موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - وَصْفُ اللَّهِ بِالْعَفْوِ وَالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالْعِزَّةِ وَالْقُدْرَةِ - شرح العقيدة الواسطية
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح العقيدة الواسطية لفضيلة الشيخ عبدالله بن عبدالعزيز العنقري
  
 
 شرح العقيدة الواسطية
 مقدمة الشارح
 مقدمة المؤلف
 اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة
 الإيمان تعريفه وأركانه
 الإيمان بأسماء الله وصفاته
 الإيمان بأسماء الله وصفاته من غير تكييف ولا تمثيل
 الله سبحانه وتعالى لا سمي له ولا كفو له ولا ند له
 الأسماء والصفات لا بد فيها من نفي وإثبات
 الأسماء والصفات في القرآن الكريم
 إِثْبَاتُ الْمَكْرِ وَالْكَيْدِ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ
 وَصْفُ اللَّهِ بِالْعَفْوِ وَالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالْعِزَّةِ وَالْقُدْرَةِ
 نَفْيُ الشَّرِيكِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى
 إِثْبَاتُ اِسْتِوَاءِ اللَّهِ عَلَى عَرْشِهِ
 إِثْبَاتُ عُلُوِّ اللَّهِ عَلَى مَخْلُوقَاتِهِ
 إِثْبَاتُ مَعِيَّةِ اللَّهِ لِخَلْقِهِ
 إِثْبَاتُ الْكَلَامِ لِلَّهِ تَعَالَى
 إِثْبَاتُ تَنْزِيلِ الْقُرْآنِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى
 إِثْبَاتُ رُؤْيَةِ الْمُؤْمِنِينَ لِرَبِّهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
 الِاسْتِدْلَالُ عَلَى إِثْبَاتِ أَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ مِنَ السُّنَّةِ
 مَوْقِفُ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي فِيهَا إِثْبَاتُ الصِّفَاتِ الرَّبَّانِيَّةِ
 مَكَانَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ بَيْنَ فِرَقِ الْأُمَّةِ
 وُجُوبُ الْإِيمَانِ بِاسْتِوَاءِ اللَّهِ عَلَى عَرْشِهِ وَعُلُوِّهِ عَلَى خَلْقِهِ وَمَعِيَّتِهِ لِخَلْقِهِ وَأَنَّهُ لَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا
 وُجُوبُ الْإِيمَانِ بِأَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ حَقِيقَةً
 وُجُوبُ الْإِيمَانِ بِرُؤْيَةِ الْمُؤْمِنِينَ لِرَبِّهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَوَاضِعِ الرُّؤْيَةِ
 مَا يَدْخُلُ فِي الْإِيمَانِ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ
 حَوْضٌ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم وَمَكَانُهُ وَصِفَاتُهُ
 الصِّرَاطُ مَعْنَاهُ وَمَكَانُهُ وَصِفَةُ مُرُورِ النَّاسِ عَلَيْهِ
 شَفَاعَاتُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم
 إِخْرَاجُ اللَّهِ بَعْضَ الْعُصَاةِ مِنَ النَّارِ بِرَحْمَتِهِ وَبِغَيْرِ شَفَاعَةٍ
 الْإِيمَانُ بِالْقَدَرِ وَمَرَاتِبِ الْقَدَرِ
 حَقِيقَةُ الْإِيمَانِ وَحُكْمُ مُرْتَكِبِ الْكَبِيرَةِ
 الْوَاجِبُ نَحْوَ الصَّحَابَةِ وَذِكْرُ فَضَائِلِهِمْ
 مَنْزِلَةُ أَهْلِ الْبَيْتِ النَّبَوِيِّ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ
 مَوْقِفُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فِي كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ
 صِفَاتُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ
 بَيَانُ مُكَمِّلَاتِ الْعَقِيدَةِ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَمَحَاسِنِ الْأَعْمَالِ الَّتِي يَتَحَلَّى بِهَا أَهْلُ السُّنَّةِ
شرح العقيدة الواسطية - وَصْفُ اللَّهِ بِالْعَفْوِ وَالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالْعِزَّةِ وَالْقُدْرَةِ

وَصْفُ اللَّهِ بِالْعَفْوِ وَالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالْعِزَّةِ وَالْقُدْرَةِ

وَقَوْلُهُ: ﴿إِن تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَن سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا(1).

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(2).

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ(3).

