موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - حرص أهل العلم على إظهار الحق ودحر البدع - شرح شرح السنة
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح شرح السنة لفضيلة الشيخ فهد المقرن
  
 
 شرح شرح السنة
 مقدمة الشارح
 مقدمة المؤلف
 الإسلام هو السُنَّة والسُّنَّة هي الإسلام
 من السُنَّة لزوم الجماعة
 الأساس الذي تُبنى عليه الجماعة
 لا عذر لأحد في ضلاله ركبها
 اتباع منهج السلف والبعد عن اتباع الهوى
 التحذير من البدع
 التحذير من الاستهانة بالبدعة ولو كانت صغيرة
 قواعد مهمة يُوصى بها
 مخالفة السُنَّة قد يكون على وجهين
 التسليم للنصوص
 الكلام والخصومة والجدال والمراء مُحدث
 القول في الرب يُتوقف فيه على الكتاب والسنة
 علم العقيدة والتوحيد من أشرف العلوم
 أسئلة
 النهي عن السؤال عن كيفية صفات الرب سبحانه وتعالى
 الإيمان برؤية الله سبحانه وتعالى يوم القيامة
 الإيمان بالميزان يوم القيامة
 الإيمان بعذاب القبر
 الإيمان بحوض رسول الله صلى الله عليه وسلم
 الإيمان بشفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم القيامة
 الإيمان بالصراط على جهنم
 الإيمان بالأنبياء والملائكة
 الإيمان بالجنة والنار
 آدم عليه السلام كان في الجنة الباقية المخلوقة
 الإيمان بالمسيح الدجال
 الإيمان بنزول عيسى بن مريم عليه السلام
 الإيمان قول وعمل ونية وإصابة يزيد وينقص
 ترتيب الصحابة رضوان الله عليهم في الفضل
 أسئلة
 الاستثناء في الإيمان
 الإمساك عند ذكر الصحابة
 السمع والطاعة للأئمة بما يحب الله ويرضى
 طرق ثبوت الإمامة
 أسباب الخروج على الولاة
 من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية
 الحج والغزو مع الإمام ماض، وصلاة الجمعة خلفهم جائزة
 الخلافة في قريش إلى أن ينزل عيسى بن مريم عليه السّلام
 الخروج على إمام من أئمة المسلمين
 لا يحل قتال السلطان ولا الخروج عليه وإن جار
 قتال الخوارج
 لا طاعة لبشر في معصية الله عزّ وجلّ
 بيان موقف أهل السُّنَّة في التعامل مع أهل الإيمان
 ما من ذنب إلا وللعبد منه توبة
 الرجم حق
 المسح على الخفين سُنَّة
 قصر الصّلاة في السفر سُنَّة
 الصوم في السفر
 النفاق أن يظهر الإسلام باللسان ويخفي الكفر بالضمير
 الدنيا دار إيمان وإسلام
 معاملة الناس بالظاهر
 أسئلة
 الصّلاة على من مات من أهل القبلة سُنَّة
 الإيمان بصفات الله وأسمائه كما جاءت بغير تكييف ولا تمثيل
 من زعم أنه يرى ربه في دار الدنيا فهو كافر
 الفكرة في الله بدعة
 مسألة علم الله سبحانه وتعالى
 لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل
 لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث
 كل شيء مما أوجب الله عليه الفناء يفنى إلا الجنة والنار والعرش والكرسي والصُّوَر والقلم واللوح
 الإيمان بالقصاص يوم القيامة بين الخلق كلهم
 إخلاص العمل لله والرضا بقضاء الله
 الإيمان بالقضاء والقدر ومراتبه
 التكبير على الجنائز
 الإيمان بأن مع كل قطرة ملكًا
 الإيمان بأن المشركين قد سمعوا كلام النبي صلى الله عليه وسلم حين كلم أهل القليب
 الإيمان بأن الرجل إذا مرض آجره الله على مرضه، والشهيد يأجره الله على شهادته
 مسألة ألم الأطفال
 مسألة الظلم والعدل، وأن الظلم محرم على الله سبحانه وتعالى
 الطعن في الآثار من علامات أهل البدع
