موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - الْإِيمَانُ بِالْقَدَرِ وَمَرَاتِبِ الْقَدَرِ - شرح العقيدة الواسطية
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح العقيدة الواسطية لفضيلة الشيخ عبدالله بن عبدالعزيز العنقري
  
 
 شرح العقيدة الواسطية
 مقدمة الشارح
 مقدمة المؤلف
 اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة
 الإيمان تعريفه وأركانه
 الإيمان بأسماء الله وصفاته
 الإيمان بأسماء الله وصفاته من غير تكييف ولا تمثيل
 الله سبحانه وتعالى لا سمي له ولا كفو له ولا ند له
 الأسماء والصفات لا بد فيها من نفي وإثبات
 الأسماء والصفات في القرآن الكريم
 إِثْبَاتُ الْمَكْرِ وَالْكَيْدِ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ
 وَصْفُ اللَّهِ بِالْعَفْوِ وَالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالْعِزَّةِ وَالْقُدْرَةِ
 نَفْيُ الشَّرِيكِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى
 إِثْبَاتُ اِسْتِوَاءِ اللَّهِ عَلَى عَرْشِهِ
 إِثْبَاتُ عُلُوِّ اللَّهِ عَلَى مَخْلُوقَاتِهِ
 إِثْبَاتُ مَعِيَّةِ اللَّهِ لِخَلْقِهِ
 إِثْبَاتُ الْكَلَامِ لِلَّهِ تَعَالَى
 إِثْبَاتُ تَنْزِيلِ الْقُرْآنِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى
 إِثْبَاتُ رُؤْيَةِ الْمُؤْمِنِينَ لِرَبِّهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
 الِاسْتِدْلَالُ عَلَى إِثْبَاتِ أَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ مِنَ السُّنَّةِ
 مَوْقِفُ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي فِيهَا إِثْبَاتُ الصِّفَاتِ الرَّبَّانِيَّةِ
 مَكَانَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ بَيْنَ فِرَقِ الْأُمَّةِ
 وُجُوبُ الْإِيمَانِ بِاسْتِوَاءِ اللَّهِ عَلَى عَرْشِهِ وَعُلُوِّهِ عَلَى خَلْقِهِ وَمَعِيَّتِهِ لِخَلْقِهِ وَأَنَّهُ لَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا
 وُجُوبُ الْإِيمَانِ بِأَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ حَقِيقَةً
 وُجُوبُ الْإِيمَانِ بِرُؤْيَةِ الْمُؤْمِنِينَ لِرَبِّهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَوَاضِعِ الرُّؤْيَةِ
 مَا يَدْخُلُ فِي الْإِيمَانِ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ
 حَوْضٌ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم وَمَكَانُهُ وَصِفَاتُهُ
 الصِّرَاطُ مَعْنَاهُ وَمَكَانُهُ وَصِفَةُ مُرُورِ النَّاسِ عَلَيْهِ
 شَفَاعَاتُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم
 إِخْرَاجُ اللَّهِ بَعْضَ الْعُصَاةِ مِنَ النَّارِ بِرَحْمَتِهِ وَبِغَيْرِ شَفَاعَةٍ
 الْإِيمَانُ بِالْقَدَرِ وَمَرَاتِبِ الْقَدَرِ
 حَقِيقَةُ الْإِيمَانِ وَحُكْمُ مُرْتَكِبِ الْكَبِيرَةِ
 الْوَاجِبُ نَحْوَ الصَّحَابَةِ وَذِكْرُ فَضَائِلِهِمْ
 مَنْزِلَةُ أَهْلِ الْبَيْتِ النَّبَوِيِّ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ
 مَوْقِفُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فِي كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ
 صِفَاتُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ
 بَيَانُ مُكَمِّلَاتِ الْعَقِيدَةِ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَمَحَاسِنِ الْأَعْمَالِ الَّتِي يَتَحَلَّى بِهَا أَهْلُ السُّنَّةِ
شرح العقيدة الواسطية - الْإِيمَانُ بِالْقَدَرِ وَمَرَاتِبِ الْقَدَرِ

وَتُؤْمِنُ الْفِرْقَةُ النَّاجِيَةُ -أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ(1)- بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ.

وَالإِيمَانُ بِالْقَدَرِ عَلَى دَرَجَتَينِ؛ كُلُّ دَرَجَةٍ تَتَضَمَّنُ شَيْئَيْنِ.

فَالدَّرَجَةُ الأُولَى: الإيمَانُ بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى عَلِيمٌ بِالْخَلْقِ وَهُمْ عَامِلُونَ بِعِلْمِهِ الْقَدِيمِ الَّذِي هُوَ مَوْصُوفٌ بِهِ أَزَلاً وَأَبَدًا، وَعَلِمَ جَمِيعَ أَحْوَالِهِم مِّنَ الطَّاعَاتِ وَالْمَعَاصِي وَالأَرْزَاقِ وَالآجَالِ، ثُمَّ كَتَبَ اللهُ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ مَقَادِيرَ الْخَلْقِ، فَأَوَّلُ مَا خَلَقَ اللهُ الْقَلَمَ قَالَ لَهُ: اكْتُبْ. قَالَ: مَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبْ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ(2).

