موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - المحاضرة الأولى - شرح فقه السلف في أشراط الساعة
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح فقه السلف في أشراط الساعة لفضيلة الشيخ منصور بن عبدالعزيز السماري
  
 
شرح فقه السلف في أشراط الساعة - المحاضرة الأولى

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد ..

فسوف نبدأ -بعون الله تعالى- في الحديث عن أشراط الساعة، وفِقْه السلف وأهل العلم في هذه الأشراط، وكيف تنزل؟

إن أشراط الساعة هي من أصول العلم، وهي من أمر الدين؛ لأنه كما تعلمون في الحديث الطويل، حديث جبريل عليه السلام الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة(1) في صحيحيهما، ورواه الإمام مسلم في صحيحه من حديث عمر بن الخطاب(2)، وهو أحسن سِيَاقةً وأتمَّ، ورواه غيرهم من أهل العلم في كتب السنن والمسانيد وغيرها، وهو أنه في آخر عهد النبي صلى الله عليه وسلم.. سأسوقه بمجموعه أو مجمل رواياته في الصحيح وغيره مما صحَّ إسناده، في آخر عهد النبي صلى الله عليه وسلم، يقول عمر رضي الله عنه: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ، إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ، لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ، حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، وَقَالَ: «يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنِ الْإِسْلَامِ»، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا»، قَالَ: «إِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ؛ فَأَنَا مُسْلِمٌ؟»، قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ: «فَأَخْبِرْنِي عَن الإِيمَانِ»، قَالَ: «الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بالله، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَبِاليَوْمِ الآخِرِ، وبِالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ، حُلْوِهِ وَمُرِّهِ»، قَالَ: «فَإِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ؛ فَأَنَا مُؤْمِنٌ؟»، قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ: «صَدَقْتَ»، قَالَ: «أَخْبِرْنِي عَن الإِحْسَانِ»، قَالَ: «أَنْ تَعْبُدَ الله كَأنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لم تَكُن تَرَاهُ، فإِنَّه يَرَاكَ»، قَالَ: «صَدَقْتَ»، قَالَ: «فَأَخْبِرْنِي عَن السَّاعَةِ»، قَالَ: «مَا المَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِن السَّائِلِ»، قَالَ: «فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَاتِهَا»، وفي رواية أنه قال: «وَلَكِنْ أُخْبِرُكَ عَنْ أَمَارَاتِهَا»(3)، قَالَ: «أَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ»، «وَأَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّهَا» وفي رواية: «رَبَّتَهَا»(4)، وفي رواية قال: «أَنْ تَرَى العَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ مُلُوكَ النَّاسِ أَوْ رُؤُوسَ النَّاسِ»(5)، وفي لفظ كما في مسلم: «أَنْ تَرَى الصُّمَّ البُكْمَ مُلُوكَ الأَرْضِ»(6)، ثم ذهب جبريل عليه السلام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَدْرِكُوهُ»، فلم يروا شيئًا، يقول عمر: فلقيني النبي صلى الله عليه وسلم بعد ثلاث، يعني: بعد ثلاث ليال، فقال: «يَا عُمَرُ أَتَدْرِي مَن السَّائِلُ؟»، قال: «الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ»، قال: «هَذَا جِبْرِيلُ جَاءَكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ مَا أَتَانِي فِي صُورَةٍ إِلَّا عَرَفْتُهُ غَيْرَ هَذِهِ الصُّورَةِ»(7)، وفي رواية: «يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ»(8)، هذا هو الحديث بتمامه، وفيه بيان أمر الدين وعظم الدين وأصل الدين، وهو أن الإنسان يعرف من دينه الإسلام، والإيمان، والإحسان، وأمارات الساعة، هذه هي التي جاء جبريل يعلِّمها الناس في آخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا فَقِه الإنسان في هذه الأمور، وعَلِمَها؛ فإنه ـ بإذن الله ـ يكون ممن عرف دينه، أما باقي الدين وهو أمر المعاملات؛ فتلك أيضًا هي من الدين، معرفة الحلال من الحرام.

