موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - من قوله (ومن تثاءب فليكظم ما استطاع) إلى نهاية الرسالة - شرح الجامع للآداب
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح الجامع للآداب لفضيلة الشيخ سعد بن ناصر الشثري
  
 
شرح الجامع للآداب - من قوله (ومن تثاءب فليكظم ما استطاع) إلى نهاية الرسالة

الحمد لله رب العالمين، والصّلاة والسّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، أما بعد

فأسأل الله جلّ وعلا أن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح والنية الخالصة، وأن يجعل أعمالنا وإياكم مرصودة في ميزان حسناتنا يوم القيامة، كما أسأله سبحانه أن يصلح أحوال الأمة وأن يردهم إلى دينه ردًا حميدًا، لعلنا نواصل ما كنا ابتدأنا به من كتاب الجامع في الآداب للعلامة ابن عبد البَرِّ القرطبي المالكي رحمه الله تعالى.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلّى الله وسلّم وبارك على عبد الله ورسوله نبيّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال المؤلف رحمه الله تعالى ووالدينا وشيخنا والحاضرين، وجمعنا بهم في جنات النعيم.

ومن تثاءب فليكظم ما استطاع ويضع يده على فِيْهِ، ويغضُ العاطس من صوته إن أمكنه، ويعلن حمده لله ويسمع من يليه، ويقول له من سمعه: يرحمك الله، ويرد عليه يغفر الله لنا ولك أو لنا ولكم، وإنْ رد عليهم يهديكم الله ويصلح بالكم فحسن أيضًا، وإنما يشمت العاطس في أول عطسة وثانية وثالثة، فإذا جاوز ذلك سقط التشميت عمن سمعه وأما هو فيحمد الله أبدًا عند فراغه من كل عطسة إلا أن تكون متصلة فيحمد في آخرها، وحَسَنٌ أن يعتذر إليه جليسه من التشميت بعد الثالثة فيقول له: إنك مضنوك أو مزكوم، ومن حسن الأدب أن يخفي المتجشي صوته.

ويكره أن يتناجى رجلان دون ثالث معهما، وكذلك يكره أن يتناجى جماعة أكثرَ من ثلاثة دون واحد، وذلك في السفر أو كمدن.

ويكره للمسافرين اتخاذُ الأجراس والأوتار في أعناق الخيل، ولا بأس بالتداوي من كل علة بما يُرجى به برؤها ما لم يكن حرامًا، ولا بأس بالكي وقطع العرق والحجامة، ولا بأس بالرقية من العين وغيرها، وإذا رقى الذميُّ المسلمَ(1) بكلمات الله وأسمائه جاز، ومن عان رجلا توضأ له على ما جاء في غسل العائن وقد أوضحناه في كتاب التمهيد. والحمد لله.

وعيادة المريض سُنَّة مؤكدة وأفضل العيادة أخفها، ولا يطيل العائد الجلوس عند العليل إلا أن يكون صديقا يأنس به ويسرُّه ذلك منه، ومن عاد مريضًا أو زار صحيحًا فليجلس حيث يأمره، فالمرء أعلم بعورة منزله، ومن ملَّكه اللهُ عبدًا فلا يكلفه من العمل فوق طاقته، وعليه نفقته وكسوته بالمعروف لمثله غير مضر به، ولا يضيق عليه وإن كانت له خاصة من مطعمة؛ فلينله منها بما يردُّ شهوتَه، ولا يستخدمه ليلًا إلا عند الضرورة والحاجة إلا من اليسير، والأَمَةُ كالعبد في كل ما ذكرنا.

ولا يُكَلَّفُ العبدُ غير ذي الصنعة الكسبَ؛ فيسرق ولا الأَمَةُ فتفجر، والرفق بالدواب في ركوبها والحمل عليها واجب سُنَّة فإنها عجم لا تشكو، وهي من ملك اليمين وفي كل كبد رطبة آجر هذا قول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وإذا كان في الإحسان إليها أجر فكذلك في الإساءة إليها وزر، وقد شكا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم جملٌ أن صاحبه يجيعه فأمره بالإحسان إليه أو يبيعه، ولا يحمل على الدواب أكثرَ من طاقتها، ولا يضرب وجوهها ولا تتخذ ظهورها كراسي، ولا تقلد الأجراس إلا أن تكون بدار الحرب تهيبًا للعدو، ولا تستعمل ليلًا إلا أن يروح عنها نهارًا، ولا يحل حبس بهيمة مربوطة عن السرج، والتحريش بين البهائم مكروه.

والتحريش بين الآدميين حوب كبير، وأبغض الخلق إلى الله وأبعدهم من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المشّاؤون بالنميمة المفرقون بين الأحبة الملتمسون لأهل البِرِّ العثرات، وقَلَّما ينجو المؤمن من الحسد والطيرة والظن، فمن حسد ولم يبغ لم يضره حسدُه، ومن تطير فليمض لوجهه فإنه لا يضره طيرتُه إلا أن يلتزمها ويعتقد صحتها؛ وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنما الطيرة على من تطيّر»(2)، وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في الطيرة: «إنما ذلك شيء يجده أحدكم في نفسه فلا يصدنكم»(3)، ومن ظنّ ولم يحقق لم يكن عليه بأس في ظنه، وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إذا حسدتم فلا تبغوا، وإذا ظننتم فلا تحققوا، وإذا تطيرتم فامضوا، وعلى الله فتوكلوا»(4).

