موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - مقدمة - شرح الورقات
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح الورقات لفضيلة الشيخ محمد بن فهد الفريح
  
 
 شرح الورقات
 مقدمة
 الأحكام سبعة
 العلم والجهل
 مسائل أصول الفقه_الكلام
 تابع الكلام
 الأمر
 التكرار
 الذي يدخل في الأمر والنهي ومن لا يدخل
 الأمر بالشيء نهي عن ضده
 النهي وصيغ الأمر
 العام
 الخاص
 الشرط
 المطلق والمقيد
 المخصصات المنفصلة
 المجمل والمبين
 الظاهر
 الأفعال
 السنة قول أو فعل أو تقرير
 النسخ ومسائله
 التعارض بين الأدلة
 الإجماع
 قول الصحابي
 الأخبار
 القياس
 الحظر والإباحة واستصحاب الحال
 ترتيب الأدلة
 المفتي والمستفتي
 الاجتهاد والتقليد
شرح الورقات - مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وخاتم المرسلين.

 أما بعد؛

فقال إمام الحرمين أبي المعالي عبد الملك الجويني الشافعي -رحمه الله تعالى:

بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد فهذه ورقات تشمل على معرفة فصول من أصول الفقه وذلك في جزأين مفردين:

فالأصل: ما بني عليه غيره والفرع ما يبنى على غيره.

والفقه: معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد.


الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أسأل الله العلي العظيم أن يجعلني وإياكم ممن إذا أعطي شكر وإذا أبتلي صبر وإذا أذنب استغفر، فإن هذه الثلاثة من السعادة، كما ذكر ذلك ابن القيم -رحمه الله تعالى- وتبعه الإمام المجدد محمد عبد الوهاب -رحمه الله تعالى.

تعلمون أيها الإخوة أن طلب العلم من أفضل العبادات بل لما سُئِل الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-  عن طلب العلم، قال لا يعدله شيء لكن بشرط صحت نيته، قال يا أبا عبد الله كيف صحت نيته؟ قال: ينوي أن يرفع الجهل عن نفسه، فقط؟ قال: لا، وأن يتواضع فيه، هذه من ثمار العلم.

لذلك كان السلف الصالح -رضي الله عنهم- يعتنون بالنية في جميع الأعمال وخاصةً في طلب العلم لأنه الله لا يبارك في علم طُلب لغير وجه، كما لا يخفى عليكم من طلب العلم وقال عالم سيقال علامة فقيه ومُحدث ثم يكون أول من تسعر به النار، نسأل الله العافية.

لا بد من مجاهدة النية في تصحيحها وإخلاص العمل لله سبحانه وتعالى، رسولنا -صلى الله عليه وسلم- كما لا يخفى على شريف علمكم إذا أصبح تبعًا لسنن ابن ماجة كان يقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعًا وَرِزْقًا طَيِّبًا وَعَمَلا مُتَقَبَّلا»(1), فإذا كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يسأل ربه علمًا نافعًا الواجب علينا كذلك أن نسأل الله علمًا نافعًا، لأن الإنسان إذا أبتلي بعلم لا ينفع فهذه مصيبة، وليعظم هذه المصيبة تعوذ الرسول -صلى الله عليه وسلم- منها.

جاء في صحيح مسلم من حديث من حديث زيد بن أرقم رضي الله عنه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لا يَنْفَعُ»(2), الرسول -صلى الله عليه وسلم- تعوذ من العلم الذي لا ينفع، لأن الإنسان إذا أبتلي بعلم لا ينفع لا بد أن يأتي معه قلب لا يخشع ولذلك تعوذ رسولنا -صلى الله عليه وسلم- من قلب لا يخشع «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لا يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لا يَخْشَعُ»(3).

 فإذا أبتلي الرجل بهاتين المصيبتين، تأتي الثالثة أخوات تجر بعضها بعضًا قلب لا يخشع ثم نفس لا تشبع، ولذلك تعوذ رسولنا -صلى الله عليه وسلم- من هذه الثلاثة من العلم الذي لا ينفع ومن القلب الذي لا يخشع ومن النفس التي لا تشبع، فإذا اجتمعت هذه المصائب الثلاثة عياذًا بالله جاءت الرابعة دعوةٌ لا يستجاب لها، ولذلك تعوذ رسولنا -صلى الله عليه وسلم- من هذه الأربع في لفظ في غير الصحيح «ومن عين لا تدّمع»(4).

فإذا أبتلي الإنسان طالب العلم بعلم لا ينفع وقلب لا يخشع ونفس لا تشبع فإنه يقرأ القرآن من أوله لآخره لا تدمع له عين، تمر عليه مواعظ ويحمل الجنائز إلى المقابر ويتبعها ولا تدمع له عين ولا تتحرك مشاعره، لا شك أن هذا أبتلي بمصائب عظيمة.

ولذلك تجد قلة البركة في طلبة العلم، وفي تحقيقه والعمل به والصبر، فالإنسان لا بد أن يجاهد نفسه، لا بد أن يجاهد نفسه في تصحيح هذه النية مجاهدةً عظيمة، واستحضار هذا الدعاء العظيم، دائمًا يدعو ربه ويسأل الله التوفيق وأن يرزقه علمًا نافع ويتعوذ بالله من العلم الذي لا ينفع.

 بل جاء عند ابن ماجة -رحمه الله تعالى-  أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال: «سَلُوا اللَّهَ عِلْمًا نافِعاً، وَتَعوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ عِـــــلْمٍ لَا يَنْفَعُ»(5).

جمع بين الأمرين، فالإنسان لا بد أن يسأل الله علمًا نافعًا ويتعوذ بالله من العلم الذي لا ينفع.

ولذلك عرفت أم سفيان الثوري -رضي الله عنها- هذا المغزى فقالت لابنها سفيان الثوري -رحمه الله تعالى-  من أئمة الإسلام، تقول يا بني: اطلب العلم وأنا أكفيك بمغزلي يعني لا تهتم بأجر الدنيا أنا أكفيك بمغزلي، ثم كانت تتخوله بالموعظة، تقول له: يا بني إذا كتبت عشرة أحرف فانظر هل هذه الأحرف تزيدك؟ فإن لم تزدك فاعلم أن ذلك لا ينفعك.

هذه من ثمرة العلم ليس العلم النافع حفظ المسائل وسرد المسائل واتساع الرواية، ليس هذا هو العلم النافع وليس المراد بهذا العلم النافع، أن تحفظ  الكتب والمتون، هذا من وسائل تكون طالب علم هذا ليس نافع، ما الذي سبق وجعل أبو بكر الصديق رضي الله عنه أن يسبق الصحابة؟.

 أبو بكر المزني يقول -رحمه الله تعالى: ما سبق أبو بكر الصديق رضي الله عنه بكثرة صلاته وصيامه وصدقة إنما بشيءٍ وقر في قلبه، أعمال القلوب من أعظم ما يغذيها العلم، وليس إلا العلم النافع.

فلا بد للإنسان أن يحرص أن يجد ثمرة العلم في قلبه، وأن يحاول وأن يلح على ربه أن يرزقه علمًا نافعًا، فإذا رزق بالعلم النافع لن يفشل، أما إذا كان يسابق إلى حِلق العلم وهو لا يريد إلا الدنيا فيفشل سوف يأتيه من الدنيا ما كتبه الله له، وسوف يأتيه من الثناء ما كتبه الله له، ولكن يقول أول ما تسعر به النار.

ولذلك ذكر ابن حجر -رحمه الله تعالى-  في كتابه " التلخيص من وجوه الخليص " ذكر أن بعض الناس يسابق إلى مجالس الذكر ومجالس العلم وهو يسارع بذلك لحجز مقعده من النار، لأنه ما أراد بذلك وجه الله، ثم قال: ولو أن يكون الرجل دساسًا أو زنارًا خير له من أن يطلب العلم لغير وجه الله، فإن الله سبحانه وتعالى لا يبارك في علم طلب لغير وجهه.

فأمة محمد في هذا الزمان خاصة بحاجة إلى العلماء، بحاجة إلى القدوات، بحاجة للدعاة المخلصين الصادقين الذين يقومون بسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبسنته وما كان عليه السلف الصالح، حتى تنهض هذه الأمة فإنه إذا وجدت وقلبت نظرك في هذه الأمة وجدت أمة مريضة.