ولكن هذه هي الدين الذي يُقبل من العبد أنه مسلم أو غير مسلم، مؤمن أو غير مؤمن، وأما الحلال والحرام؛ فقد يتأول أو يخطأ فيه، أما في الدين، فالخطأ فيه كفر، نسأل الله السلامة، ولذلك ينبغي للإنسان أن يدرس أركان الإسلام دراسة تامة وافية، وكذلك أركان الإيمان، وكذلك كيف يعبد الله بإسلامه وإيمانه وهو الإحسان؛ لأنه قال: «أَنْ تَعْبُدَ الله كَأَنَّكَ تَرَاهُ»، يعني: أن تُسلم وجهك لله عز وجل بأعمال الإسلام، وأن تؤمن أيضًا بأمور الإيمان، محسنًا في ذلك، محسنًا في إسلامك وفي إيمانك لله عز وجل، فتعبده كأنك تراه، ولا تكون تلك العبادة إلا بمعرفة أسمائه وصفاته وأفعاله عز وجل، فإذا عرف الإنسان عظمة ربه عبده حق العبادة وأحسن في العبادة.

الذي يعنينا من حديث جبريل هو أمارات الساعة، وسوف نأتي في عرض أمارات الساعة إلى ما ذكر منها في حديث جبريل عند موطنه، إنما عرفنا من هذا الحديث أن أمارات الساعة من ماذا؟ من الدين، ومعرفتها من الدين، ولا يُقلَّل من شأنها؛ لأنها هي مما يدل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ولذلك أفرد كثيرًا منها البخاري في صحيحه في "المناقب"، في باب "من علامات النبوة"، أفرد كثيرًا من الأشراط، ذكر فيه قرابة سبعة وخمسين حديثًا في هذا الباب، باب "من علامات النبوة"، و ذكر كثيرًا من أشراط الساعة، لماذا؟ لأن هذه الأشراط وهذه الدلائل تؤكد عند المسلم نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وتزيده يقينًا، وتزيده إيمانًا، وتزيده بعد ذلك تسليمًا، فهي من الآيات والدلائل والعلامات على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم.

إذًا؛ هي من شهادة أَنَّ محمدًا رسول الله، هناك أمور قبل أن نبدأ أيضًا في ذِكر الأشراط، مثل تحديد زمن وقوع الشـرط، والعلامة والأمارة، هذا الأمر لا يكون لأي أحد، يقول: أنا أُحدِّد الشرط، وأقول: سوف يقع في الوقت الفلاني الشرط الفلاني، أو العلامة الفلانية، وهي لم تقع بعد، الخوض في هذا كالخوض في الساعة، مثل الذي يقول: الساعة سوف تقع بعد مائة سنة، أو خمسين سنة، الذي يقول السنين، الذي يقول هذا في الساعة هو مثله الذي يقول في أشراط الساعة التي لم تقع.

كيف نعرف أو ماذا نستفيد من معرفة أشراط الساعة؟ نعرف الذي ظهر منها، والذي وقع بين ظهرانينا ونعرفه، ونعرف أن الذي لم يقع سيقع، كما وقع الذي سبقه ونوقن بذلك، هذا هو الفائدة العظيمة من أشراط الساعة وهذا يزيدك إيمانًا، ويكتفي المرء لزيادة إيمانه أن يعرف الأشياء والعلامات الظاهرة الواقعة في الزمن الذي قبله، والذي هو في زمنه هو ويعيشه، وسوف يمر بنا -إن شاء الله.

