موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - كتاب المناسك - شرح المنتقى (الجزء الخامس)
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح المنتقى (الجزء الخامس) لفضيلة الشيخ عبد المحسن بن عبد الله الزامل
  
 
 شرح المنتقى (الجزء الخامس)
 كتاب المناسك
 المواقيت
 ما يجوز للمحرم وما يحرم عليه
 الشرط في الحج
 الإهلال بالحج والعمرة
 الهدي وأحكامه
 تلبية النبي بالحج والعمرة معًا
 التلبية ورفع الصوت بها
 أكل المحرم لصيد البر
 الفواسق الخمس وقتلهم في الحرم
 غسل المحرم رأسه
 احتجام رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم
 التداوي والنكاح في الحج
 صاحب الجبة
 حلق شعر لأذى في الرأس
 إمساك النبي عن التلبية في العمرة إذا استلم الحجر
 استلام الحجر وتقبيله
 الطواف
 تتمة الطواف
 الوقوف بمزدلفة والوقوف بعرفة وحديث جابر بن عبد الله
 تتمة حديث جابر بن عبد الله
 الوقوف بعرفة وتقدم الضعفة إلى المزدلفة
 رمي الجمرات
 تتمة رمي الجمرات
 الأضحية وأحكامها
 حلق الرأس وطواف الإفاضة
 افعل ولا حرج
 ليالي منى
 أيام التشريق
 طواف الوداع
 الحج عن الغير قادر وعن الميت
 الحج عن من نذر الحج ومات قبل أن يحج
 الحج المبرور ليس له جزاء إلّا الجنّة، وعمرة في رمضان تعدل حجة
 خروج النبي زمن الحديبية
 حديث: «فإنه يبعث يوم القيامة يلبي»
 حرمة مكة
 أسئلة
شرح المنتقى (الجزء الخامس) - كتاب المناسك

الحمد لله رب العالمين، والصّلاة والسّلام على نبيّنا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد

الدرس -إن شاء الله- من كتاب المناسك، من كتاب الإمام محمد بن عبد الله بن علي الجارود كما هو المعتاد في الدورات السابقة.

المصنف رحمه الله درج على طريقة كتب الأحكام في ذكره للأخبار بأسانيدها.

كتاب المناسك

قال رحمه الله: كتاب المناسك، المناسك جمع منسك، والمنسك هو موضع التّعبد أو مكان التّعبد لقوله تعالى: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ(1) أي متعبدا يتعبدونه، قال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(2).

والنسك يشمل كل التّعبدات في الحج وفي غير الحج، لكنه في الحج أظهر من جهة ما فيه من العبادات المتنوعة.

والنسك والنسيكة هو الخالص من الشيء، والمعنى أن العبد يخلص عبادته لله سبحانه تعالى لا يشرك معه أحد.

قال رحمه الله: حدّثنا محمد بن يحيى، محمد بن يحيى مرّ معنا كثيرا، وهو محمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد الذّهلي، الإمام الشهير الكبير، وهذا الإمام إمام حافظ رحمه الله، توفي بعد البخاري بسنتين، سنة ثمان وخمسين ومئتين، والمصنف رحمه الله أَكْثَرَ من الرواية عنه، ومشايخه -كما مرّ معنا- من الحفاظ، غالبهم من الأئمة الكبار، وغالب مشايخه أيضًا ممن لم يُتكلم فيهم، فيدل على عنايته رحمه الله يعني من المشايخ الحفاظ الكبار، فيدل على عنايته رحمه الله، وأسانيده نظيفة وأسانيده الغالب عليه الصحة وأكثرها صحيح وكثير منها على شرط الشيخين، وفيها الحسن، والضعيف فيه قليل، وهذا يحتاج إلى استقراء وتتبع للأسانيد، وغالب أسانيده من الأسانيد المشهورة والنسخ المعروفة الموجودة في الصحيحين وغيرهما.

ومحمد بن يحيى هذا -كما تقدم- هو الذّهلي، واختلف هل روى عنه البخاري أم لم يرو عنه البخاري، الذي درج عليه المتأخرون كالحافظ ابن حجر والشّراح الذين في زمانه وقبل زمانه يُقَرِّرون أن البخاري روى عن الذّهلي، وسكت في هذا بعضهم وقالوا: إنه لم يرو عنه.

