موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - مقدمة الشارح - شرح العقيدة الواسطية
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح العقيدة الواسطية لفضيلة الشيخ عبدالله بن عبدالعزيز العنقري
  
 
 شرح العقيدة الواسطية
 مقدمة الشارح
 مقدمة المؤلف
 اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة
 الإيمان تعريفه وأركانه
 الإيمان بأسماء الله وصفاته
 الإيمان بأسماء الله وصفاته من غير تكييف ولا تمثيل
 الله سبحانه وتعالى لا سمي له ولا كفو له ولا ند له
 الأسماء والصفات لا بد فيها من نفي وإثبات
 الأسماء والصفات في القرآن الكريم
 إِثْبَاتُ الْمَكْرِ وَالْكَيْدِ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ
 وَصْفُ اللَّهِ بِالْعَفْوِ وَالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالْعِزَّةِ وَالْقُدْرَةِ
 نَفْيُ الشَّرِيكِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى
 إِثْبَاتُ اِسْتِوَاءِ اللَّهِ عَلَى عَرْشِهِ
 إِثْبَاتُ عُلُوِّ اللَّهِ عَلَى مَخْلُوقَاتِهِ
 إِثْبَاتُ مَعِيَّةِ اللَّهِ لِخَلْقِهِ
 إِثْبَاتُ الْكَلَامِ لِلَّهِ تَعَالَى
 إِثْبَاتُ تَنْزِيلِ الْقُرْآنِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى
 إِثْبَاتُ رُؤْيَةِ الْمُؤْمِنِينَ لِرَبِّهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
 الِاسْتِدْلَالُ عَلَى إِثْبَاتِ أَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ مِنَ السُّنَّةِ
 مَوْقِفُ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي فِيهَا إِثْبَاتُ الصِّفَاتِ الرَّبَّانِيَّةِ
 مَكَانَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ بَيْنَ فِرَقِ الْأُمَّةِ
 وُجُوبُ الْإِيمَانِ بِاسْتِوَاءِ اللَّهِ عَلَى عَرْشِهِ وَعُلُوِّهِ عَلَى خَلْقِهِ وَمَعِيَّتِهِ لِخَلْقِهِ وَأَنَّهُ لَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا
 وُجُوبُ الْإِيمَانِ بِأَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ حَقِيقَةً
 وُجُوبُ الْإِيمَانِ بِرُؤْيَةِ الْمُؤْمِنِينَ لِرَبِّهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَوَاضِعِ الرُّؤْيَةِ
 مَا يَدْخُلُ فِي الْإِيمَانِ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ
 حَوْضٌ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم وَمَكَانُهُ وَصِفَاتُهُ
 الصِّرَاطُ مَعْنَاهُ وَمَكَانُهُ وَصِفَةُ مُرُورِ النَّاسِ عَلَيْهِ
 شَفَاعَاتُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم
 إِخْرَاجُ اللَّهِ بَعْضَ الْعُصَاةِ مِنَ النَّارِ بِرَحْمَتِهِ وَبِغَيْرِ شَفَاعَةٍ
 الْإِيمَانُ بِالْقَدَرِ وَمَرَاتِبِ الْقَدَرِ
 حَقِيقَةُ الْإِيمَانِ وَحُكْمُ مُرْتَكِبِ الْكَبِيرَةِ
 الْوَاجِبُ نَحْوَ الصَّحَابَةِ وَذِكْرُ فَضَائِلِهِمْ
 مَنْزِلَةُ أَهْلِ الْبَيْتِ النَّبَوِيِّ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ
 مَوْقِفُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فِي كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ
 صِفَاتُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ
 بَيَانُ مُكَمِّلَاتِ الْعَقِيدَةِ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَمَحَاسِنِ الْأَعْمَالِ الَّتِي يَتَحَلَّى بِهَا أَهْلُ السُّنَّةِ
شرح العقيدة الواسطية - مقدمة الشارح

الحمد لله رب العالمين، وصلّى الله وسلّم وبارك على عبده ورسوله نبيّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد

فهذا كتاب العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله تعالى عليه، وبين يدي هذا الكتاب سنضع مقدمةً نافعةً إن شاء الله لطالب العلم تكون توطئة لما يتعلق بعلم العقيدة وما ينبغي أن تُؤسس عليه وذلك في فقرات إن شاء الله تعالى تأتي، أولها التأكيد على أهمية دراسة العقيدة وعدم التفريط فيها، فإن العقيدة هي الأساس وهي الأصل، ومعلوم أن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم مكث في مكة ثلاثة عشر سَنَة، في هذه السَّنوات العظام كان يؤسس العقيدة صلوات الله وسلامه عليه، ومن دلائل الحكمة العظيمة في التشريع الإلهي أنْ تأخرت معظمُ التشريعات إلى أن هاجر إلى المدينة صلوات الله وسلامه عليه، مع أن بعض التشريعات التي شُرعت في المدينة من أركان الإسلام، فتأخر تشريع صوم رمضان وتأخر تشريع الحج وتأخر تشريع الزكاة ذات الأنصبة وتأخر تشريعات كثيرة جدًا، فكان صلوات الله وسلامه عليه يؤسس على العقيدة، وهذا كله يؤكد على أهمية بناء الأمَّة على العقيدة، ولو تأملت الآن وضع الأمَّة لا تجد فترة عزّ وقوة للأمة إلا في حال قوة للعقيدة، ولا تجد فترة ذل ومهانة وتشتت وفرقة إلا في حالة ضعف العقيدة، لأنها هي الأساس وهي الأصل الذي يُبنى عليه ما بعده، لذلك ينبغي على طالب العلم أن يعتني بأمر العقيدة ودراستها، وذلك يكون كما هو معلوم بالتدرج في علم العقيدة بدءًا من المتون المعروفة ووصولًا إلى الأهم والأجلّ والأكبر وهو التدليل على مسائل العقيدة.

لا يوجد أحد على وجه الأرض يستطيع أن يقول اعتقدوا كذا لأني أقولهّ، نهائيًا كائنًا ما كان كما سيأتي إن شاء الله، العقيدة في القرآن والسُّنَّة وفي إجماع السلف رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، فلا بد من العناية بدراسة علم العقيدة مما سيأتي إن شاء الله الكلام على شيء منه الآن بإذن الله.

الأمر الآخر هذه العقيدة هي عقيدة أهل السُّنَّة، ويأتي الكلام بإذن الله تعالى أيضًا في كلام الشيخ رحمه الله على أن كلمة أهل السُّنَّة ينبغي أن تضبط ويُعرف الإطلاقان اللذان يطلقان ويراد بهما تارة أهل السُّنَّة العامة وتارةً أهل السُّنَّة الخاصة وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام عليها.

الأمر الثالث: ضرورة العناية بأدلة العقيدة، أدلة العقيدة من الكتاب والسُّنَّة وأقوال السلف، وعدم الاكتفاء بالمتون، فالمتون كما هو معلوم المراد بها ومقصد من صنفوها رحمة الله تعالى عليهم في الأساس يقصد بها المرور على مسائل الاعتقاد التي عليها أهل السُّنَّة ولهذا قد تخلو المتون من التدليل، لأن من صنف هذا المتن مراده من طالب العلم أن يعرف مسائل الاعتقاد إجمالًا لينتقل إلى المرحلة التي بعدها وهي التأسيس لهذه المسائل بربطها بالأدلة، وقد يوجد في المتون كما في هذا الكتاب المبارك قد يوجد فيها تدليل وذكر آيات وأحاديث لكن سترى إن شاء الله تعالى أن ثَمَّةَ مواضع في هذا الكتاب لم يُدلل عليها المصنف رحمه الله لأن من شأن المتون الاختصار في العموم الأغلب أن تكون مختصرة والغالب أنه لا يتوسع في المسائل فيها إلا لحالة معينة كأن يُحتاج إلى بيان مسألة أو الرد على بدعة نشأت في زمن المؤلف أو نحو ذلك، لكن الأصل أن يمروا على مسائل الاعتقاد أو أن يصنفوا متنًا في مسألة في العقيدة مسألة محددة من العقيدة يراد بيانها بجميع فروعها كمسألة توحيد العبادة كمسائل الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في كتاب التوحيد، معظم ما في كتاب التوحيد تركيز على تأصيل توحيد العبادة والتحذير من ضده وهو الشرك وإن كان ذكر أشياء أخرى متعلقة بالأسماء والصفات والقدر وغيرها، لكن مراده الأساس هو توحيد العبادة.