 ومن أسباب مرضها طلاب العلم في هذا الزمان، لا أقول كل طلاب العلم أقول في جملة من طلبة العلم على الجادة، كثير من طلاب العلم من ليس على الجادة، بل يُمرض هذه الأمة بسبب أفعاله وتصرفاته التي لا تدل على أنه رزق علمًا نافعًا.

 بل تجد لا يُرى على تصرفاته وأفعاله، لكن تمعر وجه لمّا يرى الشرك، يجالس أهل البدع وأهل الضلال، ويآكلهم ويغازلهم كل هذا يدل على ضياع وعلى أنه مهما أوتي من هذا العلم فإنه في الظاهر أنه علمٌ لا ينفع نسأل الله العافية.

إذا خالف سنة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وخالف شرع الله وتأول في ذلك، فأي علمٍ نافع، لذلك ابن مسعود رضي الله عنه يقول: إنما العلم الخشية، العلم هو الخشية تخشى الله سبحانه وتعالى في تصرفاتك وأفعالك وتعلم بأن الله يراك ومطلعٌ عليك في خلواتك وجلواتك.

هذه مقدمة في حق في شحذ الهمم بأن الإنسان يدعو ربه ويلح عليه سبحانه وتعالى أن يرزقه العلم النافع الذي هو من أفضل وأجل العبادات "وإذا لم يكن عونٌ من الله للفتى فأول ما يجني عليه اجتهاده".

ثم بين أيدينا متنٌ سماه مؤلفه " الورقات " وهي في أصول الفقه، وتعلمون رحمكم الله أن أصول الفقه قد أدخل فيه ما ليس منه، وقد أدخل فيه بعض أو قد أدخل فيه بعض المبتدعة بدعهم، وهذا مشهور عند أهل العلم وطلابه.

ولذلك بما أن الوقت محدود والزمان قصير والتوسع في أصول الفقه ليس بمحمود كما أن التوسع في اللغة كذلك ليس بمحمود قد ذكر ذلك أبو رجب -رحمه الله تعالى-  من السلف الصالح، كما في فضل علم السلف عن علم الخلف.

ذكر أن الإمام أحمد عاب على أبي عبيد توسعه في الغريب فإنك تأخذ من أصول الفقه ما يقيم استدلاله، ومن اللغة ما يقيم لسانك، ومن المصطلح ما تثبت به حُجتك، ثم تتفرغ لعلم التوحيد وعلم الفقه، وهذان العلمان الناس بحاجة إليهما هذا لتصحيح عقيدتهم وهذا لتصحيح عباداتهم ومعاملاتهم ومناكحاتهم.

ولذلك سوف يكون سعينا في هذا المتن من باب بيان مقاصد المسائل التي ذكرها المؤلف -رحمه الله تعالى- ، فما كان من أصول الفقه سوف نتناوله على وجه من التفصيل بما يستحضر به المقال، وأما ما لا يتعلق بأصول الفقه فهذا نشير إليه أنه لا يتعلق بأصول الفقه قد نمر عليه وقد نتجاوزه لأنه لا يتعلق بأصول الفقه.

والمقصود بأصول الفقه، كما ذكر ابن تيمية -رحمه الله تعالى-  أن يفهم مراد الله ومراد رسوله -صلى الله عليه وسلم- بالكتاب والسنة، وعلم أصول الفقه علمٌ لا يتجدد في مسائله، إنما المتجدد فيه هو تنزيل الحوادث والمستجدات على أدلتها وردها إلى قواعدها، على الطريقة الأصولية الصحيحة.

وعلم الأصولي علم قواعد وأسس من ضبطها وعرفها وتدرب على تطبيقها علم منها واجتهد في ذلك حسن استنباطه وقل خطئه وكان على الجادة.

ولذلك أدعو جميع الإخوة وفقنا وإياهم العلم النافع والعمل الصالح، أن يطبقوا ما يتعلمونه في أصول الفقه فيما يقرءوه من كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، فإن ذلك نافع لهم، فمثلًا:

إذا جاء باب الأمر وباب النهي وباب العام وباب الخاص وباب المطلق والمقيد فإنك تستحضر هذه المسائل الأصولية المهمة تستحضرها تقرأ في كتاب الله في الفاتحة فانظر كم عموم في الفاتحة تجد فيها عمومات كثيرة.

 وكذلك في البقرة عمومات كثيرة، سورة الإخلاص فيها أربع عمومات، وفي سورة الفلق وفي سورة الناس، فيها عمومات كثيرة.

