موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - النسخ ومسائله - شرح الورقات
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح الورقات لفضيلة الشيخ محمد بن فهد الفريح
  
 
 شرح الورقات
 مقدمة
 الأحكام سبعة
 العلم والجهل
 مسائل أصول الفقه_الكلام
 تابع الكلام
 الأمر
 التكرار
 الذي يدخل في الأمر والنهي ومن لا يدخل
 الأمر بالشيء نهي عن ضده
 النهي وصيغ الأمر
 العام
 الخاص
 الشرط
 المطلق والمقيد
 المخصصات المنفصلة
 المجمل والمبين
 الظاهر
 الأفعال
 السنة قول أو فعل أو تقرير
 النسخ ومسائله
 التعارض بين الأدلة
 الإجماع
 قول الصحابي
 الأخبار
 القياس
 الحظر والإباحة واستصحاب الحال
 ترتيب الأدلة
 المفتي والمستفتي
 الاجتهاد والتقليد
شرح الورقات - النسخ ومسائله

النسخ:

وَأَمَّا النَّسْخُ: فَمَعْنَاهُ الإِزَالَةُ، يُقَالُ: "نَسَخَتِ الشَّمْسُ الظِّل"، إِذَا أَزَالَتْهُ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ النَّقْلُ مِنْ قَوْلِهِمْ: "نَسَخْتُ مَا فِي الْكِتَابِ"، إِذَا نَقَلْتَهُ بِأَشْكَالِ كِتَابَتِهِ.

وَحَدُّهُ: الْخِطَابُ الدَّالُّ عَلَى رَفْعِ الْحُكْمِ الثَّابتِ بِالْخِطَابِ الْمُتَقَدِّمِ عَلَى وَجْهٍ لَوْلاهُ لَكَانَ ثَابِتاً، مَعَ تَرَاخِيهِ عَنْهُ. وَيَجُوزُ نَسْخُ الرَّسْمِ وَبَقَاءُ الْحُكْمِ.


بدأ المؤلف رحمه الله تعالى بما يتعلق بالنسخ، وذكر بعض مسائل النسخ، فأولًا بدأ بتعريفه، فذكر أن معناه في اللغة على أحد معنيين:

إما الإِزَالَةُ أو الرفع، "نَسَخَتِ الشَّمْسُ الظِّل"، إِذَا أَزَالَتْهُ رفعته.

أو أنه النَّقْلُ ، نسخت الكتاب أي: نقلت الكتاب مع بقاء الكتاب الأول؛ لأنه لم يمحَ ولم يرتفع الكلام الذي فيه، فهذا المعنى الثاني من معاني النسخ.

والأظهر: أن المراد من النسخ هو الرفع، كما نبه على ذلك الطوفي.

ثم عرفه بالاصطلاح فذكر قال: هو (الْخِطَابُ الدَّالُّ عَلَى رَفْعِ الْحُكْمِ الثَّابتِ بِالْخِطَابِ الْمُتَقَدِّمِ عَلَى وَجْهٍ لَوْلاهُ لَكَانَ ثَابِتاً، مَعَ تَرَاخِيهِ عَنْهُ) هذا التعريف الذي ذكره المؤلف رحمه الله تعالى.

استدرك عليه المؤلف في كتابه "البرهان"، استدرك على هذا التعريف في كتابه "البرهان"، فهو مع طول هذا التعريف ليس تعريفًا للنسخ إنما هو تعريف للناسخ؛ لأنه قال: (خِطَاب)، ولم يقل رفع حكم، فالخطاب هو الناسخ؛ ولذا يقال في تعريف النسخ هو رفع حكم شرعي بدليل شرعي متراخٍ، وهذا هو الذي عليه أكثر، كما نص على ذلك ابن النجار في شرح الكوكب، أن معنى النسخ المراد به رفع حكم شرعي بدليل شرعي متراخ.