ومن وعظ فليخفف فإنه إذا أسرف كان بالوعظ أولى من الموعوظ، وستَرْ ُالمؤمن واجب ما استتر بعيبه يوكل إلى ربه، فإن أعلن وعظ وزجر، فإن لم يزجر وأبدى صفحته أقيم عليه ما أمر الله به على وجهه وسنته، وكفى المرءُ جهلا أن ينكر من غيره ما يعرف من نفسه، ومن فتح له باب من الخير فليبادر إليه، وليثبت عليه؛ فإنه لا يدري متى يغلق عليه ولقاء الناس بوجه حسن صدقة، وكرم نفسه ما لم يكن مُلقا؛ فإن المُلق نفاق، ولن يهلك من شاور نصيحًا مسلمًا، ولا عال من اقتصد والقناعة مال لا ينفذ.

وكل آت قريب، والموت لا محالة آت فمن أكْثَرَ ذكرَه وجعله نصبَ عينيه؛ صرفه ذلك عن الرغبة في الدنيا وحمَلَه على التقوى، وكان ما كان لم يكن إذا ذهب، والسعيد من وُعِظَ بغيره، والزهد في الدنيا قِصَرُ الأمل، ولا يصحب المرء إلى قبره ولا ينفعه فيه إلا ما قَدَّمَ من صالح عمله، وصلّى الله على محمد نبيّ الرحمة وخاتم النبوّة وهادي الأمّة وسلّم تسليمًا. والله أعلم.


ذكر المؤلف رحمه الله في آخر هذه الرسالة عددًا من الآداب التي يَحْسُنُ بالمسلم أن يلتزمها وأن يسير عليها خصوصًا طالب العلم، فإن طالب العلم يُقتدى به ويُنظر إلى أفعاله، وقد لا يشعر الإنسان بأثر التزام طالب العلم للآداب مع أنه مؤثر في الناس من جهتين:

الجهة الأولى: أن الناس يقتدون به.

الجهة الثانية: أن طالب العلم إذا سار على أكمل الآداب وأكملها؛ سار الناس على طريقته في بقية حياته، لأنه يأسر نفوسهم بحسن أدبه وخلقه معهم، وكذلك يكون له تأثير في وعظه وفي إصلاحه وفي سعيه لِمَا يعيد إلى الناس دينهم، ولعلنا نستعرض شيئًا من الآداب التي ذكرها المؤلف هنا، فأول ذلك كظم التثاؤب، وقد ورد في الصحيح أن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «من تثاءب فليكظم ما استطاع»(5) وقد ورد في السنن ذكر وضع اليد(6)، فقال طائفة بأن أكمل التثاؤب أن يكظم أعلى درجات الكظم، فإذا تمكن أن يكظم بفمه بحيث لا يفتح شيئًا من فمه، فهذا أكمل درجات التثاؤب، وحينئذ فلا يحتاج أن يضع يده لأنه كظمه بإغلاق فمه، أما إذا لم يستطع فإنه حينئذ يضع يده، ومما يتعلق بهذا آداب العطاس، فأول ذلك استحباب خفض الصوت بالعطسة لئلا يؤثر على من حوله، وكذلك يضع شيئًا أمام فمه لئلا يخرج شيء منه على من حوله من لعاب ونحوه، وقد ورد في الحديث الأمر بخفض الصوت عند العطاس، وأما بالنسبة للحمد فإنه يستحب أن يحمد المسلم بعد عطاسه، وليس ذلك على الوجوب، لأن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم لم ينكر على من ترك الحمد بعد العطاس ولكن لا يشمته ولا يدعو له، قالوا: يستحب أن يسمع العاطس لفظ الحمد لمن يليه لأن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم لمّا سمع عاطسًا شمته ولمّا عطس عنده من لم يحمد الله لم يشمته(7)، مما يدل على أن إسماع الآخرين بالحمد أمر مشروع، وكذلك يستحب أن يحمد العاطس ربه في أثناء الصلاة لأن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أقرَّ العاطس أن يحمد الله، ولكنّ من سمعه من المصلين فإنه لا يشمته ولا يدعو له، لأن الصلاة ليست محلًا لكلام الآدميين وإنما هي لمناجاة رب العزة والجلال، من سمع العاطس وسمعه يحمد الله فإنه يدعو له بالرحمة فيقول له: يرحمك الله، ولا يزيد على هذا اللفظ، كما أنّ العاطس لا يزيد على لفظ الحمد، والعاطس إذا سمع من يشمته فإنه يشرع له أن يدعو له، قد نقل عن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم لفظان، اللفظ الأول الدعاء بالمغفرة، فيقول: يغفر الله لك، أو لنا ولكم(8)، واللفظ الثاني أن يقول: يهديكم الله ويصلح بالكم(9)، وكلاهما وارد عن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وأما إذا كان العاطس من غير المسلمين فإنه لا يدعى له بالرحمة وإنما يدعى له بالهداية، قد كان اليهود يتعاطسون عند النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ليدعو لهم بالرحمة وكان يدعو لهم بالهداية(10)، يشمت العاطس إذا عطس فحمد الله في المرة الأولى وفي المرة الثانية وفي المرة الثالثة، فإذا جاوز ذلك فإن من سمعه لا يجب عليه التشميت والدعاء بالرحمة، لكنْ بالنسبة للعاطس يحمد الله ويستمر في حمد الله ولو أكثر عطاسه، إذا تواصل العطاس؛ عطس أكثر من مرة ولم يحمد الله بينها؛ فإنها تُعتبر بمثابة العطسة الواحدة، وإذا عطس بعد الثالثة فحمد الله فإنه لا يشرع لمن حوله أن يشمته ولكن يحسُن أن يبين له السبب الذي من أجله لم يشمته فيقول: إنك مضنوك أو مزكوم كما ورد عن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم(11).

