موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة - شرح العقيدة الواسطية
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح العقيدة الواسطية لفضيلة الشيخ عبدالله بن عبدالعزيز العنقري
  
 
 شرح العقيدة الواسطية
 مقدمة الشارح
 مقدمة المؤلف
 اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة
 الإيمان تعريفه وأركانه
 الإيمان بأسماء الله وصفاته
 الإيمان بأسماء الله وصفاته من غير تكييف ولا تمثيل
 الله سبحانه وتعالى لا سمي له ولا كفو له ولا ند له
 الأسماء والصفات لا بد فيها من نفي وإثبات
 الأسماء والصفات في القرآن الكريم
 إِثْبَاتُ الْمَكْرِ وَالْكَيْدِ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ
 وَصْفُ اللَّهِ بِالْعَفْوِ وَالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالْعِزَّةِ وَالْقُدْرَةِ
 نَفْيُ الشَّرِيكِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى
 إِثْبَاتُ اِسْتِوَاءِ اللَّهِ عَلَى عَرْشِهِ
 إِثْبَاتُ عُلُوِّ اللَّهِ عَلَى مَخْلُوقَاتِهِ
 إِثْبَاتُ مَعِيَّةِ اللَّهِ لِخَلْقِهِ
 إِثْبَاتُ الْكَلَامِ لِلَّهِ تَعَالَى
 إِثْبَاتُ تَنْزِيلِ الْقُرْآنِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى
 إِثْبَاتُ رُؤْيَةِ الْمُؤْمِنِينَ لِرَبِّهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
 الِاسْتِدْلَالُ عَلَى إِثْبَاتِ أَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ مِنَ السُّنَّةِ
 مَوْقِفُ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي فِيهَا إِثْبَاتُ الصِّفَاتِ الرَّبَّانِيَّةِ
 مَكَانَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ بَيْنَ فِرَقِ الْأُمَّةِ
 وُجُوبُ الْإِيمَانِ بِاسْتِوَاءِ اللَّهِ عَلَى عَرْشِهِ وَعُلُوِّهِ عَلَى خَلْقِهِ وَمَعِيَّتِهِ لِخَلْقِهِ وَأَنَّهُ لَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا
 وُجُوبُ الْإِيمَانِ بِأَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ حَقِيقَةً
 وُجُوبُ الْإِيمَانِ بِرُؤْيَةِ الْمُؤْمِنِينَ لِرَبِّهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَوَاضِعِ الرُّؤْيَةِ
 مَا يَدْخُلُ فِي الْإِيمَانِ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ
 حَوْضٌ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم وَمَكَانُهُ وَصِفَاتُهُ
 الصِّرَاطُ مَعْنَاهُ وَمَكَانُهُ وَصِفَةُ مُرُورِ النَّاسِ عَلَيْهِ
 شَفَاعَاتُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم
 إِخْرَاجُ اللَّهِ بَعْضَ الْعُصَاةِ مِنَ النَّارِ بِرَحْمَتِهِ وَبِغَيْرِ شَفَاعَةٍ
 الْإِيمَانُ بِالْقَدَرِ وَمَرَاتِبِ الْقَدَرِ
 حَقِيقَةُ الْإِيمَانِ وَحُكْمُ مُرْتَكِبِ الْكَبِيرَةِ
 الْوَاجِبُ نَحْوَ الصَّحَابَةِ وَذِكْرُ فَضَائِلِهِمْ
 مَنْزِلَةُ أَهْلِ الْبَيْتِ النَّبَوِيِّ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ
 مَوْقِفُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فِي كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ
 صِفَاتُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ
 بَيَانُ مُكَمِّلَاتِ الْعَقِيدَةِ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَمَحَاسِنِ الْأَعْمَالِ الَّتِي يَتَحَلَّى بِهَا أَهْلُ السُّنَّةِ
شرح العقيدة الواسطية - اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة

اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة

الحمد لله رب العالمين، والصّلاة والسّلام على أشرف الأنبياء و المرسلين، نبيّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم اغفر لنا ولشيخنا ولجميع المسلمين

قال شيخ الإسلام رحمه الله:

فَهَذَا اِعْتِقَادُ الْفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ الْمَنْصُورَةِ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ أَهْلِ السُّنَّة وَالْجَمَاعَةِ، وَهُوَ الْإِيمَانُ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْإِيمَانُ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ.


