موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - الله سبحانه وتعالى لا سمي له ولا كفو له ولا ند له - شرح العقيدة الواسطية
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح العقيدة الواسطية لفضيلة الشيخ عبدالله بن عبدالعزيز العنقري
  
 
 شرح العقيدة الواسطية
 مقدمة الشارح
 مقدمة المؤلف
 اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة
 الإيمان تعريفه وأركانه
 الإيمان بأسماء الله وصفاته
 الإيمان بأسماء الله وصفاته من غير تكييف ولا تمثيل
 الله سبحانه وتعالى لا سمي له ولا كفو له ولا ند له
 الأسماء والصفات لا بد فيها من نفي وإثبات
 الأسماء والصفات في القرآن الكريم
 إِثْبَاتُ الْمَكْرِ وَالْكَيْدِ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ
 وَصْفُ اللَّهِ بِالْعَفْوِ وَالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالْعِزَّةِ وَالْقُدْرَةِ
 نَفْيُ الشَّرِيكِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى
 إِثْبَاتُ اِسْتِوَاءِ اللَّهِ عَلَى عَرْشِهِ
 إِثْبَاتُ عُلُوِّ اللَّهِ عَلَى مَخْلُوقَاتِهِ
 إِثْبَاتُ مَعِيَّةِ اللَّهِ لِخَلْقِهِ
 إِثْبَاتُ الْكَلَامِ لِلَّهِ تَعَالَى
 إِثْبَاتُ تَنْزِيلِ الْقُرْآنِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى
 إِثْبَاتُ رُؤْيَةِ الْمُؤْمِنِينَ لِرَبِّهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
 الِاسْتِدْلَالُ عَلَى إِثْبَاتِ أَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ مِنَ السُّنَّةِ
 مَوْقِفُ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي فِيهَا إِثْبَاتُ الصِّفَاتِ الرَّبَّانِيَّةِ
 مَكَانَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ بَيْنَ فِرَقِ الْأُمَّةِ
 وُجُوبُ الْإِيمَانِ بِاسْتِوَاءِ اللَّهِ عَلَى عَرْشِهِ وَعُلُوِّهِ عَلَى خَلْقِهِ وَمَعِيَّتِهِ لِخَلْقِهِ وَأَنَّهُ لَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا
 وُجُوبُ الْإِيمَانِ بِأَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ حَقِيقَةً
 وُجُوبُ الْإِيمَانِ بِرُؤْيَةِ الْمُؤْمِنِينَ لِرَبِّهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَوَاضِعِ الرُّؤْيَةِ
 مَا يَدْخُلُ فِي الْإِيمَانِ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ
 حَوْضٌ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم وَمَكَانُهُ وَصِفَاتُهُ
 الصِّرَاطُ مَعْنَاهُ وَمَكَانُهُ وَصِفَةُ مُرُورِ النَّاسِ عَلَيْهِ
 شَفَاعَاتُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم
 إِخْرَاجُ اللَّهِ بَعْضَ الْعُصَاةِ مِنَ النَّارِ بِرَحْمَتِهِ وَبِغَيْرِ شَفَاعَةٍ
 الْإِيمَانُ بِالْقَدَرِ وَمَرَاتِبِ الْقَدَرِ
 حَقِيقَةُ الْإِيمَانِ وَحُكْمُ مُرْتَكِبِ الْكَبِيرَةِ
 الْوَاجِبُ نَحْوَ الصَّحَابَةِ وَذِكْرُ فَضَائِلِهِمْ
 مَنْزِلَةُ أَهْلِ الْبَيْتِ النَّبَوِيِّ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ
 مَوْقِفُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فِي كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ
 صِفَاتُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ
 بَيَانُ مُكَمِّلَاتِ الْعَقِيدَةِ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَمَحَاسِنِ الْأَعْمَالِ الَّتِي يَتَحَلَّى بِهَا أَهْلُ السُّنَّةِ
شرح العقيدة الواسطية - الله سبحانه وتعالى لا سمي له ولا كفو له ولا ند له

الحمد لله رب العالمين والصّلاة والسّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبيّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم اغفر لنا ولشيخنا ولجميع المسلمين

قال شيخ الإسلام رحمه الله:

لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ؛ لَا سَمِيَّ لَهُ، وَلَا كُفُوَ لَهُ، وَلَا نِدَّ لَهُ، وَلَا يُقَاسُ بِخَلْقِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ؛ أَعْلَمُ بِنَفْسِهِ وَبِغَيْرِهِ، وَأَصْدَقُ قِيلًا، وَأَحْسَنُ حَدِيثًا مِنْ خَلْقِهِ.