أما الجشاء وهو الصوت الذي يخرج من البطن إلى الفم بسبب الطعام فيحسن أيضا إخفاؤه وعدم إظهاره، وإذا كان الإنسان في الصلاة لا بأس أن يرفع وجهه مغمضًا عينيه لئلا يؤذ غيره برائحة الجشاء.

ومن الآداب التي وردت به الشريعة أنه إذا كان هناك ثلاثة فلا يسر اثنان حديثًا فيما بينهما لا يسمعه الثالث لأن ذلك يكون مما يحزنه، وهكذا لو كان هناك ثلاثة فإنهم لا يتناجون دون الرابع، ولو كان هناك خمسة لا يتناجون دون السادس، لكن لو كان هناك مجموعة لم يدخلوا معهم في النجوى فلا حرج عليهم في ذلك، المراد بالنجوى الحديث السري.

قالوا: وفي السفر أوكد، أي أن النهي عن مناجاة اثنين دون الثالث يتأكد في السفر، لأن الناس تذهب بهم الظنون خصوصًا في أسفارهم فيظن أنهم يتآمرون عليه.

ثم ذكر شيئًا من أحكام السفر، قال: ويكره للمسافرين اتخاذ الأجراس لتسمع أصواتها، كانوا في الزمان السابق يضعون على دوابهم أجراس لتسمع أصواتها، وورد في الحديث النهي عنه(12)، وهكذا كانوا يضعون فيه الأوتار، والأوتار طرف القسي التي يُرمى بها السهم، وكان يصنع من جلد ونحوه، وكانوا في الزمان الأول يأخذونه فيعلقونه على البهائم يظنون أنه يمنع وصول العين إلى البهيمة، وهكذا اعتقاد جاهلي، وقد نهى عنه النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم(13).

وأما بالنسبة للتداوي فالمراد به استعمال الأدوية عند وجود العلة والمرض، وقد اختلف العلماء في حكم التداوي، فقال طائفة: هو مباح كما هو مذهب أحمد ومالك؛ قالوا: لأن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم امتنع عن الدواء، في مَرَّة عرض عليه أصحابه الدواء فامتنع منه فألزموه به، فأمر أن يلد من حضر المجلس بذلك الدواء، وذهب طائفة إلى استحباب التداوي، وقال آخرون بوجوبه، لعل القول بالاستحباب أولى لقول النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم «يا أيها الناس تداووا، لأنه ما أُنزل من داء إلا وأنزل له دواء؛ علمه من علمه وجهله من جهله»(14)، ولأن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أرشد أصحابه للتداوي، قال: إلا أن يكون حرامًا لأن الحرام لا يجوز التداوي به، وقد ورد حديث ابن مسعود أن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها»(15)، ولمَّا نهى عن الخمر قالوا: إن هناك خمرًا لأيتام، قالوا: إنها تتخذ للعلاج، قال: ليس فيها دواء، هي داء وليست بدواء.

ومن أنواع العلاج الكي، والمراد به وضع حديدة حارة على جزء من البدن تؤثر على ظاهر البدن، على الجلد، والكي نوع من أنواع العلاج يستعمله العرب ولهم فيه أصول ولهم فيه طرائق، ومن لم يأت بالكي على طريقته وعلى أصوله لا يجد له تأثيرًا، والكيّ نوع من أنواع العلاج، وقد قال النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «الشفاء في ثلاث، شرطة محجم، وكية من نار، وشربة من عسل» وكية النار، ثم قال: «وأنهى عن الكي»(16)، وفي لفظ «الكيُّ آخر العلاج»(17)، وأما قطع العروق فقد كانوا يستعملون في الزمان الماضي، فإذا كان هناك انتفاخ أو ورم في شيء من البدن قطعوا العرق وبالتالي خرج الدم ولم يتمكن الدم الفاسد من الوصول إلى مواطنه.

وهكذا لا بأس بالحجامة، والمراد بالحجامة سحب الدم من الرأس بواسطة شفطه بإناء يفرغ من الهواء، ومثل الحجامة الفصد وتكون في سائر البدن، وثبت أن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم احتجم(18).

قال: ولا بأس بالرقية من العين، والمراد بالرقية قراءة الأوراد والأذكار والآيات القرآنية على المريض فيكون ذلك من أسباب شفائه بإذن الله عزّ وجلّ، والأصل في الرقى الإباحة، وقد قال النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «اعرضوا عليَّ رقاكم، لا بأس بالرقية ما لم تكن شركًا»(19).

قال: وإذا رقى الذميَّ المسلمُ، أي أن الراقي هو المسلم والمرقي هو الذميّ بكلمات الله وأسمائه جاز ذلك، قد ورد في حديث أبي سعيد أن أحد أصحابه رقى سيد الحي وكان من الكفار بسبب لدغة من عقرب فشفاه الله عزّ وجلّ، وكان قد قرأ عليه بسورة الفاتحة(20).

