موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - مباحث تتعلق بالاستئذان وبالعورات - شرح الجامع للآداب
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح الجامع للآداب لفضيلة الشيخ سعد بن ناصر الشثري
  
 
شرح الجامع للآداب - مباحث تتعلق بالاستئذان وبالعورات

الحمد لله رب العالمين، والصّلاة السّلام على أفضل الأنبياء والمرسلين، أما بعد

أسأل الله جلّ وعلا أن يوفقنا وإياكم لخيري الدنيا والآخرة، وأن يجعلنا وإياكم من أهل البِرِّ والتقوى، رزقنا الله وإياكم الآداب الصالحة والأخلاق الفاضلة والألفاظ الطيبة.

نواصل ما كنا ابتدأنا به من قراءة كتاب الجامع للآداب للشيخ العلامة ابن عبد البَرِّ القرطبي رحمه الله تعالى.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلّى الله وسلّم وبارك على عبد الله ورسوله نبيّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال المؤلف رحمه الله تعالى -وشيخنا والحاضرين-: ومن جامع آداب العلم إفشاء السلام على من لقيت أو دخلت إليه أو مررت به، ولا ينبغي لأحد أن يدخل منزله حتى يُسَلِّمَ على أهله ومَنْ فيه، فإن لم يكن فيه أحد قال: السّلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، ويسلم الراكب على الماشي والقائم على القاعد والقليل على الكثير، وإن سَلَّم رجلٌ من القوم أجزأهم، ولا يبدأ أحدًا من أهل الذمّة بالسّلام، ولا يُقصدون بتهنئة ولا تعزية، وإن سلّموا رَدَّ عليهم: وعليك، وينتهي في السلام إلى البركة، ولا بأس أن تسلم المرأة المتجالّة على الرجال، ويسلموا عليها، ولا يُسلِّم على الشابة ولا تُسلِّم عليه.

ويستأذن الرجل على أمه وذوات محارمه إذا أراد الدخول عليهن، وينبغي للرجل الاستئذان على كل أحد إلا على زوجته وأَمَتِهِ وكل من لا يصلح أن يراه عريانًا؛ فالاستئذان عليه من امرأة ورجل، والاستئذان ثلاثة تقول في كل مرة: السّلام عليكم أأدخل؟ فإن أذن لك وإلا فارجع، ولا تزد إلّا أن تعلم أنك لا يُسمعُ استئذانُك فلا بأس أن تزيد على الثلاث، وقرع الباب اليوم يقوم مقام الاستئذان فيما مضى إذا خرج الإذن، وليس لمن قرع ثلاثًا أن يدخل ولا أن ينصرف حتى يعلم أنه قد سُمِعَ وعُلِمَ به، ومن دخل حانوتًا أو بيتًا فيه متاع له فليس عليه جناح في ترك الاستئذان، وحَسَنٌ أن يقول: بسم الله، السّلام علينا وعلى صالحي عباد الله.

ولا يحل لمسلم أن ينظر إلى عورة أحد إلّا من ضرورة، وكذلك لا يحل له أن يظهر على عورته أحدًا إلّا زوجته وأمَتِه عند الحاجة إلى ذلك، ولا ينبغي أن يترك أحدٌ لِبْسَ السراويل إلا من لا يقدر عليها إلا أن يكون مُحْرِمًا فيكفيه مئزره، ولا يحتبي الرجل في ثوب واحد ليس على فرجه منه شيء، ولا يخلو الرجل بامرأة ليست منه بمحرم، ولا تسافر المرأة إلا مع زوج أو مع ذي محرم منها إلّا سفرها إلى الحج خاصة؛ فإنها إذا لم يكن لها ذو محرم من الرجال خرجت مع جماعة النساء، ولا ينتصب الرجل عريانًا لا ليلًا ولا نهارًا، وإذا اغتسل فليتضام ما استطاع؛ فإن اللهَ أحقُ أن يستحيا منه، ولا يجوز لأحد دخول حمام بغير مئزر إلا الأطفال، وكره مالك دخول الحمام للمرأة بمئزر وبغير مئزر؛ مريضة أو صحيحة، ورخص فيه غيره للنساء إذا كن مرضى أو نفساء بعد أن يسترن أنفسهن بالميازير السابغات، ولا يجوز لهن أن ينظرن بعضهن في عورة بعض.

وإذا بلغ الصبيان سبع سنين أُمِروا بالصلاة، وإذا بلغوا عشرًا ضربوا عليها، والخير كله بالعادة، ولا ينام الأخوان والأختان في ثوب واحد متجردين إذا بلغوا عشر سنين، والكراهية في مبيت ابن عشر سنين مع أخيه وأخته أشد منها في مبيت الأنثى مع الأنثى، ولا يبيت الرجل مع ابنه منذ يبلغ هذا السّن، ولا الأم مع ابنتها إلا وبينهما حائل من الثياب، والكراهية في الأجنبيين أشد لأنه منكر، ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ(1)، وما لم يبلغوا فلا جناح عليهم في الاستئذان إلا في العورات الثلاث بنين كانوا أو ملك يمين، والعورات الثلاث ثلاثة أوقات؛ قبل صلاة الصبح وقبل صلاة الظهر وبعد صلاة العتمة، وكل وقت يخشى فيه على المرء التعري فذلك حكمه.