فَمَا أَصَابَ الإِنْسَانَ لَمْ يَكُن لِّيُخْطِئَهُ، وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُن لِّيُصِيبَهُ، جَفَّتِ الأَقْلاَمُ، وَطُوِيَتِ الصُّحُفُ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَم تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاء وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ(3)، وَقَال: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا في أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ(4). وَهَذَا التَّقْدِيرُ التَّابِعُ لِعِلْمِهِ سُبْحَانَهُ يَكُونُ فِي مَوَاضِعَ جُمْلَةً وَتَفْصِيلاً، وَقَدْ كَتَبَ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ مَا شَاءَ.

وَإِذَا خَلَقَ جَسَدَ الْجَنِينِ قَبْلَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ؛ بَعَثَ إِلَيْهِ مَلَكًا، فَيُؤْمَرُ بِأْرْبَعِ كَلِمَاتٍ، فَيُقَالُ لَهُ: اكْتُبْ: رِزْقَهُ، وَأَجَلَهُ، وَعَمَلَهُ، وَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ وَنَحْوَ ذَلِكَ. فَهَذَا التَّقْدِيرُ قَدْ كَانَ يُنْكِرُهُ غُلاةُ الْقَدَرِيَّةِ قَدِيمًا، وَمُنْكِرُهُ الْيَوْمَ قَلِيلٌ.

وَأَمَّا الدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ؛ فَهِيَ مَشِيئَةُ اللهِ النَّافِذَةُ، وَقُدْرَتُهُ الشَّامِلَةُ، وَهُوَ: الإِيمَانُ بِأَنَّ مَا شَاءَ اللهُ كَانَ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وَأَنَّهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ حَرَكَةٍ وَلاَ سُكُونٍ؛ إلاَّ بِمَشِيئَةِ اللهِ سُبْحَانَهُ، لاَ يَكُونُ فِي مُلْكِهِ مَا لاَ يُرِيدُ، وَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ مِنَ الْمَوْجُودَاتِ وَالْمَعْدُومَاتِ، فَمَا مِنْ مَخْلُوقٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ إلاَّ اللهُ خَالِقُهُ سُبْحَانَهُ، لا خَالِقَ غَيْرُهُ، وَلاَ رَبَّ سِوَاهُ.

وَمَعَ ذَلِكَ؛ فَقَدْ أَمَرَ الْعِبَادَ بِطَاعَتِهِ وَطَاعَةِ رُسُلِهِ، وَنَهَاهُمْ عَنْ مَعْصِيَتِهِ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ وَالْمُحْسِنِينَ وَالْمُقْسِطِينَ، وَيَرْضَى عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ.

وَلا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ، وَلاَ يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ، وَلاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ، وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهُ الْكُفْرَ، وَلاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ.

وَالْعِبَادُ فَاعِلُونَ حَقِيقَةً، وَاللَّهُ خَالِقُ أفْعَالَهُم، وَالْعَبْدُ هُوَ: الْمُؤْمِنُ، وَالْكَافِرُ، وَالْبَرُّ، وَالْفَاجِرُ، وَالْمُصَلِّي، وَالصَّائِمُ.

وِلِلْعِبَادِ قُدْرَةٌ عَلَى أَعْمَالِهِمْ، وَلَهُمْ إِرَادَةٌ، وَاللهُ خَالِقُهُمْ وَقُدْرَتَهُمْ وَإِرَادَتَهُمْ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ(24)، ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ(25)، وَهَذِهِ الدَّرَجَةُ مِنَ الْقَدَرِ يُكَذِّبُ بِهَا عَامَّةُ الْقَدَرِيَّةِ الَّذِينَ سَمَّاهُمُ النَّبِيُّ: «مَجُوسَ هَذِهِ الأُمَّةِ»، وَيَغْلُو فِيهَا قَومٌ مِنْ أَهْلِ الإثْبَاتِ؛ حَتَّى سَلَبُوا الْعَبْدَ قُدْرَتَهُ وَاخْتِيَارَهُ، وَيُخرِجُونَ عَنْ أَفْعَالِ اللهِ وَأَحْكَامِهِ حُكْمَهَا وَمَصَالِحَهَا.


موضوع القدر هو موضوع عظيم، وهو من أركان الإيمان، والإيمان بالقدر ذكر رحمه الله تعالى أنه على درجتين، كل درجة تتضمن شيئين، وما دام في كل درجة مرتبتان؛ فعدد المراتب أربع، ثم فصّلها رحمه الله تعالى، ونحن نعطيك إياه إن شاء الله على طريقة لعلها أن تكون أسهل على طالب العلم من خلال تقاسيم النصوص الواردة في القدر، ثم نعود إلى كلامه رحمه الله.

نقول أقسام النصوص الواردة في القدر ثلاثة أقسام:

القسم الأول: اثبات ما يتعلق بالرب سبحانه، والذي يتعلق بالرب هو ما ذكره هنا من المراتب الأربع.

المرتبة الأولى: أن الله تعالى عَلِمَ كل شيء جملة وتفصيلًا.

المرتبة الثانية: الإيمان بأن الله تعالى كتب ذلك في اللوح المحفوظ.

المرتبة الثالثة: أنه لا يكون شيء في هذا الكون من حركة ولا سكون ولا دقيق ولا جليّ إلا بمشيئة الله عزّ وجلّ.