والبخاري رحمه الله يروي عن محمد بن عبد الله، يقول تارة: حدّثنا محمد، وتارة يقول: حدّثنا محمد بن عبد الله، وتارة يقول: حدّثنا محمد بن خالد، وهم يقولون: إن محمد بن عبد الله ومحمد بن خالد هذا هو الذهلي، تارة ينسبه إلى جده وتارة إلى جد أبيه، ولم يذكره ولو مرة واحدة منسوبا إلى أبيه، والذي اشتهر عنه هذا الكلام هو الإمام أبو نصر الكلاباذي في رجال البخاري وعنه أخذ المتأخرون كأبي الوليد الباجي في كتابه في رجال البخاري؛ فإنه نقل عنه هذا وكلامه كالمقلد له فلم يحرر كلام الكلاباذي، والحافظ رحمه الله يقرر هذا ويقول: إنه الذّهلي، ومنهم من شكك في هذا وقال: إنه لم يرو عنه، ومن قال: إنه روى عنه قالوا بمحال المحنة والفتنة التي حصلت بينه وبين البخاري في القول بخلق القرآن وما أشبه ذلك؛ فقالوا: إن البخاري لم ينسبه ولم يترك الرواية عنه، فجمع بين أمرين بأن روى عنه ولم ينسبه لحال ما وقع بينهما، لكن قيل: إن هذا لا يصح، لأن البخاري كتب كتابه وفرغ منه قبل الفتنة وهذا لم يحصل إلّا قبل موته بمدة يسيرة ولم يكن بينهما ما يقتضي مثل هذا، ثم البخاري رحمه الله روى عن علي بن المديني وعن غيره وصرّح بأسمائهم، لهذا وقع شيء من الخلاف.

والذي يمكن أن يقال في هذا: إنه لا يمكن الجزم بهذا إلّا بتتبع روايات البخاري عن هذا الشيخ وهو محمد بن عبد الله أو محمد بن خالد و تارة يطلقه مع أنه إذا أطلقه هذا موضع نظر إذا أطلقه لأنه قد يكون غيره كمحمد بن سلام البيكندي أو غيره ممن روى عنه، لكن حينما ينسبه إلى جده أو إلى جد أبيه ويمكن كما تقدم أن يعرف هذا بتتبع الروايات التي رواها البخاري أو ينظر في الأحاديث التي مثلا أخرجها صاحب المنتقى، الذي دعا إلى هذا أن صاحب المنتقى رحمه الله روى عن محمد بن يحيى أحاديث كثيرة تقارب أربعمئة إسناد، فهو اعتنى بشيخ هذا وروى عنه روايات عظيمة وكثيرة، فلو تُتبعت الروايات عند ابن الجارود هنا وكذلك عند ابن خزيمة لأن ابن خزيمة روى عن محمد بن يحيى، ونُظر في الأسانيد التي عندهما، ثم نظرت هذه الأخبار التي رواها البخاري؛ هل هي موافقة بالرواية والمخرج لرواية البخاري؟ فبهذا يمكن أن يجزم بروايته عنه، والحمد لله الأمر ليس فيه أيّ إشكال لأنه على كل حال إما ان يكون الذّهلي أو أن يكون أحد مشايخه المعروفين الذين روى عنهم ممن اسمه محمد وهم محصورون معروفون من الأئمة الحفاظ.

قال: حدّثنا الحسن، الحسن بن ربيع هذا هو البجلي أبو علي الكوفي، قال: حدّثنا أبو الأحوص هذا هو سلّام بن سُليم الحنفي أبو الأحوص الكوفي، وهو من الطبقة الثالثة، في طبقته عوف بن مالك كوفي من الطبقة الثالثة لكن هذا في الطبقة السابعة.

عن سِماك هو ابن حرب عن عكرمة عن ابن عباس، رواية سماك عن عكرمة معلوم ما فيها من الكلام ومنهم من ضعفه مطلقا، ومنهم من جوّزه، ومنهم من فصّل فيه، وبالنظر إلى ترجمة سِماك رحمه الله يتبين من التهذيب أن روايته إما أن تكون عن عكرمة فهي رواية ضعيفة وهذه يكاد يطبق أهل العلم على هذا في أنها ضعيفة -رواية سِماك عن عكرمة-، وتارة يروي سماك عن غير عكرمة، فإذا روى عن غير عكرمة فروايته صالحة جيدة، وتارة يروي عن جابر بن سمرة وتارة عن النعمان بن بشير وتارة عن سعيد بن جبير؛ فهذه رواية جيدة، وهذا فيمن يروي عنه هو، وكذلك هنا أيضا فيمن يروي عنه، فالرواة عنه إن كان شعبة وسفيان؛ فهذه الرواية صحيحة، وإن كانت الرواية لغيرهما فكذلك أيضًا مثل زائدة بن قدامة وزكريا بن أبي زائدة وغيرهم من الرواة، لكن رواية شعبة وسفيان من الروايات القوية عن سِماك، فهذا هو المتحصل من كلام الحافظ رحمه الله نقلا عن الأئمة رحمهم الله.