ولا بأس أن ينظر إلى وجه أم أمرأته وشعرها وكفيها وكذلك زوجة أبيه، ولا ينظر منهن إلى معصم ولا ساق ولا جسد، ولا يجوز ترداد النظر وإدامته لامرأة شابة من ذوي المحارم أو غيرهن إلا عند الحاجة إليه أو الضرورة في الشهادة ونحوها، وإنما يباح النظر إلى النساء القواعد اللاتي لا يرجون نكاحًا والسلامة من ذلك أفضل، وعلى كل مؤمن ومؤمنة أن يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم، ولتضربِ المرأةُ بخمارها؛ وهو كل ما يغطي رأسها على جيبها لتستر صدرها، ولا تبدي زينتها إلا لبعلها أو ابن بعلها أو ابنها أو أخيها أو ابن أخيها أو ابن أختها أو ما ملكت يمينُها، والتحفظ اليوم من ملك اليمين أولى لِمَا حَدَثَ في الناس، والوغد من العبيد وغير الوغد عندي في ذلك قريب من السواء، وقد قيل في ملك اليمين هنا النساء، وقد ردت الرخصة في أكل المرأة مع عبدها الوغد ومع خادمها المأمون وترك ذلك أقرب إلى السلامة.

ويكره للرجل أن ينام بين أَمَتَيْهِ أو بين زوجته وأَمَتِهِ؛ وأن يطأ إحداهما بحيث تسمع الأخرى؛ وأن يطأ الرجلُ حليلَتَه بحيث يراه أحد -صغيرًا أو كبيرًا-؛ وأن يتحدث بما يخلو به مع أهله، ويكره للمرأة مثل ذلك من حديثها بما تخلو به مع بعلها.


هذه المباحث التي ذكرها المؤلف تتعلق بالاستئذان وبالعورات.

فقال المؤلف: ومِنْ جامعِ آداب العلم إفشاء السلام على من لقيت أو دخلت إليه أو مررت به، فقد جاء في الأحاديث الترغيب في إفشاء السلام، وقد سُئِل النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم؛ أي الإسلام خير؟ قال: «أن تُسَلِّمَ على من عرفت ومن لم تعرف»(2)، وقد قال صلّى الله عليه وسلّم: «لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولن تؤمنوا حتى تحابوا، أفلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم»(3)، وذكر النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنّ من الخصال التي تكون من أسباب دخول الجنة إفشاء السلام، وأصل تحية السلام أن يلقي الإنسانُ على غيره الشعارَ المؤذن بالسلامة وعدم الأذية، وقال بعض أهل العلم: إن المرادَ بالسلام اسمُ من أسماء الله عزّ وجلّ، والجمهور على الأول لأصل الإطلاق اللغوي.

ولا ينبغي لأحد أن يدخل منزلًا حتى يُسَلِّم على أهله، لقول الله عزّ وجلّ: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا(4)، ويُسَلِّمُ على مَنْ في ذلك البيت ولو لم يكونوا من أهله، فإن لم يكن في البيت أحد حَسُنَ به أن يقول: «السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين»، لأن الله تعالى قال: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً(5) فدل هذا على مشروعية أنْ يلقي الإنسانُ السلامَ ولو لم يرَ أحدًا في ذلك المنزل.

ثم ذكر الأحقَّ بإلقاء السلام؛ فقال: يسلم الراكب على الماشي، لأن الراكب حري به أن يرى في نفسه أنه أفضل من الماشي فشرع أن يكون السلام من قِبَلِهِ، وهكذا بالنسبة للقائم يسلم على القاعد، وهكذا يسلم القليل على الكثير لأن للكثير حقًا على القليل، وتحية السلام من فروض الكفايات، لذلك إذا سلَّم رجل من القوم فإنه يجزئهم، لأن خاصية فرض الكفاية أنه إذا قام به البعض أجزأ.

قال: ولا يبدأ - أي المسلم - أحدًا من أهل الذمة بالسلام؛ لقول النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «ولا تبدؤوهم بالسلام»(6)، لكن لو سَلَّمُوا شُرع له أن يقول: وعليكم، وهل يجوز له أن يقول: وعليكم السلام متى أمن من كلامهم وعَلِمَ من حالهم أنهم لا يقصدون معنى مخالفًا للمعنى الشرعي؟ الجمهور قالوا: يقتصر على قوله «وعليكم» لقول النٍّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «وإذا بدأوكم بالسلام فقولوا: وعليكم»(7) ولأنه فعل النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وأما بداءة أهل الذمة بتحية أخرى غير تحية السلام كما لو قال: كيف حالك؟ كيف أصبحت؟ صباح الخير؟ فالجمهور على أنه لا يبدأ الذمي بهذه التحية، وذلك لأن هذه التحية تماثل تحية السلام، فمنع المسلم من بداءة الذمي بها، واختار طائفة من أهل العلم أنه يجوز للمسلم أن يبدأ أهل الذمة بتحية أخرى غير تحية السلام؛ قالوا: لأن الحديث إنما منع من بداءتهم بالسلام فيبقى باقي أنواع التحيات على الأصل في جواز استعمالها، ومنشأ هذا أن قول النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «لا تبدؤوهم بالسلام» هل يُفهم من كلمة السلام بواسطة مفهوم الموافقة فيمنع من بقية التحيات؟ أو أنه يفهم منها بواسطة مفهوم المخالفة فيقتصر الحكم على تحية السلام؟ قوله: ولا يُقصدون بتهنئة ولا تعزية، المراد بأهل الذمة من يُعطون العهد أن لا يُتعرض لهم، ويُمكَّنون من البقاء في ديار الإسلام على جهة الاستمرار والدوام، وقيل لهم هذا الاسم لأن الذمة في لغة العرب العهد؛ فكأنهم يعاهدون ليبقوا في بلاد الإسلام، قال: ولا يقصدون بتهنئة ولا تعزية، أما التهنئة فإن قول المؤلف هنا قد يفهم منه أمران:

الأول: أن يتعنّى المسلم ويقصدهم على بُعْدٍ، وقد يُفهم منه مجرد التهنئة ولو لم يكن فيها قصد، والجمهور على تقسيم التهنئة التي تكون لأهل الذمة والكفار إلى نوعين:

النوع الأول: ما كان لسبب ديني فقالوا: هذا لا يجوز أن يُهنئوا به، ومن أمثلة ذلك تهنئتهم بعيد الميلاد؛ لأن هذا العيدَ ديانةٌ يعبدون الله بها، وهي ديانة باطلة، ولا يصح للمسلم أن يُهنأ بما هو باطل، ولا يجوز أن يُهنأ بما يخالف الشرع.

والنوع الثاني: التهنئة بأمر دنيوي، كحصول بعضهم على مال أو سلامة صحة أو نحو ذلك، فهذ النوع أيضا يمكن تقسيمه إلى قسمين:

الأول: ما يستعينون به على باطل أو وَرَدَ إليهم من طريق باطل؛ فهذا لا يجوز أن يُهنئوا به؛ كما لو اكتسبوا مالًا من طريق الربا، أو كانوا ممن إذا حصل على المال حارب به الإسلام وأهل الإسلام؛ فحينئذ لا يجوز تهنئتهم بهذا الأمر الدنيوي.

أما إذا كان هذا الأمر الدنيوي قد حصل من أمر مباح ويُعْلَمُ من غالب حالهم أنهم ينفقونه في أمر مباح؛ فلا حرج من تهنئتهم على الصحيح من قولي أهل العلم.

وأما بالنسبة للتعزية؛ فإن التعزية للذمي قد تكون بسبب مصيبة وصلت إليه بوفاة قريب له؛ فحينئذ قد يكون ذلك القريب مسلمًا فيدعى للميت المسلم، قد يكون القريب للذمي ليس من أهل الإسلام؛ فمِنْ ثَمَّ لا يُعزّى بما يتضمن الدعاء له بالمغفرة أو بدخول الجنة أو نحو ذلك من الأدعية؛ لأن هذه الأمور يختص بها أهلُ الإسلام، وقد ورد في النصوص النهيُّ عن الدعاء للمشركين، فقد نهى الله جلّ وعلا نبيَّه صلّى الله عليه وسلّم أنْ يستغفر للمشركين ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ(8)، وأما الدعاء لهم بأن يُصلح أحوالَهم؛ كما لو دعا بأن يصلح ذرية الميت أو أن يخفف عنه أو يبتعد الحزن عنهم أو نحو ذلك من الأدعية التي لا تخالف المعنى الشرعي في التعزية؛ فلا حرج في مثل ذلك.

قال: وإن سلموا رد عليهم بـ «وعليك» كما ورد في الحديث، قال: وينتهي في السلام إلى البركة، فيقول: «السلام عليكم ورحمة الله وبركاته»، فلا يزيد ألفاظًا أخرى، فلا يقول: وإنعامه وإجلاله وتقديره وإفضاله ونحو ذلك؛ لأن السلام عبادة فشرع أن يقتصر الإنسان فيها على ما ورد عن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم.

قال: ولا بأس أن تُسلِّم المرأة المتجالّة على الرجال، المرأة المتجالّة هي كبيرة السّنِّ، وذلك لأنها قد أُمِن مِنْ أن يطمع فيها الرجال؛ فجاز لها أن تُسَلِّمَ عليهم وأن يسلموا عليها، وأما المرأة الشابة فإنها لا تُسَلِّم على الرجال ولا يُسَلِّمُون عليها لأنه لا يُؤْمَنُ مِنْ مِثْلِ هذا السلام، وهذا يدلك على أن الشرع قد سد على الشيطان طرقَه إلى القلوب في أن يطمع الرجال بالنساء أو النساء بالرجال، حتى مجرد السلام قد نُهي عنه، ويدل على هذا المعنى حالُ الصحابة في عهد النُّبوّة وبعد وفاة النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فإنهم لم ينقل عنهم أنهم كانوا يسلموا على الشواب، بل نقل عنهم الإنكار على من سلّم عليهن.

قال: ويستأذن الرجل على أمه، أي لا يدخل على أمه إلا بعد أن يستأذن، وذلك لأن المرأة في بيتها قد تحتاج إلى التخفف من بعض ثيابها، فقد يكون من أغراضها وحوائجها ما لا ترغب أن يطّلع عليه أحدٌ من الناس حتى ما يتعلق بأبنائها، فشرع حينئذ للرجل أن يستأذن الرجل على أمه إذا أراد أن يدخل عليها، وهكذا ذوات المحارم كأخواته وعماته وبناته وبنات أخيه.