 الكلام والجدل والخصومة في القدر خاصة منهي عنه
 الإسراء والمعراج
 أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في الجنة
 سؤال الملكين في القبر
 اعلم أن الشر بقضاء الله وقدره
 الإيمان بأن الله هو الذي كلّم موسى بن عمران يوم الطور
 العقل مخلوق من خلق الله سبحانه وتعالى
 الإنسان غير مجبور على الضلال
 لا يحل أن تكتم النصيحة أحدًا من المسلمين
 الله سميع بصير عليم
 أسئلة
 البشارة عند الموت ثلاث بشارات
 رؤية الله عز وجل في الآخرة
 وصية من مشفق بالابتعاد عن علم الكلام
 الله عزّ وجلّ هو خالق الأسباب
 إقامة الصلاة
 الزكاة ونصابها
 أول الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله
 البيع والشراء
 الخوف والرجاء
 الإيمان بأن الله تبارك وتعالى أَطْلَعَ نبيَّه على ما يكون في أمته إلى يوم القيامة
 تَفرّق الأمة
 تحريم المتعة والاستحلال
 معرفة فضل قرابة النبي صلى الله عليه وسلم
 حرص أهل العلم على إظهار الحق ودحر البدع
 الهمج الرعاع أصل كل بدعة
 الطائفة المنصورة
 ليس العلم بكثرة الرواية
 القول على الله بغير علم
 متابعة ما كان عليه الصحابة والحذر من البدع
 أصول البدع أربعة
 الإنسان قد يدخل الدين بكلمة ويخرج بكلمة
 دعوة من المؤلف لمن قرأ هذا الكتاب
 الحذر في زمان الفتن وأصحاب البدع
 أسئلة
 الكفّ عما شجر بين أصحاب النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم
 لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس
 الأصل في المكاسب الحل
 الصلاة خلف أهل البدع
 الإيمان بأن أبا بكر وعمر مدفونان في حجرة عائشة رضي الله عنها
 الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
 السّلام من شعائر الدين
 صلاة الجمعة والجماعة
 الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باليد واللسان والقلب بلا سيف
 المستور من المسلمين من لم تظهر له ريبة
 كل علم ادّعاه العباد من علم الباطن لم يوجد في الكتاب والسُّنَّة فهو بدعة
 لا يحل لامرأة أن تهب نفسها لرجل بعد النبي صلى الله عليه وسلم
 الطعن في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
 الطعن في الآثار
 جَور السلطان والدعاء عليه
 أمهات المؤمنين
 صلاة الجماعة من سُنَن الهدى
 الضابط في الحلال والحرام والمشبوه
 المستور والمفسوق
 أهل السُّنَّة يبغي عليهم أهل الأهواء بالألقاب
 أثر عبد الله بن المبارك
 حب الصحابة علامة للسنة والحذر ممن يجالس أهل البدع والأهواء
 الأهواء كلها رديّة تردي صاحبها إلى النار
 من طعن في الصحابة إنما أراد به الطعن في النبي صلى الله عليه وسلم
 النهي عن مجالسة أهل البدع والأهواء
 الامتحان في السُّنَّة
 الاستقامة في البعد عن علم الكلام وأهله وعدم مجاوزة الأثر
 ادعاء الجهمية تعظيم الله عز وجل
 البعد عن أهل البدع وعدم مجالسته والنهي عن الجدال
 أصل الأهواء أربعة ثم تشعبت، وكيف يخرج الإنسان منها
 إيمان الروافض بالرجعة واعتقادهم في الإمامة
 تفضيل الصحابة بعضهم على بعض
 لا تفرد الصلاة على أحد إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم
 اتفاق أهل السنة أن عثمان رضي الله عنه قتل مظلوما
 الإقرار بالكتاب وبكل ما جاء فيه
 الصبر على السُّنَّة والثبات عليها من أعظم ما تُنال به الدرجات وتُكَفَّرُ به السيئات
شرح شرح السنة - حرص أهل العلم على إظهار الحق ودحر البدع

