القتل هذه العلة، ولكن أثرها هو الإثم هنا والإثم هنا فدل على أن هذا يحلق بهذا.

قلنا: بأن القياس وتقسيم القياس باعتبار علته ينقسم إلى قياس علة وقياس دلالة.

القسم الثالث: لم يذكره المؤلف، وهو القياس في معنى الأصل، وهو ما جُمع فيه بنفي الفارق، وهو مفهوم الموافقة، ويُسمى بتنقيح المناط كما ذكر ذلك الشنقيطي في مذكرته، خلافاً للشافعي، الشافعي رحمه الله تعالى ينص على أن هذا من القياس، القياس من الأصل إذا جاء من مفهوم الموافقة رحمه الله قال: مفهوم الموافقة هو القياس في معنى الأصل الذي هو تقسيم القياس باعتبار علته، أكثر العلماء لا يسمون هذا قياساً، القياس في معنى الأصل وهو مفهوم الموافقة، يعني مثال مفهوم الموافقة الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليَتَامَى ظُلْمًا إنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا(2).

 لو جاء رجل قال: أنا ما آكل مال اليتيم سوف أحرقه، سوف أحرق مال اليتيم، هل يجوز له؟ نقول مفهوم الموافقة للآية في الحكم أن ذلك حرام؛ لأن المراد لا تفسد مال اليتيم سواء بأكلك أو بإتلافك له، فهذا مفهوم موافق، هذا موافق لهذا، هذا الشافعي رحمه الله تعالى ينص على أن هذا القياس في معنى الأصل وهو مفهوم الموافقة، أكثر العلماء أن هذا ليس من القياس.

 ثم ذكر المؤلف رحمه الله قياس الشبه، ذكر قياس الدلالة وقياس العلة، وهذا تقسيم للقياس باعتبار علته، ثم ذكر بعد ذلك قياس الشبه وذكر تعريفه (هُوَ الْفَرْعُ الْمُرَدَّدُ بَيْنَ أَصْلَيْنِ فَيُلْحَقُ بِأَكْثَرِهِمَا شَبَهاً)، قياس الشبه كما ذكره المؤلف هو تردد فرع بين أصلين مختلفين في الحكم، فيلحق بأشبههما، ينظر إلى كثرة الشبه، هذا الشيء أكثر شبهاً بهذا أو أكثر شبهاً بهذا، وحكم هذا يختلف عن حكم هذا.

مثال ذلك المذي هل يلحق بالبول أو يلحق بالمني؟ هل يلحق بالبول فيكون نجساً أو يلحق بالمني فيكون طاهراً؟ الآن هذا قياس شبه يُنظر إلى كثرة شبهه بهذا أو كثرة شبهه بهذا.

 فيقول أهل العلم: هو خارج من الفرج، هذا المذي هو خارج من الفرج، ولا يُخلق منه ولد ولا يوجب الغسل، فيكون بهذه الصفات يشبه البول، البول لا يخلق منه ولد ولا يوجب الغسل ويخرج من الذكر، فهذا شبه فتشابه المذي مع البول في هذه الصفة، فيأتي عالم آخر ويقول: المذي خارج تحللته الشهوة، هو لا يخرج إلا بالشهوة، تحللته الشهوة ويخرج أمامها أشبه المني، فتنظر يشبه هنا في بعض الصفات ويشبه هنا في بعض الصفات، فيلحق بأيهما؟ هذا هو قياس الشبه، والأصوليين دائما يمثلون بالرقيق، العبد هل يلحق بالحيوانات في الملك لأنه مملوك يتحكم في رقبته أو يلحق بالآدمي؟ هل يُلحق بالحصان أو يحلق بالحر؟ يذكرون صفات، صفات توافق هذا وصفات توافق هذا، ولكن المثال الذي ذكرته أولى مما يذكر.

قبل أن نبدأ في الخلاف في قياس الشبه ذكر المؤلف رحمه الله قال: ولا يصار إليه. أي لا يصار إلى قياس الشبه مع إمكان ما قبله، يعني مع إمكان قياس العلة، لا يجوز أن يصار إلى قياس الشبه مع إمكان ما قبله، يعني مع إمكان قياس العلة ، وهذا محل إجماع حكاه غير واحد من أهل العلم ونص على ذلك الزركشي.

