موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - التعارض بين الأدلة - شرح الورقات
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح الورقات لفضيلة الشيخ محمد بن فهد الفريح
  
 
 شرح الورقات
 مقدمة
 الأحكام سبعة
 العلم والجهل
 مسائل أصول الفقه_الكلام
 تابع الكلام
 الأمر
 التكرار
 الذي يدخل في الأمر والنهي ومن لا يدخل
 الأمر بالشيء نهي عن ضده
 النهي وصيغ الأمر
 العام
 الخاص
 الشرط
 المطلق والمقيد
 المخصصات المنفصلة
 المجمل والمبين
 الظاهر
 الأفعال
 السنة قول أو فعل أو تقرير
 النسخ ومسائله
 التعارض بين الأدلة
 الإجماع
 قول الصحابي
 الأخبار
 القياس
 الحظر والإباحة واستصحاب الحال
 ترتيب الأدلة
 المفتي والمستفتي
 الاجتهاد والتقليد
شرح الورقات - التعارض بين الأدلة

فصلٌ

إِذَا تَعَارَضَ نُطْقَانِ فَلا يَخْلُو: إِمَّا أَنْ يَكُونَا عَامَّيْنِ، أَوْ خَاصَّيْنِ، أَوْ أَحَدُهُما عَامَّاً وَالآخَرُ خَاصَّاً، أَوْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُما عَامَّا منْ وجْهٍ خَاصَّاً مِنْ وَجْهٍ آخَرَ.

فَإِنْ كَانَا عَامَّيْنِ فَإِنْ أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا يُجْمَعْ، فإنْ لَمْ يُمْكِنِ الْجَمْعُ يُتَوَقّفْ فِيهِمَا إِنْ لَم يُعْلَمِ التَارِيخُ، فَإنْ عُلِمَ التَّارِيخُ نُسِخَ الْمُتَقَدِّمُ بِالْمُتأَخِّرِ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَا خَاصَّيْنِ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا عَامَّاً وَالآخَرُ خَاصَّا فَيُخَصُّ الْعَامُّ بِالْخَاصِّ، وَإِنْ كَان كُلُّ مِنْهُمَا عَامَّاً مِنْ وَجْهِ وَخَاصَّاً مِنْ وَجْهٍ فَيُخَصُّ عُمُومُ كلّ مِنْهُمَا بِخُصُوص الآخَرِ.


ذكر المؤلف رحمه الله تعالى هنا التعارض بين الأدلة، والتعارض بين الأدلة هو التقابل والتدافع، وتقابل الدليلين وتدافعهما، يتعارض هذا الدليل مع هذا الدليل، هل التعارض موجود بين أدلة الشرع؟ لا شك أن التعارض غير موجود في أدلة الشرع، وهذا محل إجماع، الإجماع منعقدٌ أنه لا تعارض بين دليلين قطعيين في واقع الأمر، وقد حكا الإجماع على ذلك جماعة من أهل العلم.

وكذلك لا تعارض بين دليلين ظنيين، وقد حكا الاتفاق على ذلك الإسناوي في كتابه نهاية السوء، فحجج الله لا تتعارض وأدلة الشرع لا تتناقض، كما قال ذلك ابن القيم رحمه الله تعالى، أدلة الشرع لا تتعارض فيما بينها أبدًا، إنما التعارض واقع بالنسبة للمجتهد، التعارض واقع بالنسبة للمجتهد في عند الأدلة فليس بينها تعارض.

فلما كان عند المجتهدين أو عند بعض المجتهدين يقع التعارض بين النصوص أرادوا أن يقعدوا قواعد في مسألة الجمع بين الأدلة المتعارضة، فصاروا إلى ما ذكره المؤلف إذا تعارض نطقان، يعني: دليلان من الكتاب والسنة أو من الكتاب مع الكتاب أو من السنة مع السنة، فلا يخلو إما أن يكونا عامين أو خاصين أو أحدهما عامًا والآخر خاصًا، أو كل واحد منهما عامًا من وجه، وخاصًا من وجه.

يقول: فإن كانا عامين وأمكن الجمع بينهما جمعا، هذا هو الطريق الأول يجمع بينهما، الطريق الأول عند التعارض هو الجمع بين الأدلة التي ظاهرها التعارض، وهذا محل إجماع، الأولى بالإجماع الجمع بين الدليلين المتعارضين.

وحكا الإجماع على ذلك السمرقندي والقرطبي في تفسيره وابن حجر، وهذا الطريق وهو الجمع بين الدليلين هو واجب عند جمهور أهل العلم.

الواجب حينما يأتي التعارض فإنه يجب عليك أن تجمع بين الدليلين، هذا عند جمهور أهل العلم.

الحنفية خالفوا في هذه المسألة: فإن الحنفية يبدءون أولًا بالنسخ، ثم الترجيح، ثم الجمع، عندنا في الجمع في التعارض عندنا ثلاثة طرق: "الجمع، النسخ، الترجيح"، ثم بعد ذلك التوقف، فإذا ورد التعارض فنجمع بين الدليلين، لم نستطع الجمع بين الدليلين؛ ننظر في المتقدم والمتأخر فنصير إلى النسخ، فنعرف المتقدم والمتأخر، نصير إلى الترجيح بين الأدلة، لم نعرف الترجيح بين الدليلين أيهما أرجح هذا أو هذا؟ نتوقف، كأن هذان الدليلان لم يردا علينا، ونبحث في أدلة أخرى هذا عند التعارض بين الأدلة، هذا طريق الجمهور.

