موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - مَنْزِلَةُ أَهْلِ الْبَيْتِ النَّبَوِيِّ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ - شرح العقيدة الواسطية
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح العقيدة الواسطية لفضيلة الشيخ عبدالله بن عبدالعزيز العنقري
  
 
 شرح العقيدة الواسطية
 مقدمة الشارح
 مقدمة المؤلف
 اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة
 الإيمان تعريفه وأركانه
 الإيمان بأسماء الله وصفاته
 الإيمان بأسماء الله وصفاته من غير تكييف ولا تمثيل
 الله سبحانه وتعالى لا سمي له ولا كفو له ولا ند له
 الأسماء والصفات لا بد فيها من نفي وإثبات
 الأسماء والصفات في القرآن الكريم
 إِثْبَاتُ الْمَكْرِ وَالْكَيْدِ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ
 وَصْفُ اللَّهِ بِالْعَفْوِ وَالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالْعِزَّةِ وَالْقُدْرَةِ
 نَفْيُ الشَّرِيكِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى
 إِثْبَاتُ اِسْتِوَاءِ اللَّهِ عَلَى عَرْشِهِ
 إِثْبَاتُ عُلُوِّ اللَّهِ عَلَى مَخْلُوقَاتِهِ
 إِثْبَاتُ مَعِيَّةِ اللَّهِ لِخَلْقِهِ
 إِثْبَاتُ الْكَلَامِ لِلَّهِ تَعَالَى
 إِثْبَاتُ تَنْزِيلِ الْقُرْآنِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى
 إِثْبَاتُ رُؤْيَةِ الْمُؤْمِنِينَ لِرَبِّهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
 الِاسْتِدْلَالُ عَلَى إِثْبَاتِ أَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ مِنَ السُّنَّةِ
 مَوْقِفُ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي فِيهَا إِثْبَاتُ الصِّفَاتِ الرَّبَّانِيَّةِ
 مَكَانَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ بَيْنَ فِرَقِ الْأُمَّةِ
 وُجُوبُ الْإِيمَانِ بِاسْتِوَاءِ اللَّهِ عَلَى عَرْشِهِ وَعُلُوِّهِ عَلَى خَلْقِهِ وَمَعِيَّتِهِ لِخَلْقِهِ وَأَنَّهُ لَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا
 وُجُوبُ الْإِيمَانِ بِأَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ حَقِيقَةً
 وُجُوبُ الْإِيمَانِ بِرُؤْيَةِ الْمُؤْمِنِينَ لِرَبِّهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَوَاضِعِ الرُّؤْيَةِ
 مَا يَدْخُلُ فِي الْإِيمَانِ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ
 حَوْضٌ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم وَمَكَانُهُ وَصِفَاتُهُ
 الصِّرَاطُ مَعْنَاهُ وَمَكَانُهُ وَصِفَةُ مُرُورِ النَّاسِ عَلَيْهِ
 شَفَاعَاتُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم
 إِخْرَاجُ اللَّهِ بَعْضَ الْعُصَاةِ مِنَ النَّارِ بِرَحْمَتِهِ وَبِغَيْرِ شَفَاعَةٍ
 الْإِيمَانُ بِالْقَدَرِ وَمَرَاتِبِ الْقَدَرِ
 حَقِيقَةُ الْإِيمَانِ وَحُكْمُ مُرْتَكِبِ الْكَبِيرَةِ
 الْوَاجِبُ نَحْوَ الصَّحَابَةِ وَذِكْرُ فَضَائِلِهِمْ
 مَنْزِلَةُ أَهْلِ الْبَيْتِ النَّبَوِيِّ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ
 مَوْقِفُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فِي كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ
 صِفَاتُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ
 بَيَانُ مُكَمِّلَاتِ الْعَقِيدَةِ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَمَحَاسِنِ الْأَعْمَالِ الَّتِي يَتَحَلَّى بِهَا أَهْلُ السُّنَّةِ
شرح العقيدة الواسطية - مَنْزِلَةُ أَهْلِ الْبَيْتِ النَّبَوِيِّ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ

وَيُحِبُّونَ أَهْلَ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَيَتَوَلَّوْنَهُمْ، وَيَحْفَظُونَ فِيهِمْ وَصِيَّةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ حَيْثُ قَالَ يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ: «أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»(1).

وَقَالَ أَيْضًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْعَبَّاسِ عَمِّهِ؛ وَقَدْ شَكَا إِلَيْهِ أَنَّ بَعْضَ قُرَيْشٍ يَجْفُو بَنِي هَاشِمٍ؛ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ؛ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحِبُّوكُمْ لِلَّهِ وَلِقَرَابَتِي»(2)، وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى بَنِي إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيلَ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ كِنَانَةَ قُرَيْشًا، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ»(3).