وَقَوْلُهُ عَنْ إبْلِيسَ: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(4).

وَقَوْلُهُ: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ(5).

وَقَوْلُهُ: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا(6).

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ(7).

وَقَوْلُهُ: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ(8).

وَقَوْلُهُ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ(9).


هذه الآيات الأولى متعلقة بالعفو والمغفرة والرحمة والعزّة والقدرة، وهذه اتضحت بها القاعدة، تقدم أن القاعدة عند أهل السُّنَّة في مثل هذه الصفات الواردة في كتاب الله أو في سُنَّة رسوله صلّى الله عليه وسلّم أنها تُثبت على ظاهرها اللائق بالله عزّ وجلّ، ثم إنّا لا نُشَبِّهُ الوصف الذي نضيفه إلى الله عزّ وجلّ بوصف المخلوق، فإين عزة الله من عزة المخلوق؟ أين عفو الله السابغ من عفو المخلوق؟ أين غفران الله من غفران المخلوق؟ أين رحمة الله التي قال الله: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ(10) ؟ وهكذا المغفرة فإن الله تعالى ﴿وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ(11)، فنضيفها إلى الله تعالى بحسب اللائق به سبحانه وبحمده، فنعرف القواعد التي قررناها ونتخذها في جميع الصفات نثبتها لله تعالى على ظاهرها الذي فهمه رسول صلّى الله عليه وسلّم وأفهمه أصحابه وأفهمها أصحابه التابعين رضي الله عنهم، ونسير على هذا الطريق وعلى هذا السبيل السليم بإذن الله تعالى غير مبدلين ولا مغيرين، ومبعدين عن طرين الملحدين في أسماء الله ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(12).

إذا عرف طالب العلم القاعدة فكل صفة ذكرت في القرآن أو السُّنَّة يعرف ما تقدم فيها أنها على ظاهرها المعروف الذي خاطب الله تعالى به أهلَ هذه الملة حيث نزل القرآن فيهم بلسان عربي مبين، وأنه على ظاهره، قال تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ(13) ليس بأعوج، بيّن ظاهر جلي، قال تعالى: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ(1)إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ(14) أي تفهمون، فإن الذي يكون من العرب أو ممن يتعلم لغة العرب ويعرفها ويضبطها؛ فإن إذا قرأ القرآن العظيم عقله أي فهمه، ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي تفهون فيفهم المعنى لأنه على ظاهره، أما لو كان على غير ظاهره فإنه لا يفهم، إذا كانت هذه النصوص يراد بها جميعًا معاني أخرى غير المعاني التي فهمها الصحابة رضي الله عنهم وفهمها التابعون فالقرآن غير ظاهر فلا يكون كما قال تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ(15)، إذا كانت كل هذه النصوص لها معان – كما تقول الباطنية مثلًا - معاني أخرى أنتم لا تعون حقيقة معانيها، ما معانيها؟ قالوا: معانيها باطنة نحيط بها نحن، فليست الصلاة على ظاهرها والصوم على ظاهره والزكاة على ظاهرها، ما المراد بها؟ قال: لها معان خفية لا يدركها إلا أهل المعنى الباطن، فالصلوات الخمسة يراد بهم خمسة نتولاهم: علي فاطمة والحسن والحسين ومحسن، هذه الصلوات الخمس؟ قالوا: نعم، لو كان الأمر كما تقولون لما كان قرآنا عربيًا غير ذي عوج، لو كان كما تقولون - حاشا الله من ذلك - لكان ذا عوج، لكن أكذبكم الله تعالى، وأبى الله ما تقولون، بل هو قرآن عربي مبين، ولهذا أيها الأخوة هنا باب كبير من العلم وهو أسماء القرآن التي سمّى الله تعالى بها كتابه، سمّى الله هذا القرآن بالهدى والنور والشفاء والفصل والقيّم والفرقان والبيان، فدل على أن الهدى فيه، وأن الشفاء منه، وأن النور فيه، وأنه فصل يفصل به الحق من الباطل، وأنه بيّن وتبيان، فمن أتى إلى كتاب الله تعالى وكان من ذوي اللسان العربي أو ممن تعلم اللسان العربي وهو من ذوي العلم وقرأ القرآن فالقرآن واضح، قد يقول قائل الآن: إنا نقرأ القرآن فلا نحيط ببعض الكلمات التي فيه! فنقول: هذا بسبب البعد عن اللسان العربي وإن كنت عربيًا أنت، لأن كثيرًا مما هو من لغة العرب قد يغيب عن الناس الآن ممن هم عرب بسبب أن هذه الكلمات أضحت غير مستعملة واستبدلت بكلمات من العامية لكن إذا عرفت معانيها باللغة العربية فهمتها، تفهم القرآن، ولا سيما ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد أنزل الله إليه الذكر ليتولى هو مهمة بيانه، ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ(16)،فمهمة البيان للرسول صلّى الله عليه وسلّم، إذًا ابحث عن معنى القرآن من نفس نصوص القرآن، فإن القرآن يُفسر بعضه بعضًا، هذه مرتبة من مراتب تفسير القرآن، مرتبة أخرى: تفسير رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وهو اعلم بإجماع من يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، أعلم الناس بالقرآن هو رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، إذًا أقبلْ على تفاسير الرسول صلّى الله عليه وسلّم، وهل فسّر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم شيئا من الآيات؟ نعم، انظر إلى كتاب التفسير في صحيح البخاري تجد أن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فسر آيات، ثم تولى تفسير القرآن الصحابة رضي الله تعالى عنهم وعلّموه الأمّة حتى قال مجاهد: عرضت القرآن على ابن عباس ثلاث مرات(17)، فكان ابن عباس وابن مسعود وأمثالهم رضي الله عنهم يفسرون القرآن علانية أمام الناس، أين تفاسيرهم؟ موجودة كما قلنا في الكتب المسندة، تجدها مثلًا في تفسير ابن جرير وتفسير ابن أبي حاتم، تجد تفاسيرهم العقدية في كتب الاعتقاد المسندة كما نوّهنا عنه في أول الدرس، فتفاسير الصحابة رضي الله عنهم أولى التفاسير بعد تفسير رسول صلّى الله عليه وسلّم، الصحابة شهدوا التنزيل وهم أهل اللغة، وقد رأوا تطبيق الإسلام عيانًا في أفضل فتراته زمن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وزمن الخلافة الراشدة، إذًا فابحث عن تفسير القرآن من خلال تفسير الصحابة، ثم مَنْ بعد الصحابة؟ أعلمُ الناس بعد الصحابة التابعون رضي الله عنهم وأرضاهم فهم تلاميذ الصحابة، فإذا رجعت إلى هذا فوالله لتهتدين ولتعرفن الحق من الباطل كالشمس في وضح النهار، تفسير النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، يفسر النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم آية ثم يأتي شخص بعد النَّبيّ بمئة سَنَةٍ من أهل البدع والضلال ويقول: لا، عندي تفسير آخر، تفسيرك مردود ولا يمكن أن يكون تفسيرك مقابل لتفسير الرسول صلّى الله عليه وسلّم، ولهذا قلنا أيها الأخوة إن الأمّة ما كان فيها أحد يفسر نصوص الصفات على خلاف ظاهرها قبل عدو الله الجعد بن درهم، ما كان بالأمّة أحد بتاتًا، وهذا العجب، العجب العجاب أن يُزهد في تفسير ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما الذي قال النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فيه: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل»(18) أي التفسير ثم يرجع إلى تفاسير الجهمية وتفاسير المعتزلة والروافض، ولذا باب العلم هذا - العلم الحقيقي- العلم قال الله قال الرسول قال الصحابة ليس بالتمويه، قد يظن بعض الناس أن ما عند المعتزلة من العلم، ما عند الأشعرية من العلم، ما عند الماتريدية من العلم، هذا ليس من العلم في الحقيقة، لهذا قال الشافعي رحمه الله في مسألة نفيسة نادرة جدًا في كتاب الوصايا نقلها الربيع صاحبه، يقول له: لو أن رجلًا أوصى بكتبه من العلم، يعني مثلك أنت طالب علم رأيت أن ما عندك في ذريتك من سيأخذ هذه الكتب بعدك ويستفيد منها فتوصي بها، فتقول: هذه الكتب أنا أوصي أن تكون عند فلان أو في المكتبة الفلانية، يقول الشافعي: وانظر إلى كلام الفقهاء ماذا يدخل في هذه الوصية؟ عندك مجموعة من كتب العلم، قد يكون فيها كتب تفسير أحاديث كتب الفقهاء، وقد يوجد فيها كتب المعتزلة، يقول رحمه الله: لا تدخل كتب المتكلمين، لماذا؟ قال: لأن المتكلمين ليسوا علماء؛ فكتبهم ليست من كتب العلم وأنت أوصيت بكتبك من العلم، تدخل كتب الآثار، تدخل كتب الفقه، كتب التفسير السليمة، أما كتب هؤلاء فلا تدخل، قال رحمه الله: ولو أن رجلًا أوصى بثلثه لأهل العلم فقال: ثلثي هذا يصرف لأهل العلم لطلاب العلم قال: لا يدخل المتكلمون، المتكلمون من المعتزلة والجهمية ومن نحا منحاهم، قال: لأنهم ليسوا من أهل العلم، فكلام المعتزلة والجهمية - فضلًا عن كلام المتأخرين من الضّالّين كالعلمانيين وأمثالهم- هذا ليس علمًا بتاتًا، ما العلم؟ العلم في رد كلامهم، هذا هو العلم، أما كلامهم هو فقد قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ(19)، مجرد أهواء، المعتزلي عنده هوى، والرافضي عنده هوى، والخارجي عنده هوى، والجهمي عنده هوى، والأشعري عنده هوى، والماتريدي عنده هوى، ويفسرون الصفات على غير ما فسر به النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم والصحابة رضي الله عنهم والتابعون رضي الله عنهم، الهوى ليس علمًا، وإلا لانفتحت الدنيا علومًا، وإلا لو كان كل من مال إلى باطل فصار علمًا؛ لكانت الدنيا مليئة بالعلوم! العلم قال الله؛ قال رسوله - العلم الشرعي المقصود - قال الصحابة؛ ليس بالتمويه، أما هذه الشُّبه وهذه الضلالات وهذه البدع فالعلم هو في ردها ودحضها وليست هي بذاتها علمًا، لأن الذين قالوها ليسوا علماء.

الحاصل أن معرفة طالب العلم بهذه القواعد مهمة جدًا، فإذا ضبط قواعد الصفات فأي صفة تأتي في كتاب الله أو في سُنّة نبيه صلّى الله عليه وسلّم إذا عرف القاعدة والطريق سَهُلَ عليه معرفةُ معناها وسَهُلَ عليه طريقُ الوصول، فمثلًا لو أراد طالب العلم أن يعرف المراد بالمغفرة، ما المراد بالمغفرة تحديدًا، عندك أولًا تفاسير الصحابة رضي الله عنهم، ويبحث طالب العلم هل وجد عن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم تفسير المغفرة مثلًا، والمعنى اللغوي الذي خاطب الله به هذه الملة بلسان عربي مبين، ما المراد بالمغفرة؟ المغفرة من الغَفْر وهو السَّتْر ومنه المِغْفَر وهو الذي جُعل على الرأس في الحرب لأنه يستر الرأس، فالله تعالى يغفر أي يستر الذنوب سبحانه وتعالى، فيكون هذا هو المعنى لكلمة المغفرة وهكذا، العزة، القدرة، وأمثالها تجدها بحمد الله تعالى جلية بينة، ولو أن عندنا شيء من الوقت لأخذنا كل هذه الصفات ووضحنا معانيها، ولكن الذي يحدث لو أنا توسعنا فيها، ما المراد بالرحمة من حيث الاشتقاق ومن حيث كذا ولا نتمكن في الحقيقة من إنهاء الكتاب في هذه المدة الوجيزة، لذلك نُرَكِّزْ على الأمور الكبار، وهي إعطاء الطالب القواعد، فإذا عرف القواعدَ العظيمة فسواء جاءت في صفة المغفرة أو في السمع أو في البصر أو في الاستواء أو في النزول أو في أي وصف في كتاب الله أو سُنَّة نبيه صلّى الله عليه وسلّم فإن هذا يتضح له.

بعد ذلك ذكر جملة من الآيات في النفي، وقد تقدم أن المنهج في الأسماء والصفات إثبات ما أثبت الله ونفي ما نفاه، تأمل هذه الآيات، أولًا قوله تعالى ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ(20)، أولًا يجب أن يُعلم أن كلمة (تبارك) هذه خاصة بالله تعالى، ومن الأخطاء الشائعة عند الناس قولهم (فلان تبارك علينا) لأن (تبارك) خاصة بالله تعالى، فلا يطلق على غير الرب سبحانه هذا، لهذا قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ(21)، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ(22)، وإذا كان الرجل فعلا مباركًا؛ فإنه يُقال: (فلان مبارك) ولا يقال: (تبارك)، لأن هذا (تبارك) تعالى وتعاظم الرب سبحانه وتعالى، هذا خاص بالرب، أي تبارك الله أي تعالى وتعاظم سبحانه.

 ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ(23)، هذا فيه إثبات الاسم لله تعالى، وقال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا(24)، قوله ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ هنا هذا النوع من الاستفهام يراد به النفي، أي ليس له سمي، لكنه مُشرب معنى التحدي، الاستفهام الذي بمعنى النفي يكون قد أُشرب معنى التحدي، فلا شك ان الله تعالى لا سمي له سبحانه وبحمده، في هذا الأسلوب ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ فيه شيء من التحدي، لا والله ليس لله سمي.

ثم قال تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ(25)، نعرف قاعدة أن النكرة في سياق النفي تفيد العموم، كفؤًا نكرة وقد نفيت ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ فتفيد العموم أنه ليس لله تعالى أي كفؤ سبحانه وبحمده.

قال تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا(26)، تقدم الكلام على معنى النِّدِّ، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا(27)، ما الملاحظ في النفي؟ عندنا قاعدة في النفي - وهي طريقة الرسل صلّى الله عليهم وسلّم - النفي يأتي مجملًا، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، فيأتي النفي مجملًا قال تعالى: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ(28)، وقال: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا(29)، يتميز النفي في العموم الأغلب بأنه مجمل، أما الإثبات للصفات فكما رأيت يتميز بالتفصيل، لأن الإثبات هو الذي فيه التعريف، التعريف بالرب سبحانه وتعالى، لأنه يتصف بالرحمة بالمغفرة بالسمع بالبصر، وهكذا بقية الصفات، عند النفي يجمل إجمالًا، هذا هو المعتاد، إلا أن يُدَّعَى دعوى كالولد فيذكر اللهُ تعالى نفيَ الولد فيذكرها الله تعالى، لكن في العموم الأغلب طريقة الرسل صلّى الله عليهم وسلّم هي النفي المجمل والإثبات المفصل، مما يدلك على ضلال المتكلمين في هذا الباب أنهم عكسوا طريقة القرآن، فصار الذي يثبتونه هو الأقل والذي ينفونه ينفونه بشكل موسع،؛ حتى بطريقة فيها شيء من قلة الأدب مع الله تعالى، الله ليس كذا ولا كذا ولا كذا -عبارات لا يليق أن قال-، الله تعالى إذا أَجْمَل في النفي دخل في هذا الإجمال كل شيء ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ لا من الملائكة ولا من الإنس ولا من الجن ولا من أي شيء، ليس لله تعالى كفؤًا أحد، وهكذا بقية موارد النفي ونصوص النفي تلاحظ أنها تأتي بشي من الإجمال في العموم الأغلب، فطريقة الذين خالفوا الرسل صلّى الله عليهم وسلّم أنهم عكسوا فصاروا يَقِلُّ عندهم جدًا عندهم الإثبات - هذا مَنْ يُثبت عندهم - ويكثُرُ عندهم النفي، حتى يعبرون بعبارات غير مناسبة بتاتًا مع الله، فيُجْمَلُ في النفي ولا يفصل فيها، ومعلوم أن الله تعالى إذا تنزَّه عن النقائص فمهما عددت من النقائص، كل ما تعدد من النقائص فهي داخلة، فلهذا لا بد أن يلاحظ الإجمال في النفي والتفصيل في الإثبات.


(1) النساء: 149.
(2) النور: 22.
(3) المنافقون: 8.
(4) ص: 82.
(5) الرحمن: 78.
(6) مريم: 65.
(7) الإخلاص: 4.
(8) البقرة: 22.
(9) البقرة: 165.
(10) الأعراف: 156.
(11) النجم: 32.
(12) الأعراف: 180.
(13) الزمر: 28.
(14) يوسف: 1، 2.
(15) الزمر: 28.
(16) النحل: 44.
(17) صحيح. الدارمي (1160)، وصحح إسناده الشيخ حسين أسد حفظه الله في تحقيقه على الكتاب.
(18) صحيح. أحمد (2397). الصحيحة (2589).
(19) القصص: 50.
(20) الرحمن: 78.
(21) الفرقان: 1.
(22) الملك: 1.
(23) الرحمن: 78.
(24) مريم: 65.
(25) الإخلاص: 4.
(26) البقرة: 22.
(27) البقرة: 165.
(28) النحل: 74.
(29) مريم: 65.