موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - صفوة أصول الفقه - صفوة أصول الفقه
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / المتون / صفوة أصول الفقه لـ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي
  
 
صفوة أصول الفقه - صفوة أصول الفقه

مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين، وسلم تسليما  كثيرا.

أما بعد :

فإن علم أصول الفقه علم شريف مهم يحصل بمعرفته لطالب العلم ملكة يقتدر بها على النظر الصحيح في أصول الأحكام، ويتمكن من الاستدلال على الحلال والحرام، ويستعين به على استنباط الأحكام الشرعية من الكتاب والسنة، ويعرف كيفية ذلك كله وطريقه.

وهذا مختصر انتقيته من كتب أصول الفقه اقتصرت فيه على المهم المحتاج إليه واجتهدت في توضيحه؛ لأن الحاجة إلى التوضيح والبيان أشد من الحاجة إلى الحذف والاختصار، وأرجو الله تعالى الإعانة والسداد وسلوك أقرب طريق يوصل إلى الهدى والرشاد بمنه وكرمه. آمين.

اعلم أن أصول الفقه هي: الأدلة الموصلة إليه، وأصلها: الكتاب والسنة والإجماع والقياس.

والأحكام الشرعية خمسة:

الواجب: وهو ما أثيب فاعله وعوقب تاركه. والحرام يقابله. 

والمسنون: وهو ما أثيب فاعله ولم يعاقب تاركه. وضده المكروه.

والمباح: ما لا يتعلق به مدح ولا ذم.

وإذا ورد الأمر في الكتاب والسنة فالأصل أنه للوجوب إلا بقرينة تصرفه إلى الندب أو الإباحة، إذا كان بعد الحظر غالبا، والنهي للتحريم إلا بقرينة تصرفه إلى الكراهة.

ويتعين حمل الألفاظ على حقائقها دون ما قالوا: إنه مجاز، وعلى عمومها دون خصوصها، وعلى استقلاله دون إضماره، وعلى إطلاقه دون تقييده، وعلى أنه مؤسس للحكم لا مؤكد، وعلى أنه متباين لا مترادف، وعلى بقائه دون نسخه إلا بدليل يدل على خلاف ما تقدم، وعلى عرف الشارع إن كان كلاما للشارع، وعلى عرف المتكلم به في أمور العقود وتوابعها.

الوسائل لها أحكام المقاصد، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وما لا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب، والصحيح من العبادات والعقود والمعاملات ما اجتمعت شروطها وفروضها، وانتفت مفسداتها، والباطل والفاسد بالعكس.

وما كان طلب الشارع له من كل مكلف بالذات فهو فرض عين، وما كان القصد مجرد فعله والإتيان به، ويتبع ذلك مصلحة الفاعل فهو فرض كفاية إذا فعله من يحصل به المقصود كفى عن غيره، وإن لم يفعله أحد أثم كل من علمه وقدر عليه، وهو يصير فرض عين في حق من يعلم أن غيره لا يقوم به عجزا أو تهاونا.

وإذا تزاحمت مصلحتان قدم أعلاهما، أو مفسدتان لا بد من فعل إحداهما ارتكب أخفهما مفسدة، وإذا اشتبه المباح بالمحرم في غير الضرورة وجب الكف عنهما، والأمر يقتضي الفورية.

والحكمة الشرعية، ويقال لها: العلة؛ هي المعنى المناسب الذي شرع الحكم لأجله.

ويعم الحكم بعموم علته؛ كما أن اللفظ العام يخصص إذا علم خصوص علته.

والسبب: هو الذي يلزم من وجوده الوجود، ومن عدمه العدم لذاته. والشرط ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته.

والعزيمة: حكم ثابت بدليل شرعي خال من معارض راجح، وضدها الرخصة ، والناسي والمخطئ والمكره لا إثم عليهم، ولا يترتب على فعلهم فساد عبادة، ولا إلزام لهم بعقد، والناسي والمخطئ يضمنان ما أتلفاه من النفوس والأموال.

فصل

السنة: قول النبي صلى الله عليه وسلم وفعله وإقراره، فقوله واضح، وفعله الأصل فيه أنه مندوب وقد تصرفه القرينة إلى الوجوب أو الخصوصية، إلا أفعاله التي علم أنه لم يفعلها على وجه التشريع؛ كالأمور التي يفعلها اتفاقا بلا قصد لجنسها، فإنها تكون مباحة. والأصل أن أمته أسوة له في الأحكام كلها، إلا ما خصه الدليل. وإقراره صلى الله عليه وسلم على شيء يدل على الجواز إلا بدليل. ويقدم قوله على فعله.

