موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - إِثْبَاتُ الْكَلَامِ لِلَّهِ تَعَالَى - شرح العقيدة الواسطية
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح العقيدة الواسطية لفضيلة الشيخ عبدالله بن عبدالعزيز العنقري
  
 
 شرح العقيدة الواسطية
 مقدمة الشارح
 مقدمة المؤلف
 اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة
 الإيمان تعريفه وأركانه
 الإيمان بأسماء الله وصفاته
 الإيمان بأسماء الله وصفاته من غير تكييف ولا تمثيل
 الله سبحانه وتعالى لا سمي له ولا كفو له ولا ند له
 الأسماء والصفات لا بد فيها من نفي وإثبات
 الأسماء والصفات في القرآن الكريم
 إِثْبَاتُ الْمَكْرِ وَالْكَيْدِ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ
 وَصْفُ اللَّهِ بِالْعَفْوِ وَالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالْعِزَّةِ وَالْقُدْرَةِ
 نَفْيُ الشَّرِيكِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى
 إِثْبَاتُ اِسْتِوَاءِ اللَّهِ عَلَى عَرْشِهِ
 إِثْبَاتُ عُلُوِّ اللَّهِ عَلَى مَخْلُوقَاتِهِ
 إِثْبَاتُ مَعِيَّةِ اللَّهِ لِخَلْقِهِ
 إِثْبَاتُ الْكَلَامِ لِلَّهِ تَعَالَى
 إِثْبَاتُ تَنْزِيلِ الْقُرْآنِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى
 إِثْبَاتُ رُؤْيَةِ الْمُؤْمِنِينَ لِرَبِّهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
 الِاسْتِدْلَالُ عَلَى إِثْبَاتِ أَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ مِنَ السُّنَّةِ
 مَوْقِفُ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي فِيهَا إِثْبَاتُ الصِّفَاتِ الرَّبَّانِيَّةِ
 مَكَانَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ بَيْنَ فِرَقِ الْأُمَّةِ
 وُجُوبُ الْإِيمَانِ بِاسْتِوَاءِ اللَّهِ عَلَى عَرْشِهِ وَعُلُوِّهِ عَلَى خَلْقِهِ وَمَعِيَّتِهِ لِخَلْقِهِ وَأَنَّهُ لَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا
 وُجُوبُ الْإِيمَانِ بِأَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ حَقِيقَةً
 وُجُوبُ الْإِيمَانِ بِرُؤْيَةِ الْمُؤْمِنِينَ لِرَبِّهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَوَاضِعِ الرُّؤْيَةِ
 مَا يَدْخُلُ فِي الْإِيمَانِ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ
 حَوْضٌ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم وَمَكَانُهُ وَصِفَاتُهُ
 الصِّرَاطُ مَعْنَاهُ وَمَكَانُهُ وَصِفَةُ مُرُورِ النَّاسِ عَلَيْهِ
 شَفَاعَاتُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم
 إِخْرَاجُ اللَّهِ بَعْضَ الْعُصَاةِ مِنَ النَّارِ بِرَحْمَتِهِ وَبِغَيْرِ شَفَاعَةٍ
 الْإِيمَانُ بِالْقَدَرِ وَمَرَاتِبِ الْقَدَرِ
 حَقِيقَةُ الْإِيمَانِ وَحُكْمُ مُرْتَكِبِ الْكَبِيرَةِ
 الْوَاجِبُ نَحْوَ الصَّحَابَةِ وَذِكْرُ فَضَائِلِهِمْ
 مَنْزِلَةُ أَهْلِ الْبَيْتِ النَّبَوِيِّ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ
 مَوْقِفُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فِي كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ
 صِفَاتُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ
 بَيَانُ مُكَمِّلَاتِ الْعَقِيدَةِ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَمَحَاسِنِ الْأَعْمَالِ الَّتِي يَتَحَلَّى بِهَا أَهْلُ السُّنَّةِ
شرح العقيدة الواسطية - إِثْبَاتُ الْكَلَامِ لِلَّهِ تَعَالَى

وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا(1).

وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا(2).

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ(3).

وَقَوْلُهُ: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا(4).

وَقَوْلُهُ: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا(5).

وَقَوْلُهُ: ﴿مِنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ(6).

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ(7).

وَقَوْلُهُ: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا(8).

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(9).

وَقَوْلُهُ: ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ(10).

وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ(11).

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ(12).

وَقَوْلُهُ: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ(13).

وَقَوْلُهُ: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُم قَالَ اللهُ مِنْ قَبْل(14).

وَقَوْلُهُ: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ(15).

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِيْ هُمْ فِيْهِ يَخْتَلِفُوْن(16).


كل هذه الآيات ساقها رحمه الله تعالى لإثبات أن القرآن كلام الله وأن الله تعالى تكلم به، والدلالات في هذه الآيات كثيرة، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا(17). فسمى الله القرآن بالحديث، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا(18) فسماّه بالقول سبحانه وتعالى، ونصّ تعالى أن الله تعالى كلم موسى تكليمًا، فذكر تكليمه سبحانه وتعالى لموسى بصيغة الفعل وأكده بالمصدر أنه تكليم حقيقي، وهكذا النداء قال تعالى: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(19)، وكذلك النجاء ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا(20)، المناداة تكون بصوت مرتفع، والمناجاة تكون بصوت غير مرتفع، كل هذا يدل على أن القرآن كلام الله وعلى أن الله تعالى يوصف بالكلام، يعني عندنا نص لله تعالى بالكلام، فيكلم سبحانُه ملائكتَه ويكلم أهل الجنة ويكلم أهل النار ويكلم العباد في القيامة كفاحًا «ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله ليس بينه وبينه ترجمان»(21)، وكلم اللهُ آدم وإبراهيم وموسى ومحمدًا عليهم الصّلاة والسّلام، فيتكلم سبحانه وتعالى بما شاء متى شاء، فالله تعالى يتكلم، ومن كلام الله القرآن والتوراة والإنجيل كما تقدم أنه تكلم بها سبحانه وتعالى، فلا شك أن الله تعالى تكلم بها، ثم إن في موضوع الكلام لأن هذه من المسائل الكبيرة التي فيها مفاصلة عظيمة بين أهل الحق وأهل الباطل، القرآن هو كلام الله بلفظه وبمعناه، يعني أن الله سبحانه وتعالى هو الذي قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(2)الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ(3)مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ(22) إلى آخر هذه السورة وسائر القرآن، جبريل عليه الصّلاة والسّلام سمع هذا من الله ونزل به هذا الروح الأمين إلى محمد صلّى الله عليه وسلّم، ما مهمة جبريل؟ البلاغ، وما مهمة محمد صلّى الله عليه وسلّم؟ البلاغ ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ(23)، فالله تكلم به وجبريل نقله ولهذا سمّاه تعالى بالأمين، نقله كما أمره ربه تبارك وتعالى، لم يزد حرفًا ولم ينقص حرفًا، محمد صلّى الله عليه وسلّم بلّغ الرسالة وأدى الأمانة ونقل للأمة ما قاله ربه في كتابه لم يزد حرفًا ولم ينقص حرفًا، الرسل هذه هي مهمتهم، فالقرآن كلام الله بلفظه وبمعناه، فسواء كتبنا القرآن في المصاحف فنقول: هذا كلام الله، أو قرأناه نقول: نحن نقرأ ما تكلم الله به، والكلام يُضاف إلى من تكلم به ابتداءً، أما من تلاه فإنه يقول أنا أتلو كلام عزّ وجلّ، فالله تعالى هو الذي تكلم به، ثم في أمر الكلام؛ كلام الله تعالى بصوت وحرف، بصوت كما يأتينا في حديث «إن الله تعالى يتكلم بصوت يسمعه من بَعُدَ كما يسمعه من قَرُبَ»(24)، إن شاء الله يأتي الحديث، ثم إنه صوت مسموع سمعه موسى عليه الصّلاة والسّلام، سمع الخطاب ورد الجواب، ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى(25) لما سمع قول رب العالمين ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ أجاب، ﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى(26)، فسمع ربَّ العالمين يقول له: ﴿أَلْقِهَا يَا مُوسَى(27) فسمع وأطاع ﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى(28) إلى آخره الآية، فدل على أن كلام الله بصوت لأنه سمعه موسى، وهكذا بقية الآيات، قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ(29) أي القرآن، يعني إذا طلب منك أحد المشركين من المحاربين أن يأتي إليكم ليسمع القرآن، قال: أنا أريد أن أعرف الإسلام منكم أنتم، وأنا رجل من قوم محاربين؛ فإن أتيت قتلتموني، أنا أريد أن تجيروني حتى أسمع هذا الذي تقولون إن الله تعالى أنزله وحيًا، ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ(30) فدل على أن القرآن كلام الله وأنه يكون مسموعًا، وأنه حروف، مؤلف من هذه الحروف، والدليل على هذا قول النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: ألم حرف، ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف»(31)، وهو واضح أنه حروف، كقولك ألف لام ميم صاد قاف هذه حروف، فكل هذا مما نعتقده في القرآن أنه كلام الله وأنه بحرف وصوت وأنه يُسمع، ولهذا سمعه جبريل من رب العالمين وأن كلام الله لمّا كلم موسى سمعه، والمؤمنون في الجنة حين يكلمهم ربهم يسمعون، وأهل النار حين يكلمهم ربهم ويقول لهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا(32) - نسأل الله العافية والسلامة - يسمعون، فهو لا شك أنه مسموع، وقد ذكر اللهُ تعالى في خبر موسى أنه ناداه وناجاه، والمناداة هي الكلام من بُعد، والمناجاة تكون من قُرْب، المناداة تكون بصوت مرتفع، والمناجاة تكون بصوت غير مرتفع، كل هذا يدل على أن القرآن كلام الله وأنه مُنَزَّل كما سيأتينا إن شاء الله تعالى؛ وأنه غير مخلوق، غير مخلوق لأنه صفة من صفات الله، الكلام صفة من صفات الله، ولمّا كان القرآن من كلام الله استحال أن يكون مخلوقًا، الصفة هي كلام الله، والقرآن من كلام الله، وما دام القرآن من كلام الله، وكلام الله صفة من الصفات فيستحيل أن يكون القرآن مخلوقًا لأن كلام الله وصف من أوصافه، وليس من أوصاف الله تعالى شيء مخلوق، فهذا مجمل الكلام في موضوع الاعتقاد في كلام الله، وهي من المسائل الكبار جدًا، ولا يكاد توجد مسألة امتُحِنَ بها أهل السُّنَّة امتحانًا عامًا مثل هذه المسألة، وهي التي وقف لها أئمة الإسلام الكبار كأحمد بن حنبل وغيره من أئمة الإسلام رحمة الله تعالى عليهم حين قالت المعتزلة: إن القرآن كلام الله مخلوق، المعتزلة لا تناقش بأن القرآن كلام الله – هو كلام الله - ولكن يقولون: إنه مخلوق، لأنهم - قاتلهم الله - يقولون: إن صفات الله مخلوقة، هذا الكلام وقف له أهل السُّنَّة بالمرصاد حتى قُتِلَ منهم من قُتِلَ، وسُجِنَ منهم من سُجِن، وثبتوا حتى رفع الله المحنة على يد المتوكل رحمه الله تعالى، وإلا في زمن المأمون وفي زمن المعتصم وفي زمن الواثق كان هناك امتحان على مستوى دولة الخلافة كلها، قديمًا ما كان هناك إلا دولة إسلام ودولة كفر، العراق والشام ومصر واليمن والجزيرة والحرمين كلها دولة واحدة، فلا تتصور أنه كان يستطيع أحمد بن حنبل أن يذهب من العراق إلى مصر، هي دولة واحدة، فليس ثمَّة إلا دولة إسلام ودولة كفر، فلهذا لم يكن عندهم مجال بتاتًا للهجرة من ذاك الموضع الذي امتُحِنُوا فيه إلى موضع آخر، فلهذا لمّا امتُحِنُوا رضي الله عنهم وأرضاهم ثبتوا، وقُتِل منهم مَنْ قُتِل رضي الله عنهم، ومات في السجن منهم مَنْ مات، وتعرض للعذاب مَنْ تعرض منهم رحمهم الله تعالى وثبتوا رضي الله عنهم، لأن القول بأن القرآن خطر جدًا، مقتضاه أن صفات الله مخلوقة، وإذا قيل: إن شيئًا من صفات الله تعالى شيء مخلوق ينفتح باب الزندقة، من الذي خلقه؟ نسأل الله العافية والسلامة، ولهذا بعض المغفلين قالوا: لماذا عَذَّبَ أحمدُ بن حنبل نفسه هذا التعذيب، وأئمة السُّنَّة وقفوا هذا الموقف حتى سُجن منهم مَنْ سجن! البويطي رحمه الله تعالى أُتِيَ به من مصرالبويطي هو تلميذ الشافعي، هو أنبل تلاميذ الشافعي على الإطلاق - أُتيَ به من مصر إلى العراق قد جُعِلَ في رقبته ثِقَل، يعني حتى يكون طوال الطريق محدودبًا حتى يرجع، ومكث في السجن رضي الله عنه ورحمه الله حتى مات وأبى، يصرون هذا الإصرار على أمر سهل؟ لا والله، ليس بالسهل، الأمر خطير لأنه إذا قيل: إن من صفات الله شيئًا مخلوقًا؛ فمعنى ذلك القدحُ في ربوبية الله وفي استحقاقه العبادة، حيث لا يشعر المغفل الذي يقول: ما الذي جعلهم يتعرضون لمثل هذا كله؟ المسألة قول من الأقوال التي نشأت! وبعضهم يقول: إنها مسألة أصلًا لا حاجة للنقاش فيها، يقال: كلام الله وخلص لا يُتعرض هل هو مخلوق أو غير مخلوق! بل يقال: غير مخلوق، لأنه إذا قيل: إن القرآن مخلوق فمعنى ذلك - والقرآن من كلام الله - معنى ذلك أن كلام الله مخلوق، وإذا كان كلام الله الذي هو صفته مخلوق ينهار عندنا الاعتقاد بأسره، الله تعالى يقول: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ(33) يسقط الاستدلال بالآية، قال: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ(20)أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ(34) فتسقط هذه الآيات، حاشا لله تعالى أن تسقط، تسقط دلالتها، إذا قيل: إن من الله تعالى شيئًا مخلوقًا ينفتح بابٌ من الكفر والزندقة ليس بالهين، ولهذا هذا المقولة قد يقولها أناس ليسوا زنادقة في أصل مقولتهم وإن كانت مقولة كفرية بلا شك، المقولة هذه كفرية قد نقل الإجماع على كفر من قالها أهلُ العلم رحمهم الله، حتى عدّ اللالكائي أكثر من خمسمئة من علماء الأمّة ممن يكفرون من قال: إن القرآن مخلوق، قال ابن القيم رحمه الله تعالى لمَّا ذكر رحمه الله تكفيرَ العلماء من أهل السُّنَّة لمن قال بأن القرآن مخلوق ذكرَ ما أورده اللالكائي رحمه الله تعالى من نقله عن خمسين في عشرة، يعني خمسون في عشرة تعادل كم؟ تعادل خمسمئة، بل خمسمئة وزيادة من العلماء، بأن من قال: إن القرآن مخلوق فإنه يكفر، أئمة الإسلام الكبار كلهم قد نُقِلَ عنهم هذا، فمن قال: إن القرآن مخلوق لا شك بأنه قال بقول كفري، وقد يكون مراد الزنادقة من إطلاق هذه الكلمة أن يَلِجُوا من خلالها إلى القدح في ربوبية الله تعالى، لأنه إذا كان في رب العالمين شيء مخلوق يُقدح في استحقاقه للعبادة، ويقدح في ربوبيته سبحانه وتعالى، ولهذا وقف علماء الأمّة رحمة الله عليهم بالمرصاد لهذه المقولة، وواجهوا ثلاثة من الخلفاء، المأمون كانت دولته قوية جدًا ضاربة، المعتصم صاحب عمورية الذي أنقذ عمورية بتسعمئة ألف، فكانت الدول العباسية في ذلك الوقت قوية جدًا وليس من السهولة أن يقاوموها، وما كانوا يريدون المقاومة أو الخروج عليها، بل لمّا اجتمع فقهاء بغداد عند الإمام أحمد رحمه الله في زمن الواثق وهو الخليفة الثالث وأرادوا الخروج عليه قال: لا تشقوا عصا المسلمين حتى يستريح برٌّ أو يُستراح من فاجر(35)، لكن الموقف (كلمة غير واضحة لعلها: ثابت) ما يمكن أن نقبل أن القرآن مخلوق، ولهذا عُذِّب رحمه الله الإمام أحمد التعذيبَ المعروف، وقال رحمه الله: جُلدت لأموت، يعني الجلد الذي تعرض له رحمه الله ليس جلد من يُراد تعذيبُه أو تأديبُه، كان يُراد أن يموت تحت التعذيب وأبى رحمه الله تعالى أن يرجع، أبى رحمة الله تعالى عليه، وعلماء السُّنَّة استعظموا أن يقال هذا، ينفتح باب الزندقة، ولهذا مقامهم رحمة الله عليهم مقام كبير جدًا عليهم الرحمة والغفران، فالمقولة هذه خطرة جدًا وإن كان حثالات المعتزلة من سفهاء الخوارج الآن الإباضية وأمثالهم يقولونها ويجهرون بها، وهي مقولة كفرية رغم أنوفهم، والإجماع على أن المقولة كفرية هذا تجده ذكره الطبراني وذكرها اللالكائي رحمهم الله تعالى، يقول ابن القيم رحمه الله فيمن قالوا إن القرآن مخلوق: (ولقد تقلد كفرَهم خمسون في عشر من العلماء في البلدان)، خمسون في عشرة بخمسمئة، (واللالكائي الإمام حكاه عنهم بل حكاه قبله الطبراني)، فالمقولة كفرية، القرآن كلام الله غير مخلوق ويجب الجزم بأنه غير مخلوق، ولا يصح أن يُقال: إنه كلام الله ونقف! هذا مذهب الواقفة، وهم فئة من الجهمية، لأن الجهمية منهم من يقول مخلوق ويصرح به، ثم لمَّا خذل الله الجهمية وتسلط عليهم المتوكل رحمة الله تعالى عليه، المتوكل لمّا أتى نصر مقولةَ أهل السُّنَّة وأذلَّ الجهمية والمعتزلة إذلالَا شديدًا حتى إن ابن أبي دؤاد وهو الذي تصدر هذه المسألة قد صادر أمواله وأذلَّه حتى صار فقيرًا وأهانه إهانة بالغة، هذه المقولة مقولة كفرية، وكتب إلى آفاق الخلافة الإسلامية بمنع أن يقال: إن القرآن المخلوق، بعد أن كان مَنْ قَبْلَهُ يقول: إن القرآن مخلوق، فرفع الله تعالى تلك الغُمَّة، وبعدها سقطت المعتزلة، وهذا من آيات الله عزّ وجلّ، أبغضت أمَّةُ محمدٍ صلّى الله عليه وسلّم المعتزلةَ بغضاء شديدة، أيها الإخوة بعض المعتزلة صنف مئتي مصنف، الآن تتعب تعبًا بالغًا حتى تجد مصنفًا واحدًا للمعتزلة، دمَّر الله عزّ وجلّ - وهو القدير العزيز - دمّر معظم كتب المعتزلة، فلا تجد كتب المعتزلة إلا نادرة قليلة، مع أنهم في زمن المأمون والمعتصم والواثق كان القضاة منهم وكان الوعاظ منهم، بلغت الأمور حدًّا أن الأسير الذي يكون عند الروم إذا أريد أن يُفادى بلغوا من النذالة وقلة خوف الله عزّ وجلّ حدًّا أن يُعرض على الأسير - كثير من المجاهدين أصلًا ليسوا من العلماء وليسوا من أهل العلم - يقال: تقول القرآن مخلوق؟ قال: لا، طبعًا غير مخلوق، كذا يقول علماء الأمّة، أحمد بن حنبل ومن قبلهم ومن بعدهم، قالوا: إذًا تبقى عند الروم أسيرًا حتى تقول: إن القرآن مخلوق! تسلطوا تسلطًا عظيمًا، كانت العاقبة أن سلط الله تعالى - الذي عنده التسليط الإلهي - أن سلط على معتقد المعتزلة الهلاك، ولهذا معتقد المعتزلة لم يرتفع ذلك الارتفاع وإنما تقلَّدته الآن الرافضة منذ قرون، ورثه الرافضة، ورثه الإباضية في عُمَان، ورثه الزيدية في اليمن، لكن رؤوس الاعتزال الكبار الذين كانوا في تلك الأوقات قد دُمرت كتبهم، دُمرت، ما أحرقها أحد، دمّرها العلي العظيم سبحانه وتعالى، مع أنهم كانوا هم القضاة وهم المفتون، لكن شاء الله سبحانه أن يضمحل جزء كبير جدًا من هذه الكتب حتى أنك إذا كنت تريد أن تقف على مقولة المعتزلة تجد صعوبة بالغة، لأن كتب المعتزلة الموجودة الآن المنسوبة إلى رؤوسهم قليلة جدًا الموجود منها، قليلة للغاية بالنسبة لما أُلِّف، فإن مثل الجُبَّائي ألَّف مئتي كتاب، بعضها تفسير كامل للقرآن على طريقة المعتزلة الرَّدِيَّة هذه، أين هي؟ هلكت ولله الحمد والمِنَّة وتلفت، لأنها مبنية على باطل وعلى قبح وعلى شر، فالحاصل أنه ينبغي أن نعرف لماذا وقف علماء السُّنَّة ذلك الموقف الكبير، أن هذه المقولة مقولة خطرة جدًا أن يقال: إن القرآن - عياذًا بالله - مخلوق، لأن معنى ذلك أنه يكون من الله تعالى شيء مخلوق، وإذا كان من الله تعالى شيء مخلوق، فالله تعالى بيّن عدم استحقاق المعبودات سواه سبحانه - عدم استحقاقها للعبادة - لأنها مخلوقة، فإذا قيل: ومن الله تعالى شيء مخلوق أيضًا، ينقدح - يعني يُقدح - في أصل استحقاق الله تعالى للعبادة بل وفي ربوبيته سبحانه وتعالى، نسأل الله تعالى العافية من قالات السوء.

الكلام - صفة الكلام - أصله صفة ذاتية، أصل الكلام صفة ذاتية ملازمة لذات الله، أما آحاده فصفات فعلية، ما معنى آحاده؟ يعني كلّم اللهُ تعالى آدمَ في وقت، كلّم محمدًا صلّى الله عليه وسلّم في المعراج، كلّم موسى لمّا أوحى إليه، يُكلم أهلَ الجنة، إذا تكلم الله عزّ وجلّ بكلام في وقت دون وقت فهذا صفة فعلية، أما أصل صفة الكلام فهذا صفة ذاتية.


(1) النساء: 87.
(2) النساء: 122.
(3) المائدة: 116.
(4) الأنعام: 115.
(5) النساء: 164.
(6) البقرة: 253.
(7) الأعراف: 143.
(8) مريم: 52.
(9) الشعراء: 10.
(10) الأعراف: 22.
(11) القصص: 65.
(12) التوبة: 6.
(13) البقرة: 75.
(14) الفتح: 15.
(15) الكهف: 27.
(16) النمل: 76.
(17) النساء: 87.
(18) النساء: 122.
(19) الشعراء: 10.
(20) مريم: 52.
(21) صحيح البخاري (7512).
(22) الفاتحة: 2 - 4.
(23) النحل: 35.
(24) صحيح البخاري (9/ 141) معلقًا.
قال الشيخ الألباني رحمه الله في الصحيحة (7/ 757): (وهو حديث صحيح، علقه البخاري في صحيحه، ووصله في أفعال العباد (ص 89)، وفي الأدب المفرد (970) وغيره، وقواه الحافظ ابن حجر، وقد خرجته في ظلال الجنة في تخريج السنة (رقم 514)).

(25) طه: 17.
(26) طه: 18.
(27) طه: 19.
(28) طه: 20.
(29) التوبة: 6.
(30) التوبة: 6.
(31) صحيح. الترمذي (2910). الصحيحة (3327).
(32) المؤمنون: 108.
(33) النحل: 17.
(34) النحل: 20، 21.
(35) السنة لأبي بكر بن الخلال (1/ 134).