الحمد لله رب العالمين وصلّى الله وسلّم وبارك على عبده ورسوله نبيّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد

ذكر رحمه الله تعالى في هذه المقدمة أكثر من مسألة

المسألة الأولى: أنه هذا هو الاعتقاد، والاعتقاد هو ما ينعقد عليه القلب ويجزم به.

تطلق العرب الاعتقاد والعقد على أمرين: الأمر الأول: العقد الحسي كعقد الحبل، والعقد الثاني العقد المعنوي كما تقول عقد البيع وعقد النكاح، سُمّي هذا الذي يحتمل عليه القلب بالاعتقاد لأن القلب يجزم به وينعقد عليه من شدة جزمه به.

هذا: أي الذي سيأتيك من هذا الموضع إلى نهاية الكتاب هو اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة، قوله رحمه الله هذا اعتقاد الفرقة: لا شك أن أهل الحق فرقة واحدة، ودل على هذا قولُ النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم «وستفترق هذه الأمَّة على ثلاثٍ وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة»(1) يعني إلا فرقة واحدة، هذا هو المعنى، وفي لفظٍ أن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «وستفترق هذه الأمَّة على ثلاث وسبعين ملّة، كلها في النار إلا واحدة»(2) وبه تعلم أن القول بأنّا لسنا ندعو إلى الطائفية خطأ وليس بصحيح، نحن ندعو إلى طائفة واحدة هي طائفة السلف، وكل من سوى السُّنَّة يدعو إلى طائفته، لا شك في هذا، فالرافضة تدعوا إلى طائفتهم، والمعتزلة تدعوا إلى طائفتهم، والجهمية تدعوا إلى طائفتهم، أهل السُّنَّة يدعون إلى لزوم ما عليه السلف، والطائفية المقيتة هي التي تركت ما عليه السلف واستقدمت لأمة الإسلام من اليهود والنصارى ومن وثني الهند وشرق آسيا ونحوها البلايا والمذاهب التي فُتِحَت على أمة الإسلام، فالذي يلزم ما عليه النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وما عليه السلف هو المُصيب كما قال عليه الصّلاة والسّلام في الحديث «كلها في النار» أي هذه الفرق «إلا واحدة» نعم يُدْعَى إلى ما عليه السلف، لا شك أنه يجب أن يُدعى إلى ما عليه السلف فقط، ولا يحل أن يُدعى إلى أي فرقة أخرى لأنها ضلال، كلها ضلالات، ولهذا قال: هذا اعتقاد الفرقة، هذه الفرقة حدَّها بحدّين اثنين:

الحدُّ الأول: أنها ناجية، ومن أين استدل أنها ناجية؟ من قوله عليه الصّلاة والسّلام «كلها في النار إلا واحدة» كلها في النار أي أنها هالكة، هذه الفرق تهلك «إلا واحدة» تنجو، فَمِنْ هنا أخذ من هذا الحديث وصف هذه الفرقة بالناجية، وأعلم أن ادِّعَاء كل طائفة أنها ناجية هذا موجود في جميع الفِرَق، كل فرقة تدعي أنها ناجية حتى الباطنية يدَّعُون أنهم الناجون، وهذه المسألة ليست مسائل دعوى إنما هي مسائل براهين فالذي يثبت على ما في كتاب الله وسُنَّة نبيّه صلّى الله عليه وسلّم بفهم السلف الصالح رضي الله عنهم هو الذي ينجو كما نجوا، فأما من خالف هديهم فإنه يهلك، ولهذا قال: الفرقة الناجية، هذه الفرقة الناجية ناجية في الدنيا وناجية في الآخرة، ناجية في الدنيا من الزيغ والضلال، وأعظمُ العذاب وأشدُّه وأفظعُه الابتلاءُ في الدين بأن يسلط الله تعالى على العبد ضلالًا وزيغًا فيعيش هائمًا في حياته، لا يُذْكَرُ الضلال إلا ويذكر معه هذا الشخص، هلك في الدنيا، الموفق في سبيل الحق ناجٍ في الدنيا من مسالك السوء، ثابت على هدي النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وناج في الآخرة وناجٍ في قبره.