وَيَتَوَلَّوْنَ أَزْوَاجَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَيُؤْمِنُوْنَ بِأَنَّهُنَّ أَزْوَاجُهُ بِالْآخِرَةِ، خُصُوصًا خَدِيجَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أُمَّ أَكْثَرِ أَوْلَادِهِ، وَأَوَّلَ مَنْ آمَنَ بِهِ وَعَاضَدَهُ عَلَى أَمْرِهِ، وَكَانَ لَهَا مِنْهُ الْمَنْزِلَةُ الْعَلِيَّةُ، وَالصِّدِّيقَةَ بِنْتَ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا الَّتِي قَالَ فِيهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ»(4).

وَيَتَبَرَّؤُونَ مِنْ طَرِيقَةِ الرَّوَافِضِ الَّذِينَ يُبْغِضُونَ الصَّحَابَةَ وَيَسُبُّونَهُمْ، وَطَرِيقَةِ النَّوَاصِبِ الَّذِينَ يُؤْذُونَ أَهْلَ الْبَيْتِ، بِقَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ.

وَيُمْسِكُونَ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ، وَيَقُولُونَ: إِنَّ هَذِهِ الْآثَارَ الْمَرْوِيَّةَ فِي مَسَاوِيهِمْ: مِنْهَا: مَا هُوَ كَذِبٌ، وَمِنْهَا مَا قَدْ زِيدَ فِيهِ وَنُقِصَ، وَغُيِّرَ عَنْ وَجْهِهِ، وَالصَّحِيحُ مِنْهُ هُمْ فِيهِ مَعْذُورُونَ، إِمَّا مُجْتَهِدُونَ مُصِيبُونَ، وَإِمَّا مُجْتَهِدُونَ مُخْطِئُونَ.

وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ لَا يَعْتَقِدُونَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُم مَعْصُومٌ عَنْ كَبَائِرِ الْإِثْمِ وَصَغَائِرِهِ، - بَلْ يَجُوزُ عَلَيْهِمُ الذُّنُوبُ فِي الْجُمْلَةِ، وَلَهُمْ مِنَ السَّوَابِقِ وَالْفَضَائِلِ مَا يُوجِبُ مَغْفِرَةَ مَا يَصْدُرُ مِنْهُمْ إِنْ صَدَرَ، حَتَّى إِنَّهُ يُغْفَرُ لَهُمْ مِنَ السَّيِّئَاتِ مَا لَا يُغْفَرُ لِمَنْ بَعْدَهُمْ، لِأَنَّ لَهُمْ مِنَ الْحَسَنَاتِ الَّتِي تَمْحُو السَّيِّئَاتِ مَا لَيْسَ لِمَنْ بَعْدَهُمْ.

وَقَدْ ثَبَتَ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُمْ خَيْرُ الْقُرُونِ(5)، وَأَنَّ الْمُدَّ مِنْ أَحَدِهِمْ إِذَا تَصَدَّقَ بِهِ(6)؛ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ جَبَلِ أُحُدٍ ذَهَبًا مِمَّنْ بَعْدَهُمْ، ثُمَّ إِذَا كَانَ قَدْ صَدَرَ مِنْ أَحَدِهِمْ ذَنْبٌ؛ فَيَكُونُ قَدْ تَابَ مِنْهُ أَوْ أَتَى بِحَسَنَاتِ تَمْحُوهُ، أَوْ غُفِرَ لَهُ بِفَضْلِ سَابِقَتِهِ، أَوْ بِشَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِينَ هُمْ أَحَقُّ النَّاسِ بِشَفَاعَتِهِ، أَوْ ابْتُلِيَ بِبَلَاءٍ فِي الدُّنْيَا كُفِّرَ بِهِ عَنْهُ، فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي الذُّنُوبِ الْمُحَقَّقَةِ؛ فَكَيْفَ بِالْأُمُورِ الَّتِي كَانُوا فِيهَا مُجْتَهِدِينَ إِنْ أَصَابُوا؛ فَلَهُمْ أَجْرَانِ، وَإِنْ أَخْطَأُوا؛ فَلَهُمْ أَجْرٌ وَاحِدٌ، وَالْخَطَأُ مَغْفُورٌ.

