موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - مَا يَدْخُلُ فِي الْإِيمَانِ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ - شرح العقيدة الواسطية
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح العقيدة الواسطية لفضيلة الشيخ عبدالله بن عبدالعزيز العنقري
  
 
 شرح العقيدة الواسطية
 مقدمة الشارح
 مقدمة المؤلف
 اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة
 الإيمان تعريفه وأركانه
 الإيمان بأسماء الله وصفاته
 الإيمان بأسماء الله وصفاته من غير تكييف ولا تمثيل
 الله سبحانه وتعالى لا سمي له ولا كفو له ولا ند له
 الأسماء والصفات لا بد فيها من نفي وإثبات
 الأسماء والصفات في القرآن الكريم
 إِثْبَاتُ الْمَكْرِ وَالْكَيْدِ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ
 وَصْفُ اللَّهِ بِالْعَفْوِ وَالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالْعِزَّةِ وَالْقُدْرَةِ
 نَفْيُ الشَّرِيكِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى
 إِثْبَاتُ اِسْتِوَاءِ اللَّهِ عَلَى عَرْشِهِ
 إِثْبَاتُ عُلُوِّ اللَّهِ عَلَى مَخْلُوقَاتِهِ
 إِثْبَاتُ مَعِيَّةِ اللَّهِ لِخَلْقِهِ
 إِثْبَاتُ الْكَلَامِ لِلَّهِ تَعَالَى
 إِثْبَاتُ تَنْزِيلِ الْقُرْآنِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى
 إِثْبَاتُ رُؤْيَةِ الْمُؤْمِنِينَ لِرَبِّهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
 الِاسْتِدْلَالُ عَلَى إِثْبَاتِ أَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ مِنَ السُّنَّةِ
 مَوْقِفُ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي فِيهَا إِثْبَاتُ الصِّفَاتِ الرَّبَّانِيَّةِ
 مَكَانَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ بَيْنَ فِرَقِ الْأُمَّةِ
 وُجُوبُ الْإِيمَانِ بِاسْتِوَاءِ اللَّهِ عَلَى عَرْشِهِ وَعُلُوِّهِ عَلَى خَلْقِهِ وَمَعِيَّتِهِ لِخَلْقِهِ وَأَنَّهُ لَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا
 وُجُوبُ الْإِيمَانِ بِأَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ حَقِيقَةً
 وُجُوبُ الْإِيمَانِ بِرُؤْيَةِ الْمُؤْمِنِينَ لِرَبِّهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَوَاضِعِ الرُّؤْيَةِ
 مَا يَدْخُلُ فِي الْإِيمَانِ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ
 حَوْضٌ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم وَمَكَانُهُ وَصِفَاتُهُ
 الصِّرَاطُ مَعْنَاهُ وَمَكَانُهُ وَصِفَةُ مُرُورِ النَّاسِ عَلَيْهِ
 شَفَاعَاتُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم
 إِخْرَاجُ اللَّهِ بَعْضَ الْعُصَاةِ مِنَ النَّارِ بِرَحْمَتِهِ وَبِغَيْرِ شَفَاعَةٍ
 الْإِيمَانُ بِالْقَدَرِ وَمَرَاتِبِ الْقَدَرِ
 حَقِيقَةُ الْإِيمَانِ وَحُكْمُ مُرْتَكِبِ الْكَبِيرَةِ
 الْوَاجِبُ نَحْوَ الصَّحَابَةِ وَذِكْرُ فَضَائِلِهِمْ
 مَنْزِلَةُ أَهْلِ الْبَيْتِ النَّبَوِيِّ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ
 مَوْقِفُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فِي كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ
 صِفَاتُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ
 بَيَانُ مُكَمِّلَاتِ الْعَقِيدَةِ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَمَحَاسِنِ الْأَعْمَالِ الَّتِي يَتَحَلَّى بِهَا أَهْلُ السُّنَّةِ
شرح العقيدة الواسطية - مَا يَدْخُلُ فِي الْإِيمَانِ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ

وَمِنَ الإِيمَانِ بِالْيَوْمِ الآخِرِ الإيمَانُ بِكُلِّ مَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم مِمَّا يَكُونُ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَيُؤْمِنُونَ بِفِتْنَةِ الْقَبْرِ، وَبِعَذَابِ الْقَبْرِ وَنَعِيمِهِ، فَأَمَّا الْفِتْنَةُ؛ فَإِنَّ النَّاسَ يُمْتَحَنُونَ فِي قُبُورِهِمْ، فَيُقَالُ للرِّجُلِ: مَن رَّبُكَ؟ وَمَا دِينُكَ؟ وَمَن نَّبِيُّك؟ فيُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ، فَيَقُولُ الْمؤْمِنُ: رَبِّيَ اللهُ، وَالإِسْلاَمُ دِينِي، وَمُحَمَّدٌ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسلّم نَبِيِّي، وَأَمَّا الْمُرْتَابُ؛ فَيَقُولُ: هَاه هَاه؛ لاَ أَدْري، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ، فَيُضْرَبُ بِمِرْزَبَّةٍ مِنْ حَدِيدٍ، فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا كُلُّ شَيْءٍ؛ إلاَّ الإِنْسَانَ، وَلَوْ سَمِعَهَا الإِنْسَانُ؛ لَصُعِقَ(1)، ثُمَّ بَعْدَ هّذِهِ الْفِتْنَةِ إمَّا نَعِيمٌ وَإِمَّا عَذَابٌ، إِلَى أَنْ تَقُومَ الْقِيَامَةُ الْكُبْرى، فَتُعَادُ الأَرْوَاحُ إِلَى الأجْسَادِ.

وَتَقُومُ الْقِيَامَةُ الَّتِي أَخْبَرَ اللهُ بِهَا فِي كِتَابِهِ، وَعَلَى لِسَانِ رَسُولِهُ، وَأَجْمَعَ عَلَيْهَا الْمُسْلِمُونَ، فَيَقُومُ النَّاسُ مِنْ قُبُورِهِمْ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا، وَتَدْنُو مِنْهُمُ الشَّمْسُ، وَيُلْجِمُهُمُ الْعَرَقُ، فَتُنْصَبُ الْمَوَازِينُ، فَتُوزَنُ بِهَا أَعْمَالُ الْعِبَاد، ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ(102)وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ(2) وَتُنْشَرُ الدَّوَاوِينُ، وَهِيَ صَحَائِفُ الأَعْمَالِ، فَآخِذٌ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ، وآخِذٌ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ أَوْ مِنْ وَّراءِ ظَهْرِهِ؛ كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا(13)اقْرَأْ كَتَابَكَ كفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا(3)، وَيُحَاسِبُ اللهُ الخَلائِقَ، وَيَخْلُو بِعَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ، فَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ؛ كَمَا وُصِفَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَأَمَّا الْكُفَّارُ؛ فَلا يُحَاسَبُونَ مُحَاسَبَةَ مَنْ تُوزَنُ حَسَنَاتُهُ وَسَيِّئَاتُهُ؛ فَإِنَّهُ لاَ حَسَنَات لَهُمْ، وَلَكِنْ تُعَدُّ أَعْمَالُهُمْ، فَتُحْصَى، فَيُوقَفُونَ عَلَيْهَا وَيُقَرَّرُونَ بِهَا.


ذكر رحمه الله تعالى هنا ما يتعلق بالإيمان باليوم الآخر، وسمي باليوم الآخر لأنه اليوم الذي ليس بعده يوم، هذه الدنيا بعدها يوم، وهي دانية وقريبة جدًا، وزوالها قريب للغاية، أما الآخرة ففيها الاستقرار في حياة دائمة غير منقطعة وغير منقضية البتّة في دوام سرمدي لا ينتهي بتاتًا، ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ(4)، الحياة الحقيقية هي الحياة الآخرة لا انقطاع فيها، أما حياة تعيش فيها ثلاثين سنة خمسة عشرة سنة عشر سنين وربما مات الإنسان وهو صغير لا يزال يرضع، هذه الحياة سريعة إنما الحياة الحقيقية هي الحياة الباقية التي لا فناء بعدها.

من الإيمان باليوم الآخر، الإيمان باليوم الآخر يتضمن الإيمان بأمور ثلاث:

الأمر الأول: الإيمان ببعث الأموات، والأموات الذين يبعثون كل هؤلاء المخلوقين على الإطلاق يبعثون، ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ(5)، الطيور الدّواب الإنس الجن وحتى البهائم وحتى الحشرات كلها تبعث، جميع الأحياء من إنس وجن وطائر وحيوان كلها تبعث ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾، وفُسِّرَ به أيضًا قوله تعالى - على أحد الوجهين – ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ(6) ففسر بأنها حشرها أيضا أنه تحشر في القيامة والوحوش بهائم، فيبعث الله تعالى جميع هؤلاء الذين ماتوا لا يعزب عن علمه تعالى شيء من مواضعهم، ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ(7)، فيبعثون يوم القيامة كما يأتي إن شاء الله تعالى، هذا الأمر الأول.

لِمَ يبعثون؟ يبعثون للأمر الثاني الذي تضمنه الإيمان باليوم الآخر وهو الإيمان بالجزاء والحساب، فيحاسبون ويجازون قال تعالى: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ(8)، وهذا هو الأمر الثالث، يُجازون ويُحاسبون ثم يستقرون في إحدى الداريين إما أن يكونوا من أهل الجنة وإما أن يكونوا من أهل النار وهذا هو الأمر الثالث الذي يتضمنه الإيمان باليوم الآخر مبدأ البعث ثم الجزاء والحساب، الأمر الثالث الاستقرار في الجنة أو في النار.

يقول رحمه الله في عبارةٍ دقيقة هنا: الإيمان باليوم الآخر، هذا محل إجماع، ما نقول المعتزلة تأباه أو الأشعرية تأباه، لا هذه المسائل ليست مسائل خلاف بين أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، جميع المسلمين يعلمون باليوم الآخر ويقرّون به، فهو من المسائل الإجماعية عند كل من يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله سُنّيّهم وبدعيّهم، من كان على بدعة عظيمة ومن كان بدعته دون ذلك، كلهم يقرّون باليوم الآخر، لكن من الإيمان باليوم الآخر الإيمانُ بكل ما أخبر صلّى الله عليه وسلّم مما يكون بعد الموت، هنا يأتي الخلاف بين السّنّي الحقيقي وبين الضُّلَّال من المعتزلة وأضرابهم ممن لا يقرّ بما يكون في القبر من فتنة ومن نعيم ومن عذاب؛ فيقول: أنا لا أكفر باليوم الآخر، لكن اليوم الآخر لا علاقة له بما يكون في القبر، إنما اليوم الآخر بدءًا من البعث إلى دخول الجنة أو النار وهذا أمر متفق عليه، لكن يُخالف في أمر القبر، يقول شيخ الإسلام: من الإيمان باليوم الآخر الإيمان بما يكون في القبر، لماذا لأن القبر كما قال صلّى الله عليه وسلّم: «القبر أول منزلة من منازل الآخرة»(9) القبر جزء من الآخرة أحكامه كلها، ولهذا لا يمكن أن تطلع على ما في القبر، لو أنك فتحته ونظرت إلى أكبر عدو عادى الإسلام فتحت عن قبره لا ترى نارًا ولا ترى عذابًا أبدًا لأن له أحكام أخرى لا علاقة له بتاتًا بالدنيا، وإنما أحواله أحوال الآخرة، بل لو دفن اثنان في قبر واحد أحدهما كافر فاجر والآخر مؤمن تقي لنُعِّمَ المؤمنُ وعُذِّبَ الكافرُ ولا يؤثر نعيم هذا في عذاب هذا ولا عذاب هذا في نعيم هذا، أحكام مستقلة تمامًا ليست مما تحسّه وتراه، ولهذا لا شك أن اليوم الآخر كما قال صلّى الله عليه وسلّم: «القبر أول منزلة من منازل الآخرة» فهو تابع للآخرة بلا شك.

يقول: مما يؤمنون به ما الذي يكون في القبر، الذي يكون في القبر شيئان:

الأول هو الفتنة، والفتنة المراد بها سؤال الميت عن ربه وعن دينه ونبيّه صلّى الله عليه وسلّم، هذا هو المراد بالفتنة.

والثاني: إما أن يُنَعَّم هذا الميت إذا كان من أهل الإيمان وإما أن يُعَذَّب، فالذي في القبر الفتنة وهي عامة إلا من استثني مثل المرابط في سبيل الله ومثل الشهيد إذا مات والظاهر والله أعلم وهو الذي رجحه الشيخ ابن عثيمين رحمه الله وهو أن الأنبياء لا يُفتنون لأنهم عليهم الصّلاة والسّلام يٌفتن الناس ويسألون من نبيك؟ فالناس يسألون عن النّبيّ، قال: فالأنبياء أعظم درجة من الشهداء، فالظاهر من النصوص أنهم لا يُسألون لأن الناس يُسألون عنهم وهم في درجة أعظم من الشهداء ومن المرابطين، والشهيد والمرابط لا يُمتحن، وكما قال عليه الصّلاة والسّلام في المرابط: «وأَمِنَ الفتّان»(10) يأمن فَتَّان القبر، وغير المكلفين هل يمتحنون؟ ذكر المؤلفُ رحمه الله تعالى أن غير المكلفين لا يمتحنون لأنهم لم يوجه لهم الخطاب في الدنيا، فمن يموت صغيرًا ومن يكون فاقد العقل، يقول: ظاهر النصوص أيضًا أنهم لا يمتحنون لأنهم لم يجري عليهم القلم أصلًا بالكتابة، والأمر إلى الله عزّ وجلّ سبحانه وبحمده، لكن ما جاء في النصوص استثناء مثل المرابط و الشهيد فهؤلاء يأمنون الفتّان، والأنبياء أعظم درجة وأجلّ من المرابطين ومن الشهداء.

بقي الكلام في أمر غير المكلفين، فيرجح رحمه الله تعالى أنهم لا يسألون لأنه ليس لديهم أعمال يسألون عنها.

يقول: فأما الفتنة فإنهم يسألون في قبورهم فيقال للرجل، الحديث المعروف حديث البراء بن عازب وغيره في أن العبد يُسأل في قبره عن ثلاث مسائل: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ فأما الموفق الناجي فإنه يقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد صلّى الله عليه وسلّم، في بعض الأمر روايات أن الملك يسأل هذا الرجل إذا قال نبيي محمد؛ فيقول: «فما علمك؟ يقول: قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت»(11) هذا له مكانة ومنزلة هذا الأثر، الحديث، قراءة القرآن نفعت هذا العبد وكانت من أسباب ثباته، فإنه إذا قال: نبيّ محمد صلّى الله عليه وسلّم؛ قال: ما علمك؟ من أين علمت أنه نبيّك؟ فيقول: قرأت كتاب الله الذي أنزله إلينا وأخبرنا فيه أنه رسول ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ(12)، ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ(13) فآمنت به وصدقت، وهذا يدل على شرف قراءة القرآن وأنها من أسباب الثبات في القبر لمن قرأها عاملًا بهذا الكتاب العظيم، أما المرتاب المتشكك - نسأل الله العافية - والكافر فإنه نسأل الله العافية والسّلامة يقول هذه العبارة هاه هاه - وهي عبارة تدل على التردد وعدم المعرفة - لا أدري، سمعت الناس يقولون قولًا فقلته، هذا عياذًا بالله مباشرةً يُبدأ في عذابه يضرب بمزربّة وهي مطرقة - نسأل الله العافية والسّلامة - من حديد وليست كمطارق الدنيا، فيها من الهول والشدة ما لا يحيط به إلا الله، ولهذا يسيخ في الأرض من شدة هذه الضربة - نسأل الله العافية - لهذا يصيح ويبدأ عذابُه وألمه، نسأل الله العافية، ويستمر عذابُه وما يجده في قبره - على شدته وفظاعته - أخف ما سيناله في النار، نسأل الله العافية والسّلامة ونعوذ بالله من حال المعذبين.

يقول شيخ الإسلام هنا: فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الإنسان ولو سمعها الإنسان لصعق، نبّه الشيخ ابن عثيمين إلى أن لفظ الحديث الذي في البخاري هكذا «فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين»(14) هذا اللفظ في البخاري، أما قوله صلّى الله عليه وسلّم «لو سمعه لصعق» هذا ورد في حديث الجنازة أن الجنازة إذا كانت غير صالحة - نعوذ بالله - وحُمِلَتْ على أكتاف الرجال تقول: يا ويلها أين يذهبون بها؟ نسأل الله العافية والسّلامة، وهي قبل دخولها القبر يعني أثناء حملهم عياذًا بالله للهالك هذا الذي سيعذب تقول وهي على النعش يا ويلها أين يذهبون؟(15) بها يقول صلّى الله عليه وسلّم: «لو سمعه لصعق» لكن هل المعذبون يصيحون؟ لا شك في قبورهم يصيحون أعظم الصياح، ولهذا جاء عنه عليه الصّلاة والسّلام أنه سمع صوتًا مرة فقال عليه الصّلاة والسّلام: «يهود تعذب في قبورها»(16) نسأل الله العافية والسّلامة، سمع صوتهم وأخبر عليه الصّلاة والسّلام مرةً حادت به بغلتُه فسأل عن قبورٍ كان عندها فأُخبر أنها قبور أناس من المسلمين أو من المشركين؟ فأخبر أنهم أناس من أهل الشرك فحادت به بغلته مِنْ سماعها لصيحة المعذب، نسأل الله العافية والسّلامة فيعذبون عذابًا شديدًا، نسأل الله العافية والسّلامة.

المؤمنون الذين على التوحيد كما أن منهم من يدخل إلى النار ويعذب في النار ثم يُخرج بإذن الله إلى الجنة كما سيأتي عندما يأتي الكلام عن الشفاعة؛ فإن منهم من يعذب في قبره - نسأل الله العافية - وذكر النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أصنافًا من المعذبين في قبورهم من المؤمنين منهم - نسأل الله العافية - النّمام، النّمام الذي ينقل الكلام هذا يعذب في قبره، ومنهم من لا يستنزه من بوله، لا يكترث من تطاير رشاش البول على جسمه أو على ثوبه لأن صلاته في هذه الحالة تكون صلاة من لم يحقق شرطها وهو التطهر في البقعة والثوب والبدن لا بد من الطهارة، ينزهها من رشاش البول، هذا لا يكترث، أخبر صلّى الله عليه وسلّم بعذابه، مِنَ الذين يعذبون - نسأل الله العافية والسّلامة - الزناة والزواني يُجعلون في مثل التَّنُّور، حفرة في الأرض - نسأل الله العافية – قال صلّى الله عليه وسلّم: «أعلاها ضيق وأسفلها واسع»(17) فيه - نعوذ بالله من الفضائح - فيه رجال ونساء عراة كما تعرّوا في الدنيا واجترؤا على هذه الفاحشة العظيمة يكونون هكذا، وإذا هم يأتيهم لهب أسفل منهم - الحديث في البخاري - فإذا أتاهم ذلك اللهب ضَوضَوا(18) - نسأل الله العافية - ضجّوا وصاحوا ثم ارتفعوا حتى كادوا يخرجوا ثم - نسأل الله العافية – يهبطون، ثم يأتيهم اللهب ثانية ً- نسأل الله العافية -،ومن الذين يُعذبون الذين لا يقومون بالقرآن حق قيامه، رأى عليه الصّلاة والسّلام رجلًا يُضرب على رأسه بحجرٍ فيشدق رأسه فيتدهده الحجرُ فيعود إليه الضارب وإذا برأسه قد التئم ثانيةً فيضربه على رأسه مرة أخرى - نعوذ بالله - فيشدقه وهكذا، قال الملكان للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «يُفعل به هكذا إلى يوم القيامة» إن بعض عذاب القبر يستمر إلى القيامة نعوذ بالله نسأل الله العفو والعافية.

هذا أيها الأخوة نعوذ بالله أن ينالنا أو ينالكم، قال: «رجل علمه الله القرآن فنام عنه بالليل ولم يعمل فيه بالنهار»(19) هذا - نسأل الله العافية – قال: طالب علم، نعوذ بالله، طالب علم لكن ما قام بالقرآن كما ينبغي، ما عمل به، نام عنه في الليل ولم يعمل به في النهار، وهذا يدل على أن العلم كما أنه من أعظم أسباب دخول الجنة؛ فإنه قد يكون من أعظم أسباب دخول النار والعذاب، لأنه إذا لم يقم به صاحبه كما ينبغي فإنه يعذب، عذابه نعوذ بالله هذا كما تقدم يُفعل به هكذا إلى يوم القيامة، مما يدل على أنه يستمر عذابه - نسأل الله العافية والسّلامة - هذا من المسلمين قطعًا لأنه ليس من الكفار، الكفار عذابهم أهول ولا يقال في الكافر إنه يأكل الربا، الكافر كفره قد غطى على كل ذنب، ولهذا في الرواية الأخرى لهذا الحديث - حديث سمرة رضي الله عنه في البخاري - أنه قال: «والرجل ينام عن الصّلاة المكتوبة»(20) ويرفض القرآن - نسأل الله العافية والسّلامة - مما يدل على أن الصّلاة المذكورة هي الصّلاة المكتوبة، كالذين ينامون عن الفجر طلبة علم - نسأل الله العافية - أو ينام عن العصر - طالب علم - أين القرآن؟ أين أثره؟ نام عنه في الليل ولم يعمل به في النهار - نسأل الله العافية والسّلامة -، ومن المعذبين أيضًا المرابي، رآه النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام كيف يعذب، ومن المعذبين وهذا الذي يخشى على كثير من الناس ممن يُشيعون هذه الإشاعات عبر الشبكة وحتى الإعلاميين وأمثالهم يخشى عليهم هذا الحديث جدًا «يكذب الكذبة تبلغ الآفاق»(21) الكذب كله قبيح، لكن الكذب الذي يبلغ الآفاق وينتشر – ووسائل انتشاره الآن كبيرة جدًا - والذين ابتلوا بالكذب من خلال هذه الشبكة ينتشر، ينتشر الكذب مباشرة إذا كانت الكذبة في بلد ما هي إلا ما نقول ساعات؛ دقائق، وإذا بها في مصر والعراق وبلاد المغرب وفي بلاد المشرق وعند العرب وعند العجم تنتشر بسرعة، وإذا بها كذبة، هذه الكذبة شأنها شديد جدًا، أخبر صلّى الله عليه وسلّم أنه يشرشر شدقه إلى قفاه – الشدق هو جانب الفم - ومنخره إلى قفاه وعينه إلى قفاه - نسأل الله العافية -، ثم يذهب إلى الجهة الأخرى فيشرشرها أيضًا فيعود وقد الْتَئَمَ القسمُ هذا - نسأل الله العافية - هذا فيعود عليه مرة أخرى، قال: «يفعل به هكذا إلى يوم القيامة» أيضًا هذا الصنف يستمر على هذا إلى يوم القيامة، نسأل الله العفو والعافية، أمور الآخرة والقبور أمورها عظيمة جدًا وهي من أعظم ما يُرقق القلوب، ومن الأمور المؤسفة غفلة كثير من هؤلاء الخطباء عن هذا الموضوع العظيم، تتعجب، خطيب قد يجلس بعض الأحيان سنوات لا يخطب عن الجنة وعن النار، قد خطب النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بنفسه عن النار وقال عليه الصّلاة والسّلام في أثناء كلامه في خطبته – ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ(22)(23) – هذا كلام أهل النار مما يدل على أن الخطبة كانت عن النار، وقال عليه الصّلاة والسّلام: («أنذرتكم النار؛ أنذرتكم النار»، حتى لو أن رجلًا بالسوق لسمعه)(24)، فينبغي أن يخطب بها، الخطبة المقصود بها التذكير، وهي فرصة عظيمة، قد يكون عدد الحضور بالألوف، منهم من عنده معصية، منهم من عنده غفلة، منهم قد ينام عن الصّلاة، منهم قد يقع في ربا، منهم قد يقع في زنى، ففرصة الخطيب الكبيرة، كلهم يستمعون إليه، فينبغي تحريك قلوب هؤلاء، لأن المؤمن قريب ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى(25)، ولهذا يُقرأ بـ (سبح) وبـ (الغاشية) في الجمعة لأن فيهما التذكير ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى(26) والله تعالى يقول: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ(27)، فلا تُضاع خطب الجمعة لا تُضاع هي فرصة محدودة في السُّنَّة نحو خمسين خطبة في السُّنَّة، انظر أثرها العظيم، لو أنه قام بها طالب علم كما ينبغي، هذا يعود تائبًا، هذا القاطع لرحمه يصل، العاقُّ لوالديه يبرُّ والديه، المرابي، الذي يقع في الزنى، الذي يقع في تقصير في الواجبات يعود، على الأقل نسبة كبيرة تتوب لأنه يسمع قوارع القرآن والسُّنَّة وكلام السلف؛ فيعود على نفسه فهي فرصة عظيمة، أما إذا قُلبت قلبًا إلى أخبار وإلى كلام وإلى قصص لا تنفع الناس فتضيع الفائدة منها، ولهذا تجد الفرق الكبير جدًا بين خطبة طالب العلم وبين غيره، طالب العلم إذا خطب وأدّى ما ينبغي في شأن الخطبة تجد أثرها عليك شديد جدًا وتجد أثر ذلك، حتى ولو سئلت بعض الصغار؛ قلت: ماذا خطب الخطيب اليوم؟ قال: خطب بكذا وكذا، أثرها كبير جدًا، ولهذا الخطب ينبغي أن تُعَزَّز بالنصوص من القرآن ومن السُّنَّة وتحرص على كلام السلف الصالح، وهكذا المحاضرات، وكذا الكلمات التي تلقى ينبغي أن تكون هكذا، أما أن تكون كلمات عابرة يؤديها وهو لا يدري بالموضوع الذي يتكلم فيه ويتنقل من موضوع إلى موضوع إلى موضوع، ما هيّأ شيئًا، فينبغي أن يُلاحظ، هذا من أعظم ما ينبغي يُركّز عليه أمر الآخرة وما يلتحق به؛ كما قال شيخ الإسلام هنا فيما يتعلق بأمر القبور، ولهذا لاحظ أهل الفسق وأهل الفجور والليبرالين وأمثالهم يعني ينتقدون الدعاة إلى الله والمصلحين إذا تكلموا في القبر، لأن القبور أثرها كبير جدًا ومؤثرة للغاية، تجعل التي لا تتتحجب تتحجب، تجعل صاحب الربا يترك الربا، تجعل المقصر، فلا يردون الناس أن يهتدوا - قاتلهم الله -، يريدون أهلَ الإسلام أن يضيعوا وأن يزيغوا وأن لا تكون مؤثرة هذه خطبة الجمعة، ولهذا خطبة الجمعة لو عُمِلَت كما ينبغي وكما أمر الله عزّ وجلّ لا شك أنها تؤثر تأثيرًا كبيرًا جدًا، عدة موضوعات الناس بحاجة إليها، ومما يُحتاج إليه أمرُ تذكيرهم بالآخرة ومواقفها وما فيها، ممكن أن تتحدث عن القبر وأحواله في خطبة، يمكن أن تتحدث عن الميزان وحده والموقف والحال وماذا سيكون حال الموزون وما الذي يُوزن به في خطبة، الصراط كما سيأتي، الصراط وحده يصلح خطبة، وأن الناس كما سيأتي إن شاء الله تعالى يمشون عليه حسب أعمالهم، وأنك ستكون يا من تسمع هذه الخطبة ستكون أنت والمتكلم يومًا ما على هذا الصراط المعدّ ونحو هذا، أثرها كبير، وليس معنى ذلك أنه لا يُتحدث إلا عن اليوم الآخر، نتحدث عن أشياء كثيرة، منها اليوم الآخر، ومنها الأحكام، ومنها أمور كثيرة، لكن هذا الوضع الحاصل في الغفلة عن اليوم الآخر حتى في الخطب - طبعًا لا شك أن هناك من الأخوة والأفاضل وطلبة العلم الموفقون - لا شك أن منهم من يلاحظ هذا، لكن يلاحظ أن ثمة خطبًا كثيرة تمضي في السُّنَّة وليس فيها هذا التذكير، والله يقول: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى(28)، ويقول تعالى: ﴿فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ(29) فينبغي ملاحظة مثل هذه الأمور وملاحظة أمر اليوم الآخر وتحريك القبور(30) به.

بعد ذلك كما قلنا بعد الفتنة يبدأ العذاب أو النعيم يقول رحمه الله: إلى أن تقوم القيامة الكبرى، قوله القيامة الكبرى يعني أنه ثمة قيامة صغرى، وهي قيامة العبد نفسه إذا مات، من مات فقد قامت قيامته، فإذا متّ أنت قامت قيامتك، أما القيامة الكبرى فهي التي تكون بما ذكرنا بالبعث الذي يبعث الله عزّ وجلّ فيه جميع الأموات.

قال: فتعاد الأرواح إلى الأجساد، وتقوم القيامة التي أخبر الله بها، لاحظ مرّة أخرى في كتابه وعلى لسان رسوله صلّى الله عليه وسلّم وأجمع عليها المسلمون، هذه أدلة العقيدة، القرآن والسُّنَّة والإجماع، فيقوم الناسُ من قبورهم لربهم - رب العالمين سبحانه وتعالى - على هذا الحال، حفاةً أي بلا نعال، عراةً أي بلا ثياب - غرلًا جمع الأغرل، والأغرل هو الذي لم يختتن، حتى هذه في القلفة التي نُزعت منه في الدنيا ستعود إليه، قال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ(31).

قال: وتدنو منهم الشمس، جاء في الحديث «أنها تدنو مقدار مِيل»(32)، قيل: إنه المِيل المعروف في المسافة، وقيل أنه ميل المكحلة الصغير، ولهذا يعظم العرقُ جدًا، فمنهم من يلجمه العرقُ، قوله: ويلجمهم العرق، هذا صنف، يكون الناس في حال العرق من هذا الزحام الشديد، ومن قُرب الشمس يكونون على أحوال بحسب حالهم في الدنيا، منهم من يأخذه العرق إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى حقويه - معقد الإزار - ومنهم - نسأل الله العافية - من يلجمه إلجامًا، اللجام هو الذي يجعل على فم الخيل، أي أن العرق - نسأل الله العافية - يصل إلى أفواههم، ومنهم - نسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم - من يُظلون في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله تعالى، فتتفاوت الأحوال في القيامة، الأحوال في القيامة يظهر فيها عجائب، من أعظم ما ينفع في القيامة - نسأل الله الكريم من فضله – الصدقات، فإن العبد في ظل صدقته في القيامة بحسب ما يُكثر من هذه الصدقات يكثر بإذن الله تعالى ظلُّه، و تتبدى أمور وأحوال - نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من المستورين وأن لا يفضحنا في المفضوحين - تتبدى أحوال وأمور لأناس كانوا على حالٍ في الدنيا فتتبدى أحوال أخرى يعلمها علام الغيوب فيفضحون، ولهذا قال صلّى الله عليه وسلّم: «ينصب لكل غادر لواء عند إِسْتِهِ، يُقال: هذه غدرة فلان بن فلان»(33)، ممن يفضحون أهل الغدر، لأن الغدر من أقذر الصفات، الغادر مأمون قد استراح الناس من شره وإذا به يغدر، فيُفضح في القيامة ويجعل له لواء ويحدد باسمه ويجعل هذا اللواء عند إِسْتِهِ – عياذًا بالله - فضيحة له.

أحوال يوم القيامة - نسأل الله الستر والعافية - ولهذا اقرأ يا أخي في أحاديث القيامة وفي أحوال القيامة؛ فأنها من أعظم ما يُرَقِّقُ اللهُ تعالى به القلب، وترقيق القلب كما عندكم في كتاب الرقاق وغيره، ترقيق القلب يا أخوة لا يكون كيفما يحلوا للإنسان؛ كأن يرققه بطريقة المتصوفة، لا ترقق القلوب بالطريقة الشرعية، لأن ترقيق القلوب هو وفق منهج شرعي، فينبغي أن يُلاحظ هذا، فمن أعظم ما يُرقق اللهُ تعالى به القلب أمر القيامة والنظر فيها فإذا قرأت قوله تعالى ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ(34) أنت منهم، لا تتصور أنهم أناس كأنك تطل عليهم! ستكون منهم، وقوله تعالى ﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ(35)، ستكون في وسط هؤلاء، لا تقرأ هذه الآيات كأنك تنظر إلى أمم سواك، هذا مما يُقلل فائدتك، كأنهم جراد أنا وأنت نكون منهم، هكذا يُفهم القرآن، وهذا مما يؤثر، أما إذا كان الإنسان يقرأ القرآن كأنه يقرأ عن أناس ليس منهم تقل، ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ(36)، فتكون واحدًا من هؤلاء، ما حالك وما وضعك كيف تأتي إلى الله عزّ وجلّ؟ ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ(37)، وقال تعالى: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ(38)، تتفاوت، هناك من يأتي فيلقى في النار - نسأل الله العافية -، هناك من يأتي آمنًا لا يَحُزُنُه الفزع، فلاحظ هذا، يقول العبد لنفسه: هل سآتي آمنًا أم سآتي وأُلْقَى عياذًا بالله في النار؟ فينتفع، فينتفع كثيرًا بإذن الله تعالى من قراءة القرآن بهذه الطريقة، أما إذا كان يقرأ القرآن كما يقرأ أحوالَ أناس فيكون لهم كذا وهو ليس منهم؛ لا شك أن هذا يُقلل فائدته جدًا من القرآن.

أخبر بعد ذلك أن العباد تُنصب لهم الموازين، يوضع الميزان، حقيقي لا شك ولا ريب، كفة للحسنات وكفة للسيئات، فمن رجحت حسناته نجا بفضل الله، ومن رجحت سيئاته هلك إلا أن يعفو الله تعالى عنه، كما قال تعالى عنه: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون(102)وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ(39)، وتنشر الدواوين وهي الصحف هذه التي يُكتب فيها ما قاله العبد، تُنشر أي تفتح، فيقرأها الإنسان ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا(40)، كما في الآية فآخذ كتابه بيمينه وآخذ كتابه بشماله أو من وراء ظهره، الناس في أخذ الكتاب على نوعين اثنين:

الأول: من يأخذه بيمينه، فهؤلاء هم الناجون وهم المؤمنون.

الثاني: وهو من يأخذه بيساره وهم الكفار؛ من وراء ظهورهم، ليس هناك ثلاثة أصناف، آخذ باليسار وآخذ وراء الظهر وآخذ باليمين، لا، آخذ بيمينه وهم أصحاب اليمين، وآخذ بشماله من وراء ظهره نسأل الله العافية والسّلامة، لأنه لا يريد أن يأخذ كتابه، فيجعل رغمًا عنه في يساره - نسأل الله العافية والسّلامة -، وإن جعلها خلف ظهره، ومنهم صنف - نسأل الله الكريم من فضله - وهم الذين لا يُحاسبون ولا يعاقبون، ليس عليهم أصلًا أيّ حساب.

قال: ويحاسب اللهُ الخلائق، يحاسب اللهُ عزّ وجلّ هؤلاء المكلفين، ويخلوا بعبده المؤمن، هذا صنف من الناجين الذي عنده ذنوب وأراد الله أن يرحمه ويغفر له، فيقرّره بذنوبه، كما في الحديث «أتذكر ذنب كذا؟ أتذكر ذنب كذا؟ أتذكر ذنب كذا؟ حتى إذا ظن أنه قد هلك؛ قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم»(41) أكمل الله تعالى كرمَه عليه بالستر في الدنيا وبالغفران في الآخرة، نسأل الله الكريم من فضله.

يقول: أما الكفار فلا يحاسبون محاسبة من توزن حسناته وسيئاته؛ فإنه لا حسنات، ليس لهم حسنات الكفار، من أهل العلم من قال: إن أعمال الكفار توزن، وهو قول لبعض أهل العلم، واستدلوا عليه أيضًا، ومنهم من قال: إنها لا توزن، واستدلوا بأنها لا توزن بقوله تعالى ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا(42)، لكن يتفق الجميع أنهم يقرّرون بأعمالهم، ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ(43)، فيُقرَّرون بأعمالهم وتُحصى عليهم وأنهم عملوا كذا وكذا ثم - نسأل الله العافية - يُصار بهم إلى النار.

نقف إن شاء الله هنا وبإذن الله عزّ وجلّ كما قلنا في أول الدرس سنحتاج أن نرجع بعد العشاء لمن أراد من الأخوة إكمال الكتاب، فنرجع، ولعله يتيسر أيضًا يعني قراءة الأسئلة بإذن الله تعالى، ونُتِمُّ الكتابَ اليومَ مع الأسئلة بحول الله تعالى، والله أعلم وصلّى الله وسلّم على نبيّنا محمد وعلى آله وصحبه.


(1) صحيح البخاري (1374)، وأبو داود (3231) وغيرهما بألفاظ مختلفة.
(2) المؤمنون: 102، 103.
(3) الإسراء: 13، 14.
(4) العنكبوت: 64.
(5) الأنعام: 38.
(6) التكوير: 5.
(7) ق: 4.
(8) الشورى: 7.
(9) حسن. الترمذي (2308). صحيح الجامع (1684).
(10) صحيح مسلم (1913).
(11) صحيح. أبو داود (4753). صحيح الجامع (1676).
(12) الفتح: 29.
(13) آل عمران: 144.
(14) صحيح البخاري (1338).
(15) صحيح البخاري (1314).
(16) صحيح البخاري (1375).
(17) صحيح البخاري (1386).
(18) صحيح البخاري (7047).
(19) صحيح البخاري (1386).
(20) صحيح البخاري (7047).
(21) صحيح البخاري (1386).
(22) الزخرف: 77.
(23) صحيح البخاري (3230).
(24) صحيح. الحاكم (1058). صحيح الترغيب والترهيب (3659).
(25) الأعلى: 9.
(26) الأعلى: 9.
(27) الذاريات: 55.
(28) الأعلى: 9.
(29) الذاريات: 55.
(30) كذا قال الشارح حفظه الله، ولعل قصده (القلوب).
(31) الأنبياء: 104.
(32) صحيح مسلم (2864).
(33) صحيح البخاري (6177).
(34) المطففين: 6.
(35) القمر: 7.
(36) القارعة: 4.
(37) فصلت: 40.
(38) الأنبياء: 103.
(39) المؤمنون: 102، 103.
(40) الإسراء: 14.
(41) صحيح مسلم (2768).
(42) الكهف: 105.
(43) الأنعام: 30.