ثُمَّ رُسُلُهُ صَادِقُونَ مُصَدَّقُونَ؛ بِخِلَافِ الَّذِينَ يَقُولُونَ عَلَيْهِ مَا لَا يَعْلَمُونَ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿سُبْحَانَ رَبِّك رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصْفُونَ(180)وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ(181)وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(20)، فَسَبَّحَ نَفْسَهُ عَمَّا وَصَفَهُ بِهِ الْمُخَالِفُونَ لِلرُّسُلِ، وَسَلَّمَ عَلَى الْمُرْسَلِينَ لِسَلَامَةِ مَا قَالُوهُ مِنَ النَّقْصِ وَالْعَيْبِ.


بقي عندنا هنا (ولا يلحدون في أسماء الله وآياته ولا يكيفون ولا يمثلون صفاته بصفات خلقه): الإلحاد في اللغة معناه الميل، ولهذا قد يطلق الإلحاد على مسلم، الآن الملحد عند الناس هو الجاحد لوجود الله مثل الشيوعي وأمثاله، الحق أن الإلحاد منه إلحاد كلي، ومنه الحاد جزئي، فقد يكون عند الإنسان إلحاد بمعنى الميل ومنه سمي الإلحاد بالإلحاد، الإلحاد هو الميل، فمن مال عن الحق صار عنده صار عنده شيء من الإلحاد، وبحسب ما يكون هذا الميل يكون إلحاده، فإن كان ميلًا كليًا صار إلحادًا كليًا، وإن صار الميل بمسألة معينة صار الميل والإلحاد بحسبه.

هنا يقول رحمه الله: (ولا يلحدون في أسماء الله وآياته) به نعلم أن الإلحاد لغة قلنا إنه الميل ومنه سمي اللحد في القبر، اللحد في القبر سمي باللحد لأن القبر إذا حفر لا يكون حفرة متساوية بحيث يشق شقًا، وإنما يُلحد بمعنى أن الموضع الذي توضع فيه الجنازة تُلحد أن تمال عن سمت القبر حتى تُجعل فيه الجنازة فمنه سمي اللحد لحدًا، هذا معناه، الإلحاد على نوعين: تارة يكون في أسماء الله وتارةً يكون في آياته، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(1)، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا(2)، ولهذا قال: ولا يلحدون في أسماء الله وآياته لأن الإلحاد تارة يكون في الأسماء وتارة يكون في الآيات، الأسماء تقدم الكلام عليها والآيات الآية جمع العلامة تارة تطلق الآية على الآية الشرعية وهي الآيات من كتاب الله عزّ وجلّ التي أنزلها الله تعالى في مثل هذا القرآن العظيم فإنه مجموعة آيات، وتارة تطلق الآية على الآية الحسيّة المعروفة مثل السماء والأرض ونحوه والإلحاد هنا هو الإلحاد في الآيات الشرعية، يلحدون في هذه النصوص الشرعية بأن يميلوا عن معناها الصحيح فلا يتعاملون معها التعامل السليم، لأن الإلحاد ضد الميل، إذًا عندنا منهج مستقيم في التعامل مع هذه الآيات، وعندنا منهج ملحد أي مائلٌ في التعامل مع هذه الآيات، فالإلحاد في الأسماء والصفات على أنواع خمسة وقد يزيد، من أشهر هذه الأنواع - أنواع الإلحاد - أن يُنفى ما أثبت الله لأنه تقدم أن ما أثبت الله نثبته، فهذا هو الطريق المستقيم فإذا هو نفى ما أثبت الله فقد ألحد أي مال، وهكذا لو أثبت ما نفى الله، إذا نفى الله شيئًا وأثبته هو فإنه يكون ملحدًا، لأن الطريق المستقيم ما هو؟ ما أثبت الله نثبته، ما نفى الله ننفيه، فإذا عكس وأثبت ما نفى الله فقد ألحد بمعنى أنه مال، وإذا نفى ما أثبت الله ألحد، لأن الطريق المستقيم أن تثبت حيث أثبت الله وأن تنفي حيث نفى الله، وسنوضح بمثال بيِّن: الصلاة حكمها الوجوب، السرقة حكمها التحريم، هذا هو الطريق المستقيم، فلو أن أحدًا استحل السرقة ماذا يكون فعل؟ معناه أنه ألحد في هذا الحكم بمعنى أنه جعل الحرام حلالًا، هذا نوع من الإلحاد لأنه يجب أن يُحَرِّم السرقة التي حرمها الله، وهكذا لو زعم أن الصلاة غير واجبة يكون قد ألحد أي أنه مال لأن الصلاة مما أوجبه الله، فكذلك يقال، كما يقال هذا في الأحكام يقال كذلك في أسماء الله وصفاته يجب أن نثبت حيث أثبت الله، فمن لم يثبت ما أثبت الله فقد ألحد، يجب أن ننفي ما نفى الله فمن أثبت ما نفى الله فقد ألحد بمعنى أنه مال وثمة أنواع أخرى من الإلحاد ذكرها شراح هذه الرسالة الشيخ محمد والشيخ صالح وغيرهم من أهل العلم وذكرها عدد من أهل العلم، كلُّ تعامل مع الأسماء والصفات بغير الطريق المستقيم فهو نوع من أنواع الإلحاد ومن ذلك أن تجعل أسماء الله عزّ وجلّ على المخلوقات كما اشتق المشركون لمعبوداتهم من أسماء الله تعالى أسماء؛ فسموا مناة من المنان والعزى من العزيز وهكذا، هذا نوع من أنواع الإلحاد، وهكذا إذا سُمِّي الله بما لا يليق به كما يسمي النصارى الرب تعالى أبًا وكتسميات الفلاسفة للرب سبحانه وتعالى ونحو ذلك، فكل هذا من الإلحاد لأنه لا يسمى الله إلا بما سمى به نفسه، والله عزّ وجلّ أعظم من أن تجعل أسماؤه تشتق منها أسماء لهذه الآلهة الباطلة، وهكذا إذًا لا يلحدون في أسماء الله تعالى ولا في آياته ولا يكيفون ولا يمثلون صفاته بصفات خلقه.

ثم قال: لأنه؛ هذا تعليل لما سبق من بيان اعتقاد أهل السُّنَّة لأنه سبحانه لا سَمِيَّ له ولا كفؤَ له ولا ندَّ له، هذه الأسماء الثلاثة: السَّمِيُّ والكُفؤ والنّد معانيها متقاربة، وأن الله تعالى ليس له مثل سبحانه وتعالى ليس له سمي كما قال تعالى ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا(3)، أي سمي يساميه ويماثله حاشا لله تعالى من ذلك، وهكذا لا كفؤ له ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ(4) سبحانه وبحمده، وهكذا لا ند لله ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا(5).

قال: ولا يقاس بخلقه، القياس أنواع ثلاثة لا يحل بتاتًا أن يقاس الله تعالى بخلقه بحيث يُجعل سبحانه وبحمده في قياس شمول، وقياس الشمول الذي يضم جملة من الأفراد يشملها ويعمها لأن الله تعالى لا يمكن بحال من الأحوال أن يقاس بغيره سبحانه فهو الخالق وغيره المخلوق، ولقد نعى الله على من فعلوا هذا فقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ(6) كيف يقاس الذي يخلُق بالذي لا يخلُق ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ(20) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ(7) فلا يقاس هؤلاء الذين يُخلَقون بالذي يَخلُق سبحانه، وهذه هي بلية فِرَق الضلال، فِرَق الضلال جاءها الإشكال من جهة أنها قاست الخالق سبحانه وتعالى على المخلوق، ومَنْ الذي وقع في هذا؟ هذا من نوادر العلم، الذي في الذهن أن الذي فعل هذا هم المشبهة والممثلة والواقع أن الذي فعل ذلك هم المعطلة والممثلة على حدّ سواء، أما الممثلة فأمرهم واضح لأنهم يقولون إن صفات الله تعالى مثل صفات المخلوقين فقاسوا - قبحهم الله تعالى - صفات الله عزّ وجلّ بصفات المخلوقين فقالوا وجه الله مثل وجه المخلوق! هذا قياس قالوا لأننا لا نعلم لكلمة وجه في اللغة إلا معنى واحد والله خاطبنا بهذه اللغة إذًا فوجه الله مثل وجه المخلوق، وكذبوا قاتلهم الله، قال شيخ الإسلام رحمه الله في الرسالة المدنية: أكثر أصحابنا على كفر المشبهة، كلام عظيم خطير أن يقال مثل هذا، ثم إنه كلام كذاب أَشِر، مَنْ يقيس الرب سبحانه وتعالى بالمخلوق، فعلم الله سبحانه وبحمده يقول عزّ وجلّ: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ(8)، ويقول عزّ وجلّ عن علم المخلوق ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا(9)، ويقول: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ(10)، فعلم المخلوق قليل جدًا نادر، أما علم الله تعالى فهو العلم الشامل الذي لا يمكن أن يقاس، فكيف يقاس علم الله على علم المخلوق، وهكذا صفات الرب سبحانه وتعالى، الرب الذي لا يعزب عن سمعه أي صوت ولا يعزب عن بصره أي مُبْصَر؛ كيف يقاس بهذا المخلوق الضعيف الذي سمعه وبصره محدود، كيف يقال: إن صفات الخالق مثل صفات المخلوق، هذا كذب صراح بيًن وفي النصوص ما يدل على بطلانه وفي النصوص التنبيه إلى أن صفات الخالق ليست كصفات المخلوق وأسماء الله تعالى ليست كأسماء المخلوق كقوله تعالى ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ(11) والحي يطلق على المخلوقات ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ وهكذا لا يقاس الرب سبحانه في صفاته، يقول صلّى الله عليه وسلّم في بيان الحال التي يكون عليها الناس في القيامة: «أن الله يجمع الخلائق في صعيد واحد فيناديهم بصوت يسمعه من بَعُدَ كما يسمعه من قَرُبَ»(12)، هذا لا يمكن أن يقاس، لا يمكن أن يقاس، لأن الصوت عند الآدمي القريب يسمع وكلما نأى الإنسان عن الصوت قلَّ سماعُه حتى يصل إلى حد لا يسمع كما في خطب الجمعة مثلًا إذا كثر الناس فإن الذين في الصفوف الخلفية لا يسمعون إذا كان المسجد كبيرًا أو يسمعون بصعوبة، الله سبحانه ينادي الخلائق بصوت يسمعه جميع الخلائق - القريب منهم والداني، والبعيد والنائي - على حدٍ سواء، يناديهم بصوت يسمعه مَنْ بَعُدَ كما يسمعه مَنْ قَرْبَ، لأن الله لا يقاس سبحانه وتعالى.

كيف يحاسب الله الخلائق؟ يحاسبهم جميعًا دفعة واحدة سبحانه لا إله إلا هو، وهو سريع الحساب، كيف يقاس هذا، لأن الله سبحانه لا يشغله شأن عن شأن، فلا يشتغل سبحانه كالمخلوق، لا يشتغل بحالةٍ ويترك الحالات الأخرى! أبدًا سبحانه وبحمده، ولهذا فالملايين ترفع لله تعالى دعواتها في وقت واحد وبلغات متعددة وكلٌ له طلب وحاجة تختلف عن حاجة الآخر فيعلم السميع القريب العليم الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض دعوة هذا من هذا من هذا وهم بالملايين لأن الله لا يقاس سبحانه وبحمده بخلقه لا في كتابه ولا في سمعه ولا في بصره، فلهذا لما تورط الممثلة في القياس مثَّلوا الله بخلقه، من أين أتى أمر قياس المعطلة؟ قد يقول المعطلة: نحن أبعد الناس عن القياس! أبدًا أنتم أول من قاس، قستم صفات الخالق في عظمتها وضخامتها وجلالة قدرها وكبرها بصفات المخلوق، قستموها على صفات المخلوق أولًا، فلما بدأتم بالتمثيل بصفات الخالق بصفات المخلوق قلتم: إنه لا يليق أن يوصف الله بكذا وكذا لأن هذا الوصف وصف متدني، فقستم وصف الرب سبحانه وتعالى على وصف المخلوق فبعد ذلك نفيتم، ولهذا يقول أهل العلم كل معطل فهو ممثل، لأن المرحلة الأولى التي بدأ بها هي أنه مَثَّل صفات الله بصفات المخلوق فلما مثلها بصفات المخلوق نفاها بعد ذلك، هو لم ينفها ابتداءً وإنما مثَّلها بصفات المخلوق ثم قال لا يليق أن نمثَّل صفات الله بصفات المخلوق وهكذا فإن كل ممثل فهو معطل حتى، كل معطل ممثل وكل ممثل معطل، لأن الممثل ماذا عطل؟ عطل الوصف اللائق بالله تعالى، عطل الوصف اللائق بالله، وجعل لصفة الله العظيمة جعل لها صفة المخلوق المتدنية الفانية.

أهل السُّنَّة يقولون: إن الله لا سمي له ولا ند له ولا كفؤ له ولا يقاس بخلقه، فإذا قلنا: إن الله تعالى سميع؛ فليس سمعه كسمع المخلوقين كما سيأتي في نص الآية إن شاء الله لاحقًا.

قال: ولا يقاس بخلقه سبحانه، السبحان اسم مصدر بمعنى تسبيح، ومعنى سبح أي نزّه فأنت تقول: سبحان ربي العظيم أي أنك تقول أُنَزِّهُ ربي العظيم، وعندما تقول سبحان ربي الأعلى فإنك تقول: أُنَزِّهُ ربي الأعلى، لأنه لا يقاس بخلقه سبحانه وتعالى فإنه سبحانه أعلم بنفسه وأصدق قيلًا وأحسن حديثًا من خلقه، الرب سبحانه وتعالى أعلم بنفسه وأعلم بغيره عزّ وجلّ، قال تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ(13) وقد سمى الله نفسه بهذه الأسماء ووصف نفسه بهذه الصفات وتمدَّح بها وبيَّن عظمتها، فهو أعلم بنفسه حين سمى نفسه بهذا الاسم أنه اسم لائق، وهو أعلم بنفسه حين وصف نفسه بهذا الوصف أنه وصف لائق، وقد قال في أسمائه: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى(14)، وقال في وصفه: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى(15) فإذا سمّى الله تعالى نفسه بهذه الأسماء ووصف نفسه بهذه الصفات فإنه لا شك أعلم بنفسه سبحانه من كل أحد وأعلم من العبد بنفسه، الرب أعلم بنا بأنفسنا (اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أسرفت وما أنت أعلم به مني)(16) مما أفعل أنا، فالله أعلم بك منك أنت من نفسك، فكيف عِلْمُ الله تعالى بنفسه، فلهذا إذا سمى الله نفسه باسم فهو لا شك أنه لائق، أما الذي لا يليق بالله عزّ وجلّ فإن الله ينفيه، ألم تقرأ قوله تعالى ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا(17)، فالذي لا يليق بالله ينفيه الله تعالى أو ينفيه رسوله صلّى الله عليه وسلّم، قال صلّى اله عليه وسلّم: «إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام»(18) الذي لا ينبغي ولا يليق بالله عزّ وجلّ يُبيّنُ لك في النصوص، أما أن تأتي إلى ما أثبته الله وتقول لا ينبغي لا يليق، فهو محادة لله عزّ وجلّ، فالله تعالى أعلمُ بنفسه، فإنه سبحانه أعلمُ بنفسه وبغيره، وأعلمُ من العبد بنفسه تعالى.

وأصدق قيلًا، أي أصدق قولًا، قال الله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا(19)، وأحسن حديثًا من خلقه قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ(20)، فمادام ربك أعلم بنفسه وقوله أصدق القول وحديثه أحسن الحديث سبحانه وتعالى؛ فأذعن لما سمى به نفسه ولما وصف به نفسه وهكذا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أعلم بالله من كل أحدٍ من المخلوقين صلوات الله وسلامه عليه، قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى(21)، فإذا سمّى ربَّه باسمٍ أو وصف ربَّه بوصف؛ فلا شك أنه اسم عظيم ووصف لائق بالله تعالى، فعليك السمع والطاعة، أن تسمع لقوله تعالى ولقول نبيّه صلّى الله عليه وسلّم وهذا مقتضى الشهادتين أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله يترتب عليها أن تشهد أن لا إله إلا الله ثم لا تذعن ولا تخضع لهذه النصوص الآتية من ربك تعالى ومن نبيّ الله صلّى الله عليه وسلّم فأي شهادتين تشهدتهما! فيجب أن تذعن لله تعالى وأن تثبت ما أثبته لنفسه ويثبت له تعالى أيضًا ما أثبته له رسوله صلّى الله عليه وسلّم والنفي أن ننفي ما نفاه الله عن نفسه أو نفاه رسوله صلّى الله عليه وسلّم، وما لم يأت بالنص لا إثباتُه ولا نفيُه فإننا نتوقف كما توقف النص، نسكت كما سكتت النصوص، فحيث أثبتت النصوص نثبت وحيث نفت ننفي، وحيث سكتت نسكت، هذا هو الأدب الحقيقي والذي يتوجب على من يقرُّ بقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ(22).

ثُمَّ رُسُلُهُ صَادِقُونَ مُصَدَّقُونَ؛ بِخِلَافِ الَّذِينَ يَقُولُونَ عَلَيْهِ مَا لَا يَعْلَمُونَ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿سُبْحَانَ رَبِّك رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصْفُونَ(180)وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ(181)وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(20)، فَسَبَّحَ نَفْسَهُ عَمَّا وَصَفَهُ بِهِ الْمُخَالِفُونَ لِلرُّسُلِ، وَسَلَّمَ عَلَى الْمُرْسَلِينَ لِسَلَامَةِ مَا قَالُوهُ مِنَ النَّقْصِ وَالْعَيْبِ.


نعم ذكر بعد ذلك ما يتعلق بالرسل، لا أحدَ أعلمُ بالله بعد الله من رسله عليهم صلوات الله وسلامه؛ الذين يوحي إليهم الوحي الذي قال تعالى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ(24)، ورسله صادقون في أنفسهم، هم صادقون هم أبعد الناس عن الكذب عليهم صلوات الله وسلامه، مَصدُوقون وفي نسخة أخرى مصَدَّقون، فهم مصدَّقون يجب أن يُصَدَّقُوا شرعًا، مصدَّقون يعني من حيث الشرع وإلا من حيث الكفار وما قدَّر الله قد يُكذَّبون، لكن من حيث الشرع هم مُصدَّقون يجب أن يُصَدَّقوا، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ(25)، في نسخة أخرى مَصدُوقون أي أنهم صُدِقُوا، ما كُذَب عليهم، ما أتاهم شيء باطل، بل قد أوحي إليهم بالحق المبين، ثم قال بخلاف الذين يقولون عليه ما لا يعلمون، من هم الذين يقولون عليه ما لا يعلمون؟ هم جميع من خرج عن الكتاب والسُّنَّة، هذه قاعدة عندك تعرف بها من القائل على الله بلا علم، كل من خرج عن الكتاب والسُّنَّة فإنه يقول على الله بلا علم، لأنه إذا قال على الله بعلم فلا بد أن يكون من الكتاب والسُّنَّة، أما إذا قال بلا علم فلا بد أن يكون قد خرج عن القرآن وعن السُّنَّة، وبالتالي نعلم أن من تكلم في هذه المسائل العظام فما يسميه كشفًا كما تقول الصوفية وذوقًا أو بما يسميه أهل الكلام من المعتزلة والجهمية والأشعرية والماتريدية وأمثالهم بما يسمونه عقلًا وهو ليس بعقل هو هوى؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ(26)، ليس ثمّة فريق ثالث، إما الاستجابة لله ولرسوله صلّى الله عليه وسلّم وإما الهوى، ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ(27)، فكل من خرج عن الكتاب والسُّنَّة فهو قائل على الله تعالى بلا علم.

