موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - الأسماء والصفات لا بد فيها من نفي وإثبات - شرح العقيدة الواسطية
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح العقيدة الواسطية لفضيلة الشيخ عبدالله بن عبدالعزيز العنقري
  
 
 شرح العقيدة الواسطية
 مقدمة الشارح
 مقدمة المؤلف
 اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة
 الإيمان تعريفه وأركانه
 الإيمان بأسماء الله وصفاته
 الإيمان بأسماء الله وصفاته من غير تكييف ولا تمثيل
 الله سبحانه وتعالى لا سمي له ولا كفو له ولا ند له
 الأسماء والصفات لا بد فيها من نفي وإثبات
 الأسماء والصفات في القرآن الكريم
 إِثْبَاتُ الْمَكْرِ وَالْكَيْدِ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ
 وَصْفُ اللَّهِ بِالْعَفْوِ وَالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالْعِزَّةِ وَالْقُدْرَةِ
 نَفْيُ الشَّرِيكِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى
 إِثْبَاتُ اِسْتِوَاءِ اللَّهِ عَلَى عَرْشِهِ
 إِثْبَاتُ عُلُوِّ اللَّهِ عَلَى مَخْلُوقَاتِهِ
 إِثْبَاتُ مَعِيَّةِ اللَّهِ لِخَلْقِهِ
 إِثْبَاتُ الْكَلَامِ لِلَّهِ تَعَالَى
 إِثْبَاتُ تَنْزِيلِ الْقُرْآنِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى
 إِثْبَاتُ رُؤْيَةِ الْمُؤْمِنِينَ لِرَبِّهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
 الِاسْتِدْلَالُ عَلَى إِثْبَاتِ أَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ مِنَ السُّنَّةِ
 مَوْقِفُ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي فِيهَا إِثْبَاتُ الصِّفَاتِ الرَّبَّانِيَّةِ
 مَكَانَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ بَيْنَ فِرَقِ الْأُمَّةِ
 وُجُوبُ الْإِيمَانِ بِاسْتِوَاءِ اللَّهِ عَلَى عَرْشِهِ وَعُلُوِّهِ عَلَى خَلْقِهِ وَمَعِيَّتِهِ لِخَلْقِهِ وَأَنَّهُ لَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا
 وُجُوبُ الْإِيمَانِ بِأَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ حَقِيقَةً
 وُجُوبُ الْإِيمَانِ بِرُؤْيَةِ الْمُؤْمِنِينَ لِرَبِّهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَوَاضِعِ الرُّؤْيَةِ
 مَا يَدْخُلُ فِي الْإِيمَانِ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ
 حَوْضٌ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم وَمَكَانُهُ وَصِفَاتُهُ
 الصِّرَاطُ مَعْنَاهُ وَمَكَانُهُ وَصِفَةُ مُرُورِ النَّاسِ عَلَيْهِ
 شَفَاعَاتُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم
 إِخْرَاجُ اللَّهِ بَعْضَ الْعُصَاةِ مِنَ النَّارِ بِرَحْمَتِهِ وَبِغَيْرِ شَفَاعَةٍ
 الْإِيمَانُ بِالْقَدَرِ وَمَرَاتِبِ الْقَدَرِ
 حَقِيقَةُ الْإِيمَانِ وَحُكْمُ مُرْتَكِبِ الْكَبِيرَةِ
 الْوَاجِبُ نَحْوَ الصَّحَابَةِ وَذِكْرُ فَضَائِلِهِمْ
 مَنْزِلَةُ أَهْلِ الْبَيْتِ النَّبَوِيِّ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ
 مَوْقِفُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فِي كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ
 صِفَاتُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ
 بَيَانُ مُكَمِّلَاتِ الْعَقِيدَةِ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَمَحَاسِنِ الْأَعْمَالِ الَّتِي يَتَحَلَّى بِهَا أَهْلُ السُّنَّةِ
شرح العقيدة الواسطية - الأسماء والصفات لا بد فيها من نفي وإثبات

وَهُوَ سُبْحَانَهُ قَدْ جَمَعَ فِيمَا وَصَفَ وَسَمَّى بِهِ نَفْسَهُ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، فَلَا عُدُولَ لِأَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ عَمَّا جَاءَتْ بِهِ الْمُرْسَلُونَ؛ فَإِنَّهُ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ، صِرَاطُ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ.