وسِماك رحمه الله متثبت الحقيقة، متثبت ومن تكلم فيه فيه نظر، بل هو متثبت وهو عنده اتقان ويدل عليه أنه تارة يروي عن جابر بن سمرة وتارة يروي عنه بواسطة، فهذا يدل على تحريه وتدقيقه رحمه الله، ومن ذلك أنه في حديث رواه مسلم من رواية سِماك عن جابر بن سمرة أنه عليه الصّلاة والسّلام قال: «إن بين يدي الساعة كذّابين»(3) قال: سِماك: فخفيت عليَّ منه كلمةً فسألت أخي -أخوه هو محمد بن حرب أخو سِماك ولا بأس به فقد روى له مسلم- فقلت: ما قال؟ قال: «فاحذروهم»، قال: سِماك قال: جابر: «فاحذروهم»، وهذا كما قلت يدل على تثبته رحمه الله، فإنما هذا يقع في بعض الرواة الثقات أن يكون في راوٍ من الرواة ضعيف لسبب من الأسباب مثل رواية سفيان بن حسين عن الزهري رواية لا بأس به رواها أصحاب السنن ومسلم في المقدمة والبخاري تعليقا وهو ثقة رحمه الله إلّا في الزهري فإنه في الزهري ضعيف، فإنه في الزهري ضعيف، والسبب في ذلك أنه لمّا كان في حال شبوبيته ولمّا كان يطلب العلم هو وشعبة كانا قرينين وزميلين ومعلوم في حال الشباب ربما يحصل من الشاب بعض التحمس في بعض الرواية وربما أيضًا يريد أن يستأثر ببعض المشايخ عن بعض الزملاء كما يُنبّه الذهبي على هذا رحمه الله، فيقول شُعبة: خرجت أنا وسفيان إلى الكوفة بمكة أو خرجنا لطلب العلم فمرّوا بالكوفة ثم من الكوفة سوف يأتون لمكة، قال: شعبة: فلقيت أبا اسحاق السبيعي وصار يروي عنه ولا يعلم سفيان بن حسين، ولم يعلم، فمرّ بهم سفيان بن حسين، فقال: من هذا الذي معك تحدثه؟ هو كأنه لا يريد أن يخبره أنه أبا إسحاق السبيعي فقال: هذا شاعر بني السبيع -شاعر بني السبيع يقول له-، قال: ثم نزلنا إلى مكة - يقول شعبة - فلقي سفيانُ الزهريَّ فجعل يُحدِّثُه، فقلت: من هذا الذي معك؟ فقال: هذا شُرَطي بني أمية - شرطي بني أمية يعني: الزهري - قال: ثم بعد ذلك خرجنا فجعل يُحدّث عن الزهري ويقول: حدّثني الزهري فقلت: أين لقيته؟ قال: الذي قلت لك الشّرطي، قال: فأخذ شعبة الأوراق فخرقها؛ فاضطربت عنه روايته عن الزهري قال الذهبي رحمه الله: هذا في حال شبابهما، يكونون أشبال، فالمعنى أن الراوي رحمة الله عليه قد يكون له في شيخ أو إمام يعني روايته عنه فيها ضعف لسبب، أو في الرواية عنه أو عن أهل بلد وهذه أمثلة كثيرة في الرواة ولا تعلّ باقي رواياته، وهذه طريقة أهل العلم رحمة الله عليهم.

عن عكرمة وهو أبو عبد الله البصري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جاء رجل إلى النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، الحديث هذا إسناده كما تقدم من طريق سِماك لكن الحديث جاء من غير طريق سِماك، وقد رواه أحمد من غير طريق سِماك فقد رواه الخمسة من طريق الزهري لكن اختلف الرواة عنه، رواه عنه سفيان بن حسين كما تقدم عند أحمد وأبي داود، ورواية سفيان بن حسين تقدّم أن فيها كلام، لكن تابعه عليه سُليمان بن كثير العَبدي عند أحمد وسليم بن كثير ثقة في غير الزهري وفي الزهري فيه لين مع أن لا بأس به رحمه الله في غير الزهري، وهذا يقوي رواية سفيان وأنه ضبط الرواية لمتابعة سليمان بن كثير، أيضًا رواه النسائي من رواية عبد الجليل بن حميد اليحصبي قيل: يحصب بطنه من حمير، ورواية عبد الجليل هذه أقوى الروايات في هذه الحديث وهي عند النسائي وفيه حديث ابن عباس أنه جاء رجل للنَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فسأله عن الحج (أفي كل عام يا رسول الله؟) وهذا سيأتي أيضًا في حديث أبي هريرة قال: «الحج مرة»، (الحج من شاء أن يتطوع فليتطوع) - هذا لفظ صاحب المنتقى رحمه الله، «ولو قلت كل عام لوجبت» ورواه مسلم عن أبي هريرة «الحج مرة فمن زاد فهو تطوع»(4) فقال: الرجل (أفي كل عام يا رسول الله) عند أبي داود فقال الأقرع بن حابس: (أفي كل عام يا رسول الله؟) فقال: «الحج مرة فمن زاد فهو تطوع»، وهذا اتفق العلماء عليه ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً(5).

ومن قواعد الشرع ومن قواعد الأصول أن الأمر المطلق يحصل امتثاله بوجوده مرة واحدة، و هذا محل اتفاق من أهل العلم من حيث الجملة في الأمر المطلق الذي لم يُقيد بوقت ولا بسبب ولا بحال فإنه يكفي مرة واحدة، فإذا أمر الله بالحج فيكفي إيجاده مرة واحدة بشروطه مع الاستطاعة.

حدّثنا ابن مقري، ابن مقري هذا كما تقدم معنا أيضًا في أسانيد عدة، وهو روى عنه كثيرا رحمه الله، هو محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ المكي، أبوه عبد الله بن يزيد الإمام المشهور الكبير من الطبقة التاسعة رحمه الله، وهذا محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ وهو ثقة وروى عنه كثير أحمد.

قال: حدّثنا سفيان، سفيان شيخه وهو ابن عيينة ولم يدرك الثوري رحمه الله، عن إبراهيم بن عقبة المدني هو أخو موسى بن عقبة وكذلك محمد بن عقبة إخوة ثلاثة لا بأس بهم وأشهرهم موسى بن عقبة، عن كريب، وهو كريب بن أبي مسلم الهاشمي مشهور عن ابن عباس، روى له الجماعة رحمه الله، وكريب فرد في الأسماء ليس في الكتب الستة كريب إلا كريب بن أبي مسلم هذا، عن ابن عباس رضي الله عنهما؛ أن امرأة رفعت صبياً لها من مِحَفّة، رفعت صبيا لها، وهذه أيضا رواية ابن حبان وهذا إسناده صحيح وهذا يبين رواية مسلم (رفعت صبيا)(6) وهنا (رفعت صبيا له) هذه يبين لك فائدة الجمع بين الروايات، وهذا يبين أنه ينبغي لمن يعزو الأخبار أن لا يعزو مثلا فيقول مثلا في هذه اللفظة رواه مسلم ويطلق، لا، يقال: هذا رواه مسلم وهذا لفظ المنتقى، لأن هذا في مسلم (صبيا) ولفظ المنتقى (صبيا لها) فيدل على أنها أمه، وفرق بين الروايتين، فرواية (أن امرأة رفعت صبيا) يحتمل أنها أمه أو أنها أخته أو قريبة لها ومعناه أن النَّبيّ أقرها ويدل -على تلك الرواية المطلقة- أنه يحج بالصبي غير أمه مع أنه هناك نزاع في جواز إحرام غير الأب والجد أو من يلي ماله من قبل القاضي - الصبي والصبية - في خلاف الجمهور يقول: لا يُحْرِمُ به إلا أبوه أو جده أو من يلي ماله من قبل القاضي أو الوالي، والصحيح ما دلت عليه رواية مسلم أنه يجوز أن تُحْرِمَ عنه أمه، وإن كانت لا تلي ماله – هذا هو الصواب - وهو الذي أطلق عليه الصّلاة والسّلام، ورواية المنتقى تبيّن أنها أمه وكذلك رواية ابن حبان (صبيا لها) أي أنها أمه، (رفعت) تبيّن أنه صبي صغير غير مميز، ففيه دلالة على صحة حج الصبي غير المميز، وأنه يحرم عنه من يقوم عليه، وقوله (من مِحَفَّة) المحفة شبه الهودج، الهودج مثل السرير أو مثل السرير الذي له جوانب وله قبة – الهودج -، فإن لم يكن له قبة فيقال: له: محفة، مثل الكرسي الذي له جوانب مثل ما تضع المرأة تضع صبيها في الكرسي الذي له جوانب حتى تحفظه فلا يسقط، فكأنه في كرسي له جوانب من هنا ومن هنا حتى إذا تحرك الصبي لا يسقط، فالمحفة تختلف عن الهودج أن الهودج يكون مستورا ومغطى بشيء مثل السرير الذي عليه شيء حتى يقي الحر أو الشمس أو البعوض أو نحو ذلك، والمحفة لا يكون عليها شيء يسترها، ولهذا الهودج في الغالب يكون كبيرا وللمرأة الكبيرة، والمحفة تكون للصغير والصغيرة التي تحمل، (من محفة) فقالت : أي أمه : يا رسول الله، هل لهذا حج؟ وفيه حرص الصحابة على الخير ومبادرتهم إليهم حيث سألته رضي الله عنها عن حج الصبي وأنها لم تفوّت الفرصة هذه في سؤال النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم حيث كانت تحمل الصبي وهو معها، فإن كان له حج فخير على خير،تحج وتحج به، وفيه أنه صلّى الله عليه وسلّم أطلق لها الحج ولم يقل لها في الإحرام يقيد مثلا بل أطلقه وأنها هي تحرم عنه، وأيضا أنها لم يقل لها في الطواف مثلا أنها تطوف به وتحمله على كتفيها وأنها تجعل الكعبة عن يساره، ومن المعتاد أن الصبي يُحمل ويكون على الكتف، ولهذا إذا طاف به الطائف لا تكون الكعبة عن يساره؛ فلهذا أطلق عليه الصّلاة والسّلام ولو كانت الكعبة عن يمينه لأنه تابع والتابع تابع ويغتفر في حقه ما لا يغتفر في غيره والشارع خفف في مثل هذه المسائل وخاصة إحرام الصبي، والجمهور على أن إحرامه صحيح، وذهب الأحناف إلى أن إحرامه من باب التدريب وأنه يجوز خروجه منه، وقد يُتوسط وأن يقال: إن إحرامه صحيح وإنه يجوز خروجه منه حينما يريد أن يخرجه منه وليه إذا احتاج إلى ذلك، وخاصة إذا نوى ولو لم يشترط أيضا، لو ظن أنه يستمر بالإحرام لكنه قلق بالإحرام وانزعج وربما رفض إحرامه فأبى أن يستمر، فالأمر أنه يجوز أن يُخرج من إحرامه ولا يلزمه الدوام عليه وهذا من باب التيسير، والشارع في الحج يسّر في أمور أيسر من هذا؛ وهو في حق الكبار البالغين ففي حق الصبي والصبية من باب أولى، فقالت: يا رسول الله؛ ألهذا حج؟ قال: «نعم» ثم زاده عليه الصّلاة والسّلام وهذا من جوده في الجواب عليه الصّلاة والسّلام فقال: «نعم، ولك أجر»، قال: نعم ولك أجر على حجك به، وقد ثبت في صحيح البخاري من حديث السائب بن يزيد قال: (حُجَّ بي مع النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وأنا ابن سبع سنين)، وكذلك أيضا جاء هذا المعنى من حديث جابر عند الترمذي وعند ابن ماجه بسند جيد عن جابر بمثل حديث ابن عباس أيضا، فالأخبار في هذا تدل على صحة حجه؛ لكن لا يجزئه عن حجة الاسلام لحديث ابن عباس عند ابن أبي شيبة والبيهقي وغيرهما جاء موقوفا ومرفوعا صراحة والذي رفعه ثقة وهو يزيد بن زُريع وهو أن ابن عباس قال: (أيّما صبي حج ثم بلغ؛ فعليه حجة أخرى)(7) وفي لفظ ابن أبي شيبة (خذوا عني ولا تقولوا: قال ابن عباس؛ أيّما صبي حج ثم بلغ فعليه حجة أخرى وأيما مملوك حج ثم عتق فعليه حجة أخرى)(8) وجاء أيضا مرفوعا صرّح إلى النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وأخذ بهذا عامّة أهل العلم وأنه عليه أن يحج مرة أخرى حينما يبلغ.


(1) الحج: 67.
(2) الأنعام:162.
(3) صحيح مسلم (2923).
(4) لم ���� �,�g�������lam" keyid="32023">أبي داود (1721). انظر الإرواء (980).
(5) آل عمران: 97.
(6) صحيح مسلم (1336).
(7) صحيح. البيهقي في الكبرى (8613). الإرواء (986).
(8) مصنف ابن أبي شيبة (14875).