واعلم رحمك الله أن أهل العلم لم يزالوا يردُّون قول الجهمية حتى كان في خلافة بني فلان


يقصد بني العباس، هو كان في حاضرة الدولة العباسية ويكني، وصار له قصة مع الحكام في زمانه وكان مختفيًا رحمه الله تعالى وكان له أحداث.


واعلم رحمك الله أن أهل العلم لم يزالوا يردُّون قول الجهمية حتى كان في خلافة بني فلان؛ تكلم الرويبضة في أمر العامة، وطعنوا على آثار رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وأخذوا بالقياس والرأي، وكفروا من خالفهم، فدخل في قولهم الجاهل والمغفل والذي لا عِلْم له حتى كفروا من حيث لا يعلمون، فهلكت الأُمَّة من وجوه، وكفرت من وجوه، وتزندقت من وجوه، وضلّت من وجوه، وتفرّقت وابتدعت من وجوه؛ إلا من ثبت على قول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأَمْرِه وأمر أصحابه ولم يخَطِّئْ أحدًا منهم ولم يجاوز أمرهم ووسعه ما وسعهم، ولم يرغب عن طريقتهم ومذهبهم، وعَلِم أنهم كانوا على الإسلام الصحيح والإيمان الصحيح؛ فقلدهم دينهم واستراح.


هنا يتكلم عن المحنة، وقد قدمنا لك أن القول بخلق القرآن وقع من المأمون وامتحن الناس عليه ودعا الناس عليه، وزيّن له ابن أبي دؤاد القاضي المعتزلي -رئيس القضاة في ذاك الزمان- وأوقعه في أمور حتى من الناحية السياسية غلط، لأنه دخل في أمور لا طائل له منها، المأمون ومن بعده قلدوه وانتحلوا هذا القول، حتى صاروا يمتحنون الأطفال في الكتّاب -يعني الأطفال في مرحلة الكتّاب- كانوا يحفظونهم أن القرآن مخلوق، يريدون أن هذا القول ينتشر وأنه يبقى في الأُمَّة ويستقر، وصاروا يمتحنون الناس على ذلك، وربما جلدوا، وربما قتلوا، وربما عبثوا لأجل هذا، صاروا يكتبون الكتب للعلماء والولاة، اسأل فلانًا عن قوله في القرآن؛ فإن أجاب، صار بعضهم يعرِّض وصار بعضهم إلى الإجابة ورأى أنه مكره على ذلك؛ حتى فشا القول في هذا من غير نكير إلا الإمام أحمد، أنكر هذا القول فتوقف الأمر وإلا كانوا يريدون أن ينشروا هذه العقيدة، ثم أزال الله سبحانه تعالى هذه المحنة في عهد المتوكل، المأمون امتحن وهلك، ثم المعتصم، ثم الواثق ثم زالت على يد المتوكل وأظهر السُّنَّة.


وعَلِمَ أن الدين إنما هو بالتقليد والتقليد لأصحاب محمد صلّى الله عليه وسلّم.


يعني التقليد ليس المتابعة بغير دليل، إنما مقصود البربهاري هنا الاتباع، أما التقليد المذموم عند الأصوليين هو أن يتابع الإنسان من غير معرفة الدليل فهذا لا يريده البربهاري، وإنما يقصد ان تكون متابع لما جاء عن أصحاب رسول الله، الاتباع.


واعلم أن من قال: لفظي بالقرآن مخلوق فهو مبتدع، ومن سكت فلم يقل مخلوق ولا غير مخلوق؛ فهو جهمي، هكذا قال أحمد بن حنبل.