ثُمَّ إِنَّ الْقَدْرَ الَّذِي يُنْكَرُ مِنْ فِعْلِ بَعْضِهِمْ قَلِيلٌ نَزْرٌ مَغْفُوْرٌ فِي جَنْبِ فَضَائِلِ الْقَوْمِ وَمَحَاسِنِهِمْ مِنْ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ، وَالْهِجْرَةِ، وَالنُّصْرَةِ، وَالْعِلْمِ النَّافِعِ، وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَمَنْ نَظَرَ فِي سِيرَةِ الْقَوْمِ بِعِلْمٍ وَبَصِيرَةٍ، وَمَا مَنَّ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ بِهِ مِنَ الْفَضَائِلِ؛ عَلِمَ يَقِينًا أَنَّهُمْ خَيْرُ الْخَلْقِ بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ، لَا كَانَ وَلَا يَكُونُ مِثْلُهُمْ، وَأَنَّهُمْ الصَّفْوَةِ مِنْ قُرُونِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، الَّتِي هِيَ خَيْرُ الْأُمَمِ وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللَّهِ.


ذكر بعد ذلك ما يتعلق بآل بيت النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وآل بيته هم قرابته عليه الصّلاة والسّلام كآل جعفر وآل علي وآل العباس رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، ولا شك ولا ريب أن مما يدخل في آل بيت النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم زوجاتُه بنص القرآن، فإن الآية التي قال الله تعالى فيها: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ(7)، جاءت في سياقها وسباقها كلها متعلقة بزوجات النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بدءًا من قوله ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ(8) إلى قوله تعالى ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ(9)، في أثناء هذه الآيات قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ(10)، فلا شك أن زوجة المرء من أهل بيته، ولهذا قال الله تعالى لزوجة ابراهيم ولم يكن إلا إبراهيم وزوجه سارة لما بُشِّرَت بإسحاق قالت: ﴿قَالَتْ يَاوَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ(11) ماذا قالت الملائكة في أثناء كلامهم؟ ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ(12) مَنِ الموجود؟ إبراهيم وزوجه، فهم أهل البيت، فلا شك أن أمهات المؤمنين رضي الله تعالى عنهم داخلات في هذا، ولهذا سبُّ أمهات المؤمنين سبٌّ لآل البيت لا شك فيه، لأن آل البيت أصناف، منهم آل علي، منهم آل العباس، منهم آل جعفر، ومنهم زوجات النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فيحب أهلُ السُّنَّة آلَ بيت النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم لأن مَنْ أحب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أحبَّ أهلَ بيته، كما أن من أحبه أحبَّ أصحابه رضي الله عنهم، بل كان الصحابة رضي الله عنهم يحبون حتى ناقته عليه الصّلاة والسّلام فلما جاء أعرابي على قعود؛ فسبق القصواء اشتد ذلك على الصحابة(13)، فالمؤمن يحب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ويحب كل ما حوله من مواليه ومن آل بيته ومن أصحابه رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، لأن محبته له عليه الصّلاة والسّلام تقتضي محبةَ كلَّ ما حوله - من أهل الإيمان طبعًا - من أصحابه، من أهل بيته، من مواليه عليه الصّلاة والسّلام، فإن مولى القوم منهم، ويرعون وصية رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لقوله «أذكركم الله في أهل بيتي»(14) فالنَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أَمَرَ الأُمَّة أن تَرْعى أمرَ أهل البيت، ولهذا قال أبو بكر رضي الله عنه: ارقبوا محمد صلّى الله عليه وسلّم في آلِ بيته، والله لقرابةٌ محمد صلّى الله عليه وسلّم أحبُّ إليَّ أن أصِلَ من قرابتي(15)، رواه البخاري، أما الحديث الذي ذكره العباس أن بعض قريش كان يهجو بني هاشم فالظاهر أن الحديث هذا لا يثبت لأن في سنده يزيد بن أبي زياد، ثم الحديث الثالث قوله عليه الصّلاة والسّلام «إن الله اصطفى بني إسماعيل، واصطفى من بني إسماعيل كنانة» (16) بنو إسماعيل مصطفون ولهم مزية، الله تعالى اصطفى من بني إسماعيل كِنانة، مَنْ كِنانة هذا؟ هو الأب الرابع عشر للنَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يعني جده الرابع عشر، واصطفى من كنانة قريشًا، قريش هو الأب الحادي عشر للنَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وهو فِهر بن مالك، وقيل: بل هو الأب الثالث عشر للنَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وهو النَّضر بن كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفى من بني هاشم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فهو خيار من خيار من خيار عليه الصّلاة والسّلام وعلى آله وصحبه.

