موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - مقدمة - شرح مسائل الجاهلية
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح مسائل الجاهلية لفضيلة الشيخ عبدالله بن عبدالعزيز العنقري
  
 
 شرح مسائل الجاهلية
 مقدمة
 أهل الجاهلية نوعان
 المسألة الأولى
 المسألة الثانية
 المسألة الثالثة
 أسئلة
 المسألة الرابعة
 المسألة الخامسة
 المسألة السادسة والسابعة
 المسألة الثامنة والتاسعة
 المسألة العاشرة - الخامسة عشرة
 المسألة السادسة عشرة - العشرون
 أسئلة
 المسألة الحادية والعشرون - المسألة الخامسة والعشرون
 المسألة السادسة والعشرون - المسألة التاسعة والعشرون
 المسألة الثلاثون - المسألة الرابعة والثلاثون
 المسألة الخامسة والثلاثون - المسألة الأربعون
 أسئلة
 المسألة الحادية والأربعون - المسألة الخامسة والأربعون
 المسألة السادسة والأربعون - المسألة الخمسون
 المسألة الحادية والخمسون - المسألة الخامسة والخمسون
 المسألة السادسة والخمسون - المسألة السابعة والستون
 أسئلة
 المسألة الثامنة والستون - المسألة السبعون
 المسألة الحادية والسبعون - المسألة الخامسة والسبعون
 المسألة السادسة والسبعون - المسألة الثمانون
 المسألة الحادية والثمانون - المسألة الخامسة والثمانون
 المسألة السادسة والثمانون - المسألة الخامسة والتسعون
 أسئلة
 المسألة السادسة والتسعون - المسألة المئة
 المسألة الحادية بعد المئة - المسألة التاسعة بعد المئة
 المسألة العاشرة بعد المائة - المسألة الثالثة عشرة بعد المئة
 المسألة الرابعة عشرة بعد المئة - المسألة السادسة عشرة بعد المئة
 المسألة السابعة عشرة بعد المئة - المسألة العشرون بعد المئة
 أسئلة
شرح مسائل الجاهلية - مقدمة

الحمد لله ربِّ العالمين، وصلّى الله وسلّم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد

فكتاب مسائل الجاهلية للشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمة الله تعالى عليه؛ كتابٌ يَعرف قدْرَهُ من وقف عليه وعلِم احتياج الناس إليه ولا سيما في أزمنة اشتداد الغربة وغيرها من الأحوال، فهو من الكتب التي يحتاج إليها العالم والعاميّ وطالب العلم، فهو كتاب - كما سترى بعون الله عزّ وجلّ - قيِّم للغاية.

نُعَرِّفُ أولًا بالكتاب: معلوم أنّ التصنيف عند أهل العلم في أمور العقيدة يكون على نوعين:

النوع الأول: المصنّفات التي يُقَرَّرُ فيها الحقُّ ويُوضَّح؛ كما في المصنّفات المسندة في الاعتقاد؛ ككتاب السُّنَّة لابن أبي عاصم وكتاب الشريعة للآجريّ وكتاب شرح أصول اعتقاد أهل السُّنَّة لللالكائيّ والإبانة لابن بطة وأمثالها من الكتب المسندة، أي التي يَروي فيها مصنِّفُوها الاعتقادَ عن السلف رضي الله عنهم وعن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أولًا ثم عن السلف وعن أهل العلم بالإسناد، وهذه الكتب كثيرة وينبغي على طالب العلم أن يعتني بها لأن فيها تدوين عقيدة السلف مسندة إليهم، تارة تكون باسم السُّنَّة - كما ذكرنا في المصنّفات - السُّنَّةُ لابن أبي عاصم وشرح أصول اعتقاد أهل السنة لللالكائيّ، وتارة تكون باسم الشريعة؛ كالشريعة للآجريّ والإبانة عن شريعة الفِرقة الناجية لابن بطّة، وتارة تكون باسم التوحيد كالتوحيد لابن خزيمة، وتارة تكون مصنّفات متعلقة بالإيمان كالإيمان لابن أبي شيبة وغيرها من هذه الكتب، يُقَرَّرُ فيها الاعتقادُ برواية مسائل الاعتقاد عن الرسول صلّى الله عليه وسلّم وعن الصحابة والتابعين رضي الله عنهم وعن علماء الأمة، ومن المصنفات التي يُذكر فيها التقرير أيضا المصنفاتُ المختصرة؛ وهي التي يعرفها طلبة العلم عموما كالطحاوية لأبي جعفر الطحاوي والواسطية لابن تيمية رحمهم الله جميعا، فهذه يُذكر فيها الاعتقادُ مختصرا وموجزا في العموم الأغلب وتُهيّأ لأنْ يحفظها طالب العلم ويتمكن من استظهارها، كل هذه نسميها كتب تقرير الاعتقاد.

النوع الثاني من المصنفات: كتب الرَّد على الباطل وعلى أهله، كالمصنفات التي صنفها عثمان بن سعيد الدارميّ رحمه الله تعالى في الردّ على الجهميّة، ومصنفات شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله - وهي كثيرة في الرُّدود - كنقضه على المَنَاطِقَة، وردِّه رحمه الله على الروافض في كتابه منهاج السنة ونحو ذلك من الكتب، فهذه كتب يُرَدُّ فيها على أهل الباطل.

مِن أيّ الأنواع هذه يصنف كتاب مسائل الجاهلية للشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى؟ الكتاب بديع في تصنيفه حقيقة لأنه رحمه الله قام بجمع المسائل التي كانت لدى أهل الجاهلية وخالفهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فيها، وفي الوقت نفسه بَيَّن طريقة النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم المخالفة لما عليه أهل الجاهلية، فجمع أمرين اثنين:

الأول: التَّنبيه على الخصلة الجاهلية.

الأمر الثاني: التنبيه إلى مخالفة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لأهل الجاهلية في هذه الخصلة.

هذا الأسلوب مميز جدًا، لأن نسبة المسألة إلى الجاهلية كفيل بتقبيحها وبيان أنها مذمومة، إذ لو لم تكن مذمومة لما نُسبت إلى حالة قبل الإسلام؛ وهي حالة الجاهلية. ضمَّ إلى ذلك أن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم خالف أهل الجاهلية في هذه الخصلة، ما الذي يترتب على ذلك؟ يترتب عليه أن المتمسك والمتلبس بهذه الخصلة قد رضي أن يتأسى بأهل الجاهلية ويحيد عن هدي رسول صلّى الله عليه وسلّم، وهذا من أعظم الخذلان والعياذ بالله.

التصنيف على النحو الذي سلكه الشيخ رحمه الله نافع جدا؛ لأن تقرير الحق يكثر التصنيف فيه بحمد الله كما سمعتَ في المصنفات، فيبقى جَمْعُ ما يُعَدُّ ضمن الأخطاء. هذا الموضوع بحاجة أن يُرَكَّزَ عليه، وهو مما يَحسن أن يلاحظه أهل العلم في دروسهم وخطبهم وفي كلماتهم؛ يَحْسُنُ أن يركزوا على هذا النوع من الأخطاء بأن يُركَّز بأن الأخطاء هي كذا وكذا، ومن ذلك أن يركزوا على ذكر الأخطاء عند التصنيف.