قياس الشبه هل هو حجة أو ليس بحجة؟ ذكرنا الأصل أن القياس حجة، ولكن قياس الشبه هل هو حجة أو ليس بحجة؟ أختلف فيها العلماء على قولين، وقياس الشبه أيها الإخوة من أصعب مسائل القياس وأدقها فهماً كما نبه على ذلك الشنقيطي وسبقه الشوكاني وغيرهما من أهل العلم، ولذلك يتنازعون فيه، الوصف الذي فيه هل هو وصف فردي لا يلتف إليه؟ أو وصف مناسب فيلحق به الحكم ويعلق به الحكم؟ ولذلك أختلف أهل العلم على قولين:

القول الأول: أنه حجة، وهذا عند الشافعية وعند الحنابلة، ونص القاضي أبو يعلا رحمه الله على أنه حجة وجعله على ضربين، هذا القول الأول أنه حجة وهو قول الحنابلة والشافعية وغيرهم من أهل العلم ممن وافقهم.

القول الثاني: أنه ليس بحجة وهذا هو قول الحنفية، أن قياس الشبه ليس بحجة وهذا هو قول الحنفية، ابن النجار رحمه الله نسب القول بعدم حجية قياس الشبه إلى أبي يعلي شيخ المذهب، والمثبت في العدة لأبي يعلي أنه حجة.

القول الثاني: أنه ليس بحجة هذا نصره ابن القيم رحمه الله تعالى، وبين أن قياس الشبه لم يحكه الله سبحانه وتعالى إلا عن المبطلين أبداً، يقول: لم يحكِ الله في كتابه ولم يذكر الله في كتابه سبحانه وتعالى إلا على وجه الذم.

 وضرب على ذلك أمثلة: ﴿إن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ(3)  الحين جعلوا يوسف عليه السلام سارقاً ولما وُجد المتاع في رحل أخيه جعلوه سارقاً، ما هي حجتهم؟ قالوا: ﴿إن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ﴾ نقول: هذا قياس الشبه، قاسوا هذا بهذا بجامع الشبه، ما سرق، ما سرق يوسف عليه السلام ولا هذا سرق، وإنما جعلوه ألحقوا أحدهم بالآخر بمجرد الشبه قالوا هذا يشبه أخوه يوسف في الصورة، فإنه مثله في الفعل هذا باطل، الكفار ما حجتهم في إنكار الرسالة؟ ﴿مَا نَرَاكَ إلاَّ بَشَرًا مِّثْلَنَا(4)  هذا قياس شبه، فقاسوا أنفسهم على أو قاسوا الرسول صلى الله عليه وسلم الذي بعث إليهم بأنفسهم هذا قياس شبه، فهذا قياس شبه نظروا إلى الشبه قالوا: أنت بشر ونحن بشر ﴿مَا نَرَاكَ إلاَّ بَشَرًا مِّثْلَنَا﴾ فكيف تكون رسولا؟! فاستدلوا على أنه لم يكن رسولاً بأنه بشر، وهذا قياس شبه.

 وكذلك الكفار يحتجون بمثل هذا ﴿إنَّمَا البَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا(5)  مال بمال، إنما بمثل الربا قياس شبه، فلذلك ابن القيم -رحمه الله تعالى- نص على أنه لم يأتي هذا القياس في القرآن إلا مردوداً مذموماً، وهذا يستدل به الكفار يقولون ما الفرق بين ما ذبحه -في حل الميتة- بين ما ذبحته أنت بيدك وبين ما ذبحه الله سبحانه وتعالى؟ ومع ذلك يريدون أن يبطلوا أحكام الله سبحانه وتعالى بمثل هذا القياس فهو لم يرد يقول ابن القيم رحمه الله إلا على وجه الذم في كتاب الله، فهذا الخلاف في مسألة قياس الشبه، ولذلك لا يصار إليه من أضعف القياسات لا يصار إليه إلا عند تعذر الأقيسة التي مضى ذكر بعضها.

ثم ذكر المؤلف رحمه الله شروط القياس، فقال: (وِمِنْ شَرْطِ الْفَرْعِ أَنْ يَكُونَ مُنَاسباً للأصْلِ)، لابد للفرع من شروط، الشرط الأول: أن توجد العلة في الفرع وتكون مماثلة للأصل، لم؟ كما مضى أن هذا القياس لعلة جامعة بينهما، وذكر ابن مفلح -رحمه الله تعالى- أن من شروط الفرع مساواة علته علة الأصل، كذلك من شروط الفرع أن لا يكون منصوصاً على حكم الفرع، فإذا كان منصوصاً عليه لا يحتاج إلى قياس، لا قياس مع نص، وهذا محل إجماع لم يخالفه فيه أحد، كما ذكر ذلك ابن النجار أو نقله عن بعض أهل العلم، وأن يكون حكم الفرع أو أن يساوي حكم الفرع حكم الأصل فإذا أختلف الحكم فلا يصح القياس بأن يكون موضوعهما واحدًا.

قال: (وَمِنْ شَرْطِ الأصلِ أَنْ يَكُونَ ثابِتاً بِدَلِيلٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ)، لم؟ لئلا يقدح الخصم في القياس فيمنع حينما تناظر أحد تقيس له في القياس فأنك لا تحلق هذا الفرع الذي اختلفتم فيه على أصل إلا إذا كان متفق بينك وبين المناظر على هذا الأصل، أما إذا لم يكن بينكما أتفاق فلا داعي لاستدلال هذا الدليل عند ذلك الخصم.

قال: (وَمِنْ شَرْطِ العِلَّةِ أَنْ تطَّرِدَ فِي مَعْلُولاتِهَا فَلا تَنْتَقِضُ لَفْظاً وَلا مَعْنَى)، هنا مسألة هل من شرط العلة الاطِّراد؟ ومعنى الاطِّراد أن يوجد الحكم كلما وجدت العلة، الاطراد هو أن يوجد الحكم كلما وجدت العلة وهذا المبحث هو مبحث الاطراد في العلة وهو أن يوجد الحكم كلما وجدت العلة ذكره الشنقيطي رحمه الله أنه على أربعة أضرب، ذكرها في مذكرته، ومن أراد أن ينظر إليها فليرجع هي مهمة لتعرف ما المراد بالاطِّراد وما هي الأضرب التي أرجع إليها رحمه الله؛ لأنه قد يكون مستثنى من العلة فلا يقدح.

 مثل الدية على العاقلة في قتل الخطأ، هذا لا ينقض العلة، الأصل أن الذي يعمل هو الذي يلزمه الضمان، الذي أتلف هو الذي يلزمه الضمان ليس بالعاقلة، ومع ذلك هنا تحملت العاقلة، هنا لا تنقض به العلة، وكذلك إذا تخلف شرط أو وُجد مانع كالسرقة من غير حرز فأن هذا لا تُنقض به العلة، أما إذا تخلف مع تمام الشروط وانتفاء الموانع، ولم تعارضها علة أخرى، ولم يكن هنالك مانع من إلحاق الحكم بالعلة، هذا هو محل الخلاف هل يشترط اطرادها أو لا يشترط الاطِّراد لها.

قال: (وَمِنْ شَرْطِ الْحُكْمِ، أَنْ يَكُونَ مِثْلَ الْعِلَّةِ فِي النَّفْي، وَالإِثْبَاتِ) هذا اشتراط الاطراد والعكس لئلا يكون هناك قادح في العلة، فالطرد أن يوجد الحكم كلما وجدت العلة، والعكس هو انتفاء الحكم إذا انتفت العلة، وهذا كذلك يسمى بالدوران والعكس، وقد تكلم أهل الأصول على ذلك وألفوا مصنفات طويلة في القياس، ومن المعاصرين الشيخ الشنقطيي -رحمه الله تعالى- في مذكرته تكلم على هذا بكلام ينبغي لطلاب العلم أن يطلع عليه، فيها تنبيهات وإشارات بسيطة في مسائل القياس، والقياس لا يصار إليه إلا في آخر الأدلة، أول شيء ينظر في الكتاب والسنة وإجماع قول الصحابة، فهو كما روي ونقل عن الإمام أحمد والشافعي أنه كالميتة لا يصار إليه إلا عند الحاجة.


(1) الإسراء:23.
(2) البقرة:174.
(3) يوسف:77.
(4) هود:27.
(5) البقرة:275.