موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - الظاهر - شرح الورقات
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح الورقات لفضيلة الشيخ محمد بن فهد الفريح
  
 
 شرح الورقات
 مقدمة
 الأحكام سبعة
 العلم والجهل
 مسائل أصول الفقه_الكلام
 تابع الكلام
 الأمر
 التكرار
 الذي يدخل في الأمر والنهي ومن لا يدخل
 الأمر بالشيء نهي عن ضده
 النهي وصيغ الأمر
 العام
 الخاص
 الشرط
 المطلق والمقيد
 المخصصات المنفصلة
 المجمل والمبين
 الظاهر
 الأفعال
 السنة قول أو فعل أو تقرير
 النسخ ومسائله
 التعارض بين الأدلة
 الإجماع
 قول الصحابي
 الأخبار
 القياس
 الحظر والإباحة واستصحاب الحال
 ترتيب الأدلة
 المفتي والمستفتي
 الاجتهاد والتقليد
شرح الورقات - الظاهر

وَالظَّاهِرُ: مَا احْتَمَلَ أَمْرَيْنِ: أحَدُهُمَا أَظْهَرُ مِنَ الآخَرِ، وَيُؤَوَّلُ الظَّاهِرُ بِالدَّلِيلِ، وَيُسَمَّى ظَاهِراً بِالدَّلِيلِ.


هذا الآن الدلائل التي تليها دلالة الظاهر والمؤول، وابن برهان في نقل كلام الزركشي لما ذكر هذا الباب باب الظاهر، قال هو من أنفع كتب الأصول وأجلها، ولم يزل الدال إلا بالتأويل الفاسد.

والعجيب أن أبا السمعاني في قواطعه عاب على الجويني إدخاله هذا الكلام في أصول الفقه، فذكر أن هذا لا يُرد في فن أصول الفقه.

المراد: أن الظاهر عندنا فيه مسائل:

المسألة الأولى: تعريفه وهو ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى ما احتمل أمرين أحدهما أظهر من الآخر، عندنا لفظ يحتمل هذا ويحتمل هذا، هو في أحدهما أظهر، حينما يقال لك: صُم يحتمل المراد أن تصوم وأن تسكت، ويحتمل الصيام الشرعي أن تصوم الصيام الشرعي، يحتمل هذا المعنى ويحتمل هذا المعنى، هذا من جهة تعريفه، المسألة الأولى ما احتمل أمرين أحدهما أظهر من الآخر.

حكم الظاهر، يعني ما حكم الظاهر؟ هل يجب العمل به أو لا يجب العمل به؟ لا شك أنه يجب العمل بالظاهر، وهذا محل إجماع أن الظاهر يجب العمل به، وقد نص على ذلك الشافعي في رسالته، وحكا الإجماع على أن الظاهر حجة في العمليات والسمعاني في قواطعه.

الشوكاني نقل كلام الزركشي من البحر بنصه في حكاية الإجماع، وأن الظاهر دليل يجب العمل به وأن الصحابة عملوا بظواهر الكتاب والسنة، لو تُرك العمل بالظواهر لتعطلت أكثر أحكام الشرع.

ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى قال: (وَيُؤَوَّلُ الظَّاهِرُ بِالدَّلِيلِ، وَيُسَمَّى ظَاهِراً بِالدَّلِيلِ)، حين يأتي التأويل والمؤول وهو من دلالة الألفاظ، الظاهر الآن يدل على معنين في أحدهما أرجح، إذا أردت أن تأخذ بالمعنى المرجوح هذا هو التأويل لماذا عدلت عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح؟

والتأويل له ثلاثة معاني:

§ المعنى الأول: الحقيقة التي يؤول إليها الأمر وينتهي، قال الله تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ(1)  يعني: وقوعه فإنه إذا وقع هذا تأويله.

كذلك في قول يوسف عليه السلام: ﴿يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُءْيَايَ مِن قَبْلُ(2) ، ﴿تَأْوِيلُ رُءْيَايَ﴾ يعني: أنها انتهت إلى هذا ووقعت، كما رأيت فهذا هو المعنى الأول، الحقيقة التي يؤول إليها الأمر وينتهي.

§ المعنى الثاني: هو التفسير والبيان، وهذا عند أهل التفسير مثل ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى، يقول تأويل هذه الآية كذا وكذا أي: تفسيرها، تفسيرها كذا وكذا، هذا هو المعنى الثاني للتأويل.

§ المعنى الثالث، وهو المقصود في البحث وأصول الفقه: هو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح، بدليل يقترن به.

صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح، بدليل يقترن به.

وقد ذكر ابن تيمية رحمه الله تعالى أن التأويل بهذا المصطلح، المصطلح الثالث أو المعنى الثالث أنه لم يكن يعرف عند الصحابة رضي الله عنهم ولا عند التابعين ولا الأئمة الأربعة، بل لم يكن معروفًا التكلم بهذا عند القرون الثلاثة، وهذا التأويل الذي هو صرف اللفظ من الاحتمال الراجح إلى المحتمل بدليل يقترن به، ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أنه على قسمين: تأويل صحيح وتأويل باطل، والتأويل الصحيح هو ما توفرت فيه شروط الصحة، وهي ثلاثة شروط، والتأويل الباطل هو ما فقد أحد هذه الشروط.

ما هي هذه الشروط التي ذكرها؟ ذكرها ابن تيمية، وذكرها ابن القيم، وذكرها غيرهما:

• الشرط الأول: أن يكون المعنى المرجوح مما يحتمله اللفظ.

• الشرط الثاني: إقامة الدليل الصحيح الصارف للفظ عن ظاهره الراجح إلى المعنى المرجوح، إقامة الدليل الصحيح الصارف للفظ عن حقيقته وظاهره.

• الشرط الثالث: سلامة الدليل الصارف عن معارض.

الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿فَقُولِي إنيِّ نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا(3) ، الصوم هنا المراد به الكف عن الكلام أو الصيام الشرعي المعروف؟ الأصل أن الظاهر إذا أطلق الصيام في الشرع المراد به هو الصوم المعروف، لكن لم يرد هنا الصوم المعروف لمَ؟ لأن الله سبحانه وتعالى يقول في تتمة هذا الكلام: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَوْمَ إنسِيًا﴾، فالآن عندنا معنى مرجوح وهو الإمساك عن الكلام يحتمل لفظ الصوم أو لا يحتمله؟ يحتمل.

الشرط الثاني: أن يكون الدليل صحيحًا، فهذا الدليل لا شك أنه في غاية الصحة لأنه من كلام الله القرآن، أن يسلم من معارض، وهو الآن سلم من معارض، بل دل الدليل على أن المقصود هو المعنى المرجوح، فيكون المعنى الصيام هنا هو الإمساك عن الكلام بدلالة الصيام، فإذا توفرت الشروط هذه كان التأويل صحيحًا.

والتأويل الفاسد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى في مختصر الصواعق على أن التأويل الباطل أو الفاسد عشرة أنواع، من أراد فليراجعها.

ولذلك تأويل الظواهر سائغ إذا قام الدليل على ذلك، فلا بد من قيام الدليل، وإلا كان تأويلًا باطلًا فاسدًا.


(1) الأعراف:53.
(2) يوسف:100.
(3) مريم:26.