قال: ولهذا قال: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ(28)، تقدم معنى السبحان وأنها تعني التنزيه ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ﴾، العزة من صفات الله تعالى، قوله هنا ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ أي صاحب العزّة سبحانه، لأن الرب تطلق بمعنى الصاحب؛ فهو صاحب العزّة سبحانه وبحمده ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ(29)، ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ(30)، من هم؟ كل من قال بلا علم؛ فالله يُنَزَّه عن قوله تعالى، فيدخل في هذا كلُّ من حَادَ عن الكتاب والسُّنَّة وقال في أوصاف الله بلا علم سواء كان كافرًا أو من المنسوبين إلى الملة، لأنه تكلم على الله في أمر الله تعالى بلا علم فيُسبَّح الرب ويُنزَّه عن وصفه ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ(31)، ماذا قال بعدها؟ ﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ(32)، انظروا المناسبة العظيمة، سلَّم تعالى على المرسلين لسلامة ما قالوه لأن المرسلين لا يقولون على الله تعالى إلا بعلمٍ مما أوحاه سبحانه وتعالى إليهم، فهنا نزّه سبحانه عن قول القائلين بلا علمٍ ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ من اليهود من النصارى، من الوثنين، من أهل البدع والضلال الذين خاضوا بلا علمٍ، يُنَزَّهُ الربُّ سبحانه عن قولهم أجمعين، ثم سَلَّم في هذا الموضع العظيم على المرسلين ﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ لسلامة ما قالته الرسل عليهم الصّلاة والسّلام، وهكذا سلامة ما قاله أتباع الرسل صلّى الله عليهم وسلّم ممن استمسك بما عليه الرسل لأنهم يكونون ورثة لهؤلاء الرسل قال صلّى الله عليه وسلّم: «فإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا؛ وإنما ورَّثُوا العلم؛ فمن أخذه أخذ بحظ وافر»(33) يعني علم النُّبوّة؛ العلم الذي أتاك من مشكاة النّبوّة إذا استمسكت به وكنت على نية صافية صحيحة فإنك تكون وريثًا لهؤلاء الرسل صلّى الله عليهم وسلّم ﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ(181)وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(34).

قال رحمه الله: فسبح نفسه، أي نزَّه نفسه عما وصفه به المخالفون للرسل وهم الذين يقولون بلا علم، وسلّم على المرسلين عليهم الصّلاة والسّلام لسلامة ما قالوه من النقص والعيب وأنَّى للنقص والعيب أن يأتي في قول الرسل وهم الذين لا ينطقون عن الهوى وإنما يقولون مما أوحاه الرب تعالى إليهم، وبه نعلم أن جميع الرسل كما قررنا سابقًا متفقون في العقيدة فإنهم جميعًا يوحى إليهم فيما يتعلق بالاعتقاد، فيما يتعلق بالأخبار، من عند علام الغيوب سبحانه الذي هو أعلم بنفسه، ولهذا موسى عليه الصّلاة والسّلام يصف الله تعالى بالوصف اللائق، نوح إبراهيم عيسى محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين كل الرسل يصفون الله تعالى بالوصف اللائق يه تعالى، فلهذا سلَّم على المرسلين لسلامة ما قالوه من نقص وعيب. نعم.


(1) الأعراف: 180.
(2) فصلت: 40.
(3) مريم: 65.
(4) الإخلاص: 4.
(5) البقرة: 22.
(6) النحل: 17.
(7) النحل: 20، 21.
(8) الأنعام: 59.
(9) الإسراء: 85.
(10) البقرة: 255.
(11) الفرقان: 58.
(12) صحيح البخاري (9/ 141) معلقًا.
(13) البقرة: 140.
(14) الأعراف: 180.
(15) الروم: 27.
(16) صحيح البخاري (6398).
(17) مريم: 92.
(18) صحيح مسلم (179).
(19) الأنعام: 115.
(20) الزمر: 23.
(21) النجم: 3.
(22) الحجرات: 1.
(23) الصافات: 180- 182.
(24) فصلت: 42.
(25) النساء: 64.
(26) القصص: 50.
(27) القصص: 50.
(28) الصافات: 180.
(29) المنافقون: 8.
(30) الصافات: 180.
(31) الصافات: 180.
(32) الصافات: 181.
(33) صحيح. الترمذي (2682). صحيح الجامع الصغير (6297).
(34) الصافات: 181، 182.