خذ على سبيل المثال: كل أحد يعرف جمل الأذان من جهة عددها وترتيبها، لكن تأمل الأخطاء التي يقع فيها المؤذن في صيغة الأذان، فالمؤذن إذا قيل له: بم تبدأ؟ قال: أبدأ بالتكبير. فإذا قيل له: أَذِّنْ، فربما قال: آاالله أكبر، ويَفْهَمُ الآن أن التكبير هذه الأربع في مقدمة الأذان، ثم الشهادتان: شهادة أن لا إله إلا الله أربعا؛ اثنتان بشهادة التوحيد، واثنتان بشهادة أن محمدا رسول الله ثم الحيعلتان ثم تكبيرتان ثم التهليلة. فإذا مدَّ فإنه في الواقع لم يكبر؛ وإنما يسأل، قال تعالى: ﴿الله خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ(1) هذا استفهام، هذا المؤذن لما أذَّن؛ في الواقع أنه ما كبَّرَ وإنما يستفهم: هل الله أكبر؟ قد عرف جمل الأذان؛ لكنه لم يحسن إلقاء الصيغة، وهكذا لو أنه قال: الله آكبار - كما يقع من بعض العوام والمؤذنين-، الكلمة سيئة جدا، وهذا لأن الكَبَرَ هو الطبل -وجمعه طبول-، فهو قد عرف جمل الآذان لكنه لم يحسن أدائها، وعلى هذا قس أنواع كثيرة من الأخطاء؛ في الكلمات المنتشرة بين الناس في العبادات؛ في الوضوء؛ في الصلاة؛ في الصيام؛ في الزكاة؛ في الحج؛ وهكذا الأخطاء في المعاملات، وهكذا موضوع الكتاب هذا؛ التصنيف فيما يشيع بين الناس مما هو من خصال أهل الجاهلية، هذا النوع الحقيقة يجب أن يعتني به طلبة العلم وأهل العلم عموما حتى يُركز مع العامة على أمور من الخطأ تغلغلت عندهم ورسخت في اعتقادات وفي ألفاظ وفي ممارسات؛ الواقع أنها من أمور الجاهلية.

المسألة الثانية: ما المراد بالجاهلية؟ الجاهلية نسبة إلى الجهل، وقد ذُكرت في القرآن في مواضع -كلها على سبيل الذم قطعا- قال الله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ الله حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ(2)، وقال تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ(3)، وقال سبحانه: ﴿يَظُنُّونَ بِالله غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ(4)، وقال عزّ وجلّ: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ(5).

الأمور المذكورة في هذه الآيات خصال كلها مذمومة:

الأولى: حكم الجاهلية، وهو حكم الطاغوت بتحكيم غير شرع الله عزّ وجلّ أيًا كان هذا النظام الذي يُحَكَّم.

الثانية: حمية الجاهلية التي تحملهم على الظلم والتعاون على الفساد لمجرد هذه الحمية.

الثالثة: ظن الجاهلية: وهو أن يُظن بالله عزّ وجلّ غير ما يليق به سبحانه كالظن أن الحق يضمحل ويتغلب أهل الباطل على أهل الحق غلبة مستقرة مستديمة لا يأتي الله عزّ وجلّ بعدها بالفرج، فهذا من ظن الجاهلية.

الرابعة: تبرج الجاهلية، وهو ابداء المرأة محاسنها، وهو المعدود اليوم عند همج المدنية الغربية معدود ضمن الحرية والانفتاح والرُّقي والبعد عن الانغلاق، حتى جعلوا النساء سلعا تُعْرَضُ على هيئة هي من أسوأ ما يكون من الهيئات في العرض، فسمَّى الله ذلك بالجاهلية.

في السُّنَّة وردت كلمة الجاهلية أيضا في أكثر من حديث، من أشهرها قول النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم لأبي ذر رضي الله عنه عندما عيَّر بلالًا بسواد بشرة أمه؛ قال: يا ابن السوداء، قال النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «أَعيَّرته بأمه؟! إنك امرؤ فيك جاهلية»(6)، وأخبر عليه الصلاة والسلام أن من خرج من الطاعة ومات مفارقًا للجماعة؛ مات ميتة جاهلية(7).

نستفيد فائدة من هذه النصوص تعطينا المراد بكلمة الجاهلية، عرَّف الجاهلية الشيخ عبد الرحمن بن حسن في فتح المجيد عند شرحه لباب ما جاء في الكهان ونحوهم؛ ذكر رحمه الله التنجيم والكهانة والضرب بالحصى ونحوها من علوم الجاهلية ثم قال: ونعني بالجاهلية كل من ليس من اتْبَاع الرسل صلّى الله عليهم وسلّم كالفلاسفة والكهان والمنجمين وجاهلية العرب الذين كانوا قبل البعثة، فإن هذه علوم القوم ليس لهم علم بما جاءت به الرسل صلّى الله عليهم وسلّم، فجعل هؤلاء جميعًا من أهل الجاهلية ومنهم الفلاسفة لأن الفلاسفة أبعد الناس عما جاءت به الرسل صلّى الله عليهم وسلّم.

وعليه فالوضع الموجود اليوم في البلاد الغربية والشرقية من بلاد الكفر وضع الجاهلية، إذا هو قائم على جملة من الفلسفات الإلحادية، فنشأت بتلك البلاد الشرقية الفلسفة القائمة على الأساس الشيوعي، ونشأ في البلاد الغربية مقابلا لها الفكرة القائمة على الرأسمالية، وعموم المذاهب ذات النزعة العلمانية معدودة شرعا ضمن الجاهلية لأنها كلها فلسفات على خلاف ما جاءت به الرسل صلّى الله عليهم وسلّم، فالمسمى الشرعي لتلك الأوضاع هو الجاهلية ويأتي له مزيد بيان إن شاء الله.

الضابط في ذلك كله - سواء في جاهلية العرب، أو في الجاهلية التي يكون عليه أهل التنجيم وأهل الكهانة وأهل السحر أو أهل الفلسفة من ملاحدة اليونان القدامى أو من تأثر بهم ممن أدخلوا الفلسفة إلى داخل البلاد الإسلامية أو الفلسفات الحديثة؛ الجامع لهذه كلها مع الجاهلية العربية هو أن ما هم عليه على خلاف ما جاءت به الرسل صلّى الله عليهم وسلّم كما قرره الشيخ عبد الرحمن رحمه الله، وهذا من أدق تعريفات الجاهلية، لأن الجاهلية -كما تقدم - منسوبة إلى الجهل، وهؤلاء يجهلون أعظمَ ما ينبغي أن يُعلم وهو العلم بالله كما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى في أحوال الجاهلية.

الجاهلية لها حالان اثنان:

الحال الأول: الجاهلية العامة، وهي التي كانت قبل بعثة النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم حيث كان الناس كما قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ(8) هذا الضلال المبين هو الجاهلية العامة التي كانت قبل بعثته صلى الله عليه وسلم وقد أزالها الله تعالى بالسراج المنير صلّى الله عليه وسلّم حيث انقشعت تلك الجاهلية بالكلية بحمد الله وعُرف الحق، لا يزال هذا الحق في هذا الأمة، لا يضمحل ويخبو بحيث لا يُعرف الليل من النهار؛ لا يُعرف الحق من الباطل؛ لا يُعرف الكفر من الإيمان؛ السُّنَّة من البدعة، هذا بحمد الله لا ينمحي بحيث لا يُعرف بتاتا، قال صلّى الله عليه وسلّم: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق؛ لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك»(9)، وأخبر عليه الصلاة والسلام أن أُمَّتَه ستكون على هذا الحق حتى يقاتل آخرُهم الدَّجَّالَ، فدل على استمرار الحق إلى أن يأتي أمر الله الذي قال صلّى الله عليه وسلّم: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق؛ لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله»، ما المراد بأمر الله؟ المراد بأمر الله ما ثبت من غير وجه أن المسلمين والمؤمنين بعد أن ينزل عيسى عليه الصلاة والسلام وبعد أن يُهلك اللهُ تعالى يأجوج ومأجوج يبعث الله تعالى ريحا طيبة فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم، ويبقى شرار الناس يتهارجون فيها تهارج الحمر؛ فعليهم تقوم الساعة، الذين تقوم عليهم الساعة كلهم كفار، ولهذا قال صلّى الله عليه وسلّم: «إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد»(10)، وأخبر صلّى الله عليه وسلّم أن الناس بعد أن يقبض هؤلاء المؤمنون والمسلمون يتمثل لهم الشيطان كما في صحيح مسلم فيقول لهم: ألا تستجيبون؟! فيقولون: فما تأمرنا؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان(11)، زاد أحمد في المسند فيعبدونها(12)، وأيضا في مسلم أن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أخبر أنهم يعودون إلى دين آباءهم(13) - وهو دين الجاهلية - فيعبدون الأصنام، هؤلاء الذين تقوم عليهم الساعة وذلك في آخر الساعة بعد أن يُقتل الدجال على يد عيسى صلّى الله عليه وسلّم، وبعد أن يقبض الله جميع من على وجه الأرض من المؤمنين والمسلمين، فهؤلاء الذين يبقون يبقون في آخر الزمان بعد أن يأتي أمر الله كما قال صلّى الله عليه وسلّم: «حتى يأتي أمر الله» وهو الريح هذه «وهم على ذلك» يبقى أهل الإيمان على الثبات على الحق حتى يبعث الله هذه الريح.

إذًا الجاهلية العامة انتهت بحمد الله تعالى ببعثة النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، أرسله الله تعالى بالنور المبين فأزاح الله تعالى به تلك الظلمة العظيمة، وكان الناس قبل بعثته صلّى الله عليه وسلّم على أسوأ الأحوال كما قال صلّى الله عليه وسلّم: «إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب»(14) وهذا قبل بعثته صلّى الله عليه وسلّم فكان الناس على جاهلية جهلاء، فبعد البعثة النبوية لا يقال: إن الناس عادوا إلى الجاهلية العامة في جميع الأرض! هذا لا يجوز أن يقال ولا أن يوصف الناس بأنهم في جاهلية، لأن الجاهلية العامة انتهت، وهذا هو الحال الأول للجاهلية.

الحال الثاني: الجاهلية الجزئية، هذه الجاهلية تكون في أماكن معينة لا يصل إليها نور النبوة، قد تكون هذا الأماكن واسعة وفيها خلق كثير، كالوضع في البلاد الغربية والشرقية من بلاد الكفر، فالوضع في بلادهم - كما تقدم - وضع جاهلية، وإن بلغوا في العلوم الدنيوية ما بلغوا، فالمُسمَّى الشرعيّ لهم أنهم أهل جاهلية، قال الله عزّ وجلّ: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ(15)، فالجهل الحقيقي هو الجهل بالله عزّ وجلّ والجهل بالأمر الذي خلق الإنسان لأجله، أما مجرد بلوغ الإنسان في أمر معاشه كل مبلغ؛ فذلك لا يعني أنه ليس من أهل الجاهلية ما دام أنه قد أعرض عن ربه تعالى، فوصف الجاهلية لا يرفع عنه وإن وصل في أمور الدنيا ما وصل، الأمر كما قيل: «أبني إن من الرجال بهيمة في صورة الرجل السميع المبصر، يدري إذا كان المصاب بماله وإذا كان يُصاب بدينه لا يشعر»(16) فهمهم أموالهم ومآكلهم ومشاربهم ومناكحهم كما تعيش البهائم، أما أمور دينهم ولماذا خلقهم الله تبارك وتعالى فلا يرفعون به رأسا، لا شك أن هذا الوضع وضع جاهلية، ولا غرابة في تسميتهم بهذا فقد سمى الله عزّ وجلّ كثيرا من الجن والإنس باسم لزمهم إلى يوم القيامة، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ(17) هذا الصنف من الجن والإنس سماهم الله تعالى بهذا الاسم ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً(18) فهل يُستكثر على من وصفوا في كتاب الله تعالى بأنهم أضل سبيلا من الأنعام هل يستكثر عليهم بأن يوصفوا بأنهم من أهل الجاهلية؟ نعم؛ هم من أهل الجاهلية، الجاهلية الجزئية - كما قلنا - توجد في بعض الأماكن، وتبقى مسألة ينبغي أن يضبطها طالب العلم في موضوع الجاهلية الجزئية؛ وهي أنه قد توجد خصلة من خصال الجاهلية في الرجل من أهل الإسلام؛ يكون الرجل مسلما لكن فيه خصلة من خصال أهل الجاهلية، دل على هذا حديث أبي ذر رضي الله عنه، فمع أن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء أصدق لهجة من أبي ذر»(19) إلَّا أنه مرة اختصم مع بلال رضي الله عنهما، وكان بلال رضي الله عنه أسودا من الحبشة، فقال له أبو ذر رضي الله عنه: (يا ابن السوداء) يعني أن أمك لونها أسود، فقال له عليه الصلاة والسلام: «يا أبا ذر، أَعيَّرته بأمه؟!» جاء في بعض الروايات أنه قال: «من سب الرجال سبوا أباه وأمه» قال: «إنك امرؤ فيك جاهلية»، قال: «أعلى هذا السن مني يا رسول الله؟»(20) يعني: بعد هذا العمر، وبعدما أسلم - لأن أبا ذر أسلم قديما رضي الله عنه -، قال: «نعم، إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم»، فأبو ذر رضي الله عنه لما قال صلّى الله عليه وسلّم هذا المقال أحسن التأدب رضي الله عنه وأرضاه، لأنه قال صلّى الله عليه وسلّم: «فمن كان أخوه تحت يده؛ فليطعمه مما يطعم وليلبسه مما يلبس»(21) فكان يُلْبِسُ غلامه كما يلبس هو، فإذا لبس ثوبا ألبس غلامه مثلَه، وإذا سئل - لأن العادة أن الإنسان قد يصطفي لنفسه اللباس الأحسن، ويبقى أمر نفقته على مولاه ومن تحت يده لا يلزمه أن يلبسه اللباس الأوفى والأحسن، تلزمه كسوته؛ لكن الكسوة أمرها واسع، فكان يُلبسه كما يلبس رضي الله عنه تخلصا من خصلة الجاهلية.

فهذه المسألة وهي وجود خصلة جاهلية في مسلم لا تعني أن الرجل كافر، ولا تعني أن الرجل حاله حال أهل الجاهلية تماما، ولكن يُقال كما قال النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «إنك امرؤ فيك جاهلية» ولم يقل: إنك من أهل الجاهلية، فقال: فيك جاهلية.

هذه الجاهلية الجزئية تبقى في بعض الناس في خصال، والناس في هذا بين مُقِلٍّ ومستكثر، هذا مما يجعل هذا الكتاب من أنفع ما يكون للناس اليوم، فكم هم الذين - مثلا - يُعَيِّرُون الناس بألوانهم؟ لا شك أنهم كثير، فإذا علم المسلم أن هذا التَّعيير من خصال الجاهلية حَذِرَهُ واجتنبه، وطهَّر لسانه من مثل هذه الألفاظ، كما أنه يطهر لسانه من النطق بهذه الأمور الدالة على ازدراء أخيه المسلم أمام الناس؛ فإنه يطهر قلبه وينزه نفسه من أن يكون الضابط عنده في التعامل مع عباد الله بالألوان أو اللسان أو الأوطان أو القبائل أو نحو ذلك، ولذلك قلنا: إن هذا الكتاب فيه هذه الفائدة لأن فيه علاجا حقيقيا لأمور ينبغي أن يقال: إنها ليست في العامة وحدهم؛ بل توجد حتى في بعض طلبة العلم، إذا كان النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يقول لأبي ذر رضي الله عنه لما قال ما قال - وهو من هو رضي الله عن أبي ذر في إيمانه وتقواه - إذا قال: «إنك امرؤ فيك جاهلية» حتى تَخَلَّصَ رضي الله عنه من تلك الخصلة الجاهلية؛ فغيره ممن لا يبلغ مقامه؛ لا يُستكثر أن يقع في خصلة من خصال الجاهلية، لذلك ينبغي أن توطن النفوس على التخلص من خصال الجاهلية لأنها لا شك أنها مَذَمَّة، الشرع إذا أطلق على خصلة هذا الاسم - الجاهلية - لا شك أن هذا الإطلاق دال على الذم، لأن الجاهلية - كما قلنا - هي الحالة التي كانت قبل الإسلام، فالذي فيه خصلة من خصال الجاهلية قد أخذ شيئا مما كان عليه أهل الكفر - وإن لم يكن كافرا - واتسم به وترك ما ينبغي أن يأخذه من دين الله عزّ وجلّ، ولهذا قال أهل العلم: إن الكفر شعب والنفاق شعب، فيكون في المسلم شعبة من شعب النفاق وإن لم يكن منافقا خالصا، كما في الحديث «ثلاث من كن فيه كان منافقا»(22) وذكر خُلْفَ الوعد والكذب في الحديث وإذا خاصم فجر، والحديث مروي بأكثر من لفظ يدل على أن خصال النفاق كثيرة، فمن كان فيه خصلة من هذه الخصال كان فيه خصلة من النفاق، فيكون مسلما لكن فيه هذه الخصلة، وهكذا ما ذكر النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم من إطلاق الكفر على بعض الأعمال، يقال فيه خصلة من خصال الكفر وإن لم يكن كافرا، كقوله صلّى الله عليه وسلّم «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر»(23)، فالقتال الواقع بين المسلمين على غير الحق هذا خصلة من خصال الكفر، ولا يعني أنهم كفار بنص قوله عزّ وجلّ ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا(24) قال البخاري رحمه الله: فسماهم مسلمين، يعني فسماهم مسلمين مع الاقتتال، فينبغي الحذر من هذه الخصال وذلك ثمرة من ثمار العلم، من أعظم ثمار العلم ما يهيأ الله عزّ وجلّ لمن وفق له من العمل به، إذ هو ثمرة العلم، فأما أن يعرف الإنسان خصال الجاهلية وهو متسم بها متصف بها - والعياذ بالله - فذلك مما يدل على أنه لم ينتفع بعلمه، وهذه الخصال كما سترى إن شاء الله كثيرة متنوعة متعددة، منها ما يكون متعلقا بالقلوب ومنها ما يكون متعلقا بالألفاظ ومنها ما يكون متعلقا بالأفعال والممارسات، فينبغي أن يجتنبها المسلم وأن يكون لهذا العلم فائدته بأن يطهر صاحبه من هذه الخصال، لأن هذه الخصال بمثابة النجس، فإذا سلم الله تعالى المؤمن من هذه الخصال السيئة فإنه يكون قد تطهر وقد تنزه وتنظف كما يكون على بدنه نجاسة أو على بدنه وسخ فيغسله بالماء، فينبغي الحرص على تحقيق العلم والانتفاع به؛ وإلا فإن الإنسان يكون بذلك عالما بأمور هي عليه حجة إذ لم يعمل بها، لا شك أن التخلص من خصال الجاهلية يحتاج إلى مصابرة لأن بعض هذه الخصال في الحقيقة قد تكون مما نُشِّأ عليه الإنسان منذ صغره كالفخر بالأحساب - على سبيل المثال - والطعن في الأنساب، هذه من خصال الجاهلية كما جاء في نص الحديث، لا يسهل على كثيرين أن يتخلصوا من تفاخرهم بأحسابهم، ولا يسهل على كثيرين أن يتخلصوا من طعنهم في أنساب غيرهم، ويدلك على هذا حال الغضب، فإن حال الغضب - نعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا - تظهر فيه أمور قد تكون كامنة في النفوس، فإذا غضب الإنسان ظهر ما عنده من طعن في نسب الناس، وإذا جاءت المفاخرة ظهر ما عنده من تفاخر في الأنساب والترفه والتعالي بهذا التفاخر على غيره، وهكذا أمور كثيرة تأتي بإذن الله عزّ وجلّ تباعا في هذا الكتاب نشرحها بعون الله عزّ وجلّ واحدة واحدة.


(1) النمل: 59.
(2) المائدة:50.
(3) الفتح: 26.
(4) آل عمران: 154.
(5) الأحزاب: 33.
(6) صحيح البخاري (30).
(7) صحيح مسلم (1848).
(8) الجمعة:2.
(9) صحيح مسلم (1920).
(10) صحيح. رواه أحمد (4342) بتمامه في المسند. والشطر الأول منه رواه البخاري (7067) تعليقا، وهو في مسلم (2949) من حديث ابن مسعود بلفظ (لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس)، ورواه ابن حبان في صحيحه (6847). وصححه الألباني رحمه الله في كتابه (تحذير الساجد) (ص23).
(11) صحيح مسلم (2940).
(12) مسند أحمد (6555).
(13) صحيح مسلم (2907).
(14) صحيح مسلم (2865).
(15) الروم:7.
(16) يُنسبُ هذا البيت إلى أبي عمرو بن العلاء، كما في تاريخ دمشق لابن عساكر (365/73).
(17) الأعراف:179.
(18) الفرقان: 44.
(19) صحيح. رواه الترمذي في سننه (3801)، انظر صحيح الجامع الصغير (5538).
(20) صحيح البخاري (6050).
(21) صحيح مسلم (1661).
(22) صحيح البخاري (34).
(23) صحيح البخاري (48).
(24) الحجرات: 9.