فينبغي أن يُلاحظ هذا وهو أهمية بناء العقيدة على التدليل من كتاب الله تعالى ومن سُنَّةِ نبيّه صلّى الله عليه وسلّم.

الأمر الرابع يتعلق بهذا الكتاب أو بهذا الجزء وهي العقيدة الواسطية، الواسطية نسبة إلى ماذا؟ نسبة إلى بلدة هي بلدة واسط، حيث طلب بعضُ أهل واسط من شيخ الإسلام رحمه الله تعالى أن يتحدث عن العقيدة ويُبيّنها ولا سيما في زمن كان فيه اختلاف كثير وظهور لكلام المبتدعة فسميت باسم البلد الذي طلب الرجل من أهل واسط أن تكتب العقيدة لها.

حدث لشيخ الإسلام رحمه الله تعالى امتحان، وتَكَالَبَ أهلُ البدع عليه كما هو معلوم حتى سجن عدة مرات رحمة الله تعالى عليه، وكان مما ناقشوه في هذه العقيدة - العقيدة الواسطية -، لما طال النقاش بينه وبين المبتدعة وكان معظمهم من الصوفية والأشاعرة، كان لهم صولة في تلك الفترة فأراد الوالي أن يحسم النقاش ويقول ابن تيمية على عقيدة أحمد ابن حنبل وأنتم على عقيدة الأئمة المتبوعين الآخرين فهذا على عقيدة الشافعي وهذا على عقيدة مالك وهذا على عقيدة أبي حنيفة وكل أحدٍ يعذر الآخر؛ فأبى شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، قال: هذه العقيدة ليست عقيدة أحمد بل هي عقيدة الأئمة كلهم، فإن مذهب السلف موجود من قبل أن يخلق اللهُ أحمد وأبا حنيفة ومالكًا والشافعي، يعني أبى هذه المحاولة من الحاكم أن يجعل نوعًا من أنواع التقريب، يعني يقول: هذا على رأي أحمد ابن حنبل وأنتم على رأي الشافعي هؤلاء، وهذا غير صحيح الأئمة رحمة الله عليهم على اعتقاد واحد.

فكون الأمور تُحسم بمثل هذه الطريقة فهذا حكم غير صحيح، لأن معناه أن يُقَرَّ ما عليه أهل الباطل ويُنسب لهؤلاء الأئمة الذين يبرؤون لله تعالى مما أحدث المتأخرون وإن انتسبوا لهم في باب الفقه، وهذه المسألة عظمت الفتنة بها في الحقيقة، الفتنة عظمت جدًا لهذه المسألة، حيث وُجِدَ من ينتمي إلى الأئمة رحمهم الله تعالى في المذهب الفقهي ولكن اعتقاده على خلاف مذهب هؤلاء الأئمة، وقد بيَّن ذلك شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في المجلد الأول من الاستقامة في الصفحة الثالثة عشرة إلى الصفحة السادسة عشرة، بيَّن أن من المتأخرين من قلب المسألة فجعل السُّنَّة التي مدحها الأئمة وأثنوا عليها جعلها هي البدعة وجعل البدعة التي عليها المتأخرين وذمها الأئمة جعلها هي السُّنَّة التي مدحها الأئمة! ولهذا يسوقون كلام الأئمة في مدح السُّنَّة كأنه مدح لبدعتهم، ويسوقون كلام الأئمة في ذم البدعة ويحولونه إلى السُّنَّة، هذا في الحقيقة أنه من التلبيس على عباد الله، ولكن الشأن فيه كما قال ابن القيم رحمه الله: (من حرف النص العظيم؛ فكيف لا يأتي بتحريف على إنسان) الذين حرفوا نصوص القرآن والسُّنَّة لا يصعب عليهم أن يأتوا بتحريفٍ على الأئمة رحمهم الله تعالى.

فالحاصل أنه ينبغي أن يضبط أن اعتقاد الأئمة رحمهم الله تعالى على مذهب السلف الصالح رحمة الله تعالى عنهم، وأن القول بأن فرقة من الفرق كالأشعرية مثلًا على مذهب الشافعي غير صحيح البتة، هذا غير صحيح، ولا يليق أن يقال، للشافعي رحمه الله اعتقاد مضبوط وموجود في كتابه العظيم الرسالة وفي كتابه الأم وفي ما روي عنه بالأسانيد الثابتة، اعتقاده واضح جدًا هو نفس اعتقاد السلف بلا ريب، وإنما نَبُلَ هؤلاء الأئمة وارتفعوا بلزومهم لما عليه السلف رضي الله عنهم، فينبغي أن يلاحظ هذا أن الأئمة يتناقشون ويختلفون في مسائل الفقه كما كان الصحابة رضي الله عنهم قبلهم يختلفون، أما الاعتقاد فلا يصح فيه الاختلاف، الاعتقاد هو اعتقاد أهل السلف كما قال به شيخ الإسلام، فإن مذهب السلف كان موجودًا قبل أن يخلق اللهُ أحمد ومالكًا وأبا حنيفة والشافعي، ولها قال في موضع نفيس جدًا رحمه الله قال: لم يأخذ أهل السُّنَّة من أحمد حرفًا واحدًا في الاعتقاد، لا شك بهذا، ما يعرف إلا طالب العلم هذا، نحن لا نأخذ الاعتقاد لا من أحمد ولا من غير أحمد، مستحيل أن تؤخذ العقيدة من أحمد بن حنبل، العقيدة قبل أحمد ابن حنبل، نَبُل أحمد والشافعي ومالك والسفيانان والبخاري ومسلم وأمثالهم نبُلوا لأنهم استمسكوا بهدي السلف الصالح، ولو جاؤوا بعقيدة على خلاف عقيدة السلف لكانوا من المبتدعة وحاشاهم رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، فالاعتقاد لا شك أنه مؤسس على طريقة السلف الصالح رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، وهو الذي ينبغي أن يُقرر، ولهذا قلنا إنه ينبغي أن يعرف في الأصول وأن يدلل عليه حتى يكون طالب العلم على بصيرة، ومن أكثر ما نُنبه عليه ونحرض طلبة العلم عليه أن يستفيدوا ويقتنوا الكتب العقدية المسندة، الكتب التي تروي الاعتقاد عن السلف، فيروي لك المصنف بسنده العقيدة عن الصحابة ويروي بسنده العقيدة عن التابعين حتى تؤسس تأسيسًا صحيحًا، لأنه لو قال لك قائل: هذه العقيدة الواسطية ابتدع بها ابن تيمية بدعًا لا أساس لها وقال: إنها من كلام السلف! كيف ترد عليه؟ تقول: الاعتقاد قبل ابن تيمية كما أنه قبل أحمد وقبل مالك وقبل الشافعي، سأروي لك الاعتقاد عن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم في المقام الأول - بعد القرآن قطعًا - وأروي لك أن هذا هو الاعتقاد عن الصحابة والتابعين وعن أئمة الإسلام قبل أن يُوجد ابن تيمية، ثم تأخذ الواسطية وغير الواسطية وتجعلها منظمة على طريقة السلف الصالح فتجد أن العقيدة الواسطية على نفس ما عليه السلف الصالح، وهذا يحتاج منك إلى العناية بالكتب المسندة العقدية، ومن أنفسها كتاب شرح أصول الاعتقاد للالكائي رحمة الله تعالى عليه، والشريعة للآجري، والسُّنَّة لعبد الله بن أحمد، والسُّنَّة لابن أبي عاصم، والسُّنَّة للخلال، وأمثالهم، وهكذا أيضًا فيما يتعلق بعقيدة الأئمة كالبخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه وأبي داود، أين نجد عقيدتهم؟ نجد عقيدتهم في كتبهم هم، فإذا أردت أن تعرف عقيدة البخاري رحمه الله تعالى في القدر انظر كتاب القدر في صحيح البخاري، عقيدته في التوحيد انظر عقيدته في كتاب التوحيد في صحيح البخاري، عقيدته في الإيمان انظر كتاب الإيمان في صحيح البخاري، وهكذا ما يتعلق بأبي داود وما يتعلق بابن ماجه رحمهم الله وغيرهم، تُعرف عقيدهم من خلال تراجمهم التي ترجموا عليها الترجمة الدالة على أنهم على طريقة أهل السُّنَّة، فتتأسس هنا تأسيسًا كبيرًا حاصله أن هذه العقيدة مبنية على كتاب الله وعلى سُنَّة نبيّه صلّى الله عليه وسلّم وعلى ما عليه السلف رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.

وبناءً عليه فإن أهل السُّنَّة لا ينتسبون في هذا الزمن ولا ما بعده ولا ما قبله؛ لا ينتسبون إلا إلى السُّنَّة، فأهل السُّنَّة ينتسبون إلى السُّنَّة، ولهذا التسميات التي يتسمى بها أهل السُّنَّة إذا تأملتها تجدها تسميات غير ضيقة، فاسمهم أهل السُّنَّة، أهل الحديث، أهل الأثر، أي أنهم يرجعون في هذا إلى ما كان عليه النَّبيّ عليه الصّلاة والسّلام، فأهل الأثر المأثور، أهل الحديث - الحديث المعروف -، أهل السُّنَّة أيضًا السُّنَّة واضحة، فلا يتسمون باسم غير السُّنَّة والجماعة، وهذا أمر مهم جدًا للمسلمين وبخاصة اليوم، لأن هذا الأمر كان جليًا واضحًا فيمن قبلنا، لكن اختلف الحال، ولا سيما في فترات الغربة التي تحل بالأمَّة في آخر الزمان، ووجود من يحاول أن يجتهد هنا وهناك ليجمع الأمَّة على درب يرى أن فيه سعادتها ونجاتها، فيقال: لا تجمع الأمَّة إلا على السُّنَّة، وليس لأحد أن يجعل تحزبًا ضيقًا يجمع عليه الناس، لأن غيرك سيفعل نفس الشيء فيكون هاهنا تحزب وهنا تحزب وهنا تحزب فتتقطع الأمَّة بدلًا من أن تتفق، أما إذا جُمعت الأمَّة على السُّنَّة فالسُّنَّة جامعة تجمع الجميع، لكن إذا ارتضينا بهذه التحزبات الضيقة فلا شك أننا في هذه الحالة نضرُّ من حيث قد نظن أننا ننفع، لا شك أن بعض الناس يظن أن هذه الطريقة تنفع، لكن الواقع أنها تضر، ولهذا لا نرتضي أي تسمية سوى التسمية بالسُّنَّة، قال صلّى الله عليه وسلّم: «فادعوا المسلمين بما سماهم الله به، المسلمين المؤمنين عباد الله»(1)، الحديث هذا صحيح رواه أحمد والترمذي والنسائي، انظر ماذا أمر به النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، قال الله تعالى: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ(2)، فالنَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يقول: «فادعوا المسلمين بما سماهم الله، المسلمين المؤمنين عباد الله» بما تتميز هذه التسميات بأنها جامعة، تسمية على الإسلام، تسمية على الإيمان، تسمية على العبودية لله عزّ وجلّ، ولهذا كان السلف يؤكدون على أمر التسمية وأن ينتسب المسلمون إلى الإسلام وإلى السُّنَّة، فلما سئل أبو بكر ابن عياش رحمه الله تعالى من هو السُّنِّيِّ؟ قال: (الذي إذا ذُكِرت الأهواء لم يتعصب لشيء منها)(3) هو من أهل السُّنَّة؛ فإذا ذكر الهوى الفلاني أو الهوى لا يتعصب لشيء منها.

سُئِلَ الإمامُ مالك رحمه الله من أهل السُّنَّة؟ قال: (الذين ليس لهم لقب يُعرفون به)(4)، لأن كلمة أهل السُّنَّة كافية في التعرفة، لكن تريد أن تكون من أهل السُّنَّة وتتسمى داخل أهل السُّنَّة باسم! فكلمة أهل السُّنَّة كافية، وعرف عظم قدر هذا الاسم، وسئل رحمه الله تعالى ما السُّنَّة؟ السؤال الأول من أهل السُّنَّة؟ السؤال الآن عن السُّنَّة، ما السُّنَّة؟ قال: ما لا اسم له إلا السُّنَّة، تريد أن تعرف ما هي السُّنَّة؟ السُّنَّة هي السُّنَّة، لا نستطيع أن نُعَرِّفَ السُّنَّة إلا بالسُّنَّة، قال ابن القيم رحمه الله تعالى بيانًا لكلام مالك يعني أن أهل السُّنَّة ليس لهم اسم يُنسبون إليه سواها، في زمن عمر بن عبد العزيز رحمه الله - الخليفة العادل - بلغه أن أناسًا من المسلمين تداعوا إلى الحلف - فيما بينهم أرادوا أن يجعلوه مثل الحلف -، فكتب رحمه الله تعالى كتابًا يُذَكِّرُ فيه بنعمة الإسلام وبوجوب التآخي على الإسلام وحده وترك التداعي إلى أي حلف سواه، وقال رحمه الله تعالى: (وأنا أحذر كل من سمع كتابي هذا ومن بلغه أن يتخذ غير الإسلام حكمًا أو دون الله ورسوله والمؤمنين وليجة تحذيرًا بعد تحذير وتذكيرًا بعد تذكير، وأشهد عليهم الذي هو آخذ بناصية كل دابّة والذي هو أقرب إلى العبد من حبل الوريد)(5) يقول: لا تتداعوا فيما بينكم إلى أحلاف ضيقة، حلف الإسلام والسُّنَّة هو الذي ينبغي لزومُه بحيث يكون الخارج عن هذا الإسلام خارج إلى الكفر أو الخارج عن السُّنَّة يكون خارجًا إلى بدعة، تأتي فتقول: أنا من أهل السُّنَّة ولي اسم! ويأتي غيرك ويقول: أنا من أهل السُّنَّة ولي اسم! تقطعت السُّنَّة وضاعت الناس في هذه السبل، ومن نفيس الآثار الواردة في هذا الباب أن مُطَرِّفَ بن عبد الله - وهو من كبار التابعين وأبوه الصحابي الجليل عبد الله ابن الشخير رضي الله عنه - مطرف كان يأتي مجلس زيد ابن صوحان وفيه علم ووعظ، جاء إليهم مرّة وإذا بهم قد كتبوا كتابًا فيما بينهم قالوا فيه واسمع ما قالوا، ما قالوا إلا كلامًا حقًا: الله ربنا ومحمد نبيّنا والقرآن إمامنا – كل هذا متفق عليه بين المسلمين - لكن قالوا: من كان معنا كنا وكنا له إلى آخره، من كان معنا، يقول: وكانوا قريبًا من الثلاثين فمروا بالكتاب يقولون لكل حاضر تقرُّ بهذا؟ فيقول: نعم، ثم الذي بجانبه تقرُّ بهذا؟ فيقول: نعم؛ حتى أتوا إلى مطرف وكان غلامًا وهو أصغر الموجودين فقالوا: تقرُّ بهذا يا غلام؟ فقال: لا، استعظموا هذا الكلام، الله ربنا ومحمد نبيّنا والقرآن إمامنا، كيف يقول هذا الصبي لا! فقال زيد: لا تعجلوا على الغلام حتى يتأكد ينظر ماذا يريد، ما تقول يا غلام؟ قال: إن الله قد أخذ عليَّ عهدًا في كتابه فلن أحدث عهدًا سوى العهد الذي أخذه الله عزّ وجلّ عليَّ، قال فرجع القوم من عند آخرهم ما أقرَّ به أحد، لأنهم شعروا مع أن مطرفًا رحمه الله تعالى هو أصغر الموجودين وكان غلامًا يخاطبونه ما تقول يا غلام؟ ولكن من طلب الحق لا يكترث هل أتاه الحق من طريق غلام أو من غيره، إذا أُحدِث مثل هذا في ثلاثين ثم أُحدِث في أربعين كتابًا آخر ثم أحدث في مثلهم كتاب آخر من كان معنا كنا معه ومعنى ذلك أن من لم يكن معنا نكون ضده، قال: يكفينا العهد الذي أخذه الله تعالى عليَّ، يسعني يسعكم يسع أمة محمد صلّى الله عليه وسلّم كلها(6)، قال: فرجعوا من عند آخرهم، أدركوا أن ما صنعوه ليس بصواب وليس بسليم، هذا ما نؤكد عليه.

غرض السلف أن يكون المسلمون أمة واحدة، لا تخرق هذه الأمَّة بهذه التحزبات الضيقة ولا بهذه الدعوات والانتماءات، بل يلزمون جماعة واحدة، ويصبرون على ما يوجد في الجماعة من خلل والمنكرات مع السعي في إزالتها والإنشاد على أصحابها داخل نطاق الجماعة، فالمسلم الموفق كالغيث حيثما وقع نفع، فتجد مصداق هذا متى؟ إذا توفي طالب العلم والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر وجدت فراغًا كبيرًا قد خلفه، لِمَ؟ لأنه كان يعلم جاهلًا، يُذَكِّرُ غافلًا، ينكر منكرًا، يأمر بمعروف، داخل الجماعة، فتكون داخل الجماعة تأمر بالمعروف تنهى عن المنكر داخل الجماعة التي قال صلّى الله عليه وسلّم: «من فارق الجماعة قيد شبر مات ميتة جاهلية»(7) فيصبر على الجماعة، معلوم أن الجماعة قد يوجد فيها ظلم ويوجد فيها تعدي ويوجد فيها ما أخبر عليه الصّلاة والسّلام من الأثرة الاستئثار بالشيء العام، يستأثر به من لا يحل له أن يستأثر به لأنه أمر عام، فأمر عليه الصّلاة والسّلام بالصبر ولزوم الجماعة مع وجود هذه الأثرة، قال ابن مسعود رضي الله عنه فيما ثبت عنه: (ما تكرهون في الجماعة خير مما تحبون في الفرقة)(8) الذي تكرهونه في الجماعة؛ أنت الآن في الجماعة تلاحظ أشياء تبغضها من منكرات ظاهرة، بعضها عسر إنكارُه، وبعضه يتجذر ويتعمق وبعضه يتكرر، المؤمن الذي يخاف الله يكرهها ويخاف من عاقبتها أن يعاقب بسببها، لكنك تنكرها داخل الجماعة، هذه الأشياء التي تنكرها وتكرهها، ما تكرهون في الجماعة خير مما تحبون في الفرقة، لو أنها – والعياذ بالله - صارت فرقة فالوضع في الفرقة أسوء من هذه الأشياء التي تكرهها، لأن الفرقة شرّ وعذاب، فهذا مما ينبغي أن يُلاحظ وأن يُحرص عليه، لكن ينبغي أن يكون طالب العلم حكيمًا عاقلًا، هذه التحزبات أيها الأخوة التي وقعت في الأمَّة هي وقعت في الأمَّة منذ مدد طويلة، ومن دعوا إليها غلفوها بغلاف من الحرص على الأمَّة والدأب، فينبغي أن يكون طالب العلم حكيمًا عاقلًا، ينبغي أن يحرص على انتشال هؤلاء الذين وقعوا في التحزب بطريقة العقلاء، بطريقة الحكماء، لأن هذه التحزبات قد ضربت جذورها في أنحاء الأمَّة، فلا تتصور أنت بأنك ستزيلها بكلمتين أو ثلاث أو بكتاب أو بكتابين، تحتاج في مثل هذه الأمور إلى شيء من الصبر والتأني، واعلم أن من طبيعة من يتحزب أن الحق يضيق عنده حتى لا يراه إلا داخل حزبه، فليس من السهل أن تزحزحه إلا بشيء من الحكمة والتأني، ولهذا بعض من يقاومون التحزب ليتهم لا يقاومونه؛ لأنهم لا يزيدون المتحزبين إلا عنادًا وإصرارًا لأنهم غير حكماء، ما أعطوا الحكمة، فليتهم كفّوا وتركوا مثل هذه المجالات للحكيم الذي يُحسن التعامل مع هذه الأمور، هذه الأمور أيها الأخوة التي تجذرت في الأمَّة وتعمقت ينبغي أن تزال بنوع من الحكمة، وخذ هذا المثال لأن من طبيعة الشاب الفوران، من طبيعة الشاب أنه إذا أحب الأمر فإنه يُصرُّ عليه إصرارًا، فإذا أتيته بعنف أتاك بأعنف وأعنف، لأن من طبيعة الشاب أنه عنيف وأنه بعيد عن الحكمة وعن البصيرة، فإذا وجد من لا يتعامل معه التعامل الحكيم فإنه قد يزيد عنادًا، ومقصود المُنْكِر للمُنْكَر مهم جدًا فيما يطلع الله عليه في قلبه، التحزب منكر، لكن مقصد هذا الذي يقاوم التحزب ما هو؟ ينبغي أن يكون قصدُه بيانُ الحق والرفق بهؤلاء لينتشلوا؛ لا أن يكون قصده أن يفرغ كلمات يصيح بها ويتلفظ بها ثم يذهب ثم تكون كلماته هذه مثل السم الزعاف، كلمات غير مضبوطة، كلمات فيها تعدي على حدود الشرع إلى حد استخدام الألفاظ المحرمة شرعًا والتي فيها نوع حتى من التدني والعبارات التي وصلت إلى حد التسفّل، هذا ليس علاجًا، هذا بمثابة سكب البنزين على النار، هؤلاء لا يحسنون وغير موفقين، ولهذا انظر إلى تعامل أهل العلم الراسخين كيف أن في دعوتهم شيء من الرحمة، كل من وقع في خطأ، في معصية، في بدعة، فينبغي أن تُلاحظ أمر الرحمة فيه، لأن بعض هؤلاء وقعوا فيه - ولاسيما أقصد في مجال البدع - وقعوا فيها يظنون أنهم على سبيل صحيح، فإذا أتاهم الحكيم الموفق المسدد لا شك أن ذلك أدعى لأن يستجيبوا، فإن لم يستجيبوا فإنه يقيم الحجة عليهم، أما الصراخ والعويل والألفاظ النابية هذه يا أخوة لا تنفع لا تهدي وليست من الهدي السليم الصحيح، ولهذا أضحت هذه المسائل بمثابة النار المشتعلة، ينبغي أن تُطفئ هذه النار بهدوء وتَعَقُّل، ولو جربت أسلوب الحكمة والرزانة وأسلوب نقل كلام السلف وهو الذي نؤكده على طلبة العلم، انقل كلام السلف، انقل مثل هذه العبارات التي قلناها، أثرها كبيرة جدًا، لأن السلف الأمَّة مجمعة على أنه محل التقدير والرفعة، فتنقل هذا الكلام عن السلف، تترفق بالخلق، الشباب بحاجة إلى شيء من الرفق، ومن أنفس ما مرَّ من تعامل السلف مع الشباب أن صِلَة بن أشيم رضي الله عنه كان من العُبَّاد المشاهير - رجل طاعن في السن كبير - مرَّ أحد الشباب بأصحاب صلة وهو مسبل إزاره يسحبه فأراد أصحاب صلة أن يتنكروا عليه وينالوه بألسنتهم فقال لهم: أتركوه، أنا أكفيكموه، فنادى إليه هذا الرجل المسنّ الكبير وقال له – لاحظوا العبارات - يا ابن أخي لي إليك حاجة – نعم بحاجة؛ أنا عندي طلب - فقال الشاب: نعم؛ وما هي؟ قال: أن ترفع إزارك، فقال الشاب: نعم وكرامة عين – يعني أبشر – ورفع الرجل إزاره، فرجع صلة - وهذا الشاهد - إلى أصحابه فقال: هذا أحسن مما لو تناولتموه بألسنتكم فتناولكم بلسانه(9)، يعني أنتم إذا شتمتموه وسببتموه سيسكت؟ سيعطيكم أضعافًا، وإذا كنتم طلبة علم قد تتناولونه بعنف ولكن بألفاظ قد لا تكون نابية فسيعطيكم أنتم ألفاظًا نابية، فهذا الذي ينبغي في مجال التعامل، هناك تغرير كبير بالشباب، وهناك سنوات طويلة جدًا مرّت على هؤلاء الشباب قل أن يسمعوا فيها شيئًا مما ينبغي أن يسمعوه من أمر التحزب ووجوب أن تجتمع الأمَّة على جماعة، فحتى توصل هذا الصوت أوصله بحكمة واعرضه بأحسن ما يكون من العرض، لأن الحق قوي في ذاته – في ذاته هو قوي - فينبغي أن يُحمل في طبق نظيف وفي أسلوب سليم حتى تتقبله النفوس، أما إذا حُمِلَ الحق في أسلوب سيء فهو كالطعام اللذيذ الذي يوضع في طبق متسخ، فينبغي أن يُلاحظ هذا وأن يُترفق بالناس وأن يُسعى إلى إزالة هذه الأمور بالروية والحكمة، وكل من جرب عرف الفرق، كل من جرب هذا الأسلوب أو هذا الأسلوب يجد الفرق كبيرًا جدًا في الناس، فينبغي أن يُلاحظ هذا وأن يُتقى الله سبحانه وتعالى وأن يُحرص، يَحرِص طالب العلم، يحرص الداعي إلى الله على أن لا تكون المسألة كلمات يُعَبِّر عنها؛ يُخرج ما في مكنونه ويمضي! لا بد أن تُسبق هذه الكلمات بنية صالحة ومقصد أن يهدي الله عزّ وجلّ هؤلاء الذين زاغوا عن السُّنَّة سواء في بدعة أو في جانب تحزب أو غيره أن يهديهم الله تعالى فيكون هذا هو القصد، ثم الأسلوب المتناسب مع الداعي إلى الله تعالى الذي يعلم أن مثل هذه الأمور تخفى على كثير من الناس، كثير كثير من الناس تخفى عليهم، فيُحتاج إلى عرضها العرض السليم، وأما الوضع الحالي لهذه المنازعات وبهذه الألفاظ النابية التي أضحكت على أهل السُّنَّة الروافض والليبراليين والعلمانيين واليهود والنصارى؛ فهذا ليس أسلوب العقلاء، ليس هذا من أساليب العقلاء ولا من أساليب العلماء.

الأمر الخامس: معلوم أن العقيدة هي أمر متفق عليه بين الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فالاعتقاد عندهم واحد بلا شك، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ(10)، هذه دعوة تعمُّ جميعَ الرسل، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ(11)، وفصّل الله في أخبار الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام، ما الذي طلبه الأنبياء من قومهم وما الذي ردّه قومهم عليهم، ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ(12)، ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ(13)، ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ(14)، ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ(15)، فدعوة الرسل هي التوحيد عليهم صلوات الله وسلامه، ولذلك قال النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «الأنبياء أخوة لعلّات، دينهم واحد وأمهاتهم شتى»(16) أخوة العلات هم الذين أبوهم واحد وأمهاتهم مختلفات، قال صلّى الله عليه وسلّم: «الأنبياء أخوة لعلّات، دينهم واحد» وهو العقيدة التوحيد متفق عليه عند جميع الأنبياء، لا يمكن أن تجد عند نوح عقيدة تخالف العقيدة التي عند إبراهيم أو عند موسى أو عند محمد صلّى الله عليهم وسلّم جميعًا، فكلهم في جانب العقيدة لا شك أنهم متفقون، «وأمهاتهم شتى» يحل في شريعة هذا النَّبيّ ما يكون حرامًا بشريعة غيره، يجب في شريعة هذا النَّبيّ ما لم يكن واجبًا في شريعة غيره، من الأحكام تتفاوت، أما العقيدة فمن المحال أن تتفاوت العقيدة، العقيدة واحدة، ولهذا قال ابن القيم رحمه الله: (الدين في التوحيد دين واحدٌ، لم يختلف منهم عليه اثنان)، فالدين في جانب العقيدة واحد، ولهذا الذي يوفق للعقيدة الصحيحة تكون عقيدته هي عقيدة الأنبياء صلّى الله عليهم وسلّم، وهي التي ارتضاها اللهُ سبحانه وتعالى، ولهذا إذا خولفت هذه العقيدة من قبل الألوف والملايين فلا يكترث الموفقُ للعقيدة الصحيحة، بل يَحْنَف اليمين عن جميع الباطل، وهذا الذي سُمِّي به إبراهيم عليه الصّلاة والسّلام ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا(17)، حنيفًا مائلًا لأن الحنف هو الميل، مائلًا عن دروب الشرك وعن الباطل لأنه كان على صراطٍ مستقيمٍ عليه الصّلاة والسّلام.

شيخ الإسلام هنا عليه ركّز رحمة الله تعالى في الواسطية كثيرًا جدًا على جانب التوحيد، وإن كان رحمه الله ذكر القدر والصحابة رضي الله عنهم ذكر مسائل أخرى لكنه ركّز على التوحيد كثيرًا جدًا وبالذات توحيد الأسماء والصفات، وسنذكر إن شاء الله تعالى كلامًا عنه الآن.

يقول فيما يتعلق بالتوحيد، تعريفه: هو إفراد الله بما يختص به، هذا هو التوحيد، لإفراد الله بما يختص به، وما الذي يختص الله تعالى به؟ يختص بأمور ثلاثة: الربوبية والألوهية والأسماء والصفات، ولهذا ما هو الشرك؟ ما الشرك؟ الشرك تعرفه إذا عرفت تعريف التوحيد، فإذا كان التوحيد هو إفراد الله تعالى بما يختص به فالشرك هو جعل شريك مع الله تعالى فيما يختص به، فمن جعل لله تعالى شريكًا في الربوبية فعنده شرك بالربوبية، ومن جعل لله شريكًا في الألوهية فعنده شرك بالألوهية، ومن جعل لله شريكًا في الأسماء والصفات فعنده شرك في الأسماء والصفات، وقد يجعل شركًا - عياذًا بالله - في هذه الأمور الثلاثة، لكن الغالب والأكثر هو وقوع الشرك في الألوهية، فإن كفار قريش ومن قبلهم من أعداء الرسل من الواضح جدًا في نصوص القرآن أنهم كانوا يقرّون أن الله هو ربهم، ودل على هذا نصوص كثيرة كقوله تعالى في أكثر من آية (ولئن سألتهم) ثم يُسألون عن أمور الربوبية ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ(18)، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ(19)، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا(20)، ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ(21)، كل هذه الأسئلة يجيبون عليها بجواب واحد أن الذي إليه هذا هو الله وحده لا شريك له، فعندهم إقرار بالربوبية لكن عندهم شرك في العبادة، ولهذا قد يوجد عند المشرك شرك في جانب مع الإقرار بجانب آخر من جوانب التوحيد فيقال: لا بد أن يكون موحدًا في هذه الجوانب الثلاثة وإلا فعنده شرك، وأشهر الشرك الذي وقع وأكثره الشرك في جانب العبادة، والذي لأجله بعثت الرسل وأنزلت الكتب وإلا فالأمم مقرَّة بالله عزَّ وجلّ ومن زعم أنه جاحد للربوبية فهو كاذب، ولهذا قال موسى صلوات الله وسلامه عليه لفرعون ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ(22) أنت تعلم، تقول: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي(23)، تقول: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ(24)، لكن أنت تعلم كذبك وأن الرب سبحانه لا يمكن أن يكون محل جحد، ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ(25)، قال تعالى في الآيات قال عن قوم فرعون: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا(26) فالأمم مقرَّة بالربوبية، وإنما كان الشرك في العموم الأغلب في جانب توحيد العبادة.

شيخ الإسلام هنا رحمه الله تعالى ركَّز على جانب الأسماء والصفات، وذلك أن جانب الأسماء والصفات قد وقع فيه إفراط وتفريط ككثير من مسائل العقيدة، كثير من مسائل العقيدة يقع فيه إفراط أو تفريط، وهذا إن شاء الله سيأتي في أثناء شرحنا للكتاب.

لمّا انبعث في الأمَّة مجموعة من الضُّلّال الزائغين لمّا كثرت الفتوحات واختلط المسلمون بغير المسلمين حصل له حاصل اليوم من دخول بعض من ليسوا من أهل العلم في مناقشة أهل الكفر، والكفار أنواع الذين فتحت بلادهم، منهم من لا يقر بالنبوّة كالبراهمة الهنود وأمثالهم، ومنهم من هو على دينه في الأوثان، ومنهم من هم يهود ومنهم من هم نصارى وكثيرٌ منهم أيضًا ولا سيما في جهات الهند ونحوها لديهم جملة من الطقوس والعبادات التي عُرِفَ بها الآسيويون في جهات الهند ونحوها، مجموعة من العقائد الزائغة، هؤلاء لا يصلح - لا سابقًا ولا لاحقًا - أن يدخل في مناقشتهم إلا من هو من أهل العلم، فدخل في مناقشتهم من ليسوا من أهل العلم، فانتقلت جملة من عقائد هؤلاء القوم انتقلت إلى المسلمين على يد أناس من هذه الأمَّة، وإلا فأولئك القوم عقائدهم وكفرهم وشركهم كانوا في منأى، وكان مما يؤخذ عليهم أيضًا لا يظهروه، أن أهل الذمّة يلزمون بأن لا يظهروا كفرهم، فكانت أمورهم في معابدهم وفي وسط بيوتهم لا يظهر منها شيء، فجاء من لم يوفق وصار يناقشهم ولم يكن من أهل العلم كما هو حاصل الآن من بعض من يناقشون إما ملاحدة أو رافضة وغيرهم وليسوا من أهل العلم وهذا غلط وسُنَّة فاسدة، لا يصلح أن يناقش هؤلاء إلا من لديه علم، لأنه إذا ضَعُفَ وهو متكلم بالسُّنَّة ويدافع عن السُّنَّة أضعفَ الحقَّ مع أن الحق في نفسه قوي لكن هذا لما حمله وكان (جملة غير مفهومة) فلما كان حامل هذا السيف يحمله حملًا ضعيفًا أثّر في الحق، ولهذا لا تحل هذه المناقشات بتاتًا ولا المناظرات إلا لمن لديه علم وقليلٌ ما هم، لأن أثرها خطير جدًا، لأنه ينتقل من خلال هذه المناظرات ومن خلال هذه المناقشات ينتقل إلى المناقش نفسه - إذا لم يكن من أهل العلم أو إلى من يسمعون - ينتقل بدع وضلالة لا يُجاب عنها فتتغلغل بين الناس وهذا ما حصل.

كان السلف رضي الله عنهم يعتنون بأمر التوحيد في الأسماء والصفات لأن الخلل وقع فيه، ينبغي أن يلاحظ طالب العلم أمرًا مهمًا نبّه عليه أهل العلم، لماذا لم توجد مصنفات عند الأئمة للتحذير من الشرك - شرك العبادة -؟ السبب بكل سهولة أنه ما كان موجودًا، لم يكن في الأمَّة من يطوف على القبور ويهتف بأسماء أصحابها في الأمَّة، ما كان فيها هذا، ولكن جاءت أكثر الإشكالات من خلال المسائل العلمية، أما المسائل العملية التطبيقية في العبادة وغيرها فهذه الأمَّة على التوحيد، والنماذج كثيرة جدًا، قد يطول بنا المقام لو بيّناها، لهذا تجد المصنفات تجدها انصرفت إلى الكلام على توحيد الأسماء والصفات، فصنف ابن خزيمة مثلًا رحمه الله تعالى كتاب التوحيد وصفات الرب، ركّز فيه على توحيد الأسماء والصفات كثيرًا، البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه ختم الصحيح بكتاب التوحيد، إذا تأملت أكثر أبواب كتاب التوحيد تجدها في الأسماء والصفات، فلهذا ركّز الأئمة رحمهم الله تعالى على هذا النوع من التوحيد؟ لأن الشرك ما كان موجودًا أصلًا في زمنهم، وكان المسلمون على التوحيد في الجانب العملي، لكن حصل الخلل والإشكال في جانب الأسماء والصفات على يد من؟ اضبط هذا الاسم لتعرف من أين أتت الجناية على توحيد الأسماء والصفات، وما الذي عمله المسلمون لما حصلت هذه الجناية؟ جاءت هذه الجناية على يد الجعد بن درهم، الجعد هذا كما يقول شيخ الإسلام كان يعيش في بلدةٍ اسمها حرّان كان يعيش فيها كثيرٌ من الفلاسفة والصابئة الذين كانوا على دين المشركين، مذهبهم أن الرب تعالى ليس له إلا صفات سلبية أي منفية أو إضافية، الجعد نشأ في هذه البيئة الفاسدة، ولذا صدرت منه أول مقالة لرجل ينتسب إلى الأمَّة ويشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله ويقول إنه مسلم صدرت منه أول مقالة فيها نفي للصفات، أما قبله فلم يكن هناك ولله الحمد من ينفي الصفات قطعًا لا من الصحابة ولا من التابعين رضي الله عنهم، مع أنه وجدت بدع إلا يعني الخوارج وجدوا زمن عثمان رضي الله عنه زمن علي رضي الله عنه؛ لكن كما قال شيخ الإسلام: أولئك الخوارج ما كان عندهم إشكالات في أبواب العقيدة الأخرى مثل القدر، مثل النبوّة، مثل الأسماء والصفات، المسلمين عمومًا سواء من كانوا على السُّنَّة أو من خرجوا عن السُّنَّة إلى بدعةٍ أخرى كانوا على إثبات الصفات حتى نبغ الجعد بن درهم، لهذا قال اللالكائي رحمه الله تعالى - بعد أن ساق عن أكثر من خمسمئة من علماء الأمَّة تكفيرَ من قال: إن القرآن مخلوق - قال اللالكائي: ولا خلاف بين الأمَّة أن أول من قال القرآن مخلوق جعد بن درهم سَنَة نيف وعشرين ثم جهم بن صفوان، سَنَة نيف وعشرين يعني ومئة هذا المقصود، الجهم بن صفوان هذا هو الذي تنسب له الجهمية، تسمع كثيرًا كلام السلف أصحاب الجهم الجهمية ينسبون إلى الجهم بن صفوان، هؤلاء الجهمية نفوا صفات الرب تعالى، لأن مقالة الجعد بن درهم قد تلقاها عنه تلميذه الجهم بن صفوان وبئس الشيخ وبئس التلميذ فكلاهما فاسد العقيدة، اصطلح السلف على تسمية من نفى شيء من الأسماء والصفات تسميته بالجهمي نسبة إلى الجهم، ومن هنا أدخل السلف المعتزلة في الجهمية مع أن المعتزلة خصوم للجهم بن صفوان في أبواب أخرى كالإيمان بالقدر بجامع ما بين الجهم بن صفوان والمعتزلة من نفي الصفات، فلما كان أصل مقالة نفي الصفات من الجهم بن صفوان أخذها عن شيخه الجعد بن درهم نسب من نفى الأسماء والصفات إلى هذا المبتدع، فصار من ينفي الأسماء والصفات يسمى بالجهمي.

إذًا لا يعرف في الأمَّة أحدٌ نفى الصفات قبل الجعد - شيخ الجهم - قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أول من حفظت عنه مقالة أن الله ليس على العرش حقيقةً وأن معنى استوى استولى ونحو ذلك - يعني من عقائد الزائغين في الأسماء والصفات - هو الجعد بن درهم وأخذها عنه الجهم وأظهرها فنسبت مقالة الجهمية إليه، أصل مقالة الجهم بن صفوان أخذها من شيخه هذا الجعد بن درهم، الجعد بن صفوان أثر في الفرق وهو عجيب جدًا أثر في الفرق حتى في خصومه، وتجد مقالات الجهم بن صفوان هذا عند المعتزلة، عند الشيعة، عند الإباضية، عند الزيدية، عند الأشعرية، عند الماتريدية، عجيب شأنه جدًا، لم يسْلَم من مقالاته الباطلة إلا أهل السُّنَّة ولله الحمد.

يقول ابن القيم رحمه الله تعالى في الجهم بن صفوان وفي تأثيره بالفرق: (فلذا تقاسمت الطوائف قولَه، وتوارثوه إرث ذي سهمان لم ينجوا من أقواله طرًّا سوى أهل الحديث وعسكر القرآن).

ما سَلِمَ من مقالاتهم أحد، ولهذا الآن تقرأ في عقيدة فرقة من الفرق تقول هذه أصلها من الجهم بن صفوان لأنه جمع الشر كله كما قال أهل العلم، فهو في الأسماء والصفات من النُّفَاة، في جانب الإيمان من غلاة المرجئة، في جانب القدر من غلاة الجبرية، وأثرت هذه المقولات هذه في الطوائف، فمنهم من تأثر به بالقدر، منهم من تأثر به في الإيمان، منهم من تأثر به في الأسماء والصفات، فصار تأثيره بالغًا.

الجعد بن درهم لاحظَ وهبُ بن منبه رحمه الله وكان شيخًا له، وهب بن منبه كان يتردد عليه في حلقته الجعد بن درهم لاحظ أن هذا التلميذ الفاسد الذي نشأ كما قلنا في بلدةٍ فيها هذا الخلل العقدي؛ لاحظ أن عنده عدم رضوخ للنص وأنه متمنع في إثبات الصفات، فقال له رحمه الله - يقول وهب بن منبه-: (ويلك يا جعد أقصر المسألة عن ذلك، يعني -كفّ عن هذه الأسئلة-، إني لأظنك من الهالكين، لو لم يخبرنا الله في كتابه أن له يدًا ما قلنا ذلك؛ وأن له عينًا ما قلنا ذلك)(27)، وذكر الصفات من العلم والكلام وغير ذلك، يقول: نحن حين تتمنع وتقول: أنا لا أثبت لله اليد! نحن حين أثبتنا اليد لله عزّ وجلّ هل أثبتناها إلا من كلامه تعالى! ما قلنا ذلك من تلقاء أنفسنا بل قال الله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ(28) فأثبتنا، قال الله تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي(29) فنحن ما أثبتناه من تلقاء نفسنا، إني لأظنك من الهالكين، وتحقق فيه ما قال رحمه الله، فإن الجعد بن درهم أفتى أهل العلم بقتله وقُتِلَ يوم الأضحى وضُحِّي به أضحية كما يُضحى ببهيمة الأنعام، ذبحه خالد بن عبد الله القسري، وكان فعله هذا بفتوى أهل العلم رحمهم الله، لأن الجعد هو أول من فسق في الأمَّة بهذا البلاء.

الجهم بن صفوان تلميذه كما قلنا تلقف هذه المقولة، ما الذي ميّز الجهم بن صفوان؟ ما ميزه العلم، قال السلف: لم يكن الجهم بن صفوان من أهل العلم ولم يكن ذا مجالسة، فما كان يجالس أهل العلم، إذًا كيف انتشر مقالته؟ قالوا: كان صاحب لسان، كما هو حاصل الآن من أناس ليس لديهم علم شرعي بل لم يدرسوا علم الشريعة ولهم تأثير كبير للأسف في الأمَّة، تأثير إعلامي، رجل يؤثر هذا التأثير الكبير ويتبعه جموع غفيرة من الناس وهو ليس من أهل العلم، ما الذي جعله يسحر هؤلاء الناس؟ لسانه، اللسان له تأثير كبير، هكذا كان الجهم بن صفوان فتأثر بهذه البلايا وبهذه الأباطيل تأثر به كثير، ولهذا ذكر البخاري رحمه الله وذكرها قبله الإمام أحمد مما يدلك على جهل هذا الرجل بالعلم أنه ناظر طائفة من كفرة الهند يدعون السُّمَنِيَّة وهذا لما قلنا أنه يدخل في المناظرات هذه من ليس من أهل العلم فلما ناظروه شك بالله لأنه جاهل وترك الصلاة أربعين يومًا شاكًا بالله نسأل الله العافية، قال أهل العلم: فنحت الشيطان في هذه الفترة التي ترك فيها الصلاة نحت اعتقاده ثم خرج باعتقاده الخبيث المبني على دليل يسمى دليل الحدوث وانتشر هذا الدليل وأثر ولا يزال تأثيره إلى اليوم عند الطوائف الضّالة، وهذا الذي جرد شيخ الإسلام وغيره من أهل العلم ومن قبله ومن بعده الرد عليه، فلذلك ركّز السلف رضي الله عنهم على هؤلاء الذين صاروا ينفون الصفات وصنفوا المصنفات في الرد عليهم، ومن أشهر من رد عليهم الدارمي رحمه الله تعالى في رده على بشر المِرِيْسي وردّ على الجهمية وغيره من أهل العلم، ومن أكثر من توسع في الرد عليهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، هذا ما يتعلق في الذين زاغوا في الصفات إلى النفي والتعطيل.

قابلهم مسلكٌ آخر وهو مسلك باطل فاني وهو مسلك من بالغوا في الإثبات، أولئك النُّفَاة بالغوا في النفي حتى نفوا ما أثبته الله، المشبهة بالغوا في الإثبات حتى أثبتوا ما نفى الله كما سيأتي إن شاء الله تعالى بيانه، وهذه المسألة من المسائل العظيمة التي وقعت في كثير من مسائل الاعتقاد أن يكون فيها إفراط من جانب ويكون فيها تفريط، وهذا كثير، فالرافضة فيما يتعلق بآل بيت النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بالغوا مبالغةً قبيحةً جدًا حتى رفعوهم إلى مقام الربوبية.

الخوارج عكسهم أساءوا جدًا في سادة من سادت آل البيت كعلي رضي الله عنه والحسن والحسين رضي الله عنهم وبالغوا فيهم مبالغة منكرة حتى كفروا عليًا وقتلوه رضي الله عنه وأرضاه، هؤلاء بالغوا مدحًا وهؤلاء بالغوا ذمًا، وهكذا في جانب القدر تجد الجبرية وعكسهم القدرية، في جانب الأسماء والصفات تجد المعطلة وتجد المشبهة، لهذا صار هذا البلاء في كثير من مسائل الاعتقاد، ولو تأملت مسائل الاعتقاد لوجدتها على هذا النحو على هذا الحد، تجد من يبالغ يمنة ومن يبالغ يسرة ويتركون الوسط السليم الذي كان عليه النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، ولهذا قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: أتانا من المشرق رأيان خبيثان جهم معطل ومقاتل مشبه، كلاهما خرج من بلدة واحدة.

جهم من المعطلة، مقاتل عكسه من المشبهة، لا يثبت فقط، يثبت ويبالغ في الإثبات حتى يشبه صفات الله تعالى بصفات المخلوقين، هذا الصنيع في ردّ البدعة ببدعة مقابلة هو صنيع السفهاء وليس صنيع العلماء، البدعة ترد بالسُّنَّة لا ترد بالبدعة في أن تنظر ماذا قالوا فتقول بضده، هذا يزيد الشر، لأن البدعة إذا وجدت يرد عليها بالسُّنَّة أما أن تأتي بدعة فتقابلها بدعة أخرى في جانب آخر، ويتقابل هؤلاء المتهورون والسفهاء، هذا يبالغ في جانب وهذا يبالغ في جانب، كلهم يبتعدون عن الوسط الذي كان عليه النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ودلت عليه النصوص.

علماء الأمَّة انبروا للرد على أهل الضلال من جميع الطوائف سواء من النُّفَاة أو من المشبهة، والرب سبحانه وتعالى في كتابه من الردود عليهم ما لعله يأتي إن شاء الله بيانه الآية العظيمة المحكمة التي هي قاعدة، خذها قاعدة في الأسماء والصفات وهي قوله تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ(30)، يأتينا إن شاء الله الكلام على شرحها وأن فيها نفي ما نفاه الله وإثبات ما أثبته الله، النُّفَاة يركزون دائمًا، ولو تلاحظ كتب أهل الضلال تجد هذه الآية يأتي القسم الأول منها تقع في كتب المعتزلة؛ في كتب الأشاعرة؛ في كتب الماتريدية؛ في كتب عموم الجهمية؛ تجد هذه الآية ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ولا تُكْمَلُ في كثير من الأحيان، لهذا الإمام أحمد رحمه الله لما ورده الخطاب - خطاب المأمون الذي أمر والي بغداد أن يلزم أحمد بمقولتهم - كان فيه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ قال أحمد رحمه الله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ فغضب الوالي، ماذا تريد؟ قال: أريد ما أراد الله سبحانه وتعالى، لا تأخذ بعض الآية، الآية فيها نفي وفيها إثبات، فتجد أن أهل الضلال يركزون في الأدلة على ما يناسب هواهم، فيقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ هذا نفي؛ نعم، ولكن قال: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ هذا إثبات، ويأتينا أن مذهب أهل السُّنَّة رضي الله عنهم وأرضاهم وثبتنا على منهجهم أنه جمع النصوص ففيها نفي وفيها إثبات، فالله سميع بصير وليس كمثله شيء، وليس المقصود ليس كمثله شيء ولا السميع البصير! إذًا فما الفائدة من الإثبات؟ فالآية فيها نفي وفيها إثبات، وفيها رد على المعطلة وعلى المشبهة معًا، قوله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ رد على الممثلة الذين يقولون: إن الله تعالى صفاته مثل صفاتنا، وقوله ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ فيه إثبات، وأن لله تعالى السمع ولله البصر ولكن ليس سمعه وبصره تعالى كسمع وبصر المخلوقين، وبه نعلم ختمًا لهذه المقدمة أن الأسماء والصفات فيها ثلاث طرق:

الطريق الأول: طريق رسل الله صلّى الله عليهم وسلّم وطريق السلف الصالح رضي الله عنهم، وموجزه ومختصره إثبات ما أثبت الرب لنفسه أو أثبتت الرسل صلّى الله عليهم وسلّم لربهم تعالى ونفي ما نفى الرب عن نفسه أو نفته الرسل صلّى الله عليهم وسلّم عن ربهم، مثال ذلك: النصوص فيها إثبات العلم والسمع والبصر والقدرة والإرادة والمجيء والقيام والنزول في الثلث الأخير من الليل والاستواء على العرش فيأتي أهل الحق ويثبتون هذه الصفات لأن النصوص قد أثبتتها، النصوص فيها نفي، نفى الله عن نفسه الظلم والتعب، ونفى عن نفسه الغفلة، ونفى السِّنَةَ سبحانه والنوم، فيأتون إلى ما نفى الله فينفونه، وهذا هو الأمر الذي يجب على من أقرّ بأن الله تعالى ربه وأن محمد صلّى الله عليه وسلّم نبيّه.

المسلكان الباطلان ماذا يفعلان؟ يأتي النُّفَاة إلى ما أثبت الله فينفون ما أثبت الله، فلهذا سموا بالنُّفَاة، فيأتون إلى ما أثبت الله من الاستواء أو السمع أو البصر أو النزول مما أثبته النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم لربه تعالى أو غير ذلك فينفونه مع أن النصوص أثبتته.

الطريق الثالث: مَنْ يأتون إلى ما نفى الله فيثبتونه، وهم المشبه الممثلة، يقول تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ فيقولون: سمع الله مثل سمع المخلوق، يد الله مثل يد المخلوق، مع أن الله تعالى يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ فصار الزيغ في مسلكين، والحق في المسلك الذي كان عليه النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ورسل الله ومن لزم طريقهم؛ إثبات ما أثبت الله ونفي ما نفى الله.

أهل الباطل يريدون - كما سيأتي معنا - في الإلحاد في أسماء الله إما أن يأتوا إلى ما أثبته الله فينفوه أو يأتوا إلى ما نفى الله فيثبتوه، هذا كله زيغ ولا شك، فالواجب لزوم هدي النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وهدي الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم وعدم قبول مثل هذه الآراء المضلة حتى وإن تسمت بما تسمت به، لأن أصحابها يتسمون دائمًا يتسمون بتسميات يمدحون بها أنفسهم ونحو ذلك، فالمؤمن يلزم ما عليه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، حتى لو أنه أُسِيء في القول، فسمي مثلًا بالمشبهة، المعطلة يسمون أهل السُّنَّة المشبهة، النازفة، الغثر، ونحو ذلك، حتى صنف بعض الشافعية صنفوا في الأسماء التي أطلقها أهل الباطل على أهل السُّنَّة، وإلى يومك هذا وأهل الكفر ينسبون أهل السُّنَّة وأهل الإسلام مثلًا إلى التطرف وإلى الإرهاب؛ مع أن الإسلام جلي واضح ما فيه تعدي ولا فيه ظلم أو تجني وفيه رعاية للحقوق، لكن كونكم تسمون هذا تطرفًا أو إرهابًا لأنكم يهود أو نصارى أو ملاحدة لن نتزلزل عن ديننا لمجرد أن ديننا لم يَرُقْ لكم، نثبت كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ لا تقدم تنازلات ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ(31) أنت اثبت، أما أنواع التسميات التي تُطلق من هنا وهنا، الشيعة يطلقون على السُّنَّة ناصبة، القدرية يطلقون على أهل السُّنَّة مجبرة، المعطلة يُطلقون على أهل السُّنَّة مشبهة، السُّنِّي لا يكترث لمثل هذه الأمور، يثبت على الحق ويلزم ما دلت عليه النصوص في غير ما إفراطٍ ولا تفريط، ويلاحظ أمرًا مهمًا جدًا أن يكون على هدي صحيح، أن يكون فعلًا على طريقة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وعلى طريقة السلف ثم فليعيروا بما شاءوا وليتهموا بما شاءوا، ولم تسلم الرسل صلّى الله عليهم وسلّم حتى نسلم نحن، سُميت الرسلُ بالأسماء القبيحة واتُهِمُوا بالتهم القبيحة - أجلّ الله تعالى مقامهم - سموا بالسحرة بالكذابين بالمجانين بالشعراء، لم يكترثوا ولم يتزلزلوا، المهم أن يكونوا على بصيرة، فإن كنت على بصيرة فلا تكترث لأي تسمية تُسَمَّى بها، وستستمر التسميات هذه كل فترة تتلون وتتجدد، فلا يكترث المسلم السُّنِّي، هذه مقدمة دعا إليه الحال، بقية الأيام إن شاء الله تعالى وأيضًا ما تبقى من الوقت نبدأ إن شاء الله تعالى في المقدمة في الكتاب، والشرح سيكون غالبًا فيه نوع من التوسط لا هو بالمسهب ولا هو بالموجز إن شاء الله تعالى.


(1) صحيح. الترمذي (2836). صحيح الترمذي (2836).
(2) الحج: 78.
(3) اعتقاد أهل السنة للالكائي (72/1).
(4) الانتقاء لابن عبد البر (ص35).
(5) سيرة عمر بن عبد العزيز لابن عبد الحكم (ص93).
(6) حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (2/ 204).
(7) البخاري (7054).
(8) المستدرك (8663)، وقال الشيخ الألباني رحمه الله في الضعيفة (5838): (قلت: هذا مع وقفه؛ فيه مجالد بن سعيد؛ وليس بالقوي، كما في التقريب).
(9) إحياء علوم الدين (2/ 335(.
(10) النحل: 36.
(11) الأنبياء: 25.
(12) الأعراف: 59.
(13) الأعراف: 65.
(14) الأعراف: 73.
(15) الأعراف: 85.
(16) صحيح البخاري (3443).
(17) النحل: 120.
(18) الزخرف: 87.
(19) العنكبوت: 61.
(20) العنكبوت: 63.
(21) يونس: 31.
(22) الإسراء: 102.
(23) القصص: 38.
(24) الشعراء: 23.
(25) الإسراء: 102.
(26) النمل: 14.
(27) البداية والنهاية ط إحياء التراث (9/ 382).
(28) ص: 75.
(29) طه: 39.
(30) الشورى: 11.
(31) البقرة: 137.