إذًا؛ معرفة أمارات الساعة هو من جنس معرفة الساعة؛ لأنه سمي أشراط الساعة، فأشراطها مثلها لا تعلم حتى ماذا؟ حتى تقع، إذا وقعت علمت، لكن قبل أن تقع لا تعلم، ولا يَستغرب الإنسان ذلك، يعني لا يقول: أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ كَذا»، نقول: حتى لو قال يوشك، أو قال: «بَيْنَ يَدَي السَّاعَةِ»، أو «لا تَقُومُ السَّاعةُ»، أو «مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ»، أو «سَيَكُونُ فِي آَخِرِ الزَّمَانِ»، كل هذه الألفاظ لا يتفقه فيها طالب العلم المسلم لا يتفقه فيها على أنها هذه أقرب من هذه أو هذه أبعد من هذه، وأضرب لكم مثلًا، النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ المُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الجِبَالِ وَمَوَاقِعَ القَطْرِ، يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الفِتَنِ»(9)، كما رواه البخاري في صحيحه من حديث أبي سعيد(10)، وبَوَّب عليه أبوابًا عدة، هي: باب التَّعَرُّبِ في الفتنة، وباب الفرار بالدين من الفتن، فهذا الحديث قال أهل العلم ـ ومنهم الصحابة، مثل سعد بن أبي وقاص وغيرهم ـ نزَّلوه في وقت النبي صلى الله عليه وسلم لَـمَّا وقعت الفتنة بعد مقتل عثمان رضي الله عنه، فقالوا لمن يستنصحهم: «خُذْ غَنَمًا واتْبَع بِهَا شَعَفَ الجِبَالِ حَتَّى تَنْجَلِي عَمَّا تَنْجَلِي»، إذا انجلت هذه الفتنة أقبل إلى المدينة، إذًا؛ نزَّلوا ذلك في ذاك الزمان.

وكذا ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في "المنهاج" وغيره أن هذا وقع في عهد الصحابة، ونعلم أنه يقع في عهد الصحابة وفي غيرهم، لكنه أول ما وقع، وقع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، لـما قال: «يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ».

هناك (يوشك) في حديث آخر؛ «يُوشِكُ أَنْ يَحْسِـَر الفُرَاتُ عَنْ جَبَلٍ مِنْ ذَهَبٍ»(11)، وفي رواية: «عَنْ كَنْزٍ مِنْ ذَهَبٍ»(12)، هذه في الصحيحين، وهناك رواية عند أحمد: «..عَنْ جَزِيرَةٍ مِنْ ذَهَبٍ»(13)، وسوف يأتينا ـ إن شاء الله ـ ، هل وقع هذا؟ لم يقع، إذًا؛ «يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ المُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الجِبَالِ وَمَوَاقِعَ القَطْرِ، يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الفِتَنِ»، ومواقع القطر وقع بعد النبي بعشرين أو نحو بضع وعشرين سنة، «يُوشِكُ أَنْ يَحِسـرَ الفُرَاتُ عَنْ جَبَلٍ مِنْ ذَهَبٍ»، لنا الآن ألف وأربعمائة سنة وزيادة ولم يقع، انظر الفرق بين يوشك هذه، ويوشك هذه.

إذًا؛ التفقُّه في كلمة «يوشك»، أو في آخر الزمان أو كذا، يدل على أنه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم أو في آخره هذا لا يدل، إلا أن يأتي نص من النبي صلى الله عليه وسلم على أن هذا يحصل بعد وفاته أو في العهد الذي بعده، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال في الخوارج:  «يَأْتِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ حُدَثَاءُ الأَسْنَانِ، سُفَهَاءُ الأَحْلاَم»(14)، خرجوا أو ما خرجوا؟ استشهد به علي رضي الله عنه على الخوارج في زمنه، هل نقول: علي رضي الله عنه استشهد بشيء في غير وقته؟ لا، بل استشهد بالشـيء في وقته، وهم خرجوا في زمنه وقتلهم، ولا يزالون يخرجون.

وأحاديث أخرى أنه «كُلَّمَا خَرَجَ قَرْنٌ قُطِعَ، أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ مَرَّةً، حَتَّى يَخْرُجَ فِي عِرَاضِهِمُ الدَّجَّالُ»(15)، هذا سوف يأتينا أو نشير إليه ـ إن شاء الله ـ في الأحاديث.

الشاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يَأْتِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ»، يقول قائل: النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فِي آخِرِ الزَّمَانِ»، نقول: نعم النبي صلى الله عليه وسلم هو نبي آخر الزمان، وهو من أشراط الساعة، فما يقوله صلى الله عليه وسلم فهو من زمنه إلى أن تقوم الساعة كلها أشراط، فما وقع عرفنا زمنه، وما يقع في زماننا عرفناه، وما يزيد ويزداد نعرفه أيضًا، وما سوف يقع نعرف أنه سيقع وإن لم نعرف وقته الذي سيقع فيه، أيضًا نقدم بين يدي هذه الأشراط تقسيم الأشراط إلى: "أشراط كبرى"، و"أشراط صغرى"، هذا تقسيم اصطلاحي ليس فيه نص من النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: هذا شرط أكبر، وهذا شرط أصغر أبدًا، وإنما أهل العلم نظروا إلى العشر آيات التي سيقت في حديث واحد، وهو حديث أبي سريحة حذيفة بن أسيد رضي الله عنه، والذي أخرجه مسلم في صحيحه، لـما يقول: كنا في مجلس نتذاكر الساعة، فأشرف علينا النبي صلى الله عليه وسلم من شرفه، فقال: «مَا تَذَاكَرُونَ»، قلنا: نَذْكُرُ السَّاعَةََ، قال: «إِنَّهَا لَنْ تَقُومَ حَتَّى تَرَوْنَ قَبْلَهَا عَشْرَ آيَات»(16)، ثم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم العشر آيات، وسوف تأتي -إن شاء الله.

هذه العشر آيات، سماها بعض أهل العلم الأشراط الكبرى، مع أننا نعلم أن فيه أشراط مثلها أو أكبر، موت النبي صلى الله عليه وسلم شرط كبير، أو ليس كبيرًا؟ أكبر من كثير من هذه الأشراط.

بل موته شرط عظيم وفتنة عظيمة، كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد والحاكم بسند صحيح، حديث عبد الله بن حوالة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ نَجَا مِنْ ثَلَاثٍ، فَقَدْ نَجَا - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ -: مَوْتِي، وَالدَّجَّالُ، وَقَتْلُ خَلِيفَةٍ مُصْطَبِرٍ بِالْحَقِّ مُعْطِيه»(17)، هذه هي الثلاث الفتن العظيمة، الفتنة الأولى والثانية قد مَضَتْ وهي موت النبي صلى الله عليه وسلم ومقتل عثمان، وهي لا يزال إلى الآن الناس مفتونين بها، أم هل انتهت الفتنة بموت النبي صلى الله عليه وسلم؟ ما انتهت، هناك ناس إلى الآن يعتقدون أنه حَيٌّ، أليس كذلك؟ وأيضًا ناس إلى الآن مفتونون بمقتل عثمان، من هؤلاء؟ الروافض، وغيرهم من الخوارج الذين يُكفِّرون عثمان، ويُكفِّرون عليًّا وغير ذلك، وهؤلاء لو كانوا في زمن عثمان لأرادوا قتله أيضًا والله المستعان.

ثم الفتنة التي هي أعظم فتنة على وجه الأرض فتنة الدجال وسوف تأتينا، إذًا؛ التقسيم إلى كبرى وصغرى هذا أمر اجتهادي.

أيضًا أمر آخر وهو خطأ يظن كثير من القارئين في الأشراط أنه لا تظهر الكبرى حتى تنقضي الصغرى في ظنهم، وهذا ليس صحيحًا، بل الأشراط التي حَدَّثَ بها النبي صلى الله عليه وسلم حتى تروا كذا، حتى تروا كذا، لا تقوم الساعة حتى يكون كذا، هي تظهر من زمنه حتى قيام الساعة، بل بعض الأشراط تكون في داخل الآيات العشـر، وبعضها بعد الآيات العشـر، وقبيل قيام الساعة، فلا يلزم أن الآيات العشـر لا تخرج أو لا تظهر حتى تظهر جميع الآيات الصغرى، هذا ليس صحيحًا وليس مبنيًّا على حديث يدل عليه.

أيضًا من الأصول التي ينتبه لها الإنسان أن الأشراط ـ أشراط الساعة ـ منها ما يكون فتنة وهذا الأكثر، من الأشراط ما يكون فتنة، ومنها ما يكون منحة ونعمة من الله عز وجل، مثل نزول عيسى عليه السلام، وكذلك المهدي، فهؤلاء من الأمور التي هي نِعَمٌ على الناس وليست مِحَنًا، لكن الأكثر والأشهر أن أكثر الأشراط تكون فتنًا، كما سيمر بنا بعون الله تعالى.

نُقسِّم الأشراط من حيث ظهورها إلى ثلاثة أقسام، وأشرت إليها في حديثي وهي أشراط ظهرت وانقضت، وأشراط ظهرت ولا تزال تظهر حتى تَسْتَحْكِم، يعني: حتى يتم استحكامها وتمامها، وأشراط لم تظهر بعد، وهي لا شك سوف تظهر، التي نشير إليها تستحكم، قالوا مثل: التطاول في البنيان، فالتطاول في البنيان من قديم، والسلف يتحدثون عنه ويشيرون إليه، وبدءوا يذكرونه، قالوا: كان يتزايد الناس ولا يزال يتزايد بعضهم على بعض في البنيان، فيطيل هذا بنيانه كذا ذراعًا، والآخر يزيده ذراعًا على جاره وهكذا، يقول الحافظ ابن حجر يقول: وهذا الأمر يزداد حتى يستحكم في آخر الزمان وعندنا في وقتنا هذا يقول بعضهم مثلاً: ما بعد هذا التطاول تطاول، حصل تطاول في البنيان وخاصة عند العرب الذين وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم سوف يتطاولون في البنيان، وسوف يأتي الحديث عنه ـ إن شاء الله ـ في موطنه.

نبدأ إذًا بالحديث عن إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بأشراط الساعة، النبي صلى الله عليه وسلم حَدَّثَ في أحاديث كثيرة وذَكَرَ أشراط الساعة بأوصاف، مرة يقول: «سيخرج في آخر الزمان»، و«سيكون في آخر الزمان»، و«بين يدي الساعة»، و«لا تقوم الساعة»، و«إن من أشراط الساعة»، و«إن من أمارات الساعة»، و«يوشك أن يكون كذا»، «يوشك أن يكون كذا»، وهكذا تأتي مثل هذه الألفاظ كلها تدل على أشراط الساعة في أحاديث متفرقة، وقد خطب النبي صلى الله عليه وسلم خطبة مشهورة كان جِلُّها ذكر الحوادث والفتن، ذكر فيها الحوادث والفتن وأشراط الساعة؛ لأن الذين رووا هذه الخطبة إجمالاً وصفوها بهذا الوصف، فأخرج الإمام مسلم في صحيحه، عن أبي زيد عمرو بن أخطب، حتى لا تنسون الاسم اسمه عمرو بن أخطب وهي خطبة، فاسمه له علاقة بالخطبة، قال: "صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر، ثم خطبنا حتى حضرت الظهر، فنزل وصلى بنا الظهر، ثم صعد المنبر وخطبنا حتى حضـرت العصر، فنزل فصلى بنا العصر، ثم صعد المنبر، فخطبنا حتى غربت الشمس، فأخبرنا بما كان، وبما هو كائن، فكان أعلمنا أحفظنا"(18)، يعني: أعلمنا بهذه الخطبة أحفظنا لها هي أعلمنا، أحفظنا بهذه الخطبة معرفة وضبطًا فهو أعلمنا، هذا الحديث في صحيح مسلم، أيضًا هذه الخطبة أشار إليها حذيفة رضي الله عنه؛ لأن قال هنا: بما كان وبما هو كائن، يعني أمور وحوادث تقع، يقول حذيفة أيضًا في الصحيحين: «قَامَ فِينَا» ـ وهذا لفظ مسلم ـ «قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَقَامًا، مَا تَرَكَ شَيْئًا يَكُونُ فِي مَقَامِهِ ذَلِكَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، إِلَّا حَدَّثَ بِهِ، حَفِظَهُ مَنْ حَفِظَهُ وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ، قَدْ عَلِمَهُ أَصْحَابِي هَؤُلَاءِ، وَإِنَّهُ لَيَكُونُ مِنْهُ الشَّيْءُ قَدْ نَسِيتُهُ فَأَرَاهