موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - مقدمة - شرح صفوة أصول الفقه
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح صفوة أصول الفقه لفضيلة الشيخ سعد بن ناصر الشثري
  
 
شرح صفوة أصول الفقه - مقدمة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، أما بعد

فإن حاجة الأمة إلى وجود العلماء الذين يستنبطون الأحكام الشرعية من الكتاب والسُّنَّة شديدة بل ضرورية، وذلك أن الأمّة تحتاج إلى أن تعرف أحكام الله فيما يَرِدُ عليها من النوازل، ولا تتمكن من ذلك إلا بوجود علماء مجتهدين ينزلون النصوص الشرعية على الوقائع، خصوصا عندما توجد الأمور المدلهمة والفتن التي تؤدي إلى سفك الدماء وانتهاك الأعراض واستحلال الأموال، فحينئذ نحتاج إلى العلماء الذين يُبيّنون حكم الله ويُعرِّفون الناس بشريعة رب العزّة والجلال، والعالم في مثل هذه الوقائع لا يتابع الناس ولا يسعى إلى إرضاء العامة وإلى موافقة أهوائهم وعواطفهم، وإنما يُبيّن حكم الله - وإن سخط الخلق - لأنه يسعى إلى إرضاء رب العزة والجلالة، ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ(1) وعلماء الشريعة يُوَضِّحون المعالم التي يهتدي بها الخلق إلى الله جلَّ وعلا فلذلك أُمِرَ الخلقُ بسؤالهم كما قال تعالى: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ(2) وأهل العلم هم الذين يعيدون الخلق إلى الخالق فيجعلونهم يخافون من الله ويَحْذَرُوْن منه ويرجونه سبحانه ويستشعرون مراقبته لهم وهم ممن يتوكل عليه ويرجوه، ولذا قال الله جلَّ وعلا: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ(3) وأضرب لك مثلا يتضح به الحال، عندما ينطلق الناس في تصرفاتهم من رغباتهم أو من عواطفهم تجعلهم ينظرون إلى الدنيا ويستعملون موازين مخالفة للموازين الشرعية، الشريعة قد جاءت بعفو؛ قد جاءت بالصفح؛ قد جاءت بالتجاوز، لأن العبد يراعي ما عند رب العزة والجلالة، فإذا ترك الناس العلم والعلماء قد يتعاملون مع المخالف بما يخالف مقتضى الشريعة وما أَمَرَ به ربُّ العزّة والجلالة لأنهم يرون أن العاصي يستحق العقوبة الشنيعة، وأمثل بمثال: أهل النفاق يسعون سعيا حثيثا في محاربة دين الله بأساليب ماكرة خفية، فإذا رُجِعَ إلى الخلق - أفراد الناس - في النظر في شأنهم قد يقال بقتلهم وإيقاع العقوبة الشديدة، وإذا رُجِعَ إلى علماء الشرع رجعوا إلى هدي النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وإلى طريقته عندما قال: «لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه»(4) كان النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يداريهم ويعيد لهم الخطاب، ويُحَدِّثُهم بما يعيدهم إلى حظيرة الإيمان ويبعدهم عن النفاق، إذًا حاجة الأمة شديدة لإيجاد الفقهاء الذين يستنبطون الأحكام الشرعية من النصوص كتابا وسُنَّة، فوجود العلماء تُحفظ به الملّة ويبقى به الدين وتستمر به الشريعة، ولهذا قال النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من صدور الرجال، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم سُئل الجهال فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا»(5) كما ورد في الصحيحين بمعناه من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، والنصوص الآمرة بطلب العلم والمُرَغِّبَة فيه كثيرة متعددة لكنَّ السؤال كيف نخرج العلماء؟ وكيف نُنتج فقهاء يعيدون الأمّة إلى شرع الله وإلى دينه ويربُّون قلوب الخلق ويُصَفُّونها ويكونون من أسباب ملء هذه القلوب بالتقوى والإيمان؟ هذا سؤال مهم نحتاج إليه وتحتاج الأمّة إليه، والجواب عن هذا: أن أصل العلم هو الكتاب والسُّنَّة، فنحتاج إلى تعميم الكتاب والسُّنَّة، ثم نحتاج إلى فهم وتدبر الكتاب والسُّنَّة لنتمكن من استخراج الأحكام منهما، كما قال تعالى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ أي يستخرجون الأحكام من الأدلة، واستخراج الاحكام من الأدلة ليس أمرا اعتباطيا وليس أمرا فوضويا بل له أصول وقواعد يُرجع إليها، فليس كل ناظر في السُّنَّة يتمكن من استخراج الأحكام منها، صحيح قد يتراءى لك أن هذا الحديث يفهم منه المعنى الفلاني لكن عندما تطبق عليه القواعد الشرعية لا يكون الأمر كذلك بل قد يدلّ الدليل على خلافه، وأضرب لكم مثلا: يأتينا حديث فيستخرج منه الناسُ قولين متضادين، أحدهم يقول: هذا يدل على الجواز، والآخر يقول: هذا يدل على المنع، كما ورد عن الإمام أحمد والإمام الشافعي أنهم استدلوا بقول النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم «العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه»(6)، قال الإمام الشافعي: هذا الحديث يدل على جواز الرجوع في الهبة، لأن الكلب لا يُمنع من الرجوع في قيئه، وقال الإمام أحمد بأن الحديث يدل على تحريم الرجوع في الهبة، استدل بقوله صلّى الله عليه وسلّم في نفس الحديث «ليس لنا مثل السوء» ومثل هذا أيضا في قوله عزَّ وجلَّ ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ(7) طائفة فهموا منه أن الآية في الزوج وآخرين قالوا بأنه الولي، بناء على أيِّ شيء؟ على قواعد، وحينئذ لا بد أن نعرف الصحيح من قواعد الفهم والاستنباط كي نتمكن من فهم الكتاب والسُّنَّة فهما صحيحا، وكم وجدنا من ضلال في الخلق وخطأ في القول بل وجدنا منكرات عظيمة بسبب الفهم الخاطئ والاستنباط المخالف للطرائق الصحيحة في الاستنباط، ومن هنا فالحاجة شديدة لمعرفة قواعد فهم الكتاب والسُّنَّة حتى لا ندخل فيمن عَتَب الله تعالى عليهم بقوله ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا(8) ومن هذا المنطلق نؤكد على أهمية دراسة علم الأصول لأنه القاعدة التي ننطلق منها لفهم الكتاب والسُّنَّة وتنزيل الكتاب والسُّنَّة على مراد الله عزَّ وجلَّ، ثم إن النصوص قد يظهر عند الإنسان أنها متعارضة متضادة وبالتالي يحتاج إلى قواعد الفهم والاستنباط ليميز الفهم الصحيح وليدرأ التعارض الظاهري بين هذه الأدلة، وهذا يدلك على أهمية قراءة هذه القواعد، وأنتم تأخذون في أحاديث السُّنَّة - في كتاب الحج أو في غيره - أحاديث تحتاج إلى استنباط الأحكام منها، وهذا الاستنباط لا يتم إلا بواسطة قواعد صحيحة، ومن هذا المنطلق ألف العلماء مؤلفات في ضبط قواعد الفهم والاستنباط وجعلوها على درجات ومنازل، فهناك درجة المبتدئين أُلف لهم مؤلفات ومن هذه المؤلفات هذا الكتاب الذي بين أيدينا، يُسمى بصفوة أصول الفقه من تأليف الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي، وهو من العلماء الذين بارك الله لهم فيهم وفي علمهم وكان لهم أثر عظيم في إحياء قلوب كثير من الخلق؛ أسأل الله أن يغفر له ويسكنه فسيح جناته وأن لا يحرمنا أجره وثوابه، لعلنا نقرأ مقدمة الكتاب.


(1) النساء: 83.
(2) النحل: 43.
(3) التوبة:122.
(4) صحيح البخاري (4905).
(5) صحيح البخاري (100).
(6) صحيح البخاري (6975).
(7) البقرة: 237.
(8) محمد:24.