قال: وينبغي للرجل الاستئذان على كل أحد، فلا يدخل على أحد حتى يستأذن كما ورد في النصوص التي أوردناها إلا على زوجته أو أَمَتِهِ؛ فإنه يجوز أن يدخل عليهم بدون استئذان، وذلك لأنه يجوز أن يطلع منها على ما لا يجوز له أن يطلع من غيرهما.

قال: وينبغي للرجل الاستئذان على كل أحد إلا على زوجته وأمَتِه وكلِّ مَنْ لا يصلح أن يراه عريانًا فالاستئذان عليه، يعني يشرع بل يجب الاستئذان عليه من امرأة ورجل.

والاستئذان يكون ثلاث مرات، فإذا لم يؤذن بعد المرة الثالثة فحينئذ ينصرف المستأذن، لقول النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم «الاستئذان ثلاث؛ فإن أُذِنَ لك وإلا فارجع»(9)، ويقول في كل مرة: السلام عليكم؛ أأدخل؟ كما ورد في الحديث أن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم عَلَّم رجلًا أن يقول هذا اللفظ(10)، فإن أُذِنَ لك وإلا فارجع، ولا تزد على ثلاث مرات في الاستئذان إلا إذا علمت أنك لا تُسمع استئذانك، فإذا كان صوتك منخفضًا؛ وغلب على ظنك أن صوتك لم يصل إلى من تريد الاستئذان عليهم؛ فحينئذ لا بأس أن تزيد على الاستئذان، قال: وقرع الباب اليوم يقوم مقام الاستئذان، وذلك لأن هذا القرع يُسمع فيكون بمثابة الاستئذان، وإنْ كان الأولى أن يكون هناك استئذان، وفي زماننا الحاضر مع وجود أنواع المنبهات التي تُنبِّه على وجود من يريد الدخول؛ فهذه المنبهات تقوم مقام الاستئذان، لكنَّ الاستئذان الأول كان مع فتح أبواب البيوت، وأما الآن في زماننا الحاضر فإن الأبواب قد أغلقت، وحينئذ ينبغي أن يُقتصر في الاستئذان على ثلاث مرات إذا لم يكن الشخص من أهل البيت، وينبغي أن يُباعَدَ بين مرات الاستئذان سواء كان بأداة التنبيه أو بقرع أو بلفظ من أجل أن يتمكن أهل الدار من سماع صوت المستأذن.

قال: وليس لِمَنْ قرع ثلاثًا أن يدخل، فإذا قرعت ثلاثًا ولم يؤذن لك فلا تدخل وانصرف، ولا أن ينصرف – يعني من استأذن - لا ينبغي به أن ينصرف حتى يعلم أنه قد سُمِع وعُلِمَ به، أما إذا غلب على ظنه أنهم لم يسمعوه انتظر حتى يغلب على ظنه أنهم قد سمعوه، ولذلك لمَّا جاء أبو سعيد على عمر بن الخطاب رضي الله عنه استأذن ثلاثًا فرجع، فسأله عمر عن ذلك، فقال: سمعت النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «الاستئذان ثلاث؛ فإن أُذن لك وإلا فارجع»، فَفِعْلُ عمرَ يدل على أنه من استأذن مرة أو مرتين لا ينصرف، وأن من استأذن الثالثة يبقى مدة حتى يغلب على ظنه أن أهل الدار قد سمعوا إذنه وأعرضوا عن ذلك الإذن.

أما المحال المفتوحة التي أُذِنَ للناس بدخولها سواء كان بإذن لفظي كمن قيل له: أدخل، أو كان بإذن عرفي كمن فتح داره لاستقبال الضيوف أو فتح دكانه لاستقبال الزبائن الذين يريدون شراء الحوائج؛ فحينئذ هؤلاء لا يحتاجون للاستئذان، لأنهم قد أُذن لهم إما لفظًا أو أُذن لهم بالإذن العرفي، ومثل هذا ما لو اتصل على صاحب الدار فقال له: الباب مفتوح فادخل، هذا إذن بالدخول ولو لم يستأذن، وهكذا كما لو أرسل له رسالة: بابنا مفتوح فادخل، فهذا إذن وبالتالي يدخل ولو لم يستأذن، وهكذا إذا كان للإنسان متاع في دار وعَلِمَ أن أهل الدار يأذنون لهم في أخذ ذلك المتاع؛ جاز له أن يدخل، أما إذا علم من حالهم أنهم لا يأذنون له بالدخول إلا بعد الإذن؛ فلا بد من الاستئذان.

قال: وحَسُنَ أن يقول: بسم الله، السلام علينا وعلى صالحي عباد الله، يعني إذا دخل بيتًا في متاع وليس فيه أحد، أو دخل حانوتًا ودكانا تجاريًا؛ فإنه يحسن أن يقول هذا اللفظ.