المنصورة: هذه الفرقة منصورة، أخذ لفظ منصورة من قوله عليه الصّلاة والسّلام «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين؛ لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك»(3)، في قوله صلّى الله عليه وسلّم «لا تزال طائفة» أيضًا مرة أخرى تأكيد إلى أن الحق في طائفة واحدة، وأن مَنْ سوى هذه الطائفة هو الضّال الذي يُنْعَى عليه ويذم بدعوته إلى طائفيته، لأن من دعا إلى غير سبيل هذه الطائفة الناجية دعا الناس إلى الضلال وإلى الهلاك والعطب، فتأمل قوله صلّى الله عليه وسلّم «وستفترق هذه الأمَّة على ثلاثٍ وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة» يعني إلا فرقة واحدة مع قوله صلّى الله عليه وسلّم «لا تزال طائفة» تعرف به أن الحق لا يمكن أن يكون إلا في طائفةٍ واحدة؛ وأن من خالف هذه الطائفة فإنه هالك ليس بناجٍ.

قوله رحمه الله الناجية المنصورة: قلنا إنه أخذ من قوله عليه الصّلاة والسّلام «لا تزال طائفة من هذه الأمَّة على الحق ظاهرين؛ لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم»، من قوله صلّى الله عليه وسلّم «لا تزال طائفة من هذه الأمَّة على الحق ظاهرين» وفي لفظٍ «حتى يقاتل آخرُهم الدجال»(4) وهذا يدل على أنهم مستمرون باقون في الأمَّة، وهذا من نِعَمِ الله الكبيرة على أمة الإسلام؛ أن الحق ولله الحمد لا يخبو ويضمحل بحيث لا يعرف، لا يزول الحق زوالًا نهائيًا ويضمحل بحيث لا يعرف الحق من الباطل، أبدًا لا يزال ولله الحمد في هذه الأمَّة مع الغربة ومع المِحَن والكروب لا يزال الحق عليه طائفة من هذه الأمَّة؛ لأن الله تعالى كتب لهذه الأمَّة الظهور ووعدها وحقق وعده سبحانه، فهذه الطائفة منصورة، نصرُ هذه الطائفة في الدنيا ونصرُها في الآخرة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ(5)، منصورون في الدنيا ومنصورون في الآخرة، ثم هذا النصر على نوعين في الدنيا، أما النصر في الآخرة فجلي واضح، النصر في الدنيا على نوعين: هناك نصر باقي إلى قيام الساعة لا يتخلف عن هذه الطائفة أبدًا؛ وهو نصرهم بالحجة والبرهان، فيستحيل استحالة تامة أن يأتي من ينسف اعتقادَ هذه الفرقة، بالبرهان ينسف اعتقاد هذه الأمَّة في زعمه بالأحاجي بالخرافات بالدعاوى الباطلة ويزعم أنه نسفه! هذا يستطيعه كل عابث، لكن أن ينسف اعتقادها الحق! يستحيل هذا استحالة تامة، لأن اعتقاد أهل السُّنَّة مربوط بالقرآن وبالسُّنَّة، والقرآن والسُّنَّة يستحيل استحالة تامة أن يأتي أحدٌ ليدحض ما فيها من الحجج، هذا يستحيل استحالة تامة، لا يمكن أن يقع هذا، ولهذا كلُّ من خالف الكتاب والسُّنَّة إذا تأملته - وفيه عبرة - فإنه يضرب بعضه بعضا، قال الله عزّ وجلّ في القرآن العظيم: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا(6)، فالذي يأتي من عند غير الله لا بد أن يكون فيه اختلاف، يشمل هذا كل البدع المنسوبة إلى أناس من هذه الملة أو هذه الفلسفات الحديثة أو الفلسفات القديمة، جميع المذاهب الضّالّة لابد أن يكون فيه اختلاف كثير، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا، فالاختلاف الكثير هذا وصف للباطل يضرب بعضه بعضًا، لكن من الناس من يهيئ الله له العلم الذي يُيسر له سبحانه وتعالى به بيان الباطل ودحضه وردَّه، وهذا جعله الله عزّ وجلّ لأناس من أهل العلم من هذه الأمَّة، تعجب غاية العجب إذا قرأت في ردود علماء السُّنَّة؛ مما أعطاه الله تعالى من قوة الحجة، وقوة حجتهم ليست مستندة إلى ذكاء ولكن إلى قوة المنهج، لذلك فقد يوجد عند الطوائف الأخرى أذكية، لكن القاعدة التي قاموا عليها قاعدة تهوي بهم، لذلك قال شيخ الإسلام رحمه الله في آخر الحموية في أهل البدع أوتوا ذكاءً وما أوتوا زكاء، فقد يوجد الأذكية لكن إذا كان ذكيًا يودي إلى باطل؛ فإن ذكاؤه لا ينفعه، فهذه الطائفة من جهة الحق والحجة والبيان لا يُشَكُّ لحظة أن نصرها مستمر إلى قيام الساعة، ولذلك تدلهم بعض الشبه وبعض الضلالات وتطيش بأناس في الأمَّة؛ فيهيئ الله تبارك وتعالى لها عالمًا يضرب هذه الشبهة ويقمعها وتضمحل بعد أن ضلَّ بسببها فئام كثيرة من الناس، لكن إذا جاء الله عزّ وجلّ بمن يعْلَم الحق ويعْلَم كيف يدحض الباطل؛ فإنها تزول، ولذا جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (والله إني لأظن أني أحب شيء أن أموت إلى الشيطان، قالوا: وما ذاك؟ قال: تأتي البدعة من المشرق تُحْمَلُ إليّ -وكان في مكة رضي الله عنه- فأضربها بالسُّنَّة أو قال فأدحضها؛ فتضمحل)(7)، فإذا ردّ على الباطل من هو موفق قادر على الردّ فهو يدحضه، يستحيل أن يكون الباطل إلا زهوقًا ﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا(8)، ولما ذكر اللهُ الحقَّ قال: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ(9)، فالحق قوي يستحيل أن ينقضه أحد لأنه مستند إلى كتاب الله وسُنَّة نبيّه صلّى الله عليه وسلّم، فهذه الطائفة منصورة ولا شك من جهة الحجة والبرهان منصورة إلى قيام الساعة نصرًا دائمًا مستمرًا، وهذا النصر لجميع الرسل صلّى الله عليهم وسلّم لأنه يشتركون جميعًا كما تقدم في حق واحد من عند الله، ولهذه الأمَّة من بيان الحق ونشره أعظم النصيب والحظ الوافر ولله الحمد، فحجتهم قائمة دائمة وحجة غيرهم داحضة زائغة.