قال: ومن عَانَ رجلًا، المراد بذلك العين، والعين من الأمور الخفية التي لها تأثير على أحوال الناس، والناس يشاهدونه ويعلمونه ويشاهدون آثاره، ومن عان رجلًا فإنه يشرع له أن يتوضأ له على ما جاء في غسل العائن، ثم بعد ذلك يتوضأ به من أُعين، وقد أوضح المؤلف ذلك في كتاب التمهيد، وهو كتاب عظيم نافع شرح فيه كتاب الموطأ ورتب الآثار فيه بحسب أسانيد الرواة، واشتمل على علم عظيم.

ومن الأمور المؤكدة عيادة المرض، وقد ورد في الحديث أن من زار مريضًا لم يزل في خرفة الجنة حتى يرجع، قال النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: يقول الله عزّ وجلّ للعبد – يعني يوم القيامة -: «مرضت فلم تعدني؟ قال: كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلان مرض فلم تعدْه، أما إنك لو عندته لوجدت ذلك عندي»(21).

قال: وأفضل العيادة، يعني أحسن أنواع زيارة المريض أخفها، لأنك بذلك تكون أدخلت السرور على نفسه ولم تشق به، ولا يطيل العائدُ الجلوسَ عند العليل – يعني المريض - لأنه قد يشق عليه، قد يحتاج إلى بعض الأشياء التي يستحي أن يفعلها عند الزائرين، سواء من إخراج الريح أو من إخراج البلغم أو من الحركة أو نحو ذلك أو كشف شيء من بدنه وعورته، شيء من حوائجه، والمريض لا يصبر على بوله وغائطه كالسليم، قال: إلا أن يكون الزائر صديقًا للمريض يأنس به ويسره بقاء العائد والزائر عنده، فحينئذ يستحب له الجلوس لأنه بذلك يكون قد أسرَّ المريض من جهة، ولأن المريض لا يتحرج منه في أموره.

ومن عاد مريضًا أو زار صحيحًا، فيه زيارة الإخوان، وقد ورد في الشريعة الترغيب في هذا وترتيب الأجور عليه، وقد قال النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «إن رجلا زار أخًا له في قرية أخرى، فأعد الله ملكًا في مدرجته قال - يسأله -: ما الذي دعاك لزيارته؟ ألشيء من أمور الدنيا أو لنعمة تربُّها عليه؟ قال: إنما زرتُه لله، فقال: أنا رسول الله إليك بأن الله يحبك كما أحببته»(22)، وقد ورد في الحديث أن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: يقول الله عزّ وجلّ: «وجبت محبتي للمتحابين فِيَّ وللمتجالسين فِيَّ والمتزاورين فِيَّ والمتباذلين فيَّ»(23)، وإذا زار الإنسان بيت غيره فلا يجلس إلا حيث أجلسه صاحب المنزل، لأن ذلك المنزل ملك له، فلا يتصرف الزائر بملك غيره إلا بإذن المالك، ولأن صاحب المنزل يعرف من بيته ما يكون سببًا لاطلاع الزائر أو الجالس لشيء من خفايا البيوت، فقد يكون جلوسه أمام الباب يترتب عليه الاطلاع على من وراء الباب عند انكشافه، وقد يكون هناك نافذة لا يريد صاحب المنزل أن يجلس الزائر عندها، وقد يكون في البيت نقص أو شيء من حقوق الحوائط فيريد صاحب المنزل أن يبعد الضيف عن ذلك.

ثم ذكر المؤلف شيئًا من أحكام المماليك، كان في الزمان الأول يوجد مماليك يؤخذون في الغالب في الحروب ويجعلون مماليك يخدمون أسيادهم ويُباعون ويُشترون، وقد قال النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يطعم وليلبسه مما يلبس، ولا يكلفه من العمل ما لا يطيق، فليعنه»(24)، ويجب على السيد أن ينفق على مملوكه في مأكله ومشربه وملبسه وما يحتاج إليه بحسب ما يتعارف عليه الناس في باب النفقات، ولا يُضِرُّ ذلك بالسيد، ولا يُضِرُّ السيد بالمملوك ولا يضيق عليه.

كذلك يجب على الإنسان أن ينفق على زوجته وعلى أولاده وعلى قرابته، قال تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ثم قال: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ(25)، وإذا كان المملوك يشتهي طعامًا وكان الطعام بين يدي السيد؛ فإن السيد يطعمه من ذلك الطعام، وأصل الاستخدام للمملوك يكون في النهار، فلا يستخدمه في الليل لأن الليل وقت الراحة، ووقت النوم، ومِنْ ثَمَّ لا يستعمله إلا لضرورة، ولا يستعمله حتى في الحوائج إلا في الحوائج اليسيرة، وهكذا الأَمَة يجب على السيد أن يقوم بنفقاتها وكسوتها وأن لا يضيق عليها وأن لا يكلفها من العمل ما لا تطيق، وكذلك إذا كان عند السيد مملوك لا يحسن أن يصنع؛ لا يكلفه بأن يأتي بخراج يومه، هو عاجز عن مثل ذلك الخراج، فيترتب عليه أنه يمكن أن يسرق من الآخرين، وهكذا لا يكلف الأمة أن تأتي له بمال تعجز عنه وبالتالي يمكن أن يحدث منها مخالف للشرع لاكتساب المال.

ومما جاءت به الشريعة الأمر بالرفق بالدّواب بحيث لا يُلحق بها ضررًا سواء ذلك في الركوب؛ فلا يحمل عليها الحمل الكثير الذي يشق عليها، وكذلك يجب عليه أن ينفق عليها وأن لا يشق بها؛ فإنها عجم أي لا تتكلم ولا تشكو فحينئذ يجب الإحسان إليها، واستدل المؤلف على ذلك بدليلين:

الدليل الأول: حديث قول النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم «في كل كبد رطبة أجر»(26) وهذا يشمل جميع أنواع الإحسان إلى هذه البهائم.