وكذلك المطلق والمقيد إذا قرأت في سنة الرسول -صلى الله عليه وسلم- حاول أن تعمل به وأن تستمتع وأنت تقرأ تعمل ذهنك في النصوص في تطبيق هذه القواعد والأسس التي سوف بإذن الله نمر عليها.

بدأ المؤلف -رحمه الله تعالى-  بتعريف أصول الفقه باعتبار مفردين، فذكر أن الأصل ما يبنى عليه غيره، وهذا واضح، والفرع ما يبنى على غيره، ثم ذكر تعريف الفقه، فقال: معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد.

لا نقف عند كل كلمة نحررها نريد نأخذ المسألة المتعلقة لأننا لو نشرح كل كلمة سوف يضيع الوقت ثم ليس المراد من ذلك, سأمر على الكلمات لا حادث لأن نتعمق فيها وأن نشرحها حتى لا يضيع الوقت، فهي موجودة في الكتب مشروحة، سوف نتناول المسائل المهمة وسوف نشير إلى بعض المسائل التي أرى أنها قد تهم المتلقي وعلم الفقه في صميم الفقه.

المؤلف -رحمه الله تعالى- عرف الفقه بأنه معرفة الأحكام الشرعية والتعريف أمره سهل، لم يكن العلماء المحققون ينفون بادئ التعريف بحيث أنهم يأتون بحد جامع مانع، إنما يأتون بما يقربه للمخاطب، فسواء قلت المعرفة و العلم، ولكن بشرط ولكن بشرط أن لا تعتقد أن العلم مقصورٌ على القطعيات فقط، وهذا أمر مهم.

فلو كنا نعلم أن المؤلف -رحمه الله تعالى-  يقصد بتعريف الفقه هو معرفة فقط ويريد إخراج العلم، فنعرف أنه هنا قال موضعًا أو نقطة كلامية.

أما إذا كان لا سوف يقرب الكلام للمتلقي فإن ذلك لا مشاحة فيه، لكن من المعلوم أن حصر العلم كما ذكر ابن تيمية -رحمه الله تعالى-  في الاستقامة، أن حصر العلم في القطعيات اصطلاح المتكلمين، هذا مهم انتبه، حصر العلم في القطعيات هذا اصطلاح المتكلمين، فإنه لا يصح أن تخصص لفظ العلم بالقطعيات.

فإن الفقه فيه أمور مقطوع بها وفيه أمور غير مقطوع بها، والله سبحانه وتعالى جاء في القرآن إطلاق العلم على الظن ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ(6) , هل العلم هنا قطعي؟ العلم هنا ليس قطعيًا، بل هو غلبة ظن، قد نبه على ذلك ابن تيمية -رحمه الله تعالى- كما قلت لكم في الاستقامة.

فالفقه هو معرفة الأحكام الشرعية من أدلتها، من أدلتها التفصيلية أو كما ذكر المؤلف من طريق الاجتهاد أي التي ينظر فيها ويجتهد فيها، نعم.

كل هذه مقدمات ليست من أصول الفقه، يعني إلى أن نوصل إلى تقسيم الكلام هذا ليس من أصول الفقه، وهذا أشار إلى ذلك الشاطبي في الموافقات.


(1) أخرجه النسائي في "عمل اليوم والليلة" (102) وفي «سننه الكبرى» (9850)، وابن ماجه في «سننه»: كتاب إقامة الصلاة، والسنة فيها- باب ما يقال بعد التسليم (925)، وأحمد في «مسنده» (44/ 140).
(2) أخرجه مسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب التعوذ من شر ما عمل ومن شر ما لم يعمل (2722)، من حديث زيد بن أرقم رضي الله عنه.
(3) أخرجه مسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب التعوذ من شر ما عمل ومن شر ما لم يعمل (2722)، من حديث زيد بن أرقم رضي الله عنه.
(4) أخرجه مسلم في كتاب الذكر والدعاء- باب التعوذ بالله من شر ما عمل ومن شر ما لم يعمل (2722).
(5) أخرجه النسائي في «سننه الكبرى» (7818)، وابن ماجه في «سننه»: كتاب الدعاء، باب  ما تعوذ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم (3843).
(6) الممتحنة:10.