وقال بعد ذلك: ويتولون أزواج النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أمهات المؤمنين، وهذا الاسم عظيم جدًا سُمِّيْنَ به في القرآن ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ(17)، تسمية من أعظم الأدلة على مكانة أمهات المؤمنين وعظم إيمانهن، فهُنَّ أمهات لكل مؤمن من عربي أو أعجمي ممن كان زمن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أو ممن يأتي بعده، عائشة وخديجة وحفصة كلهن رضي الله عنهن أم لكل مؤمن، لكن مَنْ ليس بمؤمن ليست أمًّا له، ذاك الذي يشتمها ويلعنها ويُكَفِّرُهَا لا تستغرب منه، لأنه ليس من المؤمنين لتكون أُمَّه، ولا يُستغرب على الكافر أن يشتم أم المؤمنين، أما أن يكون مؤمنًا ويشتم أُمَّه فيخسأ؛ لا يكون مؤمنًا، ولهذا التعرض لأزواج النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ولأصحاب النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم من أنهض الأدلة ومن أَبْيَنِهَا على كفر هذا الذي تعرض لهن، تسمية الله لهن بأمهات المؤمنين تسمية عظيمة جدًا، إضافة، مضاف، ومضاف إليه، الجامع هو الإيمان، وهي أم للمؤمن، أما من ليس بمؤمن فلا يستغرب أن يتعرَّض لهن، ويؤمنُ أهلُ السُّنَّة بأنهن زوجاته في الآخرة لأن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أمره الله أن يُخيرهن ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا(28)وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا(18)، فاتفقن جميعًا رضي الله عنهن على أن لا يخترن على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم زينةَ الدنيا، ولهذا لاحظ الآية بعدها؛ حرَّم الله على أحب خلقه إليه رسول الله حرَّم عليه الزواج بغيرهن ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ(19)، يدل على ماذا؟ على عِظَمِ شأنهن، بعد أن اخترنَ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم حرَّم الله على نبيه أن يتزوج سِواهن، لكن كما قال الله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ(20)، يعني مَنْ يتعرضون لأمهات المؤمنين رضي الله عنهم مِنْ هؤلاء الروافض وأمثالهم كأنهم لا يقرؤون القرآن، يتعرضون للصحابة مع ما فيه من الرضى العظيم عنهم وتزكية الله لما في قلوبهم ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ(21)، ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا(22)، ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ(23)، أشياء كثيرة جدًا ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى(24)، كلهم موعودون بالجنة رضي الله عنهم، لكن الفرق بينهم أن منهم من هو أرفع درجة ممن كان قد آمن قبل الفتح وقاتل فهو أرفع درجة ممن آمن بعد الفتح وقاتل، فالدرجة هي المتفاوتة، والموعودون جميعًا موعودون بالجنة، ولهذا قال أهل العلم: إن مَنْ كفرهم جميعًا أو سبّهم جميعًا يكفر، لأن هذا تكذيب ظاهر للقرآن.

ثم قال رحمه الله تعالى، ذكر مسألة بين أهل العلم، من الأفضل خديجة أو عائشة؟ من أهل العلم من يقول: خديجة أفضل، ومنهم من يقول: بل عائشة أفضل، ومنهم من يقول بالنظر إلى أول الإسلام مقام خديجة أعظم ولم تدركه عائشة، وبالنظر إلى آخر الأمر وما جعل الله تعالى على يد الصديقة رضي الله عنها عائشة من النقل العظيم لسُنَّة النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم؛ وما جعل الله تعالى من حادثة الإفك التي رفعها الله بها رفعة عظيمة قال تعالى: ﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ(25)، حتى صارت آيات تُتلى في شأنه رضي الله عنها وأرضاها لا شك أن هذا الأمر يدل على مكانة عظيمة لعائشة رضي الله عنها، ولهذا قال بعض أهل العلم: يقال: خديجة رضي الله عنها أفضل من جهة البداية وعائشة أفضل من جهة آخر الأمر، فهذه أدركت مزية وهذه أدركت مزية، ومقتضى هذا الكلام هو التسوية، وقال آخرون: بل تُفَضَّلُ خديجة جزماً، وقال آخرون: بل تُفَضَّلُ عائشة رضي الله عنها جزماً، بناءً عليه تبَرَّأ أهل السُّنَّة من طريقة الروافض الذين يشتمون أصحابَ النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ويبغضونهم ويسبونهم؛ ومن عكسهم وهم النواصب الذين يتعرضون لآل بيت النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم كالخوارج والنواصب الذين كانوا من بني مروان وأمثالهم ممن كانوا يتعرضون لهم، يَبْرَأُ أهلُ السُّنَّة من هذا كله، ويتعرضوا من طريق الروافض والنواصب على حد سواء.