والدليل الثاني: ما ورد أن جملًا شكا إلى النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أن صاحبه يجيعه ويتعبه، أي يجعله يعمل ليلًا ونهارًا فأمره النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أن يحسن إليه أو أن يبيعه(27).

وإذا كان الإحسان إلى الدواب فيه أجر؛ فإن الإساءة إليها فيه وزر، ولا يحمل على الدابة حملًا أكثر من طاقتها، لأن ذلك يضر بها ويؤلمها، وكذلك ورد في الأحاديث النهي عن ضرب الدواب في وجوهها وفي مواطن الخطورة منها(28)، وقد ورد أيضًا النهي عن اتخاذ ظهورها كراسي(29)، تجد بعض الناس يجلس على الجمل أو الحصان كأنه قد جلس في مجلسه؛ فتجده يطيل الوقت في الحديث مع أصحابه، إذا أراد أن يجالسهم فلينزل عن دابته وليجلس على الأرض ويرح دابته، وهكذا لا تقلد الأجراس إلا أن تكون الدابة بأرض الحرب وكان العدو يتهيب من مثل هذه الأجراس، قد ورد خلاف في استعمال الأجراس في هذه الحال، قال: ولا تستعمل الدّواب في الليل إلا أن تكون تلك الدواب ترتاح في النهار فحينئذ لا بأس أن يستعملها في الليل، قال: ولا يحل حبس بهيمة مربوطة، وذلك لأن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «دخلت امرأة النار في هرة حبستها، لا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض»(30) فهكذا بقية البهائم، وهكذا أيضًا لا يوضع عليها السرج بكل وقت، وقد نهي عن التحريش بين البهائم بحيث يحصل عراك بين هذه البهائم، وكذلك أيضًا التحريش بين الآدميين، وقد ورد أن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «إن الشيطان يأس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن في التحريش بينهم»(31).

ثم ذكر المؤلف مسألة النميمة، المراد بالنميمة نقل الكلام على جهة الإفساد بأن يقول: فلان سبّك وقال إنك كذا وكذا، وقد ورد في الحديث أن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بيَّن أن شرَّ الناس ذو الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه(32)، فقال صلّى الله عليه وسلّم: «لا يدخل الجنة قتّات»(33)، ولهم أثر عظيم بمخالفة المقاصد الشرعية، الشريعة قد جاءت بالترغيب في تآلف الناس وتوادّهم وتحابهم وتعاونهم على البِرِّ والتقوى، وهؤلاء من صفتهم أنهم يبحثون عن العثرات، كلما وجدوا عثرة بثُّوها وتكلموا بها وشوهوا سمعة صاحبها، وليس عندهم توبة، وليس عندهم ستر لمعايب الآخرين.

ومن الأمور المذمومة أيضًا الحسد، والحسد يطلق على ثلاثة معان:

أولها: تمني زوال نعمة الغير، هذا من أشدها سوءًا.

الثاني: تمني الحصول على نعمة الغير بحيث يفقدها الغير وتكون لذلك الحاسد، هذا أيضًا نوع مذموم.

وهناك نوع محمود: أن يتمنى مثل نعمة الغير مع بقاء الغير على نعمته، فهذا النوع إن كان فيما يحْسُن فيه التنافس مثل العلم والوسائل التي يُتقرب بها إلى الله من المال أو نحوه فإنه يكون محمودًا وإلا كان مباحًا.

ومن الأمور التي ورد الشرع بالنهي عنها الطيرة، والمراد بالطيرة التشاؤم بحيث إذا رأينا شيئًا من الحوادث ربطنا به وقائع غير محمودة وظننا أنها تجلبه، كما يتشاءم بعضهم بالأرقام، يتشاءم بعضهم بشيء من الشهور، يتشاءم بعضهم برؤية ذوي العاهات والمرضى.

ومما نهت عنه الشرعة الظن، يعني الظن السَّيّء، والظن السَّيّء على نوعين، أن نظن ظنًا سيئًا بالله عزّ وجلّ، وذلك أن الله تعالى قد أخبر بأنه يؤيد المؤمنين وينصر المتقين؛ فنظن أن الله غير صادق في ذلك! فهذا من أشنع أنواع الظن السَّيّء، ومثله أن نظن عدم صدق الله في تعذيب الكافرين والمنافقين يوم القيامة، فهذا أيضًا من الظن السَّيّء.

ومن أنواع الظن السَّيّء أن يظن المسلم بإخوانه سوءًا بدون وجود مبرر لذلك، ولا ترابط بين الظن السَّيّء وبين الحذر وأخذ الحيطة في التصرفات والحزم فيها، فإن هذا الثاني محمود بخلاف الظن السَّيّء.

قال: فمن حسد؛ أي كان في قلبه الحسد لكنه لم يبغ ولم يتكلم ولم يتمن تمنيًا حقيقيًا فحينئذ هذا لا يضره حسدُه.

