موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - مَكَانَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ بَيْنَ فِرَقِ الْأُمَّةِ - شرح العقيدة الواسطية
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح العقيدة الواسطية لفضيلة الشيخ عبدالله بن عبدالعزيز العنقري
  
 
 شرح العقيدة الواسطية
 مقدمة الشارح
 مقدمة المؤلف
 اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة
 الإيمان تعريفه وأركانه
 الإيمان بأسماء الله وصفاته
 الإيمان بأسماء الله وصفاته من غير تكييف ولا تمثيل
 الله سبحانه وتعالى لا سمي له ولا كفو له ولا ند له
 الأسماء والصفات لا بد فيها من نفي وإثبات
 الأسماء والصفات في القرآن الكريم
 إِثْبَاتُ الْمَكْرِ وَالْكَيْدِ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ
 وَصْفُ اللَّهِ بِالْعَفْوِ وَالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالْعِزَّةِ وَالْقُدْرَةِ
 نَفْيُ الشَّرِيكِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى
 إِثْبَاتُ اِسْتِوَاءِ اللَّهِ عَلَى عَرْشِهِ
 إِثْبَاتُ عُلُوِّ اللَّهِ عَلَى مَخْلُوقَاتِهِ
 إِثْبَاتُ مَعِيَّةِ اللَّهِ لِخَلْقِهِ
 إِثْبَاتُ الْكَلَامِ لِلَّهِ تَعَالَى
 إِثْبَاتُ تَنْزِيلِ الْقُرْآنِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى
 إِثْبَاتُ رُؤْيَةِ الْمُؤْمِنِينَ لِرَبِّهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
 الِاسْتِدْلَالُ عَلَى إِثْبَاتِ أَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ مِنَ السُّنَّةِ
 مَوْقِفُ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي فِيهَا إِثْبَاتُ الصِّفَاتِ الرَّبَّانِيَّةِ
 مَكَانَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ بَيْنَ فِرَقِ الْأُمَّةِ
 وُجُوبُ الْإِيمَانِ بِاسْتِوَاءِ اللَّهِ عَلَى عَرْشِهِ وَعُلُوِّهِ عَلَى خَلْقِهِ وَمَعِيَّتِهِ لِخَلْقِهِ وَأَنَّهُ لَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا
 وُجُوبُ الْإِيمَانِ بِأَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ حَقِيقَةً
 وُجُوبُ الْإِيمَانِ بِرُؤْيَةِ الْمُؤْمِنِينَ لِرَبِّهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَوَاضِعِ الرُّؤْيَةِ
 مَا يَدْخُلُ فِي الْإِيمَانِ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ
 حَوْضٌ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم وَمَكَانُهُ وَصِفَاتُهُ
 الصِّرَاطُ مَعْنَاهُ وَمَكَانُهُ وَصِفَةُ مُرُورِ النَّاسِ عَلَيْهِ
 شَفَاعَاتُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم
 إِخْرَاجُ اللَّهِ بَعْضَ الْعُصَاةِ مِنَ النَّارِ بِرَحْمَتِهِ وَبِغَيْرِ شَفَاعَةٍ
 الْإِيمَانُ بِالْقَدَرِ وَمَرَاتِبِ الْقَدَرِ
 حَقِيقَةُ الْإِيمَانِ وَحُكْمُ مُرْتَكِبِ الْكَبِيرَةِ
 الْوَاجِبُ نَحْوَ الصَّحَابَةِ وَذِكْرُ فَضَائِلِهِمْ
 مَنْزِلَةُ أَهْلِ الْبَيْتِ النَّبَوِيِّ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ
 مَوْقِفُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فِي كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ
 صِفَاتُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ
 بَيَانُ مُكَمِّلَاتِ الْعَقِيدَةِ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَمَحَاسِنِ الْأَعْمَالِ الَّتِي يَتَحَلَّى بِهَا أَهْلُ السُّنَّةِ
شرح العقيدة الواسطية - مَكَانَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ بَيْنَ فِرَقِ الْأُمَّةِ

بَلْ هُمُ الْوَسَطُ فِي فِرَقِ الأُمَّة؛ كَمَا أَنَّ الأُمَّة هِيَ الْوَسَطُ فِي الْأُمَمِ، فَهُمْ وَسَطٌ فِي بَابِ صِفَاتِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بَيْنَ أَهْلِ التَّعْطِيلِ الْجَهْمِيَّةِ وَبَيْنَ أَهْلِ التَّمْثِيلِ الْمُشَبِّهَةِ، وَهُمْ وَسَطٌ فِي بَابِ أَفْعَالِ اللَّهِ تَعَالَى بَيْنَ الْقَدَرِيَّةِ وَالْجَبْرِيَّةِ وَغَيْرِهِم، وَفِي بَابِ وَعِيدِ اللَّهِ بَيْنَ الْمُرْجِئَةِ وَبَيْنَ الْوَعِيدِيَّةِ مِنَ الْقَدَرِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ، وَفِي بَابِ أسماء الْإِيمَانِ وَالدِّينِ بَيْنَ الْحَرُورِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَبَيْنَ الْمُرْجِئَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ، وَفِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم بَيْنَ الرَّوَافِضِ وَبَيْنَ الْخَوَارِجِ.


يقول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا(1)، فهذه أُمَّة وسط بين الأمم، وهي أعظم الأمم، وهي الشاهد على الأمم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾، فهذه أفضل الأمم، منهجها هو الوسط، والوسط ما هو؟ فسّره رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كما هو في البخاري (الوسط هو العدل)(2)، فالأمر هو كما قال أبو بكر بن عياش رحمه الله: (أهل السُّنَّة وسط في الفرق كما أن الإسلام وسط في الأديان)(3)، الذين هم على الإسلام الصافي النقي الصحيح هم أهل السُّنَّة، والإسلام وسط، لهذا تجلَّت الوسطيةُ على أكمل ما تكون في أهل السُّنَّة كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.

معنى الوسط في اللغة هو الذي يكون بين طرفين، هذا من حيث اللغة، وسطية الأُمَّة بينَّها عليه الصّلاة والسّلام بأنه هو عدلها، ولهذا في تفاسير السلف أنهم ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ قالوا: عدولًا خيارًا، فهذه الأُمَّة أعدل الأمم وأوسط الأمم وهي خيرة الله عزّ وجلّ في هذه الأمم، أهل السُّنَّة هم الذين حملوا الإسلام الصافي النقي، فلهذا هم الوسط في هذه الفرق، وما أضرَّ الأُمَّةَ مثل الإفراط والتفريط، الإفراط والتفريط هو الذي أضرَّ بالأُمَّة هذا الإضرار الشديد، والوسط ينبغي أن يُعلم فيه قاعدة كبيرة جدًا، يجب أن يؤمن بها كلُّ من يشهد أن محمدًا رسول الله، الوسط هو الذي كان عليه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فالذي على المنهج الذي عليه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لا بد أن يُحكم بأنه هو الوسط، لو قال أحد: إن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ليس على الوسط يكفر بإجماع المسلمين، لأن الوسط هو المنهج الذي عليه الأُمَّة ﴿كَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾، لو قال: إن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ليس على الوسط؛ يكون على ماذا؟ ليس بعد الوسط إلا الإفراط أو التفريط، فلو قال في رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مثل هاتين الكلمتين لخرج من الملة، إذًا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على الوسط، فمن هو الوسطي؟ الذي ينهج منهج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، أمّا أن يدعي الوسطيةَ كلُّ أحد، أو أن يُظن أن الوسطية ما هي؟ كما هو الحاصل الآن والمنتشر، أن الوسطية اللعب بالدين، أن يُسْتَسْهَل بالمنكرات، لا تكون متشددًا! لا تكون على هذا الجانب من الحماس لدينك والاهتمام والغيرة لله ورسوله والعناية بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والولاء والبراءّ! ترفّق! المسألة ليست هكذا! لا تكن ضَيّق الأفق! كن إنسانًا محسنًا للتعامل! يكون عندك تعامل راقي مع الكفار ومع من يخالفونك في العقيدة! أيُّ تعامل هذا؟ هذا منهج علماني قذر استُقْدِم من أعداء الله من الغرب، ليس معنى الوسطية أن نتنازل عن دين الله عزّ وجلّ وأن نتساهل في أمر ديننا، هذا ليس وسطًا، هذا عبث ولعب بدين الله عزّ وجلّ، لذا من أعجب العجب أن يتحدث عن الوسط من هم أبعد الناس عن الوسط، أكثر من أزعج الناسَ بالوسطية أعداءُ الله من الليبراليين، الوسط والوسط! أنتم أشد ما يكون من طرف، أخزاكم الله وأراح الأُمَّة من أمثالكم، أين أنتم من الوسط؛ وأنتم تستقدمون ما عند أعداء الله من الكفرة وتحسِّنُون وتدعون إليه شباب المسلمين وشابّاتهم حتى يكونوا على النهج القذر في الغرب! هذا أطرف الطرف وأخسّ الخسة، وهو المقابل لطرف الخوارج، فأولئك غلاة وأنتم جفاة، وقد ثبت عن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم في الخوارج وفي هذا الصنف الخبيث أنه قال فيهم جميعًا كلمة واحدة «شرار أمتي»(4)، قال صلّى الله عليه وسلّم في الخوارج: «شرار أمتي»، وقال في هؤلاء الذين يجتلبون إلى الأُمَّة طرائق أهل الكفر من اليهود والنصارى قال: «ليحملن شرار أمتي على سَنَنِ مَنْ كان قبلهم -أهل الكتاب- حذو القُذّة بالقُذّة»(5)، وقال في الخوارج عليه الصّلاة والسّلام: «شرار أمتي»، فدل على أن الشر في الطرفين، في أهل الإفراط والزيادة والمبالغة من الخوارج والغلاة وفي أهل التفريط العابثين بدين الله، المعادين صراحة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، المعادين صراحة لأمور الإسلام الكبار كالولاء والبراء والجهاد في سبيل الله - الجهاد السليم الصحيح - الذين يريدون أن يعبثوا بالدين، ثم يقول: هذا هو الوسط! كل أحد يدعي الوسط حتى الشيوعي واليهودي والنصراني، المسألة ليست لعبًا، الوسط عند من يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله واضح جدًا هو الذي عليه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وهو الذي قال صلّى الله عليه وسلّم وخطَّ خطًا مستقيمًا فقال: «هذه سبيل الله»، ثم خطَّ عن يمينه وعن شماله خطوطًا ثم قال: «هذه سُبُل، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليها»(6) الوسط هو الذي قال الله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾، النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بعدما خطَّ الخط قرأ الآية ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ(7)، ليس الوسط أن يُجاوَزَ الدينُ باسم الحماس وباسم الغَيرة، ويُزاد على دين الله ويُشوه دينُ الله عزّ وجلّ ويُبَغَّض للأمم، ليس هذا هو الوسط، هذا هو الغلوّ، وليس الوسط التنازل عن دين الله عزّ وجلّ، الدين لله عزّ وجلّ ليس ملكًا لأحد، أنت تستطيع أن تتنازل عن ما تملك، أما دين الله فتقول: نتنازل عن كذا! ليس لك الدين وليس لأحد، الدين لله عزّ وجلّ، قال تعالى في أهل الكتاب - وهذه هي الطريقة الصحيحة في الحوار معهم -: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ(8)، لست عليهم بمسيطر، ما لك ولهم؟ وضِّحْ لهم الحق، فإذا قالوا: لا أنتم عندكم إشكال، عندكم إشكالات لا تناسبنا في المرأة ولا في أمور الغيب ولا في أمور الولاء والبراء، من قال: إن الهداية لك! الله يقول لنبيّه صلّى الله عليه وسلّم: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ(9)، فأنت من باب أولى، أنت وضِّحِ الحق، وبينّه بأجمل وأحسن عبارة، وحببه للقلوب، فإذا قيل: هذه المسألة الحق لا نطيقها ولا نتحملها لا بد أن تتنازل، قل: أنا أملكها! أنا لا أستطيع أن أتنازل، هذا دين الله عزّ وجلّ، مهمتنا هي حمله ونقله بأمانة إلى الأجيال ثم الأجيال بعدنا كذلك، كما استلمناه ممن قبلنا إلى أن وصل إلى الصحابة، بدءًا من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، هذه مهمة أهل العلم وأهل تقوى الله عزّ وجلّ، أما أن نتنازل! هذا لا يريد أحكام الإسلام في المرأة! وهذا لا يريد أحكام الإسلام في الجهاد! وهذا لا يريد أحكام الإسلام في الولاء والبراء! وهذا لا يريد أحكام الإسلام! متضايق من الغيبيات والجنة والنار وعذاب القبر، دين الله ليس ألعوبة، هذا دين الله عزّ وجلّ فيه النجاة؛ تَقْبَلُهُ؛ الحمد لله، ما تَقْبَلُهُ؟ إنما تضرّ نفسك، أما أن تتنازل عنه! سلني عن شيء أملكه حتى أتنازل عنه، فأمر الوسطية أمر خطير جدًا ومن أكثر بل أكثر ما يقال في الوسطية قاطبة؛ أكثر ما يسمع ويكتب فيها كذب وغير صحيح للأسف، لأن الوسطية يتكلم فيها من ليسوا من الوسط بسبيل، واعلم أنه يستحيل أن تُعْرَف الوسطيةُ إلا بالعلم، ما يمكن أن تُعرفَ الوسطيةُ إلا بالعلم، حتى تعرف أن هذا منهج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؛ فمن زاد تقول: هذا غلا، ومن قصَّر: تقول: جفا، أما أن تقول وسطية! سهل على الناس! يَسِّرْ لهم الأمور! دين السماحة! هو دين السماحة في حال وجود السماحة، ودين القوة في الله عزّ وجلّ في حال وجود القوة، ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ(10)، أما أن يُظَنَّ أن دين الله عزّ وجلّ هو السماحة مطلقًا؟ يستحيل أن يكون هذا هو الدين الذي يرتضيه الله عزّ وجلّ، السماحة لها مواضع والقوة لها مواضع، ليست المسألة بالوضع الذي يفهمه كثير من العامة أن دين الله تعالى معناه أن يُستسمح وأن يُتساهل في أمر الأحكام والفتاوى وفي أمور عظام من شأن دين الله فيقول: هذا هو الوسط! ليس هذا هو الوسط، الوسط هو في العلم بأن تعلم أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على هذا الحدِّ، فمن زاد فيه فإنه من الغلاة، وهم من شرار الأُمَّة كما تقدم في الحديث، الحديثان هذان شأنهما عظيم جدًا، حينما يقول صلّى الله عليه وسلّم في الغلاة من الخوارج «شرار أمتي»، وحين يقول في الجفاة الذين يحملون الأُمَّة على سَنَنِ من قبلها «شرار أمتي» هذا يدل أن من أبعد عن هذا الوسط فهو من أهل الشر، لأنه سواء زاد وبالغ باسم الحماس والغيرة والحب لدين الله والقيام بأعباء الدعوة؛ إذا زاد فهو من الأشرار لأنه خرج عن الوسط، وإذا قَصَّر وجفا وعدل بدين الله فهو من الأشرار، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: شرار أمتي هنا وشرار أمتي هنا، لأن الشر هو في البعد عن الوسط، فمسألة الوسط ليست مسألة دعوى ومجرد ظنون وتخرُّصات، بل الوسط عِلْمٌ بحال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في الأمور ثم تُوزن الأمورُ على هذا، فمن سار على هذا النهج فهو على النهج الوسطي، ومن زاد عليه فهو من الغلاة ومن قَصَّر عنه فهو من الجفاة.

يقول رحمه الله: هم الوسط في فرق الأُمَّة، كما قلنا كما أن هذه الأُمَّة هي الوسط في الأمم، ثم ذكر أمثلة على هذا وفصّلها رحمه الله تعالى في مواضع في منهاج السُّنَّة وفي الفتاوى، فصلها تفصيلًا عظيمًا في الأحكام، عند اليهود وعند النصارى، كيف أن عند اليهود شيء من التشدد في النجاسات وفي التعامل مع المرأة إذا حاضت وفي المحرمات عليهم وهي كثيرة، وعكسهم النصارى، النصارى فيهم قذارة، يباشرون النجاسات ولا يكترثون بها، ويطؤون المرأة وهي حائض، وجاء الإسلام بالوسط، لا غلو اليهود ولا قذارة النصارى، وذكر أمثلة كثيرة من هذا، في أبواب الأحكام وفي أبواب الاعتقاد وغيرها.

ثم ذكر وسطية الأُمَّة ووسطية أهل السُّنَّة بين الفِرَق، ذكرها هنا مجملة، وفصلها في منهاج السُّنَّة رحمه الله وفي كتاب العقيدة الكبرى وفي الفتاوى في مواضع نفيسة جدًا، نذكر الآن ما ذكرها منها.

يقول في باب صفات الله، هم وسط بين أهل التعطيل الجهمية وأهل التمثيل المشبهة، وهذا وضحناه أن أهل السُّنَّة لهم منهج، لا يبالغون في الإثبات حتى يُشَبِّهُوا، ولا يبالغون في التّنزيه حتى يعطلوا.

وهم وسط في باب أفعال الله بين الجبرية والقدرية، الجبرية الذين يزعمون أن العبد ليس له فعل أصلًا وإنما هو مجبور، فبالغوا في تقرير القدر، عكسهم القدرية، وهم طائفتان: القدرية الغلاة الذين ينفون علم الله أصلًا للأشياء حتى تقع، ويقولون: الأمر محال للعبد بالكلية، والقدرية الذين خالفوهم وهم المعتزلة فأثبتوا العلم والكتابة فيما يتعلق بمراتب القدر ولكن قالوا: الله تعالى لا تعَلُّقَ لمشيئته وإرادته تعالى بأفعال العباد، فالعباد هم الذين يخلقون أفعالهم استقلالًا عن الله، نعوذ بالله من قالة أهل الزيغ.

فأهل السُّنَّة وسط كما سيأتينا إن شاء الله بيانه في القدر بين الجبرية والقدرية.

قال: وفي باب وعيد الله بين المرجئة والوعيدية، الوعيدية هو الخوارج، والقدرية يركزون كثيرًا على الوعيد، ولهذا يكون عندهم شدة مبالغ فيها في شأن العصاة، فيتعاملون معهم ويحكمون عليهم حكمًا أكثر من الحكم الذي بيّنه الله تعالى، فالخوارج ترى أن صاحب الكبيرة كافر، ولهذا نقول لهؤلاء الموجودين الآن من الإباضية: إنكم من الخوارج، فيأبون، فقل: انظروا عقيدتكم في صاحب الكبيرة، عقيدتكم في صاحب الكبيرة هي عقيدة أسلافكم السابقين وهم الخوارج الذين يُعْظِمُون القَالة في صاحب الكبيرة، وصاحب الكبيرة من أهل الملة مسلم لا شك، وهو فاسق بما عنده من كبيرة وهو تحت مشيئة الله إن شاء الله تعالى غفر له وإن شاء عذبه كما قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ(11)، فما دون الشرك مما يقع من عصاة أهل هذه الملة يُمنعون، تقام عليهم أحكام الله، يُحتسب عليهم نعم، لكن ليسوا كفارًا، لا يبالغ هذه المبالغة، فالوعيدية من الخوارج يقولون: إنه يُنتقل بالكبيرة إلى حكم الكفار، المعتزلة ابتدعوا بدعة قالوا: لا نقول: إنهم كفار ولا نقول: إنهم مسلمون، ولكن نقول: هم في منزلة بين المسلم وبين الكافر، منزلة يسمونها المنزلة بين المنزلتين، وفي الآخرة قالوا: نقول كالخوارج هو مخلد في النار، فبالغوا مبالغة شديدة، عكسهم المرجئة، المرجئة سُموا بالمرجئة من الإرجاء، وهو أنهم يؤخرون العمل، يخرجون العمل عن الإيمان، ركزت المرجئة عكس ما ركزت الخوارج، ركزت على الآيات والأحاديث التي وردت بالعفو والمغفرة والصفح، وتجد عندهم عبارة: الله غفور رحيم مباشرة، ويهونون من أمر المعاصي حتى قال قائلهم أخزاه الله: (وأَكْثِرْ ما استطعت من المعاصي إذا كان القدوم على كريم!!) نسأل الله العافية، حرَّضوا الناس على المعصية، فربك كريم، ربك غفور رحيم! لا تستوحش من المعاصي! نسأل الله السلامة والعافية، قطعًا ليس المرجئة جميعًا يقولون هذا، لكن المرجئة درجات، فهؤلاء سهلوا في أمر المعصية وأخرجوا العمل عن الإيمان، وقالوا: العاصي لا ينقص إيمانُه ولا يضعف، بل إيمانه مثل إيمان جبريل وميكائيل، فجرّؤا العصاة على المعاصي وجرّؤا العصاة على ترك الطاعات، عكسهم الوعيدية وهم الخوارج والمعتزلة كما قلنا في شدتهم على صاحب الكبيرة، فأهل السُّنَّة بحمد الله وسط، يمنعون أمر المعاصي ويحتسبون على أهلها وينكرون المنكر ويقيمون الحدود عليهم ويقولون: إن هذه المعاصي قد يعاقبون عليها العقوبة الشديدة في دنياهم وفي قبورهم وقد يدخلون بها النار كما دلت النصوص لكن أمرهم إلى الله، إن شاء عفا عنهم وإن شاء عذبهم لأنهم مؤمنون بما عندهم من إيمان؛ فاسقون بما عندهم من فسق، فتوسّطوا بين قول هؤلاء وقول هؤلاء.

وفي باب أسماء الإيمان والدين بين الحرورية والمعتزلة وبين المرجئة والجهمية، أسماء الدِّين كالأسماء التي أطلقت، مسلم مؤمن فاسق عاصي منافق، هذه أسماء دينية أطلقها الشرع، هذه الأسماء ضلَّت فيها الفرق أعظم الضلال، نفس الوضع، الحرورية المقصود بالحرورية الخوارج نسبوا إلى حَرُوْرَاء وهي بلد انحازوا إليها زمن علي رضي الله عنه فنُسِبُوا إلى هذا البلد حروراء، الحرورية وسائر الخوارج والمعتزلة في أسماء الإيمان بالغوا مبالغة شديدة كما قلنا الخوارج، صاحب الكبيرة هو مسلم لا شك في ذلك لكنه عاصي، فيجتمع أن يكون مسلمًا عاصي، لم يستطيعوا أن يستوعبوا أنه مسلم عاصي، قالوا: إما أن يكون مؤمنًا عنده إيمان كامل وإما ان يكون كافرًا، فغَيَّرُوا في أسماء الدين، فاسم الدين فيه فاسق وفيه عاصي وفيه غالي وفيه كافر وفيه منافق، النفاق منه نفاق أصغر ونفاق أكبر، وهكذا الكفر والشرك ليست إطلاقًا واحدًا، هم ليس عندهم إلا شيء واحد، إما أن يكون على الوضع الذي يرونه ويكون أيضًا واحدًا منهم على نفس طريقتهم ومعتقدهم وإلا فهو كافر، فبالغو هذه المبالغة.

المرجئة سهلت من أمر المعاصي وأضاعت الدين إضاعة شديدة حتى كانوا كما قال بعض السلف جعلوه كثوب دساتري(12) أو نحوه ثوب شفاف، صار رقيقًا جدًا، لعبوا بالدين لعبًا عظيمًا جدًا مثل هذه التصرفات، فهوَّنوا من المعاصي، المعاصي شديدة، وصاحب الكبيرة فاسق تُرَدُّ شهادتُه ولا تقبل ويجب أن يحتسب عليه وأن يقام عليه حكم الله ولا يسهل من أمر المعاصي، فسهلوا من أمر المعاصي، قال: صاحب الكبيرة عندهم إيمان كإيمان جبريل وميكائيل، فغَيَّروا في أحكام الدِّين، فأهل السُّنَّة ولله الحمد وسط، قالوا: هو مؤمن بما عنده من إيمان - صاحب الكبيرة - فاسق بما عنده من فسق، فيجتمع فيه الأمران، ثم الناس يتفاوتون في درجات الإيمان، فالإيمان يزيد وينقص، وحتى الفسق يتفاوت في شأنه، فمنه فسق أعظم وهو فسق الكفار وهو الفسق الذي ذكره الله عن إبليس ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ(13)، هذا فسقه فسق كفر، لأن الفسق يطلق على الكفر، وهناك فسق دون ذلك ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ(14)، فيكون من فساق المسلمين كأن يكون كاذبًا في حديثه أو نحو ذلك، فأسماء الدين من الخطر البالغ جدًا أن يُلعب بها، لأن لاحظ شيئًا، اسم الدين معه ماذا؟ معه حكم، أسماء الدين معها حكم، فإذا قلت: إن صاحب الكبيرة كافر؛ معناه أن صاحب الكبيرة يَحِلُّ قتلُه! أصحاب الكبائر لهم حدود، وكونهم لهم حدود معنى ذلك أنهم ليسوا كفارًا، فكون السارق إذا سرق قطعت يده لا يعني ذلك أنه كافر، لأنه لو كان كافرًا لما قطعت يده، لو كان كافرا لقُتِلَ على الردّة، لكن تقطع يده ويترك، والشارب يجلد ويترك، فلو كان شارب الخمر كافرًا لما جُلِد وتُرِك، بل قطعت رقبته على الردّة أيضًا، لأنه قد يُقتل المسلم قتلًا لا على الردّة، فإنه لو قتل أحدًا فإنه يقتل به، لكن لا يكون قتله قَتْلُ المرتد، وإنما يكون قتله قَتْلُ المسلم الذي قتل أخاه المسلم فكلاهما سماه الله تعالى بالأخ، قال تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾، هذا في قتل العمد ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ(15)  فسمى اللهُ القاتلَ ووليَّ الدم من المقتول سماهما أخوين، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا(16)، فدل على أنه يمكن أن يقع الاقتتال - وهو كبيرة - بين المؤمنين، ففصّل أهلُ السُّنَّة هذا التفصيل، أما الخوارج فما استطاعوا أن يستوعبوه، ولهذا أتباع الخوارج عندهم التكفير سريع جدًا، سريعون جدًا إلى التكفير، والتكفير عندهم ليس له قاعدة، لو تنظر في قاعدة التكفير عند الخوارج وتسبرها سبرًا دقيقًا جدًا لاختصرتها في كلمة واحدة: من خالفني فهو كافر، هذه طريقة الخوارج، لكن أن تكون دقيقة على وصف التكفير في كتاب الله وسُنَّة النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أبدًا ليسوا كذلك، ولهذا ابتلي الخوارج في أنفسهم بتكفير بعضهم بعضًا، لأن التكفير ما عنده قاعدة، الخارجي ما عنده قاعدة في التكفير، من هو الكافر؟ الذي يخالفني! شأنك صار شأن الرسل في هذه الطريقة! من خالفك كفر، من خالف ما تُقَرِّرُهُ كفر! هذا أمر عظيم وخطير جدًا أن يقال، لأنك جعلت نفسك في مقام الرسل؛ الذين يخالفون الرسل المخالفةَ الكفريةَ يكفرون أيضًا، لأنه قد يخالفوا الرسل مخالفةَ معصيةَ، فلو تنظر في الأزَارِقة النَّجَدات الإباضية الخوارج متقدمهم ومتأخرهم ليس هناك قاعدة دقيقة في التكفير، لأن الخارجي سريع جدًا إلى التكفير، إذا غضب كفَّر، إذا لم يستوعب المسألة كفَّر، عكسه المرجئ، المرجئ يفتح الباب، ويُسَهِّلُ من أمر المعاصي، بل قد يدخل المرجئة في الدين من هم كفار فعلًا من شدة التساهل، فلنحمد الله تعالى على السُّنَّة ونسأله الثبات على الوسط الحقيقي الذي بين هؤلاء الغلاة وبين هؤلاء الجفاة.

قال: وفي باب أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بين الرافضة والخوارج، يأتينا إن شاء الله تعالى الكلام على الصحابة رضي الله عنهم، والرافضة معلوم موقفهم فلا نتحدث عنهم، لكن هل الخوارج نالوا من أصحاب النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم؟ نعم، وهذا كله من دلائل ما عند الخوارج - عياذًا بالله - من الشطط، أفضل الأُمَّة وأجلّ الأُمَّة والذين لهم الفضل على الأُمَّة إلى قيام الساعة بعد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم هم أصحاب رسول الله، ومع ذلك ما سلم أصحاب رسول الله من نقد الخوارج، وذلك أن الخارجيَّ في واقع الأمر مع جهله بالنصوص كما جاء فيهم - كما قال ابن عمر - انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المسلمين(17)؛ أن عنده شيئًا من الغرور كما جاء عنه عليه الصّلاة والسّلام أنه قال: «سيخرج رجل لا يكلمه منكم أحد، فلما أتى قال: أنشدك الله؛ أترى نفسك أفضل من غيرك؟ قال: اللهم نعم»(18)، هذه صفة الخوارج، حتى لو لم يشعروا بها، يرى الخارجي أن إليه المنتهى في التقوى وفي الدين وفي الخير وفي العلم وفي كل شيء، هذه بلية كبيرة معها البلية الأخرى وهي قوله صلّى الله عليه وسلّم كما ثبت عنه عليه الصّلاة والسّلام في مسلم في شأن الخوارج وهذه خطرة جدًا على الخارجي وعلى غير الخارجي قال: «يقرؤون القرآن؛ يحسبون أنه لهم وهو عليهم»(19) فيقول: الدليل عندي قال الله، والدليل عليه وليس له، ولهذا هو ينطلق مثلًا في سفك الدماء وغيره يقول: أنا عندي آية من القرآن يقول تعالى: كذا، مع قول ابن عمر: انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين، ولهذا يسهل على الخارجي القتلُ، لأنه يظن أن القرآن يؤيده، والآيات نزلت في الكفار وأنزلها على المؤمنين كما قال ابن عمر رضي الله عنه، ولهذا يرى أنه على صواب، وأنه الآمر بالمعروف، الناهي عن المنكر، الحَدِب على الأُمَّة، القائم بالإسلام حق القيام، ولهذا لا يكاد يسمع الخارجي - سبحان الله -، الخارجي لا يكاد يسمع، عنده شيء من الاعتداد بنفسه، وعنده شيء من النظر إلى غيره بالنقص، كما قال عليه الصّلاة والسّلام لذلك الرجل الذي خرج عليهم ينظر إلى غيره بأنه هو المتساهل المتلاعب المداهن في دين الله العابث المنافق المرائي الذي تهُمُّه الدنيا ونَظَرُهُ إلى السلاطين وإلى أموالهم، مع أن العالِمَ قد لا يرى سلطانًا أصلًا، لا يلتقي به نهائيًا ولا يهُمُّهُ بتاتًا.

الحاصل أن هذا باب خطر جدًا؛ أن يُخرجَ عن الوسط الذي كان عليه أهل السُّنَّة والجماعة، والخطر أن يُؤتى إلى الإنسان من باب الحرص على الدين والحَدَب عليه والحرص عليه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقيام بأمر الله؛ فيلعب به الشيطان من حيث لا يشعر، ولهذا قد يستغرب طالبُ العلم، وفي باب أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، أهل السُّنَّة وسط بين الرافضة والخوارج، يعني هل نال الخوارج من الصحابة؟ نعم، لأن الخارجي قلنا لك معتد بنفسه، فبلغت بهم الأمور أن رأوا أن عثمان رضي الله عنه خرج عن أحكام الله وتلاعب بدين الله فدخلوا عليه رضي الله عنه في شيبته وفي كبر سِنِّه وقد جاوز الثمانين وقتلوه رضي الله عنه في بيته وعند زوجته، وقد كانت عنده قبل زوجته هذه بنتان من بنات رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فمعنى ذلك أن هؤلاء الهمج لو أُطيل في عُمُرِ رُقية وأم كلثوم لَمَا اكترثوا(20) أن يدخلوا على عثمان ويقتلوه بين بنتي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ثم كمنوا لعلي رضي الله عنه فقتلوه رضي الله تعالى عنه وأرضاه، واتجهوا إلى عمرو ليغتالوه -ابن العاص- فصلّى بدلًا منه خارجة؛ فقتلوا خارجة، وضرب الخارجي معاوية، لأنهم قرروا أن يغتالوا ثلاثة، عمرو ومعاوية وعلي رضي الله عنهم، يفكرون وعندهم طريقة أن الاغتيالات هذه ستَحُلُّ المشكلةَ، قالوا: ثلاثة أشخاص، علي وقتَلَه ابنُ ملجم، وعمرو بمصر، واتفقوا في يوم واحد، كلهم حددوا يومًا في صلاة الفجر، فعلي رضي الله عنه قتله ابن ملجم، وعياذًا بالله نسأل الله أن لا يزيغنا في الزائغين، جعل السيفَ -أَشربَه بالسّمّ- بحيث لو أنه ضربه ضربة ما كانت ماضية؛ يمضي السّمّ منه رضي الله عنه، فضرب عليًا كما قال عليه الصّلاة والسّلام: «أشقاها يا علي قاتل الناقة، وأشقاها من يضربك على هذه -يشير صلّى الله عليه وسلّم إلى رأسه- فيسيل الدم على هذه»(21) فكمن لعلي وقتله في صلاة الفجر، واتجه الخارجي الآخر إلى مصر فأراد قتل عمرو أيضًا في صلاة الفجر فصلّى خارجة بدل عمرو، ففي ظلمة الليل ضرب الرجل -يظن أنه عمرو بن العاص- وإذا به خارجة، فقال كلمة صارت مثلًا: أردت عمرو وأراد الله خارجة، والذي اتجه إلى الشام لقتل معاوية ضرب معاوية ضربة غير ماضية فضربه على أسفل ظهره رضي الله عنه فانقطع منه النسل ونجا، فكانت نظرتهم إلى أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن الصحابة قد فرَّطوا في دين الله وأنهم هم الذين سيقومون بدين الله، ولهذا قاتلوا الصحابة رضي الله عنهم وقاتلوا عليًا رضي الله عنه والصحابة في قتال علي رضي الله عنه لأهل حَروراء حتى أبادهم رضي الله عنه ولم يبق منهم إلا قليل ومع ذلك استمروا في قتال بني أمية حتى سقطت دولة بني أمية واستمروا، وقد جاء عنه عليه الصّلاة والسّلام أنه قال في الخوارج: «كلما خرج قرن قطع؛ حتى يلحق آخرهم بالدجال»(22) نسأل الله العافية والسلامة، انظر عاقبة الغلوّ، عاقبة الغلوّ ونهاية الغلوّ أن يلحق هؤلاء بالدجال، الذي يدعي الربوبية، نسأل الله العافية والسلامة، الوسط الوسط، الوسط الحقيقي الذي عليه أهل السُّنَّة والجماعة لا يمكن أن تناله إلا بالعلم المُؤَصَّل على ما عليه أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ولذا قلنا اعتنوا عناية كبيرة بكتب العقيدة المسندة التي تروي عن الصحابة وتنقل عن التابعين رضي الله عنهم حتى تعرف الوسط حقًا، وتروي عن أئمة الإسلام، وتربط ما بين علماء السُّنَّة في الحديث بعلماء السُّنَّة ممن قَبْلَهُم إلى زمن الصحابة وتربط الأمور بالأحاديث؛ وإلا فإنك قد تزيغ وتضيع من حيث لا تشعر، نسأل الله العفو والعافية، فأمر الوسط أمر كبير الأهمية، والتصنيف فيه والبيان والخطابة فيه في غاية الأهمية في الحقيقة حتى لا يظن الإنسان أنه على هدى وهو عن الهدى بعيد، نسأل الله السلامة والعافية، ونسأله العون لما فيه رضاه والثبات على الحق، والأسئلة نجعلها غدًا إن شاء الله وفيه نختم الكتاب بعون الله تعالى.

وصلّى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلّم.


(1) البقرة: 143.
(2) صحيح البخاري (3339).
(3) لم أعثر عليه بلفظه، ولكن روى ابن عدي في الكامل (45/5) بإسناده عنه أنه قال: (السُّنَّة في الإسلام أعزُّ من الإسلام في سائر الأديان).
(4) صحيح مسلم (1064).
(5) صحيح. أحمد (17135). الصحيحة (3312).
(6) صحيح. الدارمي (208). ظلال الجنة (16).
(7) الأنعام: 153.
(8) البقرة: 137.
(9) البقرة: 272.
(10) المائدة: 54.
(11) القصص: 56.
(12) لفظة غير واضحة.
(13) الكهف: 50.
(14) الحجرات: 6.
(15) البقرة: 178.
(16) الحجرات: 9.
(17) صحيح. البخاري (9/ 16) معلقًا، وقال الحافظ في الفتح (12/ 286): (وصله الطبري في مسند علي من تهذيب الآثار) وصحح إسناده.
(18) لم أعثر عليه.
(19) صحيح مسلم (1066).
(20) كلمة غير واضحة لعلها ما أثبتناه.
(21) صحيح. أحمد (18321). الصحيحة (1743).
(22) لحديث المشار إليه رواه أحمد في المسند (6871) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنه مرفوعًا بلفظ ((كلما خرج منهم قرن قطع، حتى يخرج الدجال في بقيتهم))، ولكن قال الشيخ شعيب الأرناؤوط: "إسناده ضعيف؛ لضعف شهر بن حوشب، ثم إنه معلول كما سيأتي". انظر مسند أحمد ط الرسالة (11/ 456).
وقريب منه حديث أحمد في المسند (19783) من حديث أبي برزة رضي الله عنه مرفوعًا؛ قال فيه الشيخ شعيب الأرناؤوط: "صحيح لغيره دون قوله: "حتى يخرج آخرهم" وهي هنا مختصرة، توضحها الرواية الآتية برقم (19808): "حتى يخرج آخرهم مع الدجال"، وإسناد هذا الحديث ضعيف لجهالة شريك بن شهاب). انظر مسند أحمد ط الرسالة (33/ 27)، وانظر صحيح وضعيف سنن النسائي (4103).
لكن عند ابن ماجه (174) من حديث ابن عمر رضي الله عنه مرفوعًا بلفظ: ((كلما خرج قرن قطع، أكثر من عشرين مرة، حتى يخرج في كلما خرج قرن قطع، أكثر من عشرين مرة، حتى يخرج في أعراضهم الدجال)) والحديث حسن، و (أعراضهم): "جمع عَرْض - بفتح وسكون -، بمعنى الجيش العظيم وهو مستعار من العرض بمعنى ناحية الجبل، أو بمعنى السحاب الذي يسد الأفق. قاله السندي". انظر الصحيحة (5/ 583).