ومما ينبغي أن يُعلم أن النسخ عند السلف من الصحابة -رضي الله عنهم ومن تبعهم بإحسان- في القرون المتقدمة يريدون بالنسخ معنى أوسع مما هو عليه عند المتأخرين، النسخ عند الصحابة ومن جاء بعدهم في القرون المتقدمة يراد بالنسخ عندهم أوسع مما جاء عند المتأخرين، فكل تقييد أو تخصيص أو استثناء يسمى نسخًا، كل تقييد أو تخصيص أو استثناء يسمى عند الأوائل نسخًا.

وقد نبه على ذلك ابن تيمية وابن القيم، على أن النسخ في استعمال السلف الصالح أوسع مما عليه في القرون المتأخرة؛ ولذلك قد تجد في التفسير: يأتي آية يقول ابن عباس هذه منسوخة بآية كذا، فتقول كيف هذه يقول منسوخة رضي الله عنه وهذه عامة وهذه خاصة؟ هذا مراده أن هذه الآية الخاصة المخصصة التي خصت تلك الآية العامة يسمى هذا نسخًا، عند السلف الصالح.

فقد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى: أن السلف يريدون بالنسخ ثلاثة معاني، وذكرها رحمه الله تعالى في كتابه "إعلام الموقعين".

ثم بدأ المؤلف رحمه الله تعالى بمسائل النسخ فقال، نعم.

وَيَجُوزُ نَسْخُ الرَّسْمِ وَبَقَاءُ الْحُكْمِ، وَنَسْخُ الْحُكْمِ وَبَقَاءُ الرَّسْمِ، وَنَسَخُ الأَمْرَيْنِ مَعاً.

وَيَنْقَسِمُ النَّسْخُ إِلَى: بَدَلٍ، وَإِلَى غَيْرِ بَدَلٍ، وَإِلَى مَا هُوَ أَغْلَظُ، وَإِلَى مَا هُوَ أَخَفُّ.

وَيَجُوزُ نَسْخُ الْكِتَابِ بِالْكِتَابِ، وَنَسْخُ السُّنَّةِ بِالْكِتَابِ، وَيَجُوزْ نَسْخُ الْمُتَوَاتِرِ بِالْمُتَوَاتِرِ، وَنَسْخُ الآَحَادِ بِالآحَادِ وَبِالْمُتَوَاتِرِ، وَلا يَجُوزُ نَسْخُ الْمُتَوَاتِرِ بالآحادِ.


قال المؤلف رحمه الله تعالى في المسألة الأولى: (وَيَجُوزُ نَسْخُ الرَّسْمِ وَبَقَاءُ الْحُكْمِ)، يعني: أن ينسخ اللفظ ويبقى حكم الآية، وهذا محل اتفاق أنه يجوز نسخ الرسم وبقاء الحكم، وسيأتي الرجم كآية الرجم، نُسخت لفظًا وبقيت حكمًا، وهذا محل اتفاق أنه يجوز نسخ الرسم وبقاء الحكم.

حكا الاتفاق على ذلك الآمدي وابن مفلح في أصوله نص أن هذا عليه أو أن هذا ما عليه العلماء، هذه هي المسألة الأولى.

المسألة الثانية: (وَنَسْخُ الْحُكْمِ وَبَقَاءُ الرَّسْمِ)، أن ينسخ الحكم وتبقى الآية تُتلى، وهذا كذلك محل اتفاق أنه يجوز نسخ الحكم وبقاء الرسم.

حكا الاتفاق على ذلك الآمدي في إحكامه، ونُصَّ عليه في المسودة أن هذا بإجماع الصحابة رضي الله عنهم وكذلك بإجماع التابعين ومن بعدهم بأنه يجوز نسخ الحكم وبقاء الرسم.

وكذلك نسخ الحكم والرسم، ومثاله ما جاء في صحيح مسلم: من قول عَائِشَةَ، رَضِيَ الله عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: «كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ: عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ، ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ»(1)، هذا نسخ حكمًا ولفظًا.

ونسخ الحكم وبقاء الرسم مثاله الوصية للوالدين والأقربين، فإنه ما زالت تتلى، ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ(2)هذه تتلى هذه الآية مع أنها منسوخة، فإنها نُسخت بآيات المواريث، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «لاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ»(3).

ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى مسألة، وهي: النسخ يكون إلى بدل وإلى غير بدل.

أما النسخ إلى بدل فإنه محل اتفاق لا خلاف بين أهل العلم أن النسخ يكون إلى بدل.

حكا الاتفاق إلى ذلك الآمدي والطوفي وابن النجار، على أنه يكون النسخ إلى بدل، وسوف يأتي الكلام على مسألة البدل "الأخف والمساوي والأغلظ"، وكلام أهل العلم حول هذه الثلاثة.

ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى النسخ إلى غير بدل، هل يجوز أن يكون نسخ ولا يكون هناك بدل أو لا يجوز؟ ذهب المؤلف إلى جوازه، وهذا الذي عليه أكثر أهل العلم أنه ينسخ إلى غير بدل، وهذا عليه أكثر أهل العلم بل نص الآمدي على أن هذا مذهب الجميع، جواز نسخ حكم الخطاب إلى غير بدل.

مثال ذلك:

نسخ تقديم الصدقة بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم أنها قد نسخت إلى غير بدل، وكذلك نسخ ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث فإنها نسخت إلى غير بدل.

وذكر الآمدي أن الوقوع في الشرع من أدل الدلائل على الجواز الشرعي، فالنسخ إلى غير بدل هذا عليه أكثر أهل العلم بل حُكي فيه عدم الخلاف، وأن الخلاف فيه نُسب إلى الشذوذ كما ذكره الآمدي، هذا هو القول الأول، وقلت لكم إن هذا عليه أكثر أهل العلم.

القول الثاني: أنه لا يجوز النسخ لغير بدل، لا بد من بدل إذا ورد النسخ لا بد له من بدل، وهذا القول هو الذي نصره ابن تيمية وابن القيم والشنقيطي في مذكرته رحمهم الله جميعًا، وهو قول الشافعي، هو ظاهر كلام الشافعي في الرسالة، استندوا إلى قول الله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا(4) كان النص من كتاب الله أن إذا نسخت آية أن الله يأتي بخير منها أو مثلها، فالنسخ لا يكون إلا لبدل، فالقول أن النسخ يكون لغير بدل هذا قول ليس بصحيح.

ولذلك الشنقيطي رحمه الله تعالى تعجب غاية العجب من كثرة العلماء الذين تواردوا على القول بأنه يجوز النسخ إلى غير بدل، قال: ولا كلام لأحد مع كلام الله سبحانه وتعالى.

وابن النجار رحمه الله تعالى في شرح الكوكب كأنه يقول أن الأمثلة التي ذكرها أصحاب هذا الفريق وهذا الفريق أو هي من الأدلة التي استدلوا بها يمكن توجيهها بحيث لا يكون بينهم خلاف، وهذا وإن أجازوه نظريًا إلا أنه لم يقيموا عليه دليلًا ظاهرًا، فيمكن توجيهه كذلك فعل الشنقيطي في توجيه ذلك، مثل الصدقة، مناجاة الرسول صلى الله عليه وسلم لا بد من تقديم صدقة قبل مناجاته وأنها نسخت، قال: نسخت إلى الاستحباب أنه ما زال يستحب في زمنه صلى الله عليه وسلم صدقة فنسخ للاستحباب، وقد رد على هذا القول.

المراد أن هذا القول وهو قول بعض المحققين من أهل العلم، والقول الأول هو قول أكثر العلماء في النظر بين فيما ذكروه من أمثلة كما أشرت لكم كلام ابن النجار رحمه الله في شرح "الكوكب": يراجعه من أراد الاستزادة في هذه المسألة.