يبقى النصر الحسي المعروف، هذا النصر الحسي لا شك أنه أيضًا لهذه الطائفة، ولكن من سُنَّةِ الله سبحانه وتعالى أنه جعل للنصر أسبابًا، فإذا حُقِّقَت أسبابُ النصر فإن الله تعالى ينصر هذه الأمَّة - أهل الحق هؤلاء - ينصرهم سبحانه وبحمده حتى لو كان الخصم عنيدًا شرسًا ذا قوةٍ لا مقارنة بينها وبين قوة أهل الحق، ولهذا من يقف على الفتوحات العظيمة التي كانت لأهل الإسلام حين كانت المعارك الفاصلة العظيمة كمعركة اليرموك ومعركة القادسية وفتح الفتوح وأمثالها؛ إذا قرأتَ في عدد المسلمين مقابل عدد الروم وعدد الفرس ونظرت إلى العدّة الموجودة عند المسلمين وهي العدّة العربية المعروفة الساذجة المعتادة ثم نظرت إلى عدة الخصوم فإنه لا يمكن بتاتًا أن يكون هناك مقارنة لا في العَدد ولا في العُدد، ومع ذلك فإن النصر هو الملازم للمسلمين بالأغلب في تلك المعارك، لأن من حقق أسباب النصر فإن الله يتولى أسباب نصره قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ(10)، والبقية التي لا تستطيعون لا شأن لكم بها، من عند الله قال الله تعالى: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا(11) يحيط الله عزّ وجلّ بها، فالذي لا تقدر عليه الأمَّة إذا أعدت الإعداد السليم الصحيح على منهج سوي فإن الله يتولى أيًّا كان الخصم و أيًّا كانت صفته ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا(12) يحيط الله عزّ وجلّ بها، وهذه الطائفة منصورة ولا شك إذا حققت أسباب النصر، فإذا صار هناك تخاذل وصار هناك ظهور للمنكرات وقلة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا شك أن هذه الطائفة باقية بحمد الله تعالى، لكن إذا ظهر الشرّ وعلا وارتفع فإن من سُنَّةِ الله سبحانه وتعالى أن النصر لا يتحقق في مثل هذه الأحوال حتى تعود الأمَّة عودًا حميدًا صادقًا إلى ربها سبحانه وتعالى فيعود عليهم بالنصر، سُنَّةٌ من سُنَنِ الله تعالى مستديمة باقية، وهذه من حكمة الله البالغة، لأن هذه الأمَّة لو كانت تنصر في كل حال حتى لو كانت في حال تفريط وتضييع وفشو للمنكرات لو كان ذلك لطغى الناس أعظم طغيان، لكن الناس إذا اشتدت بهم المكاره وعظمت عليهم الخطوب رفعوا رؤوسهم إلى الله ورجعوا إلى أنفسهم قالوا: نحن المتسببون وربنا سبحانه وتعالى الذي نصر من قَبْلَنا نصرنا؛ فيعود الناس، ولهذا قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ(13)، لله الحِكَم البالغة سبحانه وبحمده، فإذا رجع الناس إلى ربهم تبارك وتعالى عاد عليهم بالنصر والتمكين، إذًا فهذه الطائفة منصورة في الدنيا ومنصورة في الآخرة، ناجية في الدنيا وناجية في الآخرة.

قوله رحمه الله: إلى قيام الساعة، هذا الموضع وأمثاله في الأحاديث الدّالة على نصر مُستديم وعلى بقاء إلى قيام الساعة؛ معلوم أن الساعة لا تقوم إلا على شرار الخلق، قال صلّى الله عليه وسلّم: «إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء والذين يتخذون القبور مساجد»(14)، وقال صلّى الله عليه وسلّم: «لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله»(15) وفي لفظ «حتى لا يقال في الأرض لا إله إلا الله»(16) وثبت عنه عليه الصّلاة والسّلام أيضًا أنه أخبر أنه بعد نزول عيسى عليه الصّلاة والسّلام وبعد إهلاك يأجوج ومأجوج ينزل اللهُ البركات العظيمة في الأرض ويبقى الناس على حياة مستقيمة مستديمة ليس بين اثنين شحناء ثم يأذن الله بريح تهب بإذن الله تعالى يأتي في بعض الروايات أنها «ألين من الحرير»(17) فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم، قال: «ويبقى شرار الناس يتهارجون فيها تهارج الحمر؛ فعليهم تقوم الساعة»(18)، فالساعة لا تقوم إلا على كفار، لا تقوم وعلى ظهر الأرض مسلم قط، فما مراده بقوله إلى قيام الساعة؟ مِنْ أهل العلم من قال إن المراد بقوله -وما في الأحاديث أيضًا- «إلى قيام الساعة» أي إلى قيام ساعتهم هم هؤلاء المؤمنون، وساعتهم حين يبعث الله تعالى تلك الريح التي تقبض روح كل مؤمن وكل مسلم هذه هي الساعة أي ساعتهم، ومن أهل العلم من قال: إن المراد إلى قرب قيام الساعة فعبَّر بقوله إلى قيام الساعة إلى قربها، وأحال على المعلوم المعروف أن الساعة لا تقوم على إلا على شرار الناس، فإن الساعة تقوم على الكفار، فقوله إلى قيام الساعة أي إلى قربها حيث يأذن اللهُ تبارك وتعالى بقبض روح كل مؤمن وكل مسلم ثم تقوم الساعة عن قريب، فيمكن أن يُحمل على هذا ويُحمل على هذا، ومن أهل العلم من يقول: إن المراد إلى قيام ساعتهم ومنهم من يقول إلى قرب قيام الساعة المعروفة العامة.

قال بعدها: أهل السُّنَّة والجماعة، أهل السُّنَّة هذا بدل مما قبله، هذا اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة أهل السُّنَّة، اعلم أن كلمة أهل السُّنَّة تطلق باعتبارين اثنين:

الاعتبار الأول: إطلاق عام يدخل فيه كلُّ من سوى الشيعة، فمعظم الناس إذا قيل له: أنت شيعي؟ قال: لا أنا سُنِّي، وإذا نظرت في عقيدته فتارة يكون على منهج أهل السُّنَّة وتارة يكون على طريقة المبتدعة، لأن العامة لا يعرفون إلا أن أهل السنة هم من سوى الشيعة، هكذا، ولهذا شيخ الإسلام رحمه الله لمَّا ذكر القسمين الإطلاق العام والإطلاق الخاص في بعض كتبه رحمه الله قال: إطلاق العامة، يعني أن الناس لا يدرون إلا أن الناس إما سُنِّي أو شيعي، فمن لم يكن شيعيًا فهو عندهم سُنِّيٌّ من أهل السُّنَّة، هكذا يطلق هذا هو الإطلاق الدارج الآن في عرف الإعلام وفي عرف السياسيين وفي عرف العوام كلهم أن من ليس بشيعي فإنه سُنِّي، هكذا إطلاقهم، يرون الناس إما سُنِّي وإما شيعي، الإطلاق الثاني وهو الإطلاق العلمي أهل السُّنَّة الخاصة، هذا الإطلاق العلمي الذي يقال دائمًا هذا اعتقاد أهل السُّنَّة، وهم من يُثبتون جميعَ الأصول التي يُثبتها السلف الصالح في القدر في النُّبوّة في الصحابة، في التوحيد، في اليوم الآخر، في سائر الأبواب، وعى هذا يكون عندنا إطلاقان، الإطلاق الأول هو إطلاق العامة بأن أهل السُّنَّة هم من ليسوا شيعة وهذا مقصودًا هنا ولا يصح بتاتًا أن يقال هذا اعتقاد أهل السُّنَّة ويُصَنَّفَ في هذا مصنف باعتبار الإطلاق العام، لأن من ينسبون هذه النسبة العامة يدخل فيهم على هذا الإطلاق المعتزلي والجهمي وكل أحد يعني هذا إطلاق عامي يراد به تحديد هذا الشخص الذي ينتسب إلى الإسلام هل هو سني أم شيعي؟ فهذا إطلاقٌ عام إطلاق العامة، أما الإطلاق العلمي والصحيح أن أهل السُّنَّة يراد بهم السلف الصالح رضي الله عنهم ومن سلك على نهجهم وسار في سائر أبواب الاعتقاد في مسائل الإيمان؛ في مسائل القدر؛ في مسائل اليوم الآخر؛ في مسائل الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم وهكذا.

ثم قال: أهل السُّنَّة والجماعة، الجماعة تطلق على القوم المجتمعين، وتطلق على التزام الحق والاجتماع عليه، تطلق بهذين الاعتبارين، ولهذا من خرج عن الجماعة مات ميتة جاهلية لأنه يخرج عن الجماعة التي فيها الحق، فإذا فارق هذه الجماعة فارقها إلى الفعل الذي كان عليه أهل الجاهلية، لأن أهل الجاهلية لم يكن لديهم جماعة، فإذا مات فإن ميتته تكون ميتة جاهلية، فالجماعة تطلق على القوم المجتمعين وتطلق على ملازمة ما اجتمع عليه أهل الحق، ولهذا فإن من لزم الحق الذي كان عليه السلف الصالح رضي الله عنهم وأرضاهم فإنه يكون هو الجماعة حتى وإن كانوا قليلين، لماذا؟ لأن العبرة بلزوم الحق وهو الذي كانت عليه الجماعة الأولى جماعة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم والصحابة رضي الله عنهم وفيها خرج جيل التابعين وهكذا منها خرج أتباع التابعين وأئمة الإسلام، فإذا فارق أحدٌ هذه الجماعة - قلَّ المفارقون أو كثروا - فإنهم يكونون خارجين عن الجماعة بخروجهم عن الحق، ولهذا لما ذكر ابنُ القيم رحمه الله تعالى الإجماع قال:

(إجماع أهل العلم والإيمان لا عبرة بمخالف لهم ولو كانوا عديد الشاء والبعران)(19) حتى لو كانوا كثير، لأن من خرج عن الحق وانتشر في أوساطه قول الروافض مثلًا في سب الصحابة وأمهات المؤمنين وقال: هذا أعداد كثيرة، هؤلاء هم الجماعة!! لا ليس هم الجماعة، هم الذين فارقوا الجماعة الأولى التي عليها الاعتماد وهي محل العبرة فالخارج عن هذه الجماعة هو خارج عن الحق حتى لو كانوا كثيرين ولهذا قال ابن مسعود رضي الله عنه: (الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك)(20)، لكن المهم والشأن كل الشأن أن تكون على الحق لا أن تتوهم أنك على الحق، وهذا يحتاج - بعد توفيق الله تعالى - إلى العلم، قد يظن الإنسان أنه على منهج سوي وعلى طريق صحيح ويظن أن من اِلْتَمّوا حوله من مجموعة معينة يقول: نحن الذين على الحق وفارق الحق أناس كثيرون فنحن الجماعة! وتكون هذه أوهام، هذا يحتاج إلى علم وضبط، والجماعة ولله الحمد لا تكون ليلًا مدلهمًا لا يُعرف، الجماعة واضحة، لما روى البخاري رضي الله رحمه الله تعالى حديث «لا تزال طائفة من هذه الأمَّة ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك» قال البخاري رحمه الله: (وهم أهل العلم)(21) العلم الشرعي الصحيح السليم المبني على ما عليه السلف الصالح لا شك أن الملازمين له هم الذين يكونون في الجماعة، أما أن يتوهم الإنسان أنه على الطريق السويّ وأنه هو الذي يمثل الجماعة وهو يخالف ما عليه علماء الأمَّة فهو توهم وهذا كثير في الأمَّة، يعني هذه الفرق الضّالة التي نشأت في الأمَّة نشأت من هذه الجهة، فارق الخوارج زمن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فارقوا علماء الصحابة رضي الله عنهم وذهبوا إلى موضع يدعى حَرَوْرَاء -ولهذا سموا الحرورية- ورأوا أن دارهم هي دار الإيمان وأنهم هم الجماعة ورأوا أن ما عليه عليٌّ رضي الله عنه والصحابة رضي الله عنهم أنهم به صاروا في دار الكفر، فلهذا كانوا يقاتلون الصحابة بزعمهم أن الصحابة فارقوا الجماعة وأن الجماعة التي أنشأوا لها دارًا بحروراء؛ فمن أراد الجماعة فليأت إليهم بزعمهم، فيحدث أن يتوهم إنسان أنه يقيم الجماعة وهو خارج عن الجماعة، فأمر الجماعة أمر عظيم جدًا ضبطه، وبه تعرف أن الجماعة تطلق إطلاقين على القوم المجتمعين فإذا كانوا مجتمعين على الحق فهم الجماعة حتى ولو كانوا قلة، أما مجرد الكثرة فقد يكون فيها كثرة كاثرة، هم من حيث الإطلاق اللغوي هم جماعة لا شك لأنهم قوم مجتمعون فقد يكونون بالملايين، ولكن إذا كانوا على غير الحق فلا عبرة لكثرتهم ولهذا قال الله تعالى ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ(22)، وهذا كثير جدًا به نشأت الفِرَق، الفِرَق أيها الأخوة نشأت من خرص وظن وتوهم أنهم على الحق، لا نتصور أن الفِرَق كانت تخرج لغرض أن يُضرب الإسلام وأن يكون هناك تدمير لأمة الإسلام، قد يوجد هذا في زعماء الفرق نعم كما قال شيخ الإسلام رحمه الله، يقال زعماء هؤلاء الطوائف كثيرهم زنادقة، لكن يجتمع حولهم من الجهلة ومن السفهاء كثير يظنون أنهم على هدى ويحسبون أنهم على شيء، يظنون أنهم على صواب، ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا(103)الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا(23) فكثير من هؤلاء يظنون أنهم يحسنون صنعًا، وإن كان رؤوس الطوائف في أحيان كثيرة يريدون بإحداث البدعة ضرب الأمَّة بلا شك، لكن يجتمع كثير من الغوغاء والهمج والحمقى والسفهاء وقليلي العلم ويجتمعون مع هؤلاء، يقول شيخ الإسلام أيضًا: إنه لا توجد طائفة عندها باطل محض، ما في طائفة تأتي لتدعوا الناس إلى باطل محض بنسبة مئة بالمئة، يقول رحمه الله: بل يشوبون الباطل بحق، يأتي إليهم الناس بسبب ما رفعوه من الحق لكنهم يخلطون هذا الحق بالباطل، يقول: وإلا ما يوجد أحد يجتمع الناس عليه وتكون فِرقة ولها وجود ولها كيان وليس معهم أدنى شيء من الحق، يقول: يكون عندهم شيء من الحق ولكن أظهروا هذا الحق ولبسوه بالباطل كما هي طريقة أهل الزيغ؛ فيجئ كثير من هؤلاء الناس إلى من رفعوا هذه الراية الباطلة ويجتمعون حولهم لأجل أمر من الحق معهم ثم تعشى وتعمى أبصارهم عن تلك الأباطيل الكثيرة التي معهم لمجرد أنهم رفعوا شيئًا من الحق، أما أن يجتمعوا على باطل محض يقول: لا توجد فرقة يجتمع الناس عليها وعندها باطل محض، وإنما يكون معها باطل قد شابوه بالحق، وهذه كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ(24) فإنهم يَلبِسون الحق بالباطل وهذه طريقة أهل الزيغ والضلال.


(1) حسن. الترمذي (2640). صحيح الجامع (9474).
(2) حسن. الترمذي (2641). صحيح الجامع (5343).
(3) صحيح مسلم (1920).
(4) صحيح. مستدرك الحاكم (8391)، وقال الذهبي رحمه الله: (على شرط مسلم).
(5) غافر:51.
(6) النساء:82.
(7) شرح اعتقاد أهل السنة لللالكائي (61/1).
(8) الإسراء:81.
(9) الأنبياء:18.
(10) الأنفال:60.
(11) الفتح:21.
(12) الفتح:21.
(13) الروم: 41.
(14) صحيح. رواه أحمد (4342) بتمامه في المسند. والشطر الأول منه رواه البخاري (7067) تعليقًا، وهو في مسلم (2949) من حديث ابن مسعود بلفظ (لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس)، ورواه ابن حبان في صحيحه (6847). وصححه الشيخ الألباني رحمه الله في كتابه (تحذير الساجد) (ص23).
(15) صحيح مسلم (148).
(16) أحمد (13833).
(17) صحيح مسلم (117).
(18) صحيح مسلم (2937).
(19) نونية ابن القيم (ص86).
(20) شرح اعتقاد أهل السنة لللالكائي (121/1).
(21) البخاري (101/ 9).
(22) الأنعام:116.
(23) الكهف:103، 104.
(24) البقرة:42.