اللهم ارحم أحمد، الإمام أحمد بوقفته العظيمة صار بعد ذلك الناس يكتبون له الكتب والرسائل يا أحمد أكتب لنا عقيدتك في القرآن حتى نموت ونلقى الله عزّ وجلّ عليها، وصار الإمام أحمد رحمه الله مِحْنَة وأظهر الله به السُّنَّة، ولهذا ما ذكره لك البربهاري رحمه الله تعالى هي مسألة اللفظ -ونحن في شرح لمعة الاعتقاد قد قدمنا لكم شيئًا من ذلك- فمسألة اللفظ هذه مسألة حصلت فيها فتنة بين أهل السُّنَّة، صنفت فيها مصنفات في الرد، كل طائفة معها شيء من الحق، والأخرى معها شيء من الحق، وممن امتحن في هذه المسألة البخاري الإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله، وشُنِّع عليه في مسألة اللفظ، واتهموه بأشياء عفا الله عن الجميع، وممن كان وقف أمام البخاري عفا الله عنه وغفر له الحافظ يحيى بن خالد الذهلي، وانقسم الناس إلى قسمين: فئة تابعت البخاري وفئة تابعت يحيى بن خالد؛ منهم الرّازيان أبي حاتم وأبو زرعة، تكلموا في هذه المسألة وخاضوا فيها بسبب اللفظ المجمل، كما قد قدمت لك، اللفظ لفظ مجمل يحتاج تفصيل في هذه المسألة، ولهذا يقول ابن قتيبة: لم يختلف أهل الحديث في شيء من مذهبهم إلا في مسألة اللفظ، فعظمت الفتنة بين الطائفتين، كلهم يريد الحق، غفر الله لنا ولهم، ولكن الإنسان يستفيد من الدروس، يتبصر، لأن اللفظ، دائماً الخلاف قد يكون في الألفاظ المجملة، فإذا حدث الخلاف ينبغي الرجوع للقواعد الكلية، هذا يقوله شيخ الإسلام عند الخلاف يرجع إلى الجمل يعني القواعد الأساسية من أجل أن يجتمع الناس عليها خاصة إن كان الخلاف في دائرة السُّنَّة، إذا حدث الخلاق في الجزئيات يرجع إلى الجمل والقواعد الأساسية، ولهذا كما قد قال البربهاري رحمه الله تعالى، ولهذا الإمام أحمد قال: من قال: لفظي بالقرآن فهو جهمي، ومن قال: لفظي في القرآن غير مخلوق فهو مبتدع، منع النفي والإثبات، لا تقل مخلوق ولا غير مخلوق، لماذا؟ من قال لفظي في القرآن مخلوق -في رواية عن الإمام أحمد: يريد القرآن- فهو جهمي، ومن قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق فهو مبتدع، لاحظ أنه حكم بالتجهم على الأول والثاني بدَّعه، نحتاج للتفصيل، اللفظ المجمل يطلق على أمرين: إما التلفظ وإما الملفوظ، التلفظ يطلق عليه لفظ، والملفوظ يطلق عليه لفظ، فمن قال: إن القرآن مخلوق -يريد القرآن- يعني يريد الملفوظ؛ فهو جهمي، لأن القرآن كلام الله ووحيه وتنزيله ليس بمخلوق، من قال: القرآن مخلوق يريد القرآن يعني يريد الملفوظ فهو جهمي، لأن القرآن كلام الله ووحيه وتنزيله لا يقال: إنه مخلوق، ومن قال: إن القرآن غير مخلوق يريد التلفظ الذي هو من فعل الإنسان ومقدوره والذي يختلف بأحوال الناس؛ فهو مبتدع لأن هذا لم ترد فيه السُّنَّة؛ ولأنه لفظ مجمل، فهو مبتدع لا يقول مخلوق ولا غير مخلوق، بل يفصل، كما ذهب إلى ذلك الإمام أبو عبد الله البخاري، كان الحق معه في هذه المسألة، وهو الذي صنف خلق أفعال العباد رحمه الله تعالى، امتحن في هذه المسألة، إذًا التفصيل هو الذي يزول به الإشكال، الملفوظ هذا لا يتغير، فالقرآن الذي يقرأه زيد هو القرآن الذي يقرأه عبيد لا يتغير، لكن التلفظ يختلف، صوت زيد غير صوت عبيد، إذًا القرآن إن أُريد به الملفوظ فهو جهمي، ومن قال إنه غير مخلوق فهو مبتدع، فالأصل التفصيل، الملفوظ كلام الله ووحيه وتنزيله ليس بمخلوق، والتلفظ الذي هو من فعل الإنسان ومقدوره بحركة لسانه وشفتيه وحباله الصوتية؛ فهذا مخلوق، أما الملفوظ فهو كلام الله ليس بمخلوق، لذلك قال البربهاري: والواقفة هي طائفة قالوا: لا نقول: إن القرآن مخلوق ولا غير مخلوق، هؤلاء قال عنهم الإمام أحمد: الواقفة شرّ من الجهمية، وفي رواية أخبث من الجهمية، ما تكلم السلف في هذه المسألة إلا لما تكلم المعتزلة فبيّنوا الحق بالنصوص وردوا على من قال بأن القرآن مخلوق(1)، المسألة الأولى مسألة اللفظ، والمسألة الثانية هي التكلم في أصل المسألة وهي الوقوف، لا يقول في القرآن لا مخلوق ولا غير مخلوق، هؤلاء هم الواقفة الذين قال عنهم الإمام أحمد: هم أخبث من الجهمية.


واعلم أن من قال: لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، ومن سكت فلم يقل مخلوق ولا غير مخلوق فهو جهمي، هكذا قال أحمد بن حنبل.

وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا؛ فإياكم ومحدثات الأمور فإنها ضلالة، وعليكم بسنتي وسُنَّة الخلفاء الراشدين المهديين وعضوا عليها بالنواجذ»(2).

واعلم أنه إنما جاء هلاك الجهمية أنهم فكروا في الربِّ؛ فأثبتوا لم وكيف، وتركوا الأثر ووضعوا القياس، وقاسوا الدين على رأيهم؛ فجاءوا بالكفر عيانًا، لا يخفى أنه كفر، وأكفروا الخلقَ واضطرهم الأمر حتى قالوا بالتعطيل.


بدعة الجهمية شر البدع، ولهذا كفرهم السلف رحمهم الله، وقالوا: إن مآل القول بقول الجهمية إلى تعطيل الرب سبحانه وتعالى، ولهذا رؤوس الجهمية زنادقة، ولهذا قالوا: إن مآلهم إلى تعطيل وجود الرب سبحانه وتعالى، ولهذا كان بعض السلف يقول: إن مآل قول الجهمية هو أنه ليس إله فوق السماء وليس ثمّ إله يعبد! إلى الإلحاد والتعطيل والزندقة، هذا مآل قول الجهمية، والمصير الذي يصير إليه من بقول بهذا القول، ولهذا السلف رحمهم الله نقل عنهم تكفير الجهمية، ولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية وكلام الأئمة في تكفير الجهمية المحضة -تأمل العبارة- لأني ذكرت لك التجهم بلفظ عام غير التجهم باللفظ خاص، كلام الإمام أحمد يقول: تكفير الجهمية المحضة، لأن التجهم أنواع ودرجات، قال: وكلام الأئمة في تكفير الجهمية المحضة لا يمكن حصره إلا بكلفة بتعب ومشقة، ولهذا ذكر ابن القيم أن خمسين عالمًا من علماء أهل السُّنَّة -كما في النونية(3)- قالوا بتكفير الجهمية، وشرح أصول الاعتقاد لللالكائي والشريعة للآجري، كل كتب السُّنَّة طافحة بتكفير الجهمية ونقل كلام الأئمة في كفر الجهمية.