الآثار التي تأتي في مساوي الصحابة رضي الله عنهم قال: هي على ثلاثة أنواع، منها ما هو كذب وهذا كثير جدًا مما كتبه الرافضة وافتروه، ومنها ما قد غُيِّرَ عن وجهه بأن يُزاد فيه أو يُنقص؛ بحيث يكون أصل الموضوع ثابتًا لكن زِيد فيه أو نقصت بعض الأمور فحذفت وبترت؛ فصار الأمر غير واضح، والصحيح الثابت هم رضي الله عنهم فيه مجتهدون، كما وقع في صفّين والجمل، هم مجتهدون رضي الله عنهم، منهم من اجتهد وأصاب ومنهم من اجتهد فأخطأ، وأهل السُّنَّة رضي الله عنهم لا يقولون: إنهم معصومون، لكن يقولون: لهم من السابقة والفضل والجهاد ونصرة الإسلام ما يقتضي بإذن الله تعالى تكفيرَ ما وقع منهم، ولا يجوز أن التعرض لما شَجَر بينهم، وهي من العلامات البيّنة، من تعرض لأي صحابي أيًا كان فهذه من علامات كونه قد خرج عن السُّنَّة ـ قال أحمد رحمه الله لمَّا قيل له في رجل يسبّ معاوية أيصلى خلفه؟ قال: لا؛ ولا كرامة(26)، وقال بعض السلف: معاوية رضي الله عنه سِترٌ لأصحاب محمد صلّى الله عليه وسلّم؛ فمن انتهك السترَ ذهب إلى ما بعده(27)، هم يبدؤون بمعاوية، ثم يأتون إلى عمرو، ثم من وَلَّى معاوية، ثم يقولون عثمان، ويتسلسل هذا الأمر، فالواجب أن يذكر هذا، والواقع أن الواجب على أهل السُّنَّة أن أي أحد يتعرض لأصحاب النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أو لآل بيته أن تُعَدَّ هذه من جرائمه الكبار، وقد قتل السلف رضي الله عنهم الروافضَ الذين تعرَّضوا لأبي بكر ولعمر رضي الله عنهما قتلوهم قتلًا - قتلوهم بحكم القاضي؛ ليس يؤخذ فيقتل -  يذهب به إلى القاضي فيحكم القاضي فيه بالقتل، كما فرح أحمد رحمه الله لما قُتِلَ الرافضي الذي كان يشتم أبا بكر وعمر، أمور عظام، إذا سُبَّ الصحابة فلا تستغرب أن يُسبّ أي أحد، إذا نِيْلَ  من الصحابة لا يستغرب أن يُنال من أي أحد، ليس بعد النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أحدٌ وبعد الأنبياء أحدٌ بقدر هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم، ولهذا من نظر كما قال رحمه الله في سيرهم عَلِمَ أنه لا كان – يعني من السابقين - ولا يكون ممن يأتي بعدهم مثل أصحاب محمد صلّى الله عليه وسلّم رضي الله عنهم وأرضاهم وهم رضي الله عنهم غير معصومين، لكن لا شك أنه قد يقع منهم حتى من المعاصي هم على ما ذكر السابقة التي لهم مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، والشفاعة شفاعة النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم هم أحق الناس بها؛ وما قد يُبتلى به الواحد منهم كما يُبتلى أي مؤمن ببلاءٍ في نفسه أو في ماله أو في أهله، كل هذا من الممحصات التي يمحص الله بها عنهم رضي الله تعالى عنهم، فلا يحل التعرّض لهم من قبل أحد كائناً من كان.


(1) صحيح مسلم (2408).
(2) ضعيف. أحمد (1776). ضعيف الجامع (5033).
(3) صحيح مسلم (2276).
(4) صحيح البخاري (3411).
(5) صحيح البخاري (2652).
(6) صحيح البخاري (3673).
(7) الأحزاب: 33.
(8) الأحزاب: 28.
(9) الأحزاب: 34.
(10) الأحزاب: 33.
(11) هود: 72.
(12) هود: 73.
(13) صحيح البخاري (2872).
(14) سبق تخريجه.
(15) صحيح البخاري (3711).
(16) سبق تخريجه.
(17) الأحزاب: 6.
(18) الأحزاب: 28، 29.
(19) الأحزاب: 52.
(20) النور: 40.
(21) الفتح: 18.
(22) الحشر: 8.
(23) الفتح: 18.
(24) الحديد: 10.
(25) النور: 11.
(26) مسائل ابن هانئ النيسابوري (60/1).
(27) البداية والنهاية (8/ 148) عن الربيع بن نافع الحلبي.