فصل

إجماع الأمة على حكم شرعي حجة قاطعة لا يحل لأحد مخالفة الإجماع المعلوم، ولا بد أن يستند الإجماع إلى دليل شرعي يعلمه ولو بعض المجتهدين.

والخبر المتواتر لفظا أو معنى يفيد اليقين بشرط أن ينقله عدد لا يمكن تواطؤهم على الكذب والخطأ، فإذا لم يبلغ هذه الدرجة قيل له: آحاد. وقد يحتف ببعض أخبار الآحاد من القرائن ما يفيد معه القطع.

وقول الصحابي إذا لم يخالفه غيره من جملة الحجج، وإذا خالفه غيره رجع إلى الترجيح، وإذا خالف رأي الراوي روايته عمل بروايته دون رأيه.

والأمر بالشيء نهي عن ضده، والنهي عن الشيء أمر بضده.

والتحريم إن رجع إلى ذات العبادة أو شرطها فسدت، وإن رجع إلى أمر خارج عن ذلك حرم ولم يفسد.

ومن صيغ العموم: (من وما وأي وأين) ونحوها، والموصلات والألفاظ الصريحة في العموم؛ كـ(كل وأجمع) ونحوهما، وما دخلت عليه (ال) من الجموع والأجناس، والمفرد المعرف باللام غير العهدية، والمفرد المضاف لمعرفة، والنكرة في سياق النفي أو النهي أو الشرط أو الاستفهام.

فصل

وتخصيص العموم يكون بالشرط أو الصفة أو نحوهما؛ فيعمل بذلك في كلام الشارع وكلام المكلفين.

والمطلق من الكلام يحمل على المقيد في موضع آخر إلا إذا تضمن ذلك تأخير البيان عن وقت الحاجة.

والمجمل والمشتبه يحمل على المحكم الواضح المبين في موضع آخر.

ويجب العمل بالظاهر ولا يعدل عنه إلا لدليل ، والكلام له منطوق يوافق لفظه أو يدخل المعنى في ضمن اللفظ فيدخل في منطوقه، وله مفهوم وهو المعنى الذي سكت عنه، إن كان أولى أو مساويا لحكم المنطوق به كان مفهوم موافقة، يكون الحكم عليه كالحكم على المنطوق به، وإن كان خلافه قيل له: مفهوم المخالفة. فيكون الحكم فيه مخالفا للحكم في المنطوق به بشرط ألا يخرج مخرج الغالب، ولا يكون جوابا لسؤال سائل، ولا سيق للتفخيم أو الامتنان، ولا لبيان حادثة اقتضت بيان الحكم المذكور.

فصل

والنسخ: هو رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر عنه، ولا يصار إليه إلا بعد تعذر الجمع بين النصين من كل وجه.

وأما القياس؛ فهو تسوية فرع غير منصوص عليه بأصل منصوص عليه إذا كانت العلة واحدة؛ بحيث لا يكون بينهما فرق. وهذا مبني على الجمع بين المتماثلين في الحكم، والتفريق بين المتخالفين، وهو حجة عند جمهور الأصوليين، ويتفاوت تفاوتا كثيرا في قوته وضعفه.

ومن القواعد المقررة أن اليقين لا يزول بالشك، والأصل بقاء ما كان على ما كان، ولا يزال الضرر بالضرر، والضرورات تبيح المحظورات، والعجز يسقط الواجبات، والمشقة تجلب التيسير، والرجوع إلى العرف في كثير من الأمور، والأصل في العبادات المنع؛ فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله ورسوله، والأصل في العادات الإباحة؛ فلا يحرم منها إلا ما حرمه الله ورسوله، وكل ما دل على مقصود المتعاقدين والمتعاملين من الأقوال والأفعال انعقدت به العقود، والمقاصد والنيات تعتبر في المعاملات كما تعتبر في العبادات، ويعمل عند التعارض بأقوى المرجحات؛ ولذلك قد يعرض للمفضول من المرجحات ما يصير به مساويا للفاضل أو أفضل منه. {والله أعلم}.

تم والحمد لله وحده، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

قال ذلك وكتبه عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي. 10 صفر سنة 1355هـ.