أهل الحديث يبدءون أولًا في الجمع بين الدليلين، ثم النسخ، ثم الترجيح.

وأما الحنفية فإنهم يبدءون بالنسخ في الترجيح ثم الجمع، يجعلون الجمع في آخر الرتب، هذه الطريقة الأولى إذا أمكن الجمع بين الدليل يُجمع بينهما، يكون هذا عام وهذا خاص، فنحمل العام على الخاص، كما تقدم في الصور الماضية، وكذلك في المطلق والمقيد، تعارض هذا مع هذا، ونحمل هذا المطلق على هذا المقيد.

قال: (فإن لم يمكن الجمع) هذه المرتبة الأولى لم نستطع الجمع بينهم، قال: (فإن لم يمكن الجمع بينهما يتوقف فيهما إن لم يعلم التاريخ)، هذا هو النسخ وهو معرفة المتقدم فيكون منسوخًا.

فإن علم التاريخ فينسخ المتقدم بالمتأخر، هذه الطريقة الثانية بعد أول شيء: الجمع، ثم النسخ فيكون المتقدم منسوخًا بالمتأخر.

قال: (وَكَذَلِكَ إنْ كَانَا خَاصَّيْنِ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا عَامَّاً وَالآخَرُ خَاصَّا فَيُخَصُّ الْعَامُّ بِالْخَاصِّ، وَإِنْ كَان كُلُّ مِنْهُمَا عَامَّاً مِنْ وَجْهِ وَخَاصَّاً مِنْ وَجْهٍ فَيُخَصُّ عُمُومُ كلّ مِنْهُمَا بِخُصُوص الآخَرِ)، هذا هو الطريق الثاني، وهو الترجيح.

أحيانًا لا نستطيع أن نعمل بالدليلين، نعمل بدليل من جهة ومن جهة، فإننا نعمل بالخاص ونقدم على العام، الخاص مقدم على العام بكل حال، وهذا إجماع الصحابة رضي الله عنهم، فالترجيح بين الدليلين يكون بأحد المرجحات المعروفة المشهورة عند أهل العلم، فقد ذكر السيوطي أكثر من مائة مرجح، ذكر السيوطي أكثر من مائة مرجح، وأهل العلم يقسمون المرجحات إلى عدة أقسام:

• باعتبار السند.

• باعتبار المتن.

• باعتبار أمر خارج عن المتن والسند.

فمثلاً تجده أحيانًا في كتب الحديث، يقول وهذه الرواية أرجح من هذه الرواية، لما؟ قال: لأن رواة هذه الرواية أكثر من تلك الرواية، وأحيانًا يقولون هذه الرواية مقدمة على هذه الرواية، لمََ؟ قال لأن الراوي لهذه الرواية ولهذا الحديث هو صاحب القصة، فيرجح بذلك، فالمرجحات كثيرة جدًا؛ ولذلك السيوطي لما ذكر في تدريب الراوي ذكر المرجحات، أكثر من مرجح، ذكر أنها لا تنحصر، المرجحات لا تنحصر ومسارها غلبة الظن، بل إن الشنقيطي رحمه الله تعالى في مذكرته نقل عن بعض أهل العلم: أن من أراد أن يجعل ضابطًا في مسألة المرجحات، فإن هذا متعذر وليس في قوة البشر لكثرة المرجحات وتشعبها وتنوعها، فهم يذكرون في مسألة المرجحات -مثل ما قولت لكم: إما باعتبار السند صحة وضعفًا، أقوى وأوثق، وإلا من جهة المتن من كون هذا عام محفوظ، وهذا عام غير محفوظ، فيقدم العام المحفوظ على العام غير المحفوظ، أو من جهة أمر خارج عن المتن والسند، وهذا مثل عنه الصحابة، عنوا الصحابة على كذا، أو لأن هذا الحديث وافق ظاهر القرآن، فإنه يُرجح به.

ولا شك أن العمل بالترجيح، أولًا عندنا الجمع ثم النسخ ثم الترجيح، والعمل بالترجيح لا شك أنه محل إجماع، حكا على ذلك الغزالي أو الغزّالي والطوفي والزركشي، وقد نقل الآمدي أن من نظر في أحوال الصحابة وقاع اجتهاداتهم علم علمًا لا يشوبه ريب أنهم كانوا يعملون بالراجح من الظنيين دون أضعفهما.

فعندك أولًا تجمع بين النصوص أن تستطع، تنظر في التاريخ،لم تعرف التاريخ، فصير إلى الترجيح، والترجيح لا حصر للمرجحات، ثم بعد ذلك إن لم تعلم الراجح من الدليلين الذي ظاهرهما التعارض فإنك تتوقف في هذين الدليلين وتنظر في أدلة أخرى في المسألة.