قال: ومن تطير؛ أي من وجد في قلبه ظن وجود الشر والسّوء بسبب أمر لا علاقة له به؛ فليمض لوجهه وليستمر في عمله ولا يتوقف بسبب الطيرة، فإنه حينئذ لا تضره الطيرة إلا إذا أدى عملًا بسبب طيرته، كما لو ترك سفرًا أو غيَّر مسارًا أو عمل عملًا آخر فحينئذ تضره الطيرة، قد ورد في الخبر «إنما الطيرة على من تطير»(34)، وقد سُئِل النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم عن الطيرة فقال: «إنّما ذلك شيء يجده أحدكم في نفسه فلا يصدنّكم»(35)، وهكذا أيضًا لو وجد في نفس الإنسان ظن سوء بإخوانه لكنه لم يُحقق ذلك ولم يعادهم بسبب هذا الظن المجرد؛ فإن هذا لا يؤثر عليه.

ذكر المؤلف شيئًا من أحكام الوعظ، والوعظ من الأمور المُرغب فيها شرعًا التي يثاب الإنسان عليها، هذا من النصيحة لعامة المسلمين، ويدخل في قوله تعالى ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ(36)، وفي قوله جلّ وعلا ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ(37) الآية، ولكن ينبغي بالإنسان عند الوعظ أن يختار من الألفاظ ما يتناسب مع السامع له، ويختار من الأوقات ما يتناسب معهم، ولذا قال: من وعظ فليخفف، لأن التطويل في الوعظ قد يوجد الملل في النفوس، وقد كان ابن مسعود يعظ في كل خميس، فخوطب في ذلك وطلب منه أن يجعل موعظته كل يوم، فقال: إنما نتخولُّكم بالموعظة كما كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يفعل(38).

ومن الأمور الواجبة أيضًا ستر معائب الآخرين سواء كان ذلك في دينهم عندما يفعلون شيئًا من المعاصي، أو يعتقدون شيئًا من العقائد الفاسدة التي لا يظهرونها ولا يدعون إليها؛ فالواجب سترهم ونصيحتهم، وقد قال النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «من ستر مسلمًا ستره الله»(39)، وحينئذ يُوكل إلى الله عزّ وجلّ، فإن أعلن فإنه يوعظ ويزجر ويبين له مخالفتُه للشرع فإنِ انزجر واستجاب للوعظ فبها ونعمت؛ وإلا فإن صاحب الولاية يقيم عليه ما يناسبه من العقوبة سواء كانت حديّة أو كانت تعزيرية.

وكفى بالمرء جهلًا أن ينكر من غيره ما يعرف من نفسه، ينبغي بالمؤمنين أن ينصح بعضهم بعضًا حتى ولو كان الإنسان فيه خصلة من الخصال؛ فلا يمتنع عن الوعظ والتذكير بسبب تقصير نفسه، لأنه ما من أحد من الخلق إلا وعنده تقصير، وكونك قصرت بفعل ذلك الأمر المخالف للشرع ليس معناه أن تقصر مرة أخرى بترك الموعظة والنصيحة.

وأشار المؤلف هنا إلى فائدة متعلقة باقتناص سبل الخيرات، فإذا فتح لك باب خير فبادر إليه سواء كان في نفقة أو في موعظة أو في صلاة ليل أو في قراءة قرآن أو نحو ذلك؛ فليبادر إليها أي يسرع قبل أن يقطع الشيطان عليه الطريق، وليثبت على ذلك الباب من الخير، فإن العبد قد يستمر على باب الخير وعلى فعل الخير مدة ثم يمنع من ذلك، قد يكون عندك مال فتستطيع النفقة، تنفق على اليتيم والمسكين وذوي القرى، لكن يمكن في الزمان الآتي يذهب مالك ولا تتمكن حينئذ من النفقة فيكون من أسباب استمرار أجر النفقة لأن من كان يعمل شيئًا من الطاعات وفي نيته الاستمرار عليها فقطع عن ذلك لسبب خارج عن قدرته وإرادته؛ فإن أجره يستمر، ولذا قال النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «إذا مرض العبد أو سافر كُتب له ما كان يؤديه صحيحًا مقيمًا»(40).

ومن الأمور التي يُؤجر الإنسان عليها أن يلاقي الناس باللقاء الطيب، وقد قال النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «تبسمك في وجه أخيك صدقة»(41)، قال جرير: ما لقيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلا تبسم في وجهي(42)، وليس معنى هذا أن يكون الإنسان متبسمًا في جميع أوقاته خصوصًا في المواطن التي لا يصلح التبسم فيها كمجلس الفتوى وكحال الدرس وكحال سماع شهادة الشهود وحال تعزية المصاب؛ فهذه لا يحسن بالإنسان أن يتبسم فيها.

ولقاء الناس بوجه حسن صدقة وكرم نفس ما لم يكن تملّقًا، التملّق التزلف للآخرين بما ليس الإنسان متصفًا به، ومن ذلك الكذب بحيث يصف المقابل له بأمور مخالفة للواقع؛ فإن هذا من النفاق.

ثم رغب المؤلف في المشاورة بحيث يشاور الإنسان كل من له علاقة بالأمر الذي يريد أن يقدم عليه فيسألهم ما هو الأفضل في هذا الأمر وكيف أسير عليه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ(43)، وينبغي أن يختار المشاور بأن يكون ممن له معرفة وعلاقة بهذا علاقة بهذا الأمر، وبأن يكون صادقًا ناصحًا وبأن يكون مسلمًا.

كذلك ينبغي بالإنسان أن لا يسرف بالنفقة فـ ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ(44)، ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ(45) ومن اقتصد في نفقته بحيث يسدد حوائجه بأقل كَلَفَة ونفقة فحينئذ لن يحتاج بعد ذلك بإذن الله عزّ وجلّ.

قال: والقناعة أي رضا الإنسان بما رزقه الله - ولو كان قليلًا - مال لا ينفد أي لا ينتهي، وليس بالذال، النفاذ الدخول في الشيء، ولكن النفاد يعني الانتهاء من الشيء وخلوصه.

قال: وكل آت قريب، أي ما يُقَدَّرْ لك فسيأتيك لا محالة، وبالتالي ترضى وتقنع بما قدّره الله عزّ وجلّ وتبذل الأسباب في تحصيل مصالح الدنيا والآخرة، ومما هو آت الموت، وحينئذ ينبغي بنا أن نستعد له وأن نستعد للدار التي تكون بعده، قال تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ(46) وينبغي بنا أن نجعل الموت وما بعد الموت نصب أعيننا، وبالتالي نستعمل الأمور على ما ينفعنا في تلك الدار.

قال: فمن أكثر ذكر الموت وجعله نصب عينيه صرفه ذلك عن الرغبة في الدنيا، ليس المراد بهذا أن يترك الإنسان التكسب، فإن التكسب قد رغب فيه النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقال: «لأن يحتطب أحدكم فيأتي بحطب فيبيعه؛ خير له من أن يسأل الناس - أعطوه شيئًا أو منعوه»(47)، وكان أنبياء الله يكتسبون، وذكر الله عزّ وجلّ وذكر نبيّه صلّى الله عليه وسلّم شيئًا من أحوال هؤلاء الأنبياء، وهكذا كان أئمة الأمة من الصحابة فمن بعدهم يكتسبون، وكان النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يرغبهم في مثل ذلك، ولكن لا تكن الدنيا هي المالك لقلبه، وإنما تعلم أن هذه الدنيا وسيلة للآخرة، فتجعلْ أموالَ الدنيا بمثابة الحمام الذي تُقضى فيه الحاجة، إنما هو لقضاء حاجتك وليس مرادًا لنفسه وإنما أن تتمكن به من إرضاء الله بنفقته.

وإذا جعلت الموت بين عينيك وتذكرت الآخرة حملك ذلك على التقوى، لأنك ستقدم على ما ينفعك في الآخرة وتحجم عن ما يضرك في الآخرة وكأن ما كان لم يكن إذا ذهب، يعني إذا كان عندك استحضار للآخرة وللموت فإن ما تفقده من أمور الدنيا لا يؤثر على نفسك لأنك عندك يقين أنك عما قريب ستترك الدنيا بلذاتها وشهواتها ومنافعها وأموالها وخيراتها، وبالتالي إذا فقدت شيئًا من أمور الدنيا آمنت بقضاء الله وقدره وعلمت أن ما صرفه الله عنك من الشر أعظم من ذلك.

والسعيد من وعظ بغيره، فإن المصابين كثير حولك أصيبوا في دينهم وأصيبوا في أعراضهم وأصيبوا في أموالهم وأصيبوا في أبدانهم، والسعيد من تفكَّر في أحوال الآخرين ونظر وعرف أنهم لمّا تركوا معصية الله كان ذلك من أسباب ورود الخيرات لهم ومن أسباب هناءة نفوسهم ومن أسباب سعادتهم دنيا وآخرة، وأن من أقدم على المعاصي كان ذلك من أسباب سوء حاله في الدنيا والآخرة.

والزهد في الدنيا: المراد بالزهد أن لا تقدم على ما يضرك في الآخرة، هذا هو الزهد في الدنيا، أن تترك ما يضرك في الآخرة، وليس المراد بالزهد أن تترك الدنيا، فإنّ بعض أنبياء الله قد آتاهم الله من الدنيا الشيء الكثير، فسليمان مع عظم ملكه وداود مع عظم ملكه كانوا من الزاهدين لأنهم لم يستعملوا هذه الدنيا فيما يضرهم في الآخرة.

إذًا الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة، ولذا قال المؤلف: الزهد في الدنيا قصر الأمل، بحيث لا يبن الإنسان الآمال الطويلة بحيث تصرفه عن الآخرة، ولا يصحب المرءَ إلى قبره، أي لا يكون معك صاحبًا في أثناء وجودك في القبر ولا ينفعك فيه إلا عملك الصالح الذي عملته أثناء حياتك، أما مالك فإنه لا يدخل معك في القبر إلا إذا أنفقته في سبيل الخيرات، وأهلك لا يدخلون معك في القبر، وأولادك لا تنتفع بهم إلا إذا أحسنت في العمل في تربيتهم، وبالتالي تنتفع بتلك التربية، وقد قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ(48)، أي أن من أتى الله بقلب سليم؛ فإنه ينتفع يوم القيامة بماله وولده لأنه قد استعملهما في طاعة الله، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ(49).

ثم ختم المؤلف رسالته بالصّلاة على نبيّه محمد صلّى الله عليه وسلّم، وقد أمرنا اللهُ عزّ وجلّ بالصّلاة عليه، فقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبيّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا(50)، وقد قال النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «من صلّى عليَّ صلاة؛ صلّى الله به عليه عشرًا»(51)، وقد ورد في الحديث أن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «إن جبريل أتاني آنفًا فقال: قل آمين، فقلت: آمين، فقال: رغم أنف امرئ ذُكِرْتَ عنده؛ فلم يصل عليك»(52)، اللّهم صلّ وسلّم عليه، وفضيلة الصّلاة على النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قد وردت فيه أحاديث وأخبار، وقد اختلف أهل العلم في حكم الصّلاة عليه، فقال طائفة: هو واجب كل ما ذكر، وقال آخرون يجب في العمر مرة، وقال آخرون: يجب في التشهد الآخر.

ومن صفاته صلّى الله عليه وسلّم أنه نبي الرحمة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ(53)، وهو رحمة للمسلمين، وهو رحمة للكافرين، وهو خاتم النبوّة، وقد ختم الله به الأنبياء به صلّى الله عليه وسلّم، كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبيّينَ(54)، وهو هاد الأمة يهديها إلى رضا الله كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(55)، والمراد هنا هداية الدلالة والإرشاد وليست هداية التوفيق، والمراد بالصّلاة على النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أن تطلب من الله أن يذكره بالخير، وقال طائفة بأن المراد بالصّلاة على النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم الدعاء له، ولكن الأظهر هو أنّ المراد بالصّلاة عليه هو الثناء لأن هذا هو معنى لفظ الصلاة في اللغة من جهة إذا كان معها حرف «على»، وصلّى على فلان بمعنى أثنى على، بخلاف ما لو قلت: صلى لفلان بمعنى دعا له، وسلّم تسليمًا؛ أي نطلب من الله عزّ وجلّ أن يُسَلِّمَ هذا النَّبيّ في نفسه وفي مآله وما يصير إليه يوم القيامة وفي عرضه وسمعته وفي أتْبَاعِهِ.

هذا والله أعلم، وصلّى الله على نبيّنا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه وسلّم تسليما كثيرًا إلى يوم الدين، وفقكم الله لخيري الدنيا والآخرة، وأسعدكم الله، وملأ الله قلوبكم من السرور والتقوى والإيمان، وصلّى الله على نبيّنا محمد.


(1) هكذا قرأها الطالب مشكولة، وسيأتي في الشرح ضبط الشيخ كما يلي: (قال: وإذا رقى الذميَّ المسلمُ).
(2) حسن. ابن حبان (6123). التعليقات الحِسَان (6090).
(3) رواه مسلم في صحيحه (537).
(4) صحيح. الكامل لابن عدي (509/5). الصحيحة (3942).
(5) رواه مسلم في صحيحه (2995).
(6) رواه مسلم في صحيحه (2995).
(7) رواه البخاري في صحيحه (6221).
(8) صحيح. مستدرك الحاكم (7694). صحيح الجامع (686).
(9) رواه البخاري في صحيحه (6224).
(10) صحيح. رواه الترمذي (2739). الإرواء (1277).
(11) رواه مالك في الموطأ (269/2)، وقال محققه (الشيخ عبد القادر الأرنؤوطبشير عيون): (وهو مرسل جيد، وله شواهد بمعناه يقوى بها).
(12) صحيح. رواه أبو داود (2554). صحيح الجامع (7337).
(13) صحيح. رواه أحمد في المسند (17000). صحيح الجامع (7910).
(14) صحيح. رواه أحمد في المسند (18456). الصحيحة (451).
(15) صحيح موقوف. الطبراني في الكبير (345/ 9) عن ابن مسعود موقوفًا عليه بلفظ (إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم)، وعلقه رواه البخاري في صحيحه (110/ 7) مجزومًا به وصححه الحافظ ابن حجر رحمه الله في الفتح. مختصرًا من الصحيحة (1633).
(16) رواه البخاري في صحيحه (5680).
(17) ليس بحديث، قال الحافظ السخاوي في المقاصد الحسنة (ص 39): (حديث: آخر الدواء الكي، كلام معناه أنه بعد انقطاع طرق الشفاء يعالج به).
(18) رواه البخاري في صحيحه (5691).
(19) رواه مسلم في صحيحه (2200).
(20) رواه البخاري في صحيحه (5736).
(21) رواه مسلم في صحيحه (2569).
(22) رواه مسلم في صحيحه (2567).
(23) صحيح. رواه أحمد في المسند (22030). صحيح الجامع (4331).
(24) رواه البخاري في صحيحه (30).
(25) البقرة:233.
(26) رواه البخاري في صحيحه (2363).
(27) صحيح. رواه أبو داود (2549). الصحيحة (20).
(28) رواه مسلم في صحيحه (2116).
(29) صحيح. رواه أحمد في المسند (15629). صحيح الجامع (905).
(30) رواه البخاري في صحيحه (3482).
(31) رواه مسلم في صحيحه (2812).
(32) رواه البخاري في صحيحه (7179).
(33) رواه البخاري في صحيحه (6056).
(34) حسن. ابن حبان (6123). التعليقات الحِسَان (6090).
(35) رواه مسلم في صحيحه (537).
(36) النحل:125.
(37) آل عمران:104.
(38) رواه البخاري في صحيحه (68).
(39) رواه مسلم في صحيحه (2699).
(40) رواه البخاري في صحيحه (2996).
(41) صحيح. رواه الترمذي (1957). صحيح الجامع (2903).
(42) رواه البخاري في صحيحه (3035).
(43) آل عمران:159.
(44) الإسراء: 27.
(45) الأعراف:31.
(46) الزمر:30.
(47) رواه البخاري في صحيحه (1471).
(48) الشعراء:88، 89.
(49) سبأ:37.
(50) الأحزاب:56.
(51) رواه مسلم في صحيحه (384).
(52) صحيح. الطبراني في الأوسط (8994). صحيح الجامع (75).
(53) الأنبياء:107.
(54) الأحزاب:40.
(55) الشورى:52.