المرتبة الرابعة: أنه ليس شيء إلا الله خالقه، كل الأشياء لم يخلقها إلا الله عزّ وجلّ، فالله خلق العبد وخلق أفعاله وخلق السماوات وما فيها والأرض وما فيها وخلق الجبال والنجوم وخلق البحار وما فيها، خلق كل شيء كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ(5)، ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا(6)، فهذه المراتب كلها متعلقة بالربّ سبحانه وتعالى، وهي مراتب القدر الأربع، مرتبة العلم، مرتبة الكتابة، مرتبة المشيئة، ومرتبة الخلق.

هذا يجب أن يثبته المؤمن، والأدلة عليه كثيرة جدًا في القرآن ذكر بعض منها رحمه الله، يجب أن يثبته المؤمن ويُقِرَّه لربه تعالى، وأنه سبحانه وتعالى قد عَلِمَ الأشياء وكتبها وشاءها، وأنه ما من شيء إلا والله خالقه، ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ(7)، فلا خالق إلا هو سبحانه وتعالى، هذا فيما يتعلق بالرب سبحانه وتعالى، والأدلة عليها كثيرة جدًا يمكن أن يراجعها طالب العلم في مواضعها لأن سردها يطول، فإذا أثْبَتَّ ما يتعلق بالرب يأتي القسم الثاني وهو إثبات ما يتعلق بالعبد، ما الذي يتعلق بالعبد؟ الذي يتعلق بالعبد بعد أن عرفنا ما يتعلق بالرب أن إقراره بما ذكرنا في القسم الأول لا يعطي العبد حجة في ترك ما أوجب الله أو فعل ما حرم، فإن الإنسان مسؤول عما هو تحت قدرته واستطاعته، هذا هو القسم الثاني.

القسم الثالث: النهي عن الجدال والخوض الباطل في القدر.

نرجع إلى القسم الأول، القسم الأول يتعلق بربوبية الله عزّ وجلّ، فالقدر تابع للربوبية، فلا يمكن أن يقع شيء دون علم الله، ولا يمكن أن يقع شيء قد فات على الله أن يكتبه، لأنه كما عندك هنا «لما خلق الله تعالى القلم قال له: اكتب قال: ما اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة»، هذا فيما يتعلق بالعلم وما يتعلق بالكتابة، وفيما يتعلق بالمشيئة؛ فإنه لا يمكن أن تقع تحريكة في الدنيا والآخرة إلا بمشيئة الله، فلا يكون في ملكوت الله تعالى شيء إلا إذا كان الله تعالى قد شاءه، فالهزيمة يوم أحد قد شاءها الله، والنصر يوم بدر قد شاءه الله، والله تعالى يُقَدِّرُ الحسنةَ والسيئةَ والخيرَ والشرَ لحكمة بالغة، ولعله مضى بعض الكلام في أول الرسالة عن هذا، فالله تعالى هو الذي يُقَدِّرُ الخير ويُقَدِّرُ الشر، ولكنه تعالى لا يقدر شرًا محضًا لا حكمة فيه، فيُقَدِّر الشرّ سبحانه وتعالى كما تقدم في حديث «وتؤمن بالقدر خيره وشره»(8) لحكمة بالغة، وذكرنا شيئًا من هذا في أول شرح الرسالة، وهكذا كل شيء فالله خالقه، فالعبد قد خلقه ربه، وأفعال العباد قد خلقها لهم لأن الله لو لم يخلق لك أفعالك ما فعلتَها لأنك مخلوق أنت وأفعالك كما قال الرب عن إبراهيم عليه الصّلاة والسّلام لما أنكر إبراهيم على قومه عبادة الأصنام ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ(9)، أي أن الله خلقكم وخلق أعمالكم، وعلى القول بأن (ما) هنا يراد بها معبوداتهم؛ فإن ذلك لا ينفي أن يكون الله تعالى هو خالق أفعالهم أيضًا، لأن أفعالهم من كسبهم والله قد خلقهم وقد خلق قدرتهم وخلق استطاعاتهم ومشيئتهم؛ فالله تعالى خالق كل شيء، فلا يمكن أن يقع شيء إلا بمشيئة الله تعالى.