وقال بعض العلماء منهم أحمد بن حنبل، الجهمي كافر ليس من أهل القبلة، حلال الدم لا يرث ولا يورث لأنه قال: لا جمعة ولا جماعة ولا عيدين ولا صدقة، وقالوا: إن من لم يقل القرآن مخلوق فهو كافر، واستحلوا السيف على أُمَّة محمد صلّى الله عليه وسلّم.


ولهذا كانوا يحرّضون على قتل الإمام أحمد، وكان يقول ابن أبي دؤاد أو غيره اقتله ودمه في عنقي، والخلفاء ما امتنعوا من قتل الإمام أحمد إلا خشية العامة، لكن جلدوه وضربوه وآذوه، رحمه الله.


واستحلوا السيف على أُمَّة محمد صلّى الله عليه وسلّم، وخالفوا من كان قبلهم وامتحنوا الناس.


وهذه علامة على سائر أهل البدع أنهم يستحلون السيف على أمة محمد كما قال أبو قلابة الجرمي: افترقت بهم الأهواء واجتمعوا بهم على السيف؛ على الخروج على السلطان وعلى استحلال دماء أمة محمد صلّى الله عليه وسلّم، يستحلون دماء المسلمين، البدعة أعاذنا الله وإياكم منهم، هذا واقع حتى من المعاصرين من أهل البدع، تجدهم لا يبالون بمن خالفهم ومن خرج عن حزبهم وعن جماعتهم، -نسأل الله السّلامة والعافية- هذا نوع من أنواع استحلال دماء المسلمين، عدم المبالاة بهم.


وخالفوا من كان قبلهم وامتحنوا الناس بشيء لم يتكلم فيه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ولا أحد من أصحابه وأرادوا تعطيل المساجد والجوامع وأوهنوا الإسلام وعطلوا الجهاد.


انظر آثارهم الخبيثة على الأُمَّة، البدع، ولهذا البدع سبب لسقوط الدول، ظهور البدع سبب لسقوط الدول، وابن تيمية عالم بالتاريخ وعالم بالأحداث التاريخية، يقول: إن من أسباب سقوط دولة بني أمية ظهور الجعد والجهم وظهور آرائهم، يضعفون الدين، البدع، ويوهنون الدولة، وأهل الأهواء كما قلت لك لهم أجندة سياسية وأهداف سياسية في أقوالهم، يُحذر منهم، لهذا لا تستقيم الدول إلا بالاجتماع على السُّنَّة ونصرة السُّنَّة ونصرة التوحيد كما قال الله عزّ وجلّ: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ(4)، فإذا ظهر أهل البدع وصار لهم شأن وصار لهم رئاسة واستوزرهم الحاكم فلا تسلْ عن الفتن، لأنهم كالعقارب متى تمكنت لدغت، لهذا هم يدخلون مع السلاطين ويزينون للسلاطين، ويفعلون أشياء كثيرة جدًا.


وأوهنوا الإسلام وعطلوا الجهاد.


جعلوا بأس المسلمين بينهم، صاروا يمتحنون الناس، من لم يقل القرآن مخلوق؛ إما يحبس وإما يجلد، بينما كان ينبغي لهم أن يحرصوا على جمع المسلمين وعلى قتال الأعداء.


وعطلوا الجهاد وعملوا في الفرقة، وخالفوا الآثار، وتكلموا بالمنسوخ، واحتجوا بالمتشابه.


كما قال الإمام أحمد عنهم يشبهون على الناس، يستدلون بالمتشابه من النصوص، وهي علامة واضحة لأهل البدع، تجدهم يبحثون عن المتشابه ويشككون الناس في دينهم، ذكرت لكم فيما سبق الذي يسأل عن المتشابه صبيغ بن عسل الذي جلده عمر رضي الله عنه.


وتكلموا بالمنسوخ واحتجوا بالمتشابه، وشككوا الناس في آرائهم وأديانهم، واختصموا في ربهم، وقالوا: ليس عذاب قبر ولا حوض ولا شفاعة، والجنة والنار لم يُخلقا، وأنكروا كثيرًا مما قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؛ فاستحل من استحل دماءهم من هذا الوجه.


لأنهم كما ذكرت لك، عطلوا النصوص وكذبوا بالمتواتر وردوا أحاديث النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم.


لأن من رد آية من كتاب الله فقد رد الكتاب كله، ومن رد أثرًا عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقد رد الأثر كله، وهو كافر بالله العظيم، فدامت لهم المدة، ووجدوا من السلطان معونة على ذلك، ووضعوا السيف والسوط دون ذلك؛ فتُرِكَ عِلْمُ السُّنَّة والجماعة، وأوهنوهما وصارتا مكتومين لإظهار البدع والكلام فيها ولكثرتهم، واتخذوا المجالس واظهروا رأيهم.


هو قريب من عصر الإمام أحمد ويحكي لك الحالة التي كانت عليها أهل السُّنَّة من شيوع مقالة الجهمية.


وصارتا مكتومين لإظهار البدع والكلام فيها ولكثرتهم، واتخذوا المجالس وأظهروا رأيهم ووضعوا فيه الكتب.


أطمعوا الناس بالدنيا، صنفوا مصنفات وتولوا القضاء وصاروا لا يولون القضاء إلا من كان على مذهبهم وعلى نحلتهم الخبيثة، ينتحلون البدع لأجل الدنيا -نسأل الله السّلامة والعافية-، يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل.


ووضعوا فيه الكتب، وأطمعوا الناس وطلبوا لهم الرياسة، فكانت فتنة عظيمة لم ينجوا منها إلا من عصم الله، فأدنى ما كان يصيب الرجل من مجالستهم أن يشك في دينه، أو يتابعهم، أو يزعم أنهم على الحق، ولا يدري أنه على الحق أو على الباطل، فصار شاكًا فهلك الخلق، حتى كان أيام جعفر الذي يقال له المتوكل.


سبحان الله الذي يظهر السُّنَّة يظهر الله ذكره كما قال الله عزّ وجلّ: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ(5)، كل من عادى السُّنَّة فهو مقطوع مبتور مذموم، ولهذا المأمون وغيره يذكر بالذم والمعتصم والواثق يذمون، وسبحان الله المتوكل الذي أعزّ الله به السُّنَّة أظهر الله به السُّنَّة، ونهى الناس عن الانتحال في هذه المسألة أظهر الله عزّ وجلّ به السُّنَّة، فالصبر، قد تشيع البدعة وتظهر لكن لا بقاء لها، البقاء للسُّنَّة، ولهذا قد يكون للباطل صولة وجولة ولكن لا يكون له الدولة، الدولة للحق ولأهل الحق ولأهل السُّنَّة كما أخبر النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، والظهور للسُّنَّة ولأهل الحق.


حتى كان أيام جعفر الذي يقال له المتوكل، فأطفأ الله به البدع وأظهر به الحق، أظهر به أهل السُّنَّة وطالت ألسنتهم مع قلتهم وكثرة أهل البدع إلى يومنا هذا، والرسم وأعلام الضلالة قد بقي قوم يعملون بها ويدعون إليها؛ لا مانع يمنعهم ولا أحد يحجزهم عما يقولون وعما يعملون.


يعني فيما بعد ذلك، أنه قد ظهرت البدع وفسدت الناس، وصار الصراع بين السُّنَّة والبدعة.


(1) هنا يراجع الشيخ مع الطالب النسخة التي بينهما.
(2) صحيح. الترمذي (2676). صحيح الجامع (2549).
(3) لعل الشارح قصد خمسمائة، وهو قول ابن القيم رحمه الله: (ولقد تقلد كفرَهم خمسون في عشر من العلماء في البلدان).
(4) محمد: 7.
(5) الكوثر: 3.