قال: ولا يحل لمسلم أن ينظر إلى عورة أحد فإن الله تعالى قال: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ(11)، والنبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «النظرة سهم مسموم من سهام إبليس، من صرف نظره عما لا يحل له أبدله الله حلاوةً يجدها في قلبه إلى قيام الساعة»(12)، وقد قال صلّى الله عليه وسلّم: «إن استطعت أن لا ينظر إلى عورتك أحد؛ فافعل»(13)، وقال: «لا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت»(14)، وسواء أكانت تلك العورة يشاهدها الإنسان بعينه مباشرة أو كانت في صورة أو في نقل تلفزيوني أو في وسائل التواصل الحديثة إلا من ضرورة، فإذا كان هناك ضرر لا يمكن تفاديه إلا بالنظر في العورة؛ جاز حينئذ النظر إلى العورة، كما لو كان هناك جرح يحتاج إلى مداواة؛ فحينئذ يجوز للطبيب أن ينظر إلى محل الجرح ولو كان في محل العورة المغلظة دفعا للضرورة وحفظا لسلامة البدن.

قال: وكذلك لا يحل له أن يُطْلِعَ على عورته أحدًا إلا زوجته وأَمَتَه عند الحاجة إلى ذلك، فإن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قد أَمَرَ بتغطية العورات، فلما قيل له: عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: «إن استطعت أن لا يرى عورتك أحد فافعل» (15) إلا زوجته، فإنه يجوز له أن يطلع زوجته على عورته، مع أن الأولى والأفضل عدم ذلك إلا عند الحاجة.

قال: ولا ينبغي لأحد أن يترك لبس السراويل إلا لمن لا يقدر عليها، السراويل تغطي العورة، وإذا انكشفت الثياب الظاهرية فإن الناس لا يتمكنون من مشاهدة العورة مع وجود السراويل، وقد كانوا في الزمان الأول يلبسون السراويل، وإن كان بعضهم يلبس الإزار، وقد قال النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم عن المُحْرِم - لمَّا سُئِل عن لباس المُحْرِم –: «ولا يلبس السراويل»(16) مما يدل أن السراويل كانت موجودة في عصورهم، قال: إلا من لا يقدر عليها، أو كان يتمكن من ستر عورته بطرائق أخرى إلا أن يكون مُحْرِمًا، المُحْرِمُ لا يجوز له أن يلبس المخيط ومن ذلك السراويل والتّبّان، فعند ذلك يكفيه الإزار كما هو هدي النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم.

قال: ولا يحتبي الرجل في ثوب واحد ليس على فرجه منه شيء، كانوا في الزمان الأول يأخذون ثوبًا واحدًا فيغطون به البدن فإذا أراد الإنسان أن يسجد أو أن يستعمل يديه احتاج أن يرفع الثوب وبالتالي يظهر يديه من وراء الثوب فيكون هذا من أسباب انكشاف العورات أو انكشاف أجزاء منها.

قال: ولا يخلو الرجل بامرأة ليست منه بمَحرم؛ لقول النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «لا يخلون رجل بامرأة»(17)، ولقوله «ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما»(18)، إلا إذا كان الرجل مَحرمًا للمرأة، والمراد بالمَحرم الزوج ومن يحرم على الرجل الزواج بها على جهة التأبيد بنسب أو سبب مباح، ومِنْ ثَمَّ فإن المحرمية تنتشر في الزوجية، وتثبت بالنسب، وتثبت بالرضاع، وتثبت بالمصاهرة.

قال: ولا تسافر المرأة إلا مع زوج أو ذي محرم منها؛ لقول النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم «لا يحلُّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم»(19)، قال: إلا في سفرها إلى الحج خاصة؛ فإنه إذا لم يكن لها ذو محرم من الرجال خرجت مع جماعة النساء، هذا هو مذهب مالك، وقال بعضهم: تخرج مع نساء ثقات، قالوا: لأن الحج فريضة من فرائض الإسلام فلا ينبغي لأحد أن يتركها، والجمهور على خلاف هذا، الجمهور يقولون بأن المرأة لا تخرج للسفر ولا تسافر إلا مع ذي محرم ولو كان للحج، قالوا: والمرأة التي لا تجد محرمًا في سفرها للحج تترك الحج ويسقط الحج عنها، وذلك لِمَا ورد من حديث ابن عباس في الصحيح أن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم»، فقال رجل: يا رسول الله: إني اكتتبت في غزوة كذا؛ وإن امرأة خرجت حاجة، فقال النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «اذهب فحج مع امرأتك»(20)، فدل هذا على أن المرأة لا تسافر للحج إلا مع ذي محرم، فإن قال قائل: إن أوقات الأسفار قَلَّتْ؛ خصوصًا مع وجود وسائل للمواصلات سهلت الطرق وقربت البعيد، فهذه الطائرة يسافر الإنسان فيها بساعات محدودة يصل بها إلى أطراف الأرض، فنقول: إنّ النصوص التي وردت عن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم في هذا الباب عامّة لم تفرق بين سفر وآخر بحسب الآلة التي يُسافر بها، فدل هذا على أن الحكم يشمل الجميع، ويدل على هذا أن الله عزّ وجلّ مطلع على ما سيكون من أحوال البشر وما سيصلون إليه من تقنيات ووسائل، فحينئذ الأصل أن لفظ الشارع عام يشمل جميع هذه الوسائل.

قال: ولا ينتصب الرجل عريانًا لا ليلًا ولا نهارًا، لا ينتصب؛ أي لا يقف، ويكون منتصبًا أثناء عريه لا في النهار لأن ذلك يجعل الآخرين يشاهدونه، ولا في الليل أيضا لأنه يمكن أن يُشاهد المرءُ في ضوء القمر أو في ضوء السراج أو نحو لك.

قال: وإذا اغتسل فليتضامّ ما استطاع، أي إذا اغتسل بإفاضة الماء على بدنه فليتضامّ، أي ليضمّ بعض أجزاء بدنه إلى بعضه الآخر ما استطاع، من أجل أن يكون ذلك ساترًا لعورته، قال: فإن الله أحق أن يُستحيا منه، وذهب الجمهور إلى جواز الاغتسال عريانًا، وأنه لا يلزم التضامّ حينئذ، واستدلوا على ذلك بما ورد في الصحيح من أن موسى اغتسل عريانًا(21) وأن أيوب اغتسل عريانًا(22)، وما ورد من أنّ النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فعل ذلك.

قال: ولا يجوز لأحد دخول حمام بغير مئزر، فإذا لم يكن عنده مئزر فستنكشف عورته؛ فيخالف المرءُ ما وردت به الشريعة من الأمر بتغطية العورات إلا الأطفال، والمراد بالأطفال من كان دون سبع سنوات؛ فهذا ليس له عورة، ومِنْ ثَمَّ لا يلزم إلباسُه المئزر، وإن كان الأَوْلَى أنْ يُعَوَّدَ على ستر بدنه وأنْ يُعَوَّدَ على ستر عورته.

قال: وكره مالك - هو الإمام مالك - دخول الحمام للمرأة بمئزر أو بغير مئزر؛ مريضة أو صحيحة، وذلك لِمَا ورد من أحاديث تنهى المرأة عن أن ترفع ثيابها في غير بيت زوجها(23)، لكن الحديث الوارد في ذلك ضعيف الإسناد، واستدلوا على ذلك بالأحاديث الواردة في النهي عن دخول الحمام، لكنها أيضًا أحاديث ضعيفة الإسناد، ولذلك رخص غير الإمام مالك للنساء في دخول الحمام بشرطين: وجود حاجة تكون عندهن، احتجن إلى الحمام، والمراد بالحمام مواطن عامة للاستحمام، يدخل فيها النساء، ويكون بعضهن عند بعض، فيستحمون في هذه الحمامات، وليس المراد بالحمام هنا الكَنيف الذي تقضى فيه الحاجة، بل يراد الحمامات مواطن الاغتسال، ومثل هذا مواطن حمامات السُّونا، ومثله أيضًا الحمامات العامة، وهنا لا بد أن يلاحظ أن المرأة يجب أن تغطي موطن العورة المغلظة من بدنها وما لا ينكشف عند محارمها، فإنّ النساء الأخريات لا يجوز لهن أن يرين من المرأة إلا ما يظهر منها غالبًا عند محارمها، وأما قول بعضهم بأن العورة من السرة إلى الركبة؛ فهذا يُراد به العورة المغلظة للرجال وللنساء المماليك، وأما النساء عند النساء فإنهن لا يُظهرن إلا ما يظهر غالبًا عند محارمهن.

قال: ورخص غيرُ الإمام مالك في دخول الحمام للنساء إذا كنّ مرضى فاحتجن إلى معالجة أنفسهن بالاغتسال بالماء الحارّ، أو كُن نفساء بشرط أن يسترن أنفسهن بالميازير، السابغات، الميازير جمع ميزر، وهذا يغطي جميع البدن، وليس هو الإزار، السابغات أي المغطيات لجميع أجزاء البدن، ولا يجوز لهن أن ينظر بعضهن في عورة بعض، لنهي النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم المسلمين عن أن ينظر بعضهم في عورة بعض.