الأمر الثاني فيما يتعلق بالعبد: إذا آمن بأن الله تعالى عَلِمَ وكتب وشاء وخلق؛ فإن ذلك لا يعطيه بتاتًا أيَّ حجة في أن يترك ما أوجب الله أو أن يأتي ما حرم الله، فليس للعبد أن يترك الواجب فيقول: ما دام الله قد كتب الأشياء؛ فإن كان قد كتب لي الطاعة فإني سأطيع؛ وإن كان قد كتب لي الكفّ عن هذه المعصية فسأكف، وهذا غير صحيح، وهذا من محاجّة المشركين ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا(10)، نعم الله تعالى قد قدَّر كل شيء بما في ذلك الشرك كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا(11)، لكن لا يحتج بالقدر لأنك لا تدري، أنت حين تحتج بالقدر على ترك الواجب وتقول: إن الله قدَّر عليَّ؛ هل اطلعت على اللوح المحفوظ وعلمتا أن الله لم يكتبك من أهل الصلاح؟ هذه مجرد دعوى، ولماذا لا تقول: بل أنا سأعمل كما يعمل هؤلاء لعل الله تعالى أن يكون قد كتبني، ثم إن المحتج بالقدر على هذا النحو يحتج بالقدر على الأمور الشرعية، فإذا طُلِب منه أن يستعمل نفس الأسلوب في أموره الدنيوية يأبى، فإذا قيل له: إذا كان الله قد كتب لك الرزق فابق في بيتك؛ وإن كان لك رزق فسيأتيك! فيقول: لا، لا بد من بذل سبب، فيقال: كذلك ، الجنة بعد رحمة الله لا بد لها من سبب، قال تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ(12)، يعني بسبب ما كنتم تعملون، الباء هنا سببية، وقال لك ربك تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى(5)وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى(6)فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى(13)، فالجنة لها طريق، الزمه واتكل على الله تعالى؛ والله تعالى يوفقك بعد رحمته، أما أن تقول: إن كان الله كتب لي أن أكون من أهل الجنة فسأصلي وسأفعل وسأفعل! يقال: هل تطبق هذا في أمورك الدنيوية؟ فتقول: إن كان الله كتب لي الرزق؛ فسأرزق وأبقى في بيتي! يقول: لا، مستحيل أن يكون هذا، لماذا صح هذا في الأمور الشرعية ولم يصح عندك في الأمور الدنيوية؟ لأنك كاذب، ولهذا قال تعالى في المشركين في حجاجهم: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا(14)، فهم يكذبون في مثل هذا الحجاج، وإنما يريدون أن يحتجوا بالقدر ليعطلوا الشرع؛ فيقول: أنا ما كتب الله لي الصّلاة، ليس إيمانًا بالقدر وخضوعًا لله؛ لكن لأنه يريد بدلًا من أن يسكتك ويقول: لا تأمرني بالصلاة، يأتيك من جهة القدر؛ فيقول: الله ما كتبني من أهل الصلاة، قال أهل العلم: هل اطّلع الغيب؟ هل عرف أن الله كتبه في اللوح المحفوظ أنه ليس أهل الصّلاة؟ فهذا احتجاج بحجة لا يدريها أصلًا، فلا يستدل بالدليل حتى يكون عند الإنسان منه يقين، فالإنسان يتكل على ربه ويعلم أن الله تعالى قد ابتلاه في هذه الدنيا وأرسل إليه الرسل وأنزل الكتب، قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير(1)الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ(15)، فأنت في فترة الابتلاء والامتحان، فإذا في فترة الابتلاء والامتحان قلت: لن أعمل، النتيجة معلومة، أنك إذا لم تعمل أهلكت نفسك، فكونك تستدل على أمور الشرع لتبطلها بأمور القدر ثم تأبى أن تفعل ذلك في أمور الدنيا؛ هذا يدل على كذب المحاج، ولهذا قال ابن القيم رحمه الله: (وعند مراد الرب تحتج بالقضاء، وعند مراد النفس تسدي وتلحم)، إذا أُريد أمرُ الله عزّ وجلّ صرت تحتج بالقضاء والقدر وأنه قد قُدِّرَ عليك، أما عند مراد نفسك وهواك تبدأ تسدي وتلحم.

الحاصل: أن القسم الأول الذي فيه إثبات ما يتعلق بالرب لا تعارض بينه وبين القسم الثاني، فهذا فيه ما يتعلق بالرب مرتبطًا بربوبيته والقسم الثاني مرتبط بالعبد وما أوجب الله عليه، ولهذا أهل الفقه والعلم أصحاب النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم لما سأل سُراقة رضي الله عنه النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: يا رسول الله أخبرنا عن ديننا كأننا ولدنا الآن وسأله عن الأعمال التي يكدح فيها العباد؛ هل هي مما جرت بها الأقلام أو هي فيما يُستقبل؟ قال: «بل مما جفّت فيه الأقلام وجرت به المقادير»، قال: يا رسول الله ففيم العمل؟ يعني لماذا نعمل؟ قال رسول الله: «اعملوا، فكل ميسّر لما خلق له، أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى(5)وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى(6)فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى(7)وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى(8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى(9)فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى(16)»، فقال رضي الله عنه: (ما كنت أشد اجتهادًا مني الآن)(17)، يقول: ما دامت المسألة على هذا النحو الذي قلت قال يا رسول الله سأجتهد، ينبغي أن يكون القدر دافعًا لك للعمل؛ لا أن يكون القدر سببًا من أسباب ترك العمل، وقد سُئِل رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم عن هذه المسألة نفسها فيم العمل؟ لماذا نعمل وقد كُتبت أقدارنا! قال: «اعملوا؛ فكل مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ له»، فالحاصل أن الأمر الأول المرتبط بالرب لا تعارض بينه وبين الأمر الثاني، أين يأتي الضلال في القدر؟ وكيف نشأت الفِرَقُ في القدر؟ بالتركيز على القسم الأول وإغفال القسم الثاني، التركيز على القسم المتعلق بالرب، وإغفال القسم المتعلق بالعبد، وهذا فعل الجبرية الذين يركزون على أن الأمور قد قدَّرها الله وكتبها؛ فيلغون أن يكون للعبد اختيار أو فعل أو استطاعة، أو أن يأتي الضلال بعكس هذا وهو فعل القدرية، بأن يركزوا على فعل العبد من أن العبد له مشيئة وله استطاعة؛ فإنه يقول: الأمر موكول إلى العبد نفسه، حتى قالوا: هو الذي يخلق فعلَه وإليه الأمر دون الله؛ فإن شاء أن يفعل فعل ولو لم يشأ الله، فركزوا على ما يتعلق بالعبد وألغوا ما يتعلق بالرب، فمِن هنا وقع الضلال إما بأن يكونوا جبرية أو أن يكونوا قدرية، والقدرية على نوعين كما أشار رحمه الله، منهم من ينكر مراتب القدر الأربع كلها: العلم والكتابة والمشيئة والخلق، وهؤلاء قد صاح بهم السلف وأجمع السلف على كفرهم؛ لأن من نفى أن الله يعلم فإنه يكفر، ثم اندثروا واندرست هذه الفرقة، فورثتها الفرقة الزائغة فرقة المعتزلة فأقروا بالعلم والكتابة لكن خالفوا في أمر المشيئة؛ فقالوا: إن الرب تعالى لا تتعلق مشيئتُه بأفعال العباد، بل العباد إليهم الأمر دون الله، فقالوا: إن العباد يُوقعون ما شاءوا وإن لم يشأ الله – نسأل الله العافية والسلامة -، وكل هذا من الضلال، ولهذا جاء القسم الثالث من النصوص وهو النهي عن الجدال والخوض الباطل في القدر بأن يأخذ أحدٌ آية من القسم الأول المتعلق بالرب ويضرب بها آية من القسم الثاني المتعلق بالعبد أو العكس، وقد جاء عنه عليه الصّلاة والسّلام أنه خرج على أصحابه رضي الله عنه مرة وكانوا يتجادلون في القدر، يقول الراوي: هذا ينزع بآية وهذا ينزع بآية، ما معنى الكلام هذا؟ ينزع بآية أن هذا يركز على آية في القسم الأول المتعلق بالرب وهذا يركز على القسم الثاني المتعلق بالعبد، فغضب صلّى الله عليه وسلّم كأنما يُفقأ في وجهه حبُّ الرمان من الغضب يعني احمر وجهه، وقال: «مهلاً يا قوم، بهذا أهلكت الأمم من قبلكم؛ باختلافهم على أنبيائهم وضربهم الكتب بعضها ببعض، إن القرآن الذي لم ينزل ليكذب بعضه بعضاً، وإنما نزل ليصدقُ بعضه بعضاً، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم فردوه إلى عالمه»(18)، لأن من الخطر الكبير أن تؤخذ آيات القرآن كأن بعضها يخالف بعضًا، قال: القرآن يصدق بعضه بعضاً، لم ينزل ليكذب بعضه بعضًا، إذا عرفت التقسيم السابق علمت أن إثبات ما يتعلق بالرب ما هنالك أي معارضة بينه وبين القسم الثاني، هذا فيما يتعلق بالرب وربوبيته وتصريفه؛ وهذا فيما يتعلق بابتلاء الله لعباده وأمرهم ونهيهم، فهذا له باب وهذا له باب، فلا تخلط، ولهذا جاء عنه عليه الصّلاة والسّلام أيضًا أنه قال: «أُخِّرَ النزاع في القدر لشرار أمتي آخر الزمان»(19)، فدل على أن المتنازعين بالباطل في القدر هم الأشرار، ولهذا أصحاب النَّبيّ عليه الصّلاة والسّلام بعد هذا المجلس الذي قال النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم لهم فيه ما قال في أمر القدر تأدبوا بالأدب ولم يوجد عندهم نزاع بعد ذلك في أمر القدر، ووكلوا الأمر إلى ما جاء في النصوص وتركوا النزاع، ولهذا قال رسول الله: «أُخِّر النزاع في القدر لشرار أمتي آخر الزمان» مما يدل على سلامة الصحابة رضي الله عنهم، فكونه يقول: آخر الزمان يعني أن الصحابة ليسوا من هذا القبيل، كونه يقول: إنهم الأشرار؛ لاشك أن القدرية والجبرية من أشر فِرَق الأُمَّة، ولهذا شُبههم في القدر تضرُّ كثيرًا من العامة، ولهذا كان الأوزاعي إذا ذَكَرَ القدر وذَكَرَ اليومَ الآخر يقول الراوي: لم يقطع حديثه ولم يجب سائلاً حتى ينتهي، لأنه ينبغي أن يُؤخذ القدرُ متكاملاً، مثل ما ذكرنا الآن في التقسيمات، فلو ذكرنا القسم الأول المتعلق بالرب وذهبنا؛ قلنا: الغد نأتي، قد يختل فهم هذه المسألة بالنسبة لطالب العلم، ينبغي أن تجمع النصوص كلها، ما يتعلق بالرب، ما يتعلق بالعبد، ما يتعلق بالنهي عن النزاع والخوض الباطل في القدر.

هذا بإجمال، لمّا ذكر الشيخ أن القدر على درجتين، كل درجة تضمن شيئين مثل ما ذكرنا؛ هذه مراتب القدر الأربع التي ذكرناها وهي المتعلقة بالرب، ثم سيذكر ما يتعلق بالعبد إن شاء الله تعالى لاحقًا.

ذكر بعد ذلك أن القدر يكون في مواضع جملة وتفصيلاً، القدر الأول: هو الذي قدَّره الله تعالى قبل أن يخلق الخلائق بخمسين ألف سنة، ثم بعد أن خلق الله تعالى آدم قدّر - يعني كُتبت كتابة أخرى لا تتعارض مع الكتابة الأولى -، ثم المولود - الجنين - يُكتب أيضًا بعد مضي أربعين يومًا أو اثنين وأربعين يوما كما في حديث حُذيفة بن أَسِيْد رضي الله عنه أن الملك يتسور على الرحم ويسأل رب العالمين: يا رب؛ رزقه؛ أجله؛ شقي أو سعيد(20)، ثم في حديث ابن مسعود بعد أن تنفخ الروح فيه بعد أربعة أشهر يُكتب تقدير آخر، ثم هناك تقدير حولي وهو الذي يُكتب في ليلة القدر، ثم هناك التقدير اليومي الذي قال الله: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ(21)، سبحانه وتعالى، والتقدير اليومي لا يتعارض مع التقدير الحولي – الحولي نسبة إلى الحول يعني كل سَنَة في ليلة القدر - ولا يتعارض مع التقدير الذي كُتب عليه وهو جنين، بل هذا كالتقسيم للقدر الذي قبله، ولهذا قال: إن القدر يكون في مواضع جملة وتفصيلًا، فقد كتب الله تعالى في اللوح المحفوظ وإذا خلق جسد الجنين قبل نفخ الروح فيه كما ذكرنا، وتُراجِعْ شفاءَ العليل لابن القيم فإنه ذكر هذه التقادير رحمه الله تعالى.

ذكر الدرجة الثانية: درجة المشيئة وقدرة الله تعالى الشاملة، وهي كما قلنا أنه لا يكون في مُلْكِ الله تعالى إلا ما يريد، وأنه سبحانه لا يقع شيء في الكون إلا بإذنه وأن العبد إذا أصابه شيء فإنه يستحيل أن يخطئه، وإذا أخطأه شيء ولم يقع له فإنه يستحيل أن يصيبه، لأن الله تعالى كتب أن يصيبه فلا بد أن يصيبه، ولِمَا أخطأه ولم يكتب الله أن يصيبه؛ فإنه يستحيل أن يصيبه، فالأمور كما شاء الله تعالى.


وَمَعَ ذَلِكَ؛ فَقَدْ أَمَرَ الْعِبَادَ بِطَاعَتِهِ وَطَاعَةِ رُسُلِهِ، وَنَهَاهُمْ عَنْ مَعْصِيَتِهِ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ وَالْمُحْسِنِينَ وَالْمُقْسِطِينَ، وَيَرْضَى عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ.


هذا الذي قلنا قبل قليل المتعلق بالعبد، يعني بعد أن قرر ما يتعلق بالرب في المراتب الأربع قال: مع ذلك، مع كونه تعالى كتب وعَلِم وشاء وخلق؛ مع ذلك فالعبد مُطالب بأن يؤدي ما أوجب الله تعالى عليه وأن يمتنع ما حرم الله عليه، ولذا قال: فقد أَمَر العباد بطاعته وطاعة رسله - مع ذلك -، ونهاهم عن معصيته، فليس للعبد بتاتًا أي حجة في أن يترك ما أوجب الله أو أن يفعل ما حرم الله ويقول: بناء على أن الله كتب وقدَّر، مع ذلك الإيمان بالقسم الأول المتعلق بإثبات ما يتعلق الرب؛ فنحن نؤمن بأن العبد قد أُمِر وقد نُهي وأن الله تعالى سيحاسبه، ولهذا جعل الله تعالى الأحكام في الدنيا كمثل الحدود والعقوبات وجعل الله الجنة للمتقين وجعل النار للعاصين وخذ هذه الآية – في سورة النحل - توضح لك الجمع بين كون الله تعالى يضل ويهدي من يشاء وبين كون العبد مأمورًا مع ذلك بالعمل، يقول الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ(22)، مع أن الله يهدي ويضل وقد كتب هذا كله؛ مع ذلك فإن الله سيسأل العباد عمّا كانوا يعملون، ثم بيَّن رحمه الله تعالى أن الله تعالى – كما تقدم - يحب أصنافًا من الناس ويحب أعمالًا ويحب المتقين والمحسنين والمقسطين، والله تعالى أيضًا يرضى عن أصناف من الناس، ويرضى عن أعمال، ويرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وكما أنه يرضى عن المؤمنين ويحب المؤمنين فإنه لا يحب الكافرين ولا يرضى عن القوم الفاسقين، وهو تعالى لا يأمر بالفحشاء – يعني في أحكامه الشرعية - كما قال الكفار: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ(23)، لا يمكن أن يأمر الله تعالى في أحكامه بالفحشاء سبحانه وتعالى.

ثم من المناسب أن يُعلم أن الإرادة على نوعين، هناك إرادة قدرية وهناك إرادة شرعية، الإرادة القدرية هي التي يكون بها أن الله قد أراد كل شيء؛ فالإرادة القدرية هذه لا بد أن يقع ما أراده الله، ثم إن منها أشياء محبوبة لله ومنها أشياء غير محبوبة لله، أما الإرادة الشرعية فهي ما أمر الله تعالى به عباده في كتابه من أمرهم بالصّلاة وأمرهم بالصيام والطاعات هذه، فهذه ما فَرْقُهَا عن الإرادة الكونية، فَرْقُهَا عن الإرادة الكونية أنها محبوبة لله مطلقًا، الله يحب العبادة وكما تقدم يحب أن يصلي العباد وأن يصوم العباد ويحب أن يتقربوا إليه بالعبادات، مزيّة الإرادة الشرعية أنها محبوبة لله، أما الإرادة الكونية فمنها محبوب ومنها غير محبوب، الإرادة الكونية لا بد أن تقع، الإرادة الشرعية تقع من المؤمن إذا أطاع الله والكافر يتمنّع، إذًا فالجميع يشملهم الإرادة الكونية، أما المؤمن فإذا طبق ما أوجب الله تعالى عليه حقق الإرادة الشرعية التي أرادها الله بهذه الأحكام، والكافر يكون ترك ما أوجب الله تعالى عليه.


وَلا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ، وَلاَ يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ، وَلاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ، وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهُ الْكُفْرَ، وَلاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ.

وَالْعِبَادُ فَاعِلُونَ حَقِيقَةً، وَاللَّهُ خَالِقُ أفْعَالَهُم، وَالْعَبْدُ هُوَ: الْمُؤْمِنُ، وَالْكَافِرُ، وَالْبَرُّ، وَالْفَاجِرُ، وَالْمُصَلِّي، وَالصَّائِمُ.

وِلِلْعِبَادِ قُدْرَةٌ عَلَى أَعْمَالِهِمْ، وَلَهُمْ إِرَادَةٌ، وَاللهُ خَالِقُهُمْ وَقُدْرَتَهُمْ وَإِرَادَتَهُمْ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ(24)، ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ(25)، وَهَذِهِ الدَّرَجَةُ مِنَ الْقَدَرِ يُكَذِّبُ بِهَا عَامَّةُ الْقَدَرِيَّةِ الَّذِينَ سَمَّاهُمُ النَّبِيُّ: «مَجُوسَ هَذِهِ الأُمَّةِ»، وَيَغْلُو فِيهَا قَومٌ مِنْ أَهْلِ الإثْبَاتِ؛ حَتَّى سَلَبُوا الْعَبْدَ قُدْرَتَهُ وَاخْتِيَارَهُ، وَيُخرِجُونَ عَنْ أَفْعَالِ اللهِ وَأَحْكَامِهِ حُكْمَهَا وَمَصَالِحَهَا.


بيّن أن العباد هم الذين يُنسب إليهم الفعل، العبد إذا صلى؛ يقال: هذا العبد صلى، العبد إذا سرق؛ يقال: هذا العبد هو الذي سرق، فالفعل منسوب للعبد، من الذي خلق العبد؟ الذي خلقه الله، ومن الذي خلق للعبد فعله؟ الله عزّ وجلّ، هو الذي خلق العبد وخلق فعله، لأنه لو لم يخلق له فعله لا يمكن أن يقع، كما أنه لو لم يشأ الله تعالى الأمر لا يمكن أن يقع، فالله خلقك وخلق أفعالك، هذه الأفعال منسوبة لله أو لك؟ قطعًا لك، ولكن الله خلق العبد وخلق فعله، والعبد هو الذي يفعل بقدرته وبمشيئته، لهذا لو وقع من العبد عمل من الأعمال خارجًا عن قدرته واختياره فإنه لا يؤاخذ، فمثلًا لو أن العبد زلت به قدمه فسقط من علوّ شاهق فمات؛ ما دفعه أحد، لكن هذا الفعل فعله هو لأنه قدَّم رجله فسقط، لا يقال: هذا انتحر، لأنه لم يُرِدْ هذا، وإنما العبد يؤاخذ بأفعاله الاختيارية، لأن العبد له نوعان من الفعل، النوع الأول الأفعال الاختيارية كأكله وشربه ومجيئه وذهابه ومجيئنا الآن للمسجد، كلها باختيار من العبد، العبد له ملايين الأفعال في حياته باختياره، وهناك أفعال غير اختيارية، الأفعال الاختيارية هذه هي التي يُحاسب عليها العبد، ولهذا لاحظ القتل؛ فإنك إذا قتلت خطأً لا تعاقب في الآخرة وإن كنت تلزم بالكفارة، لكن الدِيَة لا تدفعها أنت؛ تدفعها العاقلة، لأن هذا القتل وقع منك خطأ، لكن إذا قتلت عمدًا تدفع الدية أنت إذا سُمح لك من قبل ورثة الميت أو إذا أرادوا قتلك فإنك تُقتل إذا أراد الورثة لأنه قتل عمد، فهناك فرق بين الفعل الاختياري وبين الفعل غير الاختياري، فالله تعالى هو الخالق للعبد والخالق لفعله، والعبد هو الذي يُنسب إليه الفعل ولا يُنسب إلى الله، ولهذا قال: العبد هو المؤمن وهو الكافر وهو البرّ والفاجر، وهو المصلي والصائم، وكذلك هو الذي إذا شرب الخمر هو الشارب، وإذا زنى هو الزاني فيُنسب الفعل للعبد، قال: وللعباد قدرة على أعمالهم ولهم إرادة، العباد لهم قدرة ولهم إرادة؛ فلأجل ذلك يؤاخذون، قال: والله خالقهم وخالق قدرتهم وإرادتهم، يخلق لهم القدرة، يخلق لهم الإرادة، ثم إنه يحاسبهم سبحانه وتعالى على إرادتهم وعلى قدرتهم، فلهذا الذي يزول عنه التكليف كالمجنون مهما قال؛ مهما فعل؛ لا يؤاخذ به بتاتًا لأنه في حكم عديم القدرة وإن كان قادرًا لكن لم يجعل الله تعالى العقل الذي هو مناط التكليف؛ فصار كالبهيمة يفعل ويتلفظ ويتكلم – وربما تكلم بكلام فظيع عظيم - لا يؤاخذ بتاتًا، لأن هذا في حُكْمِ من لا قدرة له، إنما من يُؤاخذ من عنده القدرة وعنده المشيئة فبناء عليه يحاسب.

قال رحمه الله: وهذه الدرجة يُكَذِّبُ بها عامة القدرية، أي درجة؟ قلنا: القدر له أربعة مراتب، أن الله عَلِمَ كل شيء جملة وتفصيلًا، وأن الله كتب هذا في اللوح المحفوظ، هذا أقرّت به القدرية المتأخرون وهم المعتزلة، لكن مشيئة الله تعالى لأفعال العباد وخلْقَه لأفعال العباد جحدوها، ولهذا جاء في الحديث أنهم مجوس هذه الأُمَّة، لأنهم يقولون: الله يخلق الخير والعبد هو الذي ينفرد بفعله فيكون الشر منسوبًا إليه؛ ويخلق العبد – هكذا يقولون - خلقًا منفردًا عن الله، المجوس ماذا قالوا؟ قالوا: للكون خالقان، خالق خلق الخير وهو النور؛ وخالق خلق الشر وهو الظلمة، فجاء في الحديث أن هذه الطائفة وهم القدرية (مجوس الأُمَّة)(26) لتشبههم بالمجوس، لأن المجوس يقولون: إن هناك من يخلق غير الله، والقدرية هؤلاء يقولون: العبد هو الذي يخلق فعله، قال أهل العلم: لَئِنْ كان المجوس يقولون إن للكون خالِقَين! فإن القدرية يقولون: إن في الكون خالِقِين، لأنه يقول: كل عبد يخلق مستقلاً، والحديث هذا اختُلِف فيه، من أهل العلم من يقول: إن مجموع طرق الحديث يرقى بها الحديث إلى أن يكون من قبيل الحسن ويُنسب إلى النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، ومنهم من يقول: الحديث لا يثبت عن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ولكنه جاء عن السلف كابن عمر رضي الله عنهما وغيره؛ فيكون الحديث - سواء قيل بثبوته عن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أو جاء عن السلف - معناه صحيح في القدرية لأنهم على النحو الذي ذكرنا، ثم إنهم هؤلاء الذين غلوا هذا الغلوّ من القدرية قابلهم طائفة من الذين يثبتون  القدر في القسم الأول الذي ذكرناه فغلوا في إثبات ما يتعلق بالرب ونفوا عن العبد قدرته واختياره، بل نفى بعضهم عن العبد أن يكون الفعل منه ونسب الفعل - عياذًا بالله - إلى الله، وأخرجوا عن أفعال الله تعالى الحِكَم، قالوا: إن الله تعالى يفعل لغير حكمة مع قوله تعالى ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ(27)، ومع الدلائل البيّنة الجليّة على أن أحكام الله تعالى على أعظم ما يكون من الحِكَم، لكن هؤلاء نفوا عن الله تعالى الحكمة، لماذا؟ تركيزًا على المشيئة، قالوا: ما هنالك إلا مشيئة، يشاء الأمور – عياذًا بالله - لغير حكمة ولغير غاية ولغير مصلحة وإنما هكذا يشاء، كما نقل عنهم ابن القيم رحمه الله يقولون: (ما ثمَّ غير مشيئة قد رجحت مِثْلًا على مثل بلا رجحان)، يعني ينفون عن الله تعالى أي حكمة - نسأل الله العافية والسلامة -، كل هذا مبالغة منهم في إثبات المشيئة بزعمهم المتعلقة بالرب، فهؤلاء ضلوا من جهة وأولئك ضلوا من جهة.


(1) هنا يُصحح الشيخُ في المتن، حيث أن الأصل هو (مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ) فيقول: إنه لا فرقة ناجية إلا أهل السُّنَّة، هذه بدل.
(2) صحيح. أحمد (22705). قال الشيخ شعيب الأرنؤوط في تحقيق المسند: (حديث صحيح؛ وهذا إسناد حسن).
(3) الحج: 70.
(4) الحديد: 22.
(5) الزمر: 62.
(6) الفرقان: 2.
(7) فاطر: 3.
(8) صحيح مسلم (8).
(9) الصافات: 96.
(10) النحل: 35.
(11) الأنعام: 107.
(12) النحل: 32.
(13) الليل: 5 - 7.
(14) الأنعام: 148.
(15) الملك: 1، 2.
(16)الليل: 5 - 10.
(17) صحيح. صحيح ابن حبان (337). التعليقات الحسان (338).
(18) صحيح. أحمد (6702)، وصحح إسناده الشيخ أحمد شاكر رحمه الله.
(19) صحيح. الحاكم في المستدرك (3765). الصحيحة (1124).
(20) صحيح مسلم (2645).
(21) الرحمن: 29.
(22) النحل: 93.
(23) الأعراف: 28.
(24) التكوير: 28.
(25) التكوير: 22.
(26) صحيح. أبو داود (4691). صحيح الجامع (4442).
(27) القمر: 5.