نرجع إلى مسألة النسخ إلى بدل، عندنا الآن نسخ إلى غير بدل وفيها الخلاف السابق، والنسخ إلى بدل هذا محل اتفاق، ولكن إذا كان النسخ إلى الأخص أو المساوي فإن هذا محل إجماع، أن النسخ إذا كان إلى أخص أو مساوي للحكم الذي نسخ فإن هذا محل إجماع أنه يجوز.

حكا الإجماع على ذلك الآمدي والزركشي والمرداوي وابن النجار وجماعة من أهل العلم، أنه قد ينسخ الحكم إلى الأخف أو ينسخ إلى المساوي.

مثال ذلك: نسخ استقبال بيت المقدس واستقبال القبلة الكعبة، وكذلك العدة، عدة المتوفاة كانت تعتد حولا كاملًا، فنسخت إلى أربعة أشهر وعشرة، فهذا مساوي استقبال بيت المقدس مساوي استقبال القبلة، والأخف من حول إلى أربعة أشهر وعشرة.

النسخ إلى الأثقل أو الأشد أو الأغلظ، هو نُسخ إلى بدل ولكن هذا البدل أغلظ وأثقل من المنسوخ، هل يجوز أو لا يجوز؟

جمهور أهل العلم على جوازه، وقد قال في ذلك بعض الشافعية وبعض الظاهرية والصواب: أنه يُنسخ، الحكم إلى ما هو أغلظ منه.

مثال ذلك نسخ الإمساك عن القتال بفرض القتال أو الجهاد في سبيل الله، وكذلك الإمساك بالزاني والزانية ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي البُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ المَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً(5)، فالإمساك في البيت والحبس أهون من الجلد أو الرجم، ونسخ إلى ما هو أغلظ، وكذلك نسخ وجوب صوم يوم عاشوراء بصيام شهر رمضان.

عندنا بعض التنبيهات في مسألة النسخ:

• التنبيه الأول: أن أحكام التوحيد ليست محلًا للنسخ، أحكام التوحيد ليست محلًا للنسخ، فأحكام التوحيد التي اتفقت عليها دعوة الرسُل يستحيل دخول النسخ فيها، كما نبه على ذلك ابن القيم رحمه الله تعالى.

• التنبيه الثاني: أنه يمتنع نسخ جميع القرآن، وهذا محل إجماع أن القرآن لا يمكن أن ينسخ جميعه.

وتعلمون أنه في آخر الزمان أن الله سبحانه وتعالى يرفع القرآن من الصدور ومن السطور، ولكن يُنسخ جميع الأحكام الموجودة في القرآن لم تُنسخ ومازال المسلمون في الأرض فهذا قول ممتنع، انتهى وقت النسخ بوفاة الرسول صلى الله عليه وسلم.

وقد حكا الإجماع على أن نسخ جميع القرآن ممتنع: الرازي وابن النجار، ونقله الزركشي.

(وَيَجُوزُ نَسْخُ الْكِتَابِ بِالْكِتَابِ)، المسألة التي تليها نسخ الكتاب بالكتاب، هل القرآن ينسخ القرآن؟ لا شك في ذلك وأن هذا محل إجماع أن القرآن ينسخ القرآن.

وقد حكا الاتفاق على ذلك ابن حزم والمؤلف في التلخيص، والسمعاني في قواطعه والآمدي في إحكامه، على أن القرآن ينسخ القرآن.

ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وَنَسْخُ السُّنَّةِ بِالْكِتَابِ)، فيجوز نسخ السنة بالكتاب، هل يجوز أن تُنسخ السنة بالقرآن؟ المؤلف رحمه الله تعالى ذكر أن ذلك يجوز، وهذا القول الذي ذكره المؤلف هو قول جمهور أهل العلم: أنه يجوز نسخ السنة بالكتاب، وقالوا من أقوى الأدلة فيه وقوع، قد وقع أن القرآن نسخ السنة كالتوجه إلى بيت المقدس أنه كان معلومًا بالسنة ثم جاء في القرآن ما ينسخه.

وكذلك المباشرة في الليل كانت محرمة على الصائم بالسنة، وقد نسخ ذلك قول الله تعالى: ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ(6)، والشنقيطي رحمه الله تعالى في مذكرته يذكر أنه لا ينبغي الخلاف في مثل هذا لوقوعه، ومع ذلك خالف بعض أئمة الإسلام في هذه المسألة، وعلى رأسهم الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، وقد ذكر أن القرآن لا ينسخ السنة، وأن السنة تُنسخ بالسنة، وهذا أحد قوليه؛ لأن السنة بيان للقرآن فكيف ينسخ المُبَيِّن بالمُبَيَّن؟ وقد حاول بعض الشافعية في توجيه كلام الشافعي رحمه الله تعالى، وتبيين مقصده من هذا الكلام، وإن كان ظاهره نسخ السنة بالكتاب إلا أن جاء من السنة ما يوافق ظاهر الكتاب في نسخ تلك السنة، فعادل أن ذلك نسخًا للسنة بالسنة.

ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى قال: نسخ الكتاب بالسنة وبالسنة، نسخ السنة بالسنة أو نسخ السنة في السنة، يأتي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث ثم يأتي بعد ذلك حديث متراخ عن هذا متأخر فينسخ هذا هذا، هل هذا يجوز؟ نص أهل العلم على عدم الخلاف نسخ المتواتر من السنة بالمتواتر من السنة، لا خلاف بين أهل العلم في جواز نسخ المتواتر من السنة بالمتواتر من السنة، وكذلك لا خلاف في نسخ الآحاد بالآحاد وبالمتواتر، فالمتواتر ينسخ المتواتر وينسخ الآحاد، وهذا محل إجماع.

حكا الإجماع على ذلك ابن حزم والسمعاني وابن الساعاتي والزركشي وغيرهم من أهل العلم، بأن السنة تنسخ السنة إذا كانت السنة المنسوخة آحاد والناسخ متواتر أو آحاد، أو كانت السنة منسوخة متواترة والناسخ لها هو المتواتر.

قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ويجوز نسخ المتواتر بالمتواتر) وهذا محل إجماع، (ونسخ الآحاد بالآحاد وبالمتواتر) وهذا محل إجماع (ولا يجوز نسخ الكتاب بالسنة)؛ لأن السنة أقل رتبة من القرآن.

نسخ الكتاب بالسنة إذا كانت السنة آحادًا فقد حكا بعضهم باتفاق على أنها لا تنسخ الكتاب، هذه المسألة نسخ الكتاب بالسنة، الناسخ هو كلام الرسول صلى الله عليه وسلم، والمنسوخ هو كلام الله سبحانه وتعالى، إذا كان كلام الرسول صلى الله عليه وسلم آحادًا طريقه الآحاد فقد حُكي الاتفاق على أن الآحاد لا ينسخ القرآن، وقد حكا الاتفاق على ذلك السمعاني وابن قدامة، وذكر ابن قدامة إجماع الصحابة على أن القرآن والمتواتر لا يُرفع بخبر الآحاد.

وقد نازع في حكاية الإجماع هذه الطوفي، وكذلك الزركشي، نازعوا في مسألة حكاية الإجماع، ومما حكا الإجماع في هذه المسألة كذلك الجويني رحم الله الجميع،هذا في مسألة نسخ الآحاد بالقرآن.

طيب، إذا كانت السنة متواترة هل تنسخ القرآن أو لا تنسخ؟

هذا محل خلاف على قولين:

• القول الأول، وهو قول الجمهور: يجوز نسخ القرآن بالمتواتر من السنة.

• والقول الثاني: المنع، فإن السنة لا تنسخ القرآن، وهذا هو قول الشافعي، وهو المشهور عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وهو ما اختاره القاضي أبو يعلى، وكذلك ذهب إلى هذا القول تقي الدين ابن تيمية رحمه الله تعالى.

الشافعي وأحمد في المشهور عنه، وترجيح شيخ المذهب، وأبو يعلى، وكذلك ما ذهب إليه ابن تيمية في أن السنة لا تنسخ ولا تنسخ القرآن.

فليس في القرآن شيء منسوخ بالسنة، ولا يوجد في القرآن شيء منسوخٌ بالسنة، ومن تطلب مثالًا لذلك قد يتعب في إيجاد مثال للسنة نسخه في القرآن، وقد ضرب أصحاب القول الأول في الحديث المشهور في الصحيح: «خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلًا»(7) في مسألة الزاني المحصن والزاني غير المحصن.

وأصحاب القول الثاني قالوا: هذا جاء من القرآن، فالقرآن أخبر بحكم هذا والرسول إنما بلغ الآيات التي وردت في حكمهم، ولذلك ابن تيمية رحمه الله تعالى نص على أن السنة لا تنسخ القرآن.

قال: وما يوجد من دعوى أصحاب القول الأول فإنما هو نسخ القرآن بالقرآن وقد جاء الرسول بالدلالة على أنه هذه الآية نسخت هذه الآية.

ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى نسخ المتواتر بالآحاد، هل المتواتر ينسخ بالآحاد؟

ذكر ابن مفلح ذكر ابن مفلح -رحمه الله تعالى- عن بعض أهل العلم الإجماع على أنه لا يجوز أن ينسخ المتواتر من السنة بالآحاد من السنة، وذهب بعض أهل العلم على جواز ذلك كابن حزم  -رحمه الله تعالى- والشنقيطي في مذكرته ونص أن تحقيق الذي لا شك فيه أنه يجوز نسخ المتواتر بالآحاد، وهو الذي اختاره الطوفي.

واستدلوا على ذلك بما جاء في الصحيحين: من تحول أصحاب من يصلون في قباء حينما جاءهم الرجل وأخبرهم بنسخ التوجه من بيت المقدس إلى الكعبة، فتحولوا وهم في صلاتهم، فهم أخذوا بالنسخ مع أن الخبر بالآحاد، مع أن المستفيد والمتواتر عندهم أن استقبال بيت المقدس هذا متواتر عندهم، وكانوا يصلون عليه، يصلون لبيت المقدس، ثم جاء هذا عن طريق خبر الآحاد فنسخ هذا التوجه.

ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: لأن الشيء في تعليل أن الآحاد لا ينسخ المتواتر؛ لأن الشيء يُنسخ بمثله وبما هو أقوى منه، وهذه العبارة حُكي عليها إجماع، أن الناسخ لا بد أن يكون ممن هو في رتبته من جهة القوة، يعني مثله في القوة أو أقوى منه.

وحكا الإجماع على ذلك الجويني في البرهان والزركشي في البحر، وأشار الشاطبي في الموافقات إلى أن هذا هو إجماع المحققين، أن من شرط الناسخ أن يكون أقوى من المنسوخ، أو على الأقل مساوٍ له، أو على الأقل أن يكون مثله فهذا شرط الناسخ، لو قيل لك ما شرط النسخ؟ تقول: يشترط في الناسخ أن يكون مساوٍ للمنسوخ أو أقوى منه وقد حُكي الإجماع على هذا الشرط، وقد سمعتم الخلاف في المسائل المتقدمة بين أهل العلم.


(1) أخرجه مسلم في كتاب الرضاع، باب التحريم بخمس رضعات (1452).
(2) البقرة:180.
(3) أخرجه أحمد في "مسنده"(5/267)، وأبو داود في كتاب الوصايا- باب ما جاء في الوصية للوارث (2870)، والترمذي في كتاب الوصايا- باب ما جاء لا وصية لوارث (2120)، وابن ماجه في كتاب الوصايا- باب لا وصية لوارث (2713)، وصححه الألباني في "صحيح الجامع" (1789).
(4) البقرة:106.
(5) النساء:15.
(6) البقرة:187.
(7) أخرجه مسلم في كتاب الحدود- باب حد الزنى (1690).