قال: وإذا بلغ الصبيان سبع سنين أمروا بالصلاة لحديث «مروا أبناءكم بالصّلاة لسبع»(24)، وقوله لسبع أي وهم يستقبلون سنَّ السابعة، فإذا أكمل الصبيُّ ستَّ سنوات ودخل في السنِّ السابعة أُمِرَ بالصلاة وعُلِّمَ الصلاة، وإذا بلغ عشرًا ضُرب عليها كما ورد ذلك في الخبر، والخير كله بالعادة، أي أنّ ما تعود عليه الإنسان يستمر معه، ومن ذلك ما يتعلق بالصلاة، قال: «مروا أبناءكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع» أي يُفَرَّقُ بين الإخوة والأخوات فلا ينام الأخوان في ثوب واحد متجردين، ولا تنام أختان في ثوب واحد متجردتين إذا بلغوا عشر سنين للحديث السابق، وكذلك يكره أن يبيت ابن عشر سنين مع أخيه في محل واحد، ويكره له أن يبيت مع أخته بكراهية أشد من كراهية مبيته مع أخيه، وكذلك يكره أن تبيت الأنثى مع الأنثى، لأن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «وفرقوا بينهم في المضاجع»، قال: ولا يبيت الرجل مع ابنه منذ يبلغ هذا السنّ ولا الأم مع ابنتها إلا وبينهما حائل من الثياب، والكراهية بين الأجنبيين غير القريبين أشد لأنه منكر، ثم أتى بآية فيها الاستئذان لقوله ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ(25)، قال: وما لم يبلغوا فلا جناح عليهم في الاستئذان، أي قبل أن يبلغوا الأطفال سنّ الحلم فيجوز عليهم الدخول على آبائهم وأمهاتهم وقرابتهم إلا في أوقات العورات الثلاث، فلو جاء الابن بعد العصر جاز له أن يدخل على أمه بدون استئذان بشرط أن يكون لم يبلغ سن البلوغ، فأما إذا بلغ سن البلوغ فإنه لا يدخل إلا باستئذان في الأوقات الثلاثة أو في غيرها، والأوقات الثلاثة قبل صلاة الفجر، قبل صلاة الفجر وقت مبيت ووقت تعري وعدم تحرّز، والوقت الثاني وقت القيلولة، وكانوا في الزمان الأول ينامون قبل صلاة الظهر، فإذا تغيرت أحوال الناس وأصبح تكشفهم ونومهم بعد الظهر حينئذ يكون وقت الاستئذان ذلك الوقت، وهكذا بعد صلاة العتمة صلاة العشاء؛ فإن هذا وقت يتعرى الناس فيه ويدخلون في فرشهم ولا يلبسون من الثياب ما يلبسونه عند وجود الآخرين، ومِنْ ثَمَّ فلم يجز للأطفال أن يدخلوا في هذه الأوقات الثلاثة إلا باستئذان، وينبغي للآباء والأمهات أن يعلموا أبناءهم الاستئذان في هذه الأوقات الثلاثة، هكذا الأوقات التي يتعرى فيها الإنسان ويجري تعري الناس فيها؛ لا يحسن أن يُدخل عليهم في هذه الأوقات إلا بعد إذنهم.

قال المؤلف: ولا بأس أن ينظر إلى وجه أم امرأته وشعرها وكفيها، فما يظهر من أم امرأته عادة عند محارمها لا بأس أن ينظر إليه، وكذلك زوجة أبيه، ولكن لا ينظر منهن إلى معصم ولا إلى الساق ولا إلى الجسد، ولا يجوز ترداد النظر إلى امرأة شابة من ذوي المحارم، فلا يجوز أن ينظر إلى أخته نظر فاحش أو نظر شهوة أو نظرًا يُقَلِّبُ النظرَ فيه إلا أن يكون حاجة، كما لو كان فيها جرح أو كان فيها مرض وألم، قال: إلا عند الحاجة إليه أو الضرورة في الشهادة، إذا تقدمت للشهادة وكان المشهود له أو عليه يعرف وجه المرأة ويتيقن من أنها فلانة فحينئذ لا بأس أن تكشف من أجل أن يتحقق أنها فلانة التي قد شهدت، بخلاف إذا لم يكن يعرفها سابقًا، فحينئذ لا يلزمها أن تتكشف أو تبدي شيئًا من وجهها أو بدنها.

قال المؤلف: وإنما يباح النظر إلى النساء القواعد، النساء القواعد هُنّ الكبيرات السّنّ التي لا يرجون نكاحًا، قال المؤلف: بأنه يجوز أن ينظر إليهن، والجمهور على أن المراد بقوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ(26)(27) أن المراد به العباءة التي تسمى الجلباب، فإن المرأة الكبيرة في السّنّ يصعب عليها أن تحمل الجلباب، فأجاز لها الشرع أن تترك الجلباب بشرط أن لا يكون ثوبها جميلًا حسنًا، ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ(28) بالتزام هذا الجلباب، وليس المراد بالآية أن يكشفن وجوههن.

قال: وعلى كل مؤمن ومؤمنة أن يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم، انظر إلى قوله ﴿مِنْ أَبْصَارِهِم﴾ لأنه لا بد أن يطلق بعض البصر، وقد ورد في الأحاديث أنّ نظرةَ الفجأةِ معفوٌ عنها، و«سُئِلَ عن نظر الفجأة فقال: غضَّ بصرك»(29)، وأما في الفرج فإنه قال: ﴿وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ(30) حفظًا كاملًا تامًا، وقد أُمِرَ المؤمنون بذلك، قال تعالى في وصف المؤمنين المفلحين: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ(31).

قال: ولتضرب المرأة بخمارها، والخمار لباس يوضع على الرأس، قال: وهو كل ما يغطي رأسها، تضربها على جيبها، والجيب أعلى الصدر، وأُخِذَ من هذا أنها تغطي وجهها، لأن الخمار فوق الرأس وأمرت بإسداله ليصل إلى أعلى الصدر، ويتضمن في ثنايا ذلك أن يغطى الوجوه.

قال: ولا تبدي زينتها، الزينة على ثلاثة أنواع:

زينة في البدن كزينة الوجه وزينة اليدين.

والثاني: الزينة التي توضع على البدن من المُحَسِّنَات كالخضاب وأنواع الصبغ التي توضع على الأظافر ونحوها.

والنوع الثالث: زينة الثياب.

وهناك نوع رابع وهو زينة الحلي.

