موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - النهي وصيغ الأمر - شرح الورقات
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح الورقات لفضيلة الشيخ محمد بن فهد الفريح
  
 
 شرح الورقات
 مقدمة
 الأحكام سبعة
 العلم والجهل
 مسائل أصول الفقه_الكلام
 تابع الكلام
 الأمر
 التكرار
 الذي يدخل في الأمر والنهي ومن لا يدخل
 الأمر بالشيء نهي عن ضده
 النهي وصيغ الأمر
 العام
 الخاص
 الشرط
 المطلق والمقيد
 المخصصات المنفصلة
 المجمل والمبين
 الظاهر
 الأفعال
 السنة قول أو فعل أو تقرير
 النسخ ومسائله
 التعارض بين الأدلة
 الإجماع
 قول الصحابي
 الأخبار
 القياس
 الحظر والإباحة واستصحاب الحال
 ترتيب الأدلة
 المفتي والمستفتي
 الاجتهاد والتقليد
شرح الورقات - النهي وصيغ الأمر

والنهي: استدعاء الترك بالقول، ممن هو دونه على سبيل الوجوب.

وترد صيغة الأمر والمراد به: الإباحة، أو التهديد، أو التسوية، أو التكوين.


هذه مسائل النهي بدأ المؤلف -رحمه الله تعالى- انتهى بمسائل الأمر وبدأ بمسائل النهي، فأولًا أول مسألة في مسائل النهي تعريفه، ذكر المؤلف -رحمه الله تعالى- أن النهي استدعاء ترك بالقول ممن هو دونه على سبيل الوجوب وعرفه غيره بأنه اللفظ الدال على طلب الكسب على وجه الاستعلاء، اللفظ الدال على طلب الكف على وجه الاستعلاء فلا يمكن من كان أقل رتبةً أن يوجه نهيًا لمن هو أعلى منه رتبةً.

ولذلك قالوا على وجه الاستعلاء فهو طلب ولفظ لا تفعل، هذه صيغته لا تفعل لفظ هذا نهي، ولفظ دال على طلب الكسب، لا تتكلم ونهاك عن الكلام على وجه الاستعلاء لما له رتبة أعلى من المنهي فيكون على وجه الاستعلاء.

المسألة الثانية: وهي من أهم المسائل في باب النهي وهي قول المؤلف -رحمه الله تعالى- ويدل على فساد المنهي عنه، المسألة هل النهي يقتضي الفساد أو لا يقتضي الفساد هذه مسألة مهمة جدًا، لا خلاف في أن النهي يقتضي الفساد وقد نص على ذلك الشافعي -رحمه الله تعالى- في الرسالة، وحكاه غير واحد من أهل العلم، حتى أن شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- ذكر أن هذا هو مذهب الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة المسلمين كلهم على أن النهي يقتضي الفساد.

فإذا ورد نهي في كتاب الله أو في سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- فمباشرة تعلم أن النهي يقتضي الفساد إذا كان حقًا لله سبحانه وتعالى، إذا كان حقًا لله سبحانه وتعالى لأن أهل العلم يفرقون في هذه المسألة ما كان حقًا للعبد، يمكن أن يتنازل عن حقه.

وما كان حقًا لله فإنه مباشرة يقتضي المنهي عنه أنه فاسد، فالله سبحانه حرم الربا وجاء رجل يتعامل بالربا مباشرة المعاملات والنية على هذه المعاملة فاسدة، لمَ؟ لورود النهي، النهي بإجماع الصحابة وإجماع أهل العلم أنه يقتضي الفساد إلا إذا كان حقا لله سبحانه وتعالى، أما إذا كان حقًا للعبد للمخلوق فإنه موكل إلى إرادة ذلك المخلوق وإلى العبد المكلف.

 إنشاء إمضاء فصح رحمك الله إن شاء أمضاه وإن شاء أبطله، هذا وقد دلت النصوص على ذلك، كما في الصحيح أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن تلقي الركبان.

 فأخبر أن صاحب البضاعة له الحق في إمضائها أو ردها إذا جاء السوق، نهى عن تلقي الركبان تلقي الجلد، فهو الآن تلقاه وقع في النهي أو لم يقع؟ وقع في النهي هل يفسد البيع أو لا يفسد البيع؟.

 هذا راجع إلى العبد إلى صاحب الحق، صاحب الحق له الخيار إما أن يفسد البيع، وإما أن يمضيه، فهو بالخيار إن أمضاه لا يستطيع أن يطالب بما لا حقه من الرجل، ويستطيع أن يبطل البيع.

جاء في الحديث الصحيح أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لَا يَبِيعُ أَحَدُكُمْ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ وَلا يَخْطُبُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ»(1).

لو أنه خطب على خطبة أخيه، رجل تقدم إلى أسرة خطب ابنتهم، ثم جاء بعده بيوم تقدم رجل آخر وخطب ذات البنت أو البنت نفسه، هل الخطبة هذه تبطل أو لا تبطل؟.

 هذا حق للخاطب الأول، الخاطب الأول إن قال سمحت وأذنت أسقط حقه بإرادته، لأن الحق لا يعدوه وإن قال: لا أرضى فإن الخطبة الثانية ولو انبنى عليها عقد فإن الخطبة فاسدة وما بُني على الفاسد فاسد.

 وقد قرر هذه القاعدة تقريرًا لا مزيد عليه ابن تيمية -رحمه الله تعالى- في مجموع الفتاوى، عقد لها أصلاً كاملًا وضرب الله ما شاء الله له أن يضرب منها من أمثلة هذه في هذه القاعدة.

المسألة التي تليها وهي الثالثة: ما ضابط الحق الذي لله وما ضابط الحق الذي للإنسان أو للمكلف؟

ذكر القرافي في الفروق وابن رجب - رحمهم الله - تعالى في جامع العلوم في شرح الأربعين النووية ذكر الضابط في هذا والضابط في هذا، وذكر - رحمهم الله - تعالى أن كل ما للعبد إسقاطه فهو حق له، فإذا ورد النهي فيه فهو بالخيار.

وكل ما ليس له إسقاطه فهذا هو حق الله، هذا هو حق الله، ما كان للعبد أن يسقطه فهو حق له، معلق النهي فيه سواء النهي هل يفسد أو لا يفسد معلق بإرادة هذا العبد وما كان حقًا الله لا يجوز إسقاطه هذا هو حق الله سبحانه وتعالى.

ولكن لا بد أن يفهم مسألة في هذه القاعدة هذه من القواعد الأصولية أن النهي يقتضي الفساد، هذه قاعدة أصولية يعمل بها في جميع أوامر الله وفي جميع نواهي الله ونواهي الرسول -صلى الله عليه وسلم-، ولكن بشرط لا تركب حديثًا على حديث.

 أو أن يأتي النهي في سياق واحد مثال ذلك الرسول -صلى الله عليه وسلم- في صحيح مسلم في حديث أبي بردة حينما قال: «لَا تُصَلُّوا إِلَى الْقُبُورِ»(2)، هذا نهي أو ليس بنهي؟ نهي، والنهي يقتضي الفساد، فمن صل إلى قبر فصلاته فاسدة، تقعيد صحيح وكلام مستقيم.

طيب، لبس الحرير ألم ينهى الرسول -صلى الله عليه وسلم- في الصحيح في الحديث الصحيح أنه منع لبس الحرير؟ لا شك أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- ثبت عنه أنه مسك الحرير بيده وقال: «هذا حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي حِلٌّ لِإِنَاثِهَا أو حِل على إناثها»(3).

الآن وردنا نهي عن لبس الحرير، لو أن رجل لبس الحرير وصلى بذلك الحرير، هل صلاته تبطل أو لا تبطل؟ الصلاة لا تبطل هل عندنا حديث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول لا تصلوا في الحرير؟.

 ما عندنا حديث ينص على ذلك، عندنا نهي عام عن لبس الحرير، فمن لبس فهو آثم ارتكب النهي لكن ما نستطيع أن نبطل صلاته، وهذا مثل مسألة مشهورة في أصول الفقه وهي مسألة الصلاة في الأرض المغصوبة هل الصلاة في الأرض المغصوبة ورد فيها نهي لا تصلوا في الأرض المغصوبة؟ ما ورد نهي، فإبطال الصلاة من العلائق غلط، واضح أيها الإخوة؟.

وعلى ذلك فقس. لا بد أن يأتي النهي منصوصًا عليه على هذه الحالة، كما لا تصلوا إلى القبور لا يصلي أحد وليس على عاتقه شيء، كل ما ورد فيه نهي وكان نهي مجرد على القرائن لا شيء يصرفه فهو يقتضي الفساد وهذا عليه إجماع الصحابة، أن أقول النهي يقتضي الفساد بإجماع الصحابة t وأهل العلم إذا كان حق لله ولم يرد ما يصرفه، هذه القاعدة.

طرأ على بعض المؤلفين والمصنفين ابن معين وغيره تقسيم النهي إذا كان نهي لذاته وإذا كان نهي لشرطه عاد شرطه أو كان لوصفه هذا لا يعرف هذا لا يعرف من السلف الصالح.

السلف الصالح يعرف عندهم أن النهي يقتضي الفساد إذا كان حقًا لله ولم يجد ما يصرفه، بغض النظر سواء كان عائدًا لذاته أو على غيره، واضح أيها الإخوة؟ أرجو أن يكون واضحًا.

المراد أن النهي يقتضي الفساد مطلقًا إذا تجرد عن القرائن وهذا لا محل للاختلاف فيه، أما ما كان حقًا لآدمي فقد ذكرت لكم أنه معلقٌ بحق العابد إن شاء أمضاه وإن شاء أبطله.

يعني مثلاً لو أن رجلًا ذهب إلى السوق يشتري على سلعة يحرج عليها، فنجش رجلًا آخر، رجل آخر ينجش في البيع يزيد في السعر ولا يريد الشراء فاشتراها ذلك الرجل، الذي لا ينجش ثم علم أن ذلك ناجش هل البيع باطل أو ليس بباطل، البيع راجع ورده إلى صاحب الحق المظلوم، من ظلم في العقود فهو الحق له لا يتعداه إن شاء أمضى وأخذ ماله وإن شاء أبطله.

وذكر المؤلف -رحمه الله تعالى- أن صيغة الأمر والمراد به الإباحة أو التهديد والتسوية والتكوين هذه صيغ تتبع الأمر، اعملوا ما شئتم، كونوا حجارة أو حديدًا، تأتي على صيغ عديدة، قد ذكر النجار أكثر من 30 صيغة يرد عليها الأمر، فيحصل على طالب العلم أن يطلع عليها، فقد ذكر صاحب البحر المحيط كذلك صيغ كثيرة، فينبغي لطالب العلم أن يطلع على هذا حتى يعرف نصوص الشارع.

قد يأتي نهي أو يأتي أمر وليس المراد أن تفعل إنما المراد للتهديد أو التقويم أو التسوية ليس مرادها أن تعمل، طيب.

قبل أن نبدأ بالعام في مسألة مهمة كذلك وهي مسألة النهي وهي المسألة الرابعة والخامسة في باب مسائل النهي، اقتضاء النهي للفورية والدوام، النهي يقتضي الفورية والدوام، والتكرار، وهذا محل إجماع لا خلاف فيه، إذا جاء نهي لا تفعل إذا جاء من الله سبحانه وتعالى وأمر رسوله لا تفعل يكون النهي عن الاستمرار وعلى الدوام وعلى الفورية من الآن تنتهي عن المخاطرة، من الآن تباشر الانتهاء فهل أنتم منتهون؟ انتهينا انتهينا مباشرة، حينما نزل تحريم الخمر، وهذا محل إجماع أن النهي المطلق يقتضي الفورية والدوام والتكرار، يعني باستمرار حكي الإجماع على ذلك الجويني المؤلف -رحمه الله تعالى- في كتابه البرهان، والشيرازي والصفي الهندي وابن مفلح وجماعات، وجماعات من أهل العلم نصوا على أن النهي يقتضي الفور والدوام والتكرار.

 والدليل على ذلك ما جاء في صحيح مسلم، أن رسولنا -صلى الله عليه وسلم- قال: «فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءِ فَاجْتَنِبُوهُ»(4)، مباشرة الفورية واجتنبوه استمرار حتى يأتي ما يرد أو ما يحل أو ما ينسخ هذا النهي والله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا(5).


(1) أخرجه أحمد في "مسنده" (33/ 304).
(2) أخرجه مسلم في كتاب الجنائز- باب النهي عن الجلوس على القبر والصلاة عليه (972).
  (3) أخرجه أحمد في «مسنده» (1/96، 115)، وأبو داود في كتاب اللباس- باب في الحرير للنساء (4057)، وابن ماجه في كتاب اللباس- باب لبس الحرير والذهب للنساء (3595).
(4) أخرجه البخاري في كتاب الاعتصام- باب الاقتداء بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم (7288)، ومسلم في كتاب الفضائل- باب توقيره صلى الله عليه وسلم (1337).
(5) الحشر: 7.