ذكر هنا القاعدة العظيمة في الأسماء والصفات، الأسماء والصفات لا بد فيها من نفي وإثبات، نفي ما نفى الله وإثبات ما أثبت الله، يقول: وهو سبحانه قد جمع فيما وصف وسمى به نفسه بين النفي والإثبات، فيما يتعلق في الوصف واضح أن الرب سبحانه وتعالى يخبرك وينبئك عن أمور يتنزّه عنها سبحانه وتعالى، فلا بد عند ضبط الاعتقاد بالأسماء والصفات من نفي ما نفى الله كما أنه لا بد من إثبات ما أثبت الله، فإن قلت: ما علاقة النفي في الصفات؟ علاقة النفي بالصفات من جهة أنك تنفي عن الله ما لا يليق، وقد تقدم أن الرب سبحانه وتعالى نفى عن نفسه أوصافًا لا تليق به تعالى مثل الظلم ومثل الغفلة ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ(1)، مثل الغفلة ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ(2)، ومثل النوم والسِّنَة ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ(3)، ومثل اللّغوب والتعب ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ(4)، فهذه ينفيها الرب سبحانه وتعالى، فتنفي عن الله تعالى هذا كما نفى عن نفسه، وتثبت ما أثبت مما سيأتي ومما تقدم كالسمع والبصر والاستواء وغيره لأنه أثبته لنفسه، ما الدليل على دخول نفي ما نفاه الله تعالى عن نفسه في الصفات؟ الدليل العظيم الحديث الثابت عنه عليه الصّلاة والسّلام في قصة الصحابي الجليل الذي كان يقرأ في صلاته بقل هو الله أحد مع سورة أخرى؛ فقال له من يصلون خلفه: إما أن تقتصر على هذه يعني أنه يقرأ بقل هو الله أحد ويقرأ معها سورة أخرى؛ يعني يقرأ أربع سور في الركعتين، قالوا: إما أن تقتصر على هذه السورة وإما أن تقتصر على السورة الأخرى، أما أن تقرأ قل هو الله أحد وتقرأ معها سورة أخرى كأن هذه لا تجزيك! حتى كأن قل هو الله لا تكفي حتى تُضم إليها سورة أخرى! فأبى أن يُغَيِّر واستمر يصلي بهم، فأخبروا النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بذلك فقال: «سلوه لأي شيء يفعل ذلك؟» فقال - هذا هو الشاهد – قال: (لأنها صفة الرحمن وأنا أحب أن أقرأ بها) فأخبره عليه الصّلاة والسّلام أن حبّه إياها أدخله الجنة، وفي لفظ آخر قال لصحابي آخر عمل نفس العمل أحدهما كان أميرًا لسرية(5) والثاني إمام مسجد قباء(6) كلاهما صنع هذا قال لأحدهما أن حبه لها أدخله الجنة، وقال للآخر أخبروه أن الله يحبه، الشاهد هنا أنه قال: لأنها صفة الرحمن، ما الذي في قل هو الله أحد؟ نفي وإثبات، إثبات الأحدية وإثبات أن الله تعالى هو الصمد ونفي الولادة والولد عن الله تعالى ونفي الكفؤ، فدل على أن الأسماء والصفات لا بد فيها من نفي وإثبات ولهذا قال: وهو سبحانه قد جمع فيما وصف وسمى به نفسه بين النفي والإثبات، هل هناك أسماء منفية؟ مراده رحمه الله تعالى هو نفي الصفات، أما الأسماء فمنها ما يدل على إثبات معنى موجب كالعلم العليم يثبت العلم، السميع يثبت السمع، ومنها ما سمى الله تعالى بها نفسه، وهو اسم ينفي عن الله تعالى ما لا يليق مثل اسم السّلام ففيه تنزيه الله تعالى عن النقائص والعيوب ومثله القدوس، هي أسماء مثبتة لله تعالى لكنها تدل على نفي ما لا يليق لله عزّ وجلّ.

قال: فلا عدول لأهل السُّنَّة والجماعة، أي لا عدول لأهل السُّنَّة والجماعة عن هذا المنهج السّوي الذي أنزله الله تعالى لهم في كتابه وبيّنه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لهم في سنته، لا عدول لهم لا يميلون بتاتًا عن هذا المنهج، فلا عدول لأهل السُّنَّة والجماعة عما جاء به المرسلون فإنه الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم، في هذا الموضع نعطيك بإجمال ما يقرره أهل السُّنَّة والجماعة في الأسماء والصفات في قواعد خمس موجزة تضبط لطالب العلم اعتقاد أهل السنة والجماعة في أسماء الله وصفاته:

القاعدة الأولى: إثبات ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله صلّى الله عليه وسلّم من هذه الأسماء والصفات على ظاهرها، على ظاهرها البيّن الجلي الواضح من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل، هذه القاعدة الأولى.

القاعدة الثانية: أن أهل السُّنَّة ينفون عن هذه الصفات مشابهة صفات المخلوقين، لهذا قال هنا: وهو سبحانه قد جمع بين النفي والإثبات لأنه أهل السنة يثبتون وينفون، يثبتون الصفات وينفون عنها المشابهة، هذه القاعدة الثانية، ودل على هاتين القاعدتين آيات كثيرة ومنها الآية العظيمة الآتية إن شاء الله الآن ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ(7) دلت على هاتين القاعدتين.

القاعدة الثالثة: أن أهل السُّنَّة لا يتجاوزون في تسمية الله وفي وصفه القرآنَ والسُّنَّةَ، أي أن الأسماء والصفات توقيفية لا يُسمون الله تعالى بأي اسم من تلقاء أنفسهم، ولا يصفون الله تعالى بأي وصف من تلقاء أنفسهم، بل هي أسماء توقيفية تؤخذ من الكتاب والسُّنَّة فقط.

القاعدة الرابعة والخامسة، الرابعة: متعلقة بمعنى الصفات، والخامسة: متعلقة بكفية الصفات، الرابعة أن معاني الصفات من المُحْكم الواضح معناه، فتفسر معاني هذه النصوص ويبيّن أن معنى الاستواء هو الارتفاع عن العرش وأن معنى الرحمة كما سيأتي كذا، وأن معنى العلم كذا، يُبين يُفسر، وأن القاعدة الرابعة تتعلق بالمعنى أن معاني هذه الأسماء والصفات واضحة محكمة، نأتي للقاعدة الخامسة وهي متعلقة بكيفية هذه الصفات، أن كيفية الصفات مما لا يخوض فيه أهل السُّنَّة، بل يفوضون أمره لله.

هذه القواعد الخمسة التي بإجمال تضبط عقيدة أهل السُّنَّة والجماعة في هذا الباب، من أكثر ما خلَّط فيه المتأخرون التخليط بين القاعدة الرابعة والخامسة، فإن أهل السُّنَّة يقولون: الصفة من حيث المعنى واضحة، لهذا أنت تفسر، وإذا نظرت في تفاسير السلف رضي الله عنهم لنصوص الآيات القرآنية وجدت أنهم يفسرون هذه الصفات من حيث المعنى واضحة، ولذلك قال مالك رحمه الله: الاستواء معلوم أي معلوم المعنى والكيف مجهول كما تقدم.

يأتي سؤال مهم جدًا صفات الله نحن لا نخوض في كيفيتها، فهل لها كيفية أو ليس لها كيفية؟ صفات الله كالاستواء والنزول وسائر أسماء الله وصفاته لها كيفية، هل لها كيفية أو ليس لها كيفية؟ نقول: نعم لها كيفية، فإذا قلنا بلا كيف فـ بلا كيف نعلمه، أما كيفيتها فالله يعلمها، لا شك أن لها كيفية لكن الله تعالى انفرد بعلم كيفيتها، فنحن نعلم معناها ولا نعلم كيفيتها، الممثلة والمعطلة معًا قالوا: ما هذا الكلام؟ تعرفون المعنى ولا تعرفون الكيفية! نقول: نعم، لأن الله عزّ وجلّ أخبرنا بها بلسان عربي مبين واضح المعنى جلي فهمه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأفهمه الصحابة رضي الله عنهم وأفهمه الصحابةُ التابعين وأفهمه التابعون أتباعهم وتسلسل معناها في الأمة فمعناها واضح، أما الكيفية فأنت أحقر وأصغر وأذل من أن تعرف كيفية الله، ولا تُعرفُ كيفية الله عزّ وجلّ لا في الدنيا ولا في الآخرة، الله أجلُّ وأكبر من أن تعرف كيفيته، لا من قِبَلِ ملَك مقرب ولا نبي مرسل لا في الدنيا ولا في الآخرة، قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا(8)، الله لا يُحاط به علم، يستحيل أن يُحاط بالله تعالى علمًا، لهذا قال: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ(9) سبحانه الإحاطة مستحيلة بالله تعالى، فالله لا يُحاط به عزَّ اسمُه، ولهذا تعرف من هذه الصفات جانبًا وتجهل جانبًا فتعرف المعنى، والدليل على أنك تعرف المعنى وأن المعنى واضح حتى عند المعطل لو أنصفت أنك حين تقول: يا رحمن ارحمني؛ فإنك ترجو الرحمة، وحين تقول: يا جبار لا تعذبني؛ فإنك تعرف معنى ما تدعو به فالرحمة التي تدعو بها ويدعو بها حتى المعطل في الساجدة حينما يقول: ربي اغفر لي وارحمني، إذا قال: الرحمة هذه معناها غير المعنى المعلوم! إذًا ماذا تدعو؟ به ما الذي تدعو به؟ تسأل الله أمرًا لا تدري معناه! لا شك أن المعنى معلوم، ولهذا تأمل الآيات التي فيها الأسماء والأوصاف التي فيها ذِكْرُ الرحمة، كل مُنتسب إلى القبلة يُؤمن بأن هذا كلام الله يرجو عنده، فإذا سمعت قوله تعالى ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ(10)، أنت والمعتزلي جميعًا ترجوان، يدلك على أن قولهم أنها تغير معانيها قول كاذب أو قولهم أن معانيها غير معلومة تُصَوَّب قول كاذب، لأنك ترجو ولن ترجو إلا لأن الرحمة معلومة المعنى، وهكذا إذا سمعت قوله تعالى ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ(11)، لا شك أنك تخاف، ما الذي جعلك تخاف؟ أنك تعلم المعنى، فلو لم تكن تعلم المعنى لما رجوت هنا وخفت هنا، ولهذا لاحظ الآيات القرآنية يُجمع فيها بين ما يستوجب ويستدعي الخوف والرجاء قال الله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ(12)، هذا تحذير شديد جدًا أن يحذر اللهُ العبادَ نفسَه، أعظم تحذير على الإطلاق أن يحذرك الله تعالى نفسه، فلما هذا يكاد أن تتقطع معه القلوب قال: ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ(13)، كي لا يهلك الناس، إذا حذرك الله تعالى نفسه هنا تحذير خطير جدًا، المؤمن يتقطع قلبه من هذا التخويف قال: ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ(14)، حتى تجمع العبد بين الخوف والرجاء، ولهذا قال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49)وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ(15)، ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ(16)، حتى يجتمع الخوف والرجاء، فلو كان معنى الغفور والرحيم غير واضح ما رجوت ولو كان معنى ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ غير واضح ما خفت كما تقول المفوّضة الذين يقولوا المعاني غير معلومة - الذين عطلوا المعاني - لولا أنها واضحة ما حصل خوف ولا رجاء، ولهذا يذكر الله تعالى الآيات التي تستدعي من المؤمن الخوف مع الآيات التي تستدعي منها الرجاء وقد يذكر الله تعالى ذلك في الأسماء والصفات لأن معانيها معلومة، فالذي يقول معنى الصفة غير معلوم كاذب، ويقال: له إذا كنت مسلمًا تسجد وتدعو وتبكي بين يدي الله: اللهم اغفر لي اللهم ارحمني؛ وأن تقول المغفرة والرحمة غير معلومة! تكذب أنت، ما الذي تدعو به سبعون سَنَةً؟ تدعو الله أن يغفر لك؛ المغفرة غيرة معلومة المعنى! معلومة المعنى، تسأل الله أن لا يبطش بك، البطش غير واضح؟ لِمَ لا ترجع إلى الله سنين عمرك تسأل الله أن لا يبطش بك لولا أنك تخاف من بطشه وترجو الرحمة، فالذي يقول المعنى غير واضح كاذب لا شك أنه كاذب، بل المعنى واضح، ولهذا قال مالك رحمه الله الاستواء معلوم، تريد أن أعطيك معناه؟ أعطيك معناه استوى على العرش علا على العرش وارتفع عليه، هكذا فسرها السلف، لكن تقول لي: كيف يستوي الله؟ البشر والخلق كلهم أقصر وأضعف من أن يعرفوا كيفية استواء الله أو كيفية صفاته، إذًا فالمعنى معلوم والكيفية مجهولة، فنحن نعلم من هذه الصفات معانيها ونجهل كيفياتها.

قال رحمه الله تعالى: فإنه الصراط المستقيم، يعني هذا الصراط هو الطريق الواضح البيّن مستقيم وقد أمر الله بلزومه بقوله ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ(17)، السُّبل هذه مُرْدِيَة التي ألحدت - مالت - عن الصراط المستقيم سواء طرق الممثلة أو طرق المعطلة بأنواعهم كلها لا شك سبل زاغت، ولهذا فُسِّر قولُه تعالى ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ بأنها البدع والشبهات، هذه هي السبل والطرق التي تُمِيل الناسَ عن صراط الله تعالى المستقيم.

ثم قال: صراط الذين أنعم الله عليهم، هذا بدل، من هم الذين أنعم الله عليهم؟ هم الذين بيَّن الله تعالى في قوله ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ(18)، تقدم الكلام على معنى النَّبيّين، والصّديق صيغة مبالغة، فعّيل وهو الذي عنده تصديق عظيم وهم الذين آمنوا بالله ورسله ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ(19)، ثم يتفاوتون في درجة الصّديقية، فالصّديق أبو بكر رضي الله عنه أعلى هذه الأمة في هذه الدرجة رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

قال: والشهداء، الشهداء هم من قُتِلوا في سبل الله تعالى، من قُتِل في سبيل الله فإنه يكون من الشهداء إذا كان في قتال سليم، كأن يكون في قتال مع الكفار، فإن الكفار إذا قتلوه يكون شهيدًا، وفي هذا المقام ينبّه إلى أمر مهم جدًا، وهو أن الشهداء لا يمكن أن يُعلموا بحيث يقال: هذا فلان الشهيد إلا إذا كانوا قد حُدِّدُوا في النصوص ممن أخبر النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم أنهم قتلوا شهداء، أما الحاصل الآن من الجزم بالشهادة فهو من أعظم المنكرات ومن أفحشها، العجب من هؤلاء الذين يقولون: فلان شهيد؛ أنك لو قلت له: هو في الجنة؟ يقول: أعوذ بالله، أنا ما أدري، هذا كلام عجيب جدًا، الشهيد هو في الجنة، الشهيد قطعًا بالجنة، ولهذا لماذا لا يُجْزَم بالشهادة لأن الجزم بالشهادة يعني الجزم بالجنة، قال البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه: (باب لا يقول فلان شهيد)(20)، وجاء عن عمر رضي الله تعالى عنه وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه النهي عن أن يجزم لأحد بالشهادة، قال عمر رضي الله عنه: (إنكم تقولون: فلان شهيد؛ فلان شهيد، ولعله قد أوقر راحلته) يعني من الغنائم، وثبت عنه عليه الصّلاة والسّلام في إحدى مغازيه أنه قُتِل بعضُ أصحابه رضي الله عنهم وأرضاهم في تلك الغزوة فصار الصحابة يقولون هنيئًا لفلان الشهادة وهنيئًا لفلان الشهادة والنَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يسمع وهو ساكت أقرَّ لأن هؤلاء كانوا شهداء ثم قالوا: هنيئًا لفلان أحد موالي النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بالشهادة، قال صلّى الله عليه وسلّم: «كلا والذي نفسي بيده، إن الشَّمْلَة التي غلَّها لتشتعل عليه في قبره» من يعلم هذا؟ من يدري؟ إنه غيب، فلذلك لا يحل أن يقال في أحد إنه شهيد إلا إذا كان ممن بُيِّنَ في النصوص، لأن القول بأنك أنت شهيد يساوي تمامًا بأنك في الجنة، وهذا للأسف كثير بين المتدينين، وتحمل العاطفة التي لا يذمها العلم على مثل هذا والجزم، ولكن يُقال: يُرجى أن يكون من الشهداء، نسأل الله أن يجعله من الشهداء، هذا شيء آخر، أنت تدعو له بالجنة، كما أنت تقول: نرجو له الجنة؛ نرجو للمحسنين؛ نخاف على المسيئين، لكن هذا عام، أما فلان شهيد يعني فلان بالجنة، والعاطفة غلبت في هذا للأسف الشديد، وإلا هذا واضح وجلي في النصوص في كلام النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم في كلام السلف رضي الله عنهم في ترجمة البخاري واضحة (باب لا يقول فلان شهيد) لهذا لا تقول لأحد إلا إن كان دل عليه النص كما قال عليه الصّلاة والسّلام لما رجف الجبل به وببعض أصحابه قال: «اثبت أحد، فإنما عليك نبي أو صديق أو شهيد»(21) عمر شهيد، علي شهيد، عثمان شهيد رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، وأبو بكر صدّيق، فالقول بالشهادة بهذه السهولة والجزم به؛ حتى بلغ الفوضى في وسائل الإعلام أن يقال: فلان شهيد وهو نصراني أو كافر، هذا من الأعاجيب، هؤلاء أصلًا ليسوا من المسلمين حتى يُرجى لهم الجنة، الجنة لا تُرجى أصلًا إلا لمن مات على الإسلام، فصارت مسألة الشهادة ألعوبة للأسف الشديد وصارت العاطفة تحمل على هذا، نحن لا نعجب من الإعلام، الإعلام فيه فظائع وبلايا كثيرة، نعجب من أهل الدين، قد يكون أحدهم خطيب مسجد ثم يقول فلا شهيد، لا يحل هذا بتاتًا لأنك تجزم الآن على رب العالمين أنه من أهل الجنة وتجزم بأن نيته صالحة وبأنه قُتِل على درب سوي، لا يحل بتاتًا أن يُجْزَم به، لهذا قال أهل السُّنَّة: نرجو للمحسن ونخاف على المسيء، حتى المحسن حتى العلماء والصالحون، عمر بن عبد العزيز نرجو له رجاء وأمره إلى الله عزّ وجلّ، لكن تستطيع أن تقول إنه في الجنة؟ لا تستطيع، ما تستطيع أن تقول إن ابن تيمية، ما تقدر، ما يحل هذا، لكن نرجو بلا شك، نرجو لابن تيمية، نرجو لابن عبد الوهاب، نرجو لابن باز، نرجو لعمر بن عبد العزيز، نعم، بالأعيان نرجو رجاء، لكن فيما يتعلق بالمؤمنين نشهد بالعموم بأن الجنة للمؤمنين بالعموم، لكن إذا أتينا للأفراد لا يحل هذا؛ نشهد ونجزم بأن من قتل في سبيل الله فهو شهيد، نعم قاعدة عامة من قتل في سبيل الله فهو شهيد لكن فلان شهيد! حكمت على ربك تعالى وحكمت أيضًا على نيته بأنها صالحة، وليس هذا فقط في موضوع الشهادة؛ حتى في موضوع المعاصي، يعني من مات مسرفًا شارب للخمور عاصيًا لوالديه قاطعًا للطريق فاعلًا كذا وكذا هل تستطيع أن تقول إنه من أهل النار؟ ما تستطيع، ولهذا ثبت عنه عليه الصّلاة والسّلام في خبر الذي قال: «والله لا يغفر الله لفلان؛ أن الرب تعالى قال: من ذا الذي يتألّى عليّ أن لا أغفر لفلان! لقد غفرت له وأحبطت عملك»(22) مع أن هذا كان مجتهدًا في العبادة وذاك كان مسرفًا في المعاصي، الأمر متعلق بالله، فرّ منه أشد من فرارك من الأسد، الأمر متعلق بحكم الرب سبحانه إياك أن تخوض فيه، أحِلْهُ إلى الله رب العالمين، وإن من أنفس ما جاء عن السلف رضي الله عنهم أن أبا وائل شقيق بن سلمة رحمه الله – تلميذ ابن مسعود - قال وهو رجل يا أبا وائل أي شيء تحكم على الحجاج؟ الحجاج مات؛ تحكم عليه بالجنة أو بالنار؟ انظر كلام الفقيه العالم قال: وتريدني أن أحكم على الله؟(23) أنا ما أحكم على الحجاج! إذا قلت: الحجاج في النار أنا ما أحكم على الحجاج الآن؛ أنا أحكم على الله أنه سيجعل الحجاجَ في النار! وهكذا إذا قلت: فلان شهيد أو في الجنة، أنا ما أحكم الآن على فلان فقط أنه شهيد؛ انا أحكم على الله أنه سيجعله في الجنة! ولهذا قال: وتريدني أن أحكم على الله! أنا ما أحكم على الله تعالى، الشيء المُبَيَّن في النصوص وبأنه من الشهداء وبأنه من أهل الجنة. نعم.

أما من لم يُبيّن؛ فإننا نحيل أمره إلى علام الغيوب سبحانه وتعالى، وهكذا الصالحون، الصالح هو من لزم أمر الله تعالى وكان ذا علم، من يدخل في الصالحين؟ كل الأصناف الثلاثة السابقة حتى الأنبياء، النَّبيّ يطلق عليه صالح كما في حديث المعراج «مرحبًا بالأخ الصالح والنَّبيّ الصالح»(24) وهكذا ذكر الله تعالى الصالحين في عدد من الأنبياء ﴿كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ(25)، فسمّاهم الله تعالى بالصالحين لأن الصلاح مثل الإيمان يزيد وينقص، هناك صلاح عظيم جدًا وهو صلاح الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام وهناك صلاح للصديقين، هناك صلاح لمن هم دون ذلك، هناك صلاح للمقتصدين الذين يقتصرون على الواجبات ويتركون المحرمات، فالصلاح وصف عام، رأس الصالحين هم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ثم يتفاوت الصلاح كلٌ بحسب.


(1) فصلت: 46.
(2) البقرة: 74.
(3) البقرة: 255.
(4) ق: 38.
(5) صحيح البخاري (7375).
(6) البخاري (155/1).
(7) الشورى: 11.
(8) طه: 110.
(9) الأنعام: 103.
(10) الفاتحة: 1.
(11) البروج: 12.
(12) آل عمران: 30.
(13) آل عمران: 30.
(14) آل عمران: 30.
(15) الحجر: 49، 50.
(16) المائدة: 98.
(17) الأنعام: 153.
(18) النساء: 69.
(19) الحديد: 19.
(20) البخاري (37/4).
(21) صحيح البخاري (3686).
(22) صحيح مسلم (2621).
(23) الطبقات الكبرى لابن سعد (6/ 157).
(24) صحيح البخاري (349).
(25) الأنعام: 85.