المرأة ممنوعة من أن تُظهر شيئًا من زينتها عند غير محارمها، إلا أنها يجوز لها أن تبدي زينتها عند زوجها وابن زوجها وابنها هي وأخيها وابن اخيها أو ابن أختها لأن هؤلاء حَرُمَ عليهم نكاحُها على التأبيد بنسب أو سبب مباح؛ فكانوا محارم لها، فجاز لها أن تكشف لهم، وهكذا يجوز لها أن تكشف لِمَا ملكت يمينُها، فإن كان عندها عبد مملوك لم يجب عليها أن تكشف وجهها عنده.

قال: والتحفظ اليوم من ملك اليمين أولى، المراد بملك اليمين المماليك الذين كانوا يشترون في الزمان الأول ويباعون.

قال المؤلف: والتحفظ بعدم كشف شيء من الزينة أمام ملك اليمين أولى؛ لأنه لا يؤمنُ جانبُهم، قال: لِمَا حدث في الناس، والوغد من العبيد وغير الوغد عندي في ذلك قريب من السواء، المراد بالوغد من يظهر منه أفعال يفعلها من لا يوثق في تعامله مع النساء أو يتكلم بكلام يتعلق بعلاقة الرجال بالنساء، وقد قيل في ملك اليمين هنا النساء، أي أن بعض العلماء قد فسر ملك اليمين بأن المراد به النساء فقط، أما الرجال من ملك اليمين فإنهم لا يحل للمرأة أن تكشف لهم.

قال: وقد وردت الرخصة في أكل المرأة مع عبدها ومع خادمها المأمون، ولكن وردت هذه الرخصة عن عدد من الصحابة، وقال بها الإمام مالك، لكن ترك ذلك أقرب إلى السلامة، وذلك خشية من أن يطلع على شيء من بدنها، ومن أجل أن لا يكون بينها وبين مملوكها تبسط ومِنْ ثَمَّ يصدر منه ما لا يرغب فيه من الأفعال أو الإشارات.

قال: ويكره للرجل أن ينام بين أَمَتَيْهِ أو بين زوجتيه أو بين زوجته وأَمَتِه، وذلك لأنه سيكون اطلاع من بعضهم على عورة بعضهم الآخر، وسيكون هناك غارية بينهم.

قال: كذلك يكره أن يطأ إحداهما بحيث تسمع الأخرى، أما إذا كانت صراحة فهذا حرام؛ لأنها حينئذ تتطلع على شيء من عورتها.

قال: كذلك يكره أن يطأ الرجل حليلته بحيث يراه أحد، سواء كان ذلك الرائي صغيراً أو كبيرًا لِمَا في حال الجماع والوطء من أحوالٍ لا يحسن معها اطلاع الآخرين على من يجامع، وهكذا يكره أن يتحدث الرجل بما يخلو به مع أهله، فإنه قد ستر الله عليهم فوجب عليهم أن يستتروا بستر الله عز وجل، وقد بيَّنَ النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنّ هذا مما يمقت عليه.

قال: ويكره للمرأة مثل ذلك من حديثها بما تخلو به مع بعلها، لأن المجالس بالأمانة، ولأن حديث الرجل مع زوجته وفعله معها في فراشه من الأشياء التي لا يحب أن يطلع عليه الآخرون، ومما يدخل في هذا لو طلق الرجل المرأة وانتهت عدتها؛ فإنه يحرم على الرجل والمرأة أن يذكرا ما جرى بينهما من أمور الجماع سابقًا.

أسأل الله جلّ وعلا أن يوفقنا وإياكم لخيري الدنيا والآخرة، وأن يجعلنا وإياكم من الهداة المهتدين، هذا والله أعلم، وصلّى الله على نبيّنا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه، وسلّم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.


(1) النور: 59.
(2) رواه البخاري في صحيحه (12).
(3) رواه مسلم في صحيحه (54).
(4) النور: 27.
(5) النور: 61.
(6) رواه مسلم في صحيحه (2167).
(7) رواه البخاري في صحيحه (6258).
(8) التوبة: 113.
(9) رواه مسلم في صحيحه (2153).
(10) صحيح.رواه أبو داود (5177). صحيح الجامع (4397).
(11) النور: 30.
(12) ضعيف جدًا. مستدرك الحاكم (7875). الضعيفة (1065).
(13) صحيح. رواه أبو داود (4017). صحيح الجامع (203).
(14) صحيح. رواه أبو داود (3140). صحيح الجامع (7440).
(15) صحيح. رواه أبو داود (4017). صحيح الجامع (203).
(16) رواه البخاري في صحيحه (134).
(17) رواه البخاري في صحيحه (3006).
(18) صحيح. رواه الترمذي (2166). صحيح الجامع (2546).
(19) رواه مسلم في صحيحه (1339).
(20) رواه البخاري في صحيحه (3006).
(21) رواه البخاري في صحيحه (278).
(22) رواه البخاري في صحيحه (279).
(23) صحيح. رواه ابن ماجه (3750). صحيح الجامع (2710).
(24) صحيح. رواه أبو داود (495). صحيح الجامع (4021).
(25) النور: 59.
(26) النور: 60.
(27) الشارح قال هنا: (ولا جناح)، والصواب ما أثبتناه . والله أعلم.
(28) النور: 60.
(29) رواه مسلم في صحيحه (2159).
(30) النور: 30.
(31) المؤمنون: 5- 7.