موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - الأحكام سبعة - شرح الورقات
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح الورقات لفضيلة الشيخ محمد بن فهد الفريح
  
 
 شرح الورقات
 مقدمة
 الأحكام سبعة
 العلم والجهل
 مسائل أصول الفقه_الكلام
 تابع الكلام
 الأمر
 التكرار
 الذي يدخل في الأمر والنهي ومن لا يدخل
 الأمر بالشيء نهي عن ضده
 النهي وصيغ الأمر
 العام
 الخاص
 الشرط
 المطلق والمقيد
 المخصصات المنفصلة
 المجمل والمبين
 الظاهر
 الأفعال
 السنة قول أو فعل أو تقرير
 النسخ ومسائله
 التعارض بين الأدلة
 الإجماع
 قول الصحابي
 الأخبار
 القياس
 الحظر والإباحة واستصحاب الحال
 ترتيب الأدلة
 المفتي والمستفتي
 الاجتهاد والتقليد
شرح الورقات - الأحكام سبعة

والأحكام سبعة: الواجب والمندوب والمباح والمحظور والمكروه والصحيح والفاسد.


هذه الأحكام الشرعية ذكر المؤلف -رحمه الله تعالى- أنها سبعة أحكام، المؤلف -رحمه الله تعالى-  له كتب في الأصول غير هذا الكتاب، له كتاب " البرهان " و " التلخيص " سوف نذكر عنه أنه خالف ما يذكره في هذه الورقات، فمثلاً هو لما ذكر الأحكام سبعة، ذكر في كتابه البرهان أن الأحكام خمسة، ولم يذكر الصحيح والباطل، وهذا مذهب أكثر الأصوليين، أكثر الأصوليين لا يذكرون الصحيح والباطل في الأحكام الشرعية لأنها أحكام يسمونها سوف تأتي سوف يذكرها المؤلف يسمونها أحكام تكليفية وسوف يأتي التنبيه على أن هذه التسمية تسمية خاطئة، والصحيح والباطل أحكام وضعية.

فالواجب: ما يثاب على فعله ويعاقب على تركه.


هذا الآن أول الأحكام التي تسمى عند بعض الأصوليين بالأحكام التكليفية، فأولًا تسميتها بالأحكام التكليفية هذا محل نظر، وقد نبه على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- في أول الفتاوى.

 ذكر -رحمه الله تعالى-  أن المشقة الموجودة في العبادات إنما هي جاءت بالتبع والضمن لم تأتي مقصودة في الشريعة، بل هذه الأحكام الشرعية التي وردت في الشريعة هذه لذة القلوب وغذاؤه.

هذه لذة وعبادة ليست تكليفًا، وما وجد في الأحكام من التكليف إنما جاء تبعًا وضمنًا لا قصدًا يعني الشريعة لا تقصد الكُلفة، ولذلك قال الله: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا(1), فذكر التكليف فلا تكليف إلا لما تطيقه الأنفس.

ثم لم يرد كما نبه على ابن تيمية -رحمه الله تعالى- لا في الكتاب ولا في السنة ولا عن سلف الأمة إطلاق القول بأن الإيمان والعمل الصالح تكليف، بل هو حكم، حكم شرعي.

المؤلف -رحمه الله تعالى- بدأ بالواجب، قال: الواجب ما يثاب على فعله ويعاقب على تركه، وهذا التعريف هو تعريف له بالثمرة، لا ثمرة الواجب هو الإثابة على الفعل والمعاقبة الترك، هذا هو ثمرة الواجب.

 وبعض أهل العلم ينتقد هذا التعريف أن الثمرة لا تدخل في التعريف، ولذلك عرفه بعض المحققين بأنه ما أمر، إذا سُئِلت ما تعريف الواجب؟ فتقول: ما أُمر به أمرًا جازمًا، أمر به أمرًا جازمًا.

وتعريف المؤلف -رحمه الله تعالى-  لا بد أن يقيد لو قلنا به فلا بد من تقييد، هل كل من ترك واجبًا كان معاقبًا، وكل من فعل واجبًا كان مثابًا؟.

لا بد أن يقيد وما يثاب على فعله امتثالًا، ما يثاب على فعله امتثالًا، ويستحق العقاب على تركه.

 فمن ترك واجبًا قد يعاقب وقد لا يعاقب، فتصحيح العبارة يقال: ويستحق العقاب على تركه، فإنه من الواجب فإذا تركها فإنه لا يعاقب على تركها، فهو تحت مشيئته إنه شاء عدل له إن شاء وغفر له إلا الشرك.

في مسألة مهمة في مسألة الواجب كيف تعرف الواجب؟ كيف تعرف الواجب؟ هذه من المسائل الأصولية التي يغفل عنها من يتكلم عن أصول الفقه، وقد أشار إلى هذه المسألة ابن القيم -رحمه الله تعالى-  في بدائع الفوائد، كيف تعرف الواجب؟.

ذكر ابن القيم -رحمه الله تعالى- الوجوب يستفاد من الأمر تارة، ومن التصريح بالوجوب تارة، ومن لفظة كتب وفرض وأوجب، وكذلك على المؤمنين، وكذلك حق على العباد، كل هذه ألفاظ تدل على الوجوب، وكذلك ترتيب الذنب على تركه والعقاب كذلك على تركه، وإحباط العمل كل هذه تدل على الوجوب.

 فإذا جاءت في الأحاديث أو في القرآن فإنها تدل على الوجوب وكذلك ما يدل على الوجوب وسوف يأتينا الأمر المطلق، ما كان أمرًا مطلقًا فإنه يدل على الوجوب وهذا الحل إجماعي.

وإذا أطلق الواجب دخل فيه الفرض فرض أوجب أو وجب كلاهما سيان في الشريعة، مترادفان، الفرض والواجب مترادفان في عرف الشارع، كما نص على ذلك ابن النجار﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ(2), أي أوجب فيهن الحج، وبالحديث الصحيح المشهور أن الله سبحانه وتعالى يقول: «مَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ »(3)، أي مما أوجبته عليه، فالفرض والواجب مترادفان في الشريعة.

ابن رجب -رحمه الله تعالى-  نبه تنبيهًا مهمًا، إلى أن كلمة واجب الأصل فيها أنها تدل على الوجوب، ولكن قد لا تدل على الوجوب، إذا جاء ما يدل على أنها ليست للوجوب، نبه على ذلك في فتح الباري ومثال ذلك ما جاء في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسولنا -صلى الله عليه وسلم- قال: «غُسْلُ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ»(4).

فهل غسل الجمعة واجب أو ليس بواجب؟ الأصل أننا نقول: أن غسل الجمعة واجب، هذا الأصل، ولكن صرف هذا الوجوب أو هذه اللفظة التي تدل على وجوب صرفها الإجماع الذي حكاه ابن عبد البر -رحمه الله تعالى-  ونقله مقررًا له ابن رجب -رحمه الله تعالى-  فإنهم ألحقوا الإجماع على أن غسل الجمعة مستحب وليس بواجب.

 فلفظة الواجب ليست لفظًا بإلزام بالشيء والعقاب على تركه، بل قد يراد به ذلك وهو الأكثر وقد يراد به تأكيد الاستحباب والطلب، هذا كما ذكرت لكم أشار إليه ابن رجب -رحمه الله تعالى- في كتابه فتح الباري.

 والمندوب: ما يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه.


هذا المندوب الآن، الثاني المندوب، وما يثاب على فعله لا بد أن نضيف امتثالًا، ما يثاب على فعله امتثالًا، ولا يستحق العقاب على تركه، ولا يستحق العقاب على تركه، هذه المسألة الأولى في المندوب، المسألة الأولى تعريفه.

المسألة الثانية: الإجماع منعقد على أن تارك المندوب غير عاص، أن تارك المندوب غير عاص هذا إجماع من ترك مندوبًا فإنه لا يكون عاصيًا بتركه، وهذا محل إجماع حكاه الطوخي.

ونبه شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-  على أنه يجوز ترك المستحب ولكن بشرط هو أنه يجب عليه أن يعتقد أن هذا مستحب، يجب عليه أن يعتقد أن هذا مستحب فيجوز ترك المستحب من غير أن يجوز اعتقاد ترك استحبابه.

فإن معرفة استحبابه فرض، هو فرض كفاية على هذه الأمة، يجب أن يعتقد أن هذا مستحب، ويعتقد طائفة من الأمة فرض كفاية، ولكن لو تركه ولم يعمل فهذا ليس بعاص ولا تكليف عليه وهذا محل إجماع.

المسألة الثالثة: في مسألة المندوب بما يُعرف المندوب؟ كيف تعرف المندوب في الشريعة، إذا قيل لك جاءك أمر هل هو للوجوب أو للندب، كيف تعرفه؟ تعرفه بطرق المندوب، من الطرق:

أولًا الطريقة الأولى: أن يأتي الأمور للوجوب، أن يكون ظاهر الأمر الوجوب فيأتي ما يصرف عن الوجوب، والصارف أنواع، والصارف للأمر إذا جاءنا أمر ثم ورد عليه صارف هذا الصارف صرفه من الوجوب للاستحباب.

الصوارف كثيرة منها فعل الرسول -صلى الله عليه وسلم- فإن فعل الرسول -صلى الله عليه وسلم- إذا جاء أمر وترك الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن يفعل ذلك الأمر دلنا على أن الأمر للاستحباب، مثال ذلك الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ(5), والرسول -صلى الله عليه وسلم- ثبت أنه باع ولم يُشهد.

 فدلنا على أن هذا الأمر الإشهاد في البيع أنه للاستحباب وليس للوجوب، كذلك من الصوارف تصرف الأمر من الوجوب إلى الاستحباب وهو علامة على الاستحباب قول الصحابي فإن قول الصحابي حجة وسوف يأتينا ذلك بإذن الله في الدروس القادمة.

كذلك من الذي يصرف الأمر ويدلنا على أن هذا الأمر ليس للوجوب إنما هو للاستحباب الإجماع، الإجماع فإنه يأتي الإجماع على أن هذا الأمر ليس للوجوب وإنما هو مستحب، مثل قول الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ(6), في الهدي، فكلوا الأمر هنا لما لا يكون الأمر هنا للوجوب، الذي صرف الأمر هذا من كونه الوجوب للاستحباب هو الإجماع، كما حكاه النووي -رحمه الله تعالى- النووي -رحمه الله تعالى-  حكى الإجماع على أن الأكل من الهدي ليس واجبًا بل هو سنة.

كذلك مما يدلنا على الوجوب على الندب يعني بما تعرف المندوب كأنك تعرفه أن يأتي أمر ثم يصرف من كونه وجوب إلى استحباب.

كذلك مما يصرف الأمر أو مما يعرف به المندوب أفعال الرسول -صلى الله عليه وسلم- التي على وجه التعبد الأصل في أفعال الرسول -صلى الله عليه وسلم- أنها دالةٌ على الاستحباب ليست دالة على الوجوب وسيأتي تفصيل بإذن الله في أفعال الرسول -صلى الله عليه وسلم.

كذلك من الأمور التي يعرف بها المندوب، ما رُتب الفضل فيه من غير أمر، رتب فضل على هذا العمل من غير أمر، مثال ذلك ما جاء في الصحيح أن رسولنا -صلى الله عليه وسلم- قال: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الْآخِرَةِ»(7).

هنا في أمر ما حكم هذا الفعل مستحب، ولذلك يقول الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله تعالى:

وكـل مـا رُتـــب فيــه فضــلُ *** مـن غـير أمـرٍ فهـو نـدبٌ يجـلو

وكــل فعــل للنبـــي جُــردا *** عـــن أمــره فغـير واجــب بدا

والمباح: ما لا يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه.


هذا المباح القسم الثالث الإباحة، والإباحة حكم شرعي، هذه المسألة الأولى ومثل ما ذكر المؤلف تعريفها لا يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه، كلامه مستو، إن فعلته وإن تركته.

والمسألة الأولى فيها: أن الإباحة حكمٌ شرعي، وقد أجمعوا على أن المباح لا يسمى قبيحًا، حكى الإجماع على ذلك أو نقل على ذلك الزركشي في البحر المحيط.

ومن عجائب أن بعض الأصوليين ذكروا أن المواظبة على المباح يكون معصية يكون صغيرة، وهذا غلط، فإن المواظبة على المباح لا يجعله معصية البتة، هذا محل إجماع، والإباحة حكم شرعي، حكى الإجماع على ذلك الجويني في البرهان والصفي الهندي.

والمباح لم يأمرنا في الشريعة، والمباح غير مأمور به في الشريعة، لا في أمر ولا نهي.

المسألة التي تليها: كيف تعرف المباح، إذا قيل لك كيف تعرف أن هذا الأمر مباح، فإنك تعرف هذا الأمر أولًا بنفي الإثم ورفع الجناح، إذا ورد في الكتاب أو السنة نفي الإثم أو الجناح أو الحرج﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ(8), فإن هذا يدل على الإباحة.

 وكذلك مما يدل على الإباحة فعل الرسول -صلى الله عليه وسلم- إذا لم يكن فيه معنى القربة، ذكرنا قبل قليل أن فعل الرسول -صلى الله عليه وسلم- المجرد إذا كان فيه معنى القربة فهو مستحب إذا جاء فعل الرسول -صلى الله عليه وسلم- ولم يكن فيه قربة، فإنه يدل على الإباحة في قول الجمهور، يدل على الإباحة في قول الجمهور.

كذلك مما تعرف به الإباحة، الأصل في الأشياء الإباحة، وذكر ابن القيم -رحمه الله تعالى- أن هناك ألفاظ تعرف بها الإباحة وذكر منها لفظ الإشلال رفع الجُناح والإذن والعفو، وإن شئت فافعل وإن شئت لا تفعل.

 وكذلك السكوت عن الشيء كل هذا تدل على الإباحة الإقرار على الفعل في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا نزل الوحي إقرار إما من الله سبحانه وتعالى كما في حديث جابر في الصحيح: «كُنَّا نَعْزِلُ وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ»(9), هذا إقرارٌ من الله سبحانه وتعالى على أن فعله مباح، أو إقرار من الرسول -صلى الله عليه وسلم- كما جاء في الصحيحين من قول حسان لعمر -رضي الله عنهما- أنه قال: كنت أنشد فيه الشعر وفي منه خير منك، يقول مسجد الرسول -صلى الله عليه وسلم- هذا إقرار منه -صلى الله عليه وسلم- على إباحة وجواز إنشاد الشعر.

ومن باب فوائد المباح لفظ الجائز، الجائز له إطلاقان، وهذا مهم وقد نبه على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- في منهاج السنة، أن الجائز لفظة الجائز له إطلاقان الإطلاق الأول: بمعنى المباح يعني معنى خاص مرادف للمباح.

والإطلاق الثاني: مرادف أو مقابل للتحريم.

الإطلاق الأول: مرادف للمباح، إطلاق الخاص، والثاني إطلاق عام وهو مقابل التحريم، فيدخل في لفظة الجائز الواجب والمندوب والمباح والمكروه، هذه الأربعة في مقابل التحريم وقد أشار إلى ذلك أبو العباس ابن تيمية -رحمه الله تعالى- في " منهاج السنة ".

الشنقيطي -رحمه الله تعالى- في مذكرته ذكر أن الإباحة عند الأصوليين على قسمين:

الأولى: إباحة شرعية، أي عرفت في زمان الشرع، وهذا مثالها إباحة الجماع في ليالي رمضان، هذه إباحة، إباحة شرعية ولا عقدية، لا شك أنها إباحة شرعية.

القسم الثاني: أو النوع الثاني إباحة عقلية، وهي ما تسمى بالبراءة الأصلية، وهي ما يعرف بالاستصحاب، استصحاب البراءة الأصلية وهذا سوف يأتي الكلام عنها بإذن الله الحي القيوم في مسألة الأدلة المختلف فيها فإنه يستحصب العدم الأصلي حتى يرد الدليل الناقل.

 ومن فوائد التفريق بين هاتين الإباحتين: أن رفع الإباحة أو رفع حكم الإباحة في الشرعية يسمى نسخًا لأن الشارع هو الذي أقرها، وجاء بها، فيسمى نسخًا.

وأما الإباحة العقلية فلا يسمى رفعها نسخًا، لأنها ليست حكمًا شرعيًا بل عقليًا، ومن ذلك مثال الإباحة العقلية أنهم كانوا يتعاملون بالربا فلما نزل قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ(10).

لما جاء تحريم الربا، خافوا من أكل الأموال التي في أيديهم من الربا السابق ماذا يفعلون به، هل هو براءة أو يكون محرم، فجاء قوله تعالى: ﴿ فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾, يعني هذه براءة أصلية، معفو عنها، لأنها كانت قبل نزول التحريم فلا يؤاخذ بها، وقد أشار إلى ذلك ابن تيمية -رحمه الله تعالى- في المسودة.

والمحظور: ما يثاب على تركه ويعاقب على فعله.


هذا المحظور يعني المحرم، وهذا تعريف له كذلك بالثمرة، ما يثاب على تركه امتثالًا، لابد أن يقال امتثالًا لأنه تعبد، ويعاقب على فعله صوبناه على أنه يستحق العقاب على فعله، ويمكن تعرفه بأنه ما نهي عنه نهيًا جازمًا، ما نهي عنه نهيًا جازمًا، وهو ما يثاب على تركه امتثالًا ويستحق العقاب على فعله.

بما يعرف المحظور المسائل هذا، بما يعرف المحظور؟ قال ابن القيم -رحمه الله تعالى: ويستفاد التحريم من النهي والتصريح بالتحريم، ومن الحظر والوعيد على الفعل، وذم الفاعل وإيجاد الكفارة، وقول لا ينبغي إذا ورد لا ينبغي فالمراد به التحريم، في لغة القرآن ولغة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وفعل الرسول -صلى الله عليه وسلم- فإنها وضعت للمنع، وكذلك ما كان لهم كذا، ولم يكن لهم كل هذا تدل على التحريم كما ذكر ذلك ابن القيم -رحمه الله تعالى-  في " بدائع الفوائد ".

وكل فعل وصف بأنه فساد، أو أنه من تزيين الشيطان أو أنه من عمل الشيطان، أو أنه وصف بالجاهلية، من أمور الجاهلية، هذا كله يدل على,, الأصل تدل على التحريم، وكذلك لفظة كره لفظة كره الأصل فيها أنها تدل على التحريم في كلام الله وكلام رسوله وكلام السلف الصالح - رضي الله تعالى عنهم.

فالكراهة في كلام السلف غالبًا ما يراد بها التحريم ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا(11), هذا هو المحظور، طيب الحكم الخامس وهو الأخير.

والمكروه: ما يثاب على تركه ولا يعاقب على فعله.


هذا هو يا إخوان المكروه هو ما يثاب على تركه امتثالًا ولا يعاقب على فعله، ويمكن أن تعرفه بأنه ما نهي عنه نهيًا غير جازم، ما نهي عنه نهيًا غير جازم.

ومما تعرف به المكروه كل نهيٍ ورد فجاءت القرينة تدل على أنه ليس للتحريم فهو للكراهة، كل نهي ورد ثم جاءت قرينة صارفة له عن التحريم فهو يدل على الكراهة، وقد مضى قبل قليل كلام على أن الكراهة في القرآن وفي السنة وفي كلام السلف المراد بها المراد بها التحريم، وقد ذكر ذلك ابن القيم -رحمه الله تعالى-  وبين أن كثيرًا من المتأخرين غلطوا على أئمتهم، في فهم كلامهم فجعلوا الكراهة المراد بها الكراهة التنزيهية التحريمية، وهذا غلط، لا بد أن يفهم كلام الله وكلام رسوله وكلام السلف على ما أرادوه، طيب.

والصحيح: ما يتعلق به النفوذ ويعتد به.

والباطل: ما لا يتعلق به النفوذ ولا يعتد به.


هذه أحكام وضعية، الصحيح والباطل هذه الأحكام الوضعية، وهي من أقسام الحكم الوضعي، والمراد الوضعية هنا الأمارة الشرعية التي يثبت عندها الحكم أو ينفي، أمارة جعلها الشارع يثبت عندها الحكم  أو ينتهي، الشريعة جعلت طلوع الفجر أمارة على وجوب الإمساك في نهار رمضان، وجعلت غروب الشمس أمارة على حِل الأكل للصائم، هذه أمارة.

ومما ينبغي أن يُعلم إذا سُئِل طالب العلم ما الفرق بين الحكم الوضعي والحكم التكليفي ما الفرق بينهما؟.

 فيقال أن خطاب الوضع أن خطاب الوضع لا يتعلق بفعل مكلف، خطاب الوضع لا يتعلق بفعل مكلف؛ لأنه إما ليس في قدرته أصلًا كغروب الشمس وطلوع الشمس، إما لا يتعلق بقدرته أصلاً وإما يكون في قدرته ولم يكلف به كالنصاب في الزكاة.

 ما يجب عليك أن تجمع مال حتى تبلغ به النصاب هذا لا يجب عليك، أو أن تحافظ على هذا المبلغ حتى تجب فيه الزكاة.

وكذلك عدم السفر للصوم، فلان يسافر سوف أصوم، هذا لم تكلف به، لم تكلف بهذا, بخلاف خطاب أو الحكم التكليفي على اصطلاح الأصوليين، بخلاف الحكم التكليفي فإنه لابد أن يكون في مقدور المكلف مثل الطهارة للصلاة يتوضأ للصلاة.

 ولكن غروب الشمس وطلوع الفجر هذه ليست في قدرته، زوال الشمس حتى يحين صلاة الظهر، ليس في قدرة المكلف، هذا وضعي وهذا تكليفي.

كذلك خطاب الوضع أعم من الحكم التكليفي لأن كل تكليف معه خطاب وضع، إذ لا يخلو الحكم التكليفي من شرط أو مانع، ولكن قد يوجد خطاب الوضع ولا يوجب تكليفه، قد يوجد خطاب وضع ولا يوجد تكليف، مثل المتلفات لو أن صبيًا، أتلف ولا مجنون، لو أن مجنونًا أتلف مالًا، هل يلزمه الضمان أو لا يلزمه؟.

 بالإجماع كما حكاه ابن عبد البطال ونقله ابن ملقن أنه يجب عليه ويضمن، ويضمن هذا المجنون وهذا الصبي وإن كان غير مكلف، لأن هذه من باب العدل وهذه مربوطة بأسبابها لا مربوطة بحكم التكليف هذه حكم وضعي، الحكم الوضعي كما قلنا لا تدخل في باب التكليف، هذه لها أحكامها وهذه لها أحكامها، وهذه من فروق بين الحكم الوضعي والحكم التكليفي.

 فإن غرم المتلفات ولزوم في الجنايات قال من باب ربط ضبط الحكم بسببه فالضمان حكمٌ وضعي مقابل كذا، فهو الإتلاف.

فذكر المؤلف -رحمه الله تعالى-  الصحيح ما يتعلق به النفوذ ويعتد به، لأن الصحيح ما كان معتدًا به مبرئ للذمة موصفا للمقصود، والباطل على عكس ذلك، فالصحيح ما تمت شروطه وانتفت موانعه، الصحيح في العبادات والمعاملات هو ما تمت شروطه، وانتفت موانعه، والباطل عكس ذلك، نعم.


(1) البقرة:286.
(2) البقرة:197.
(3) أخرجه البخاري في كتاب الرقاق- باب التواضع (6502).
(4)أخرجه البخاري في كتاب الجمعة- باب فضل الغسل يوم الجمعة (879)، ومسلم في كتاب الجمعة- باب وجوب غسل الجمعة على كل بالغ من الرجال (846).
(5) البقرة:282.
(6) الحج:28.
(7) أخرجه مسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار- باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر (2699)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(8) البقرة:198.
(9) أخرجه البخاري في كتاب النكاح- باب العزل (5209)، ومسلم في كتاب النكاح- باب حكم العزل (1440).
(10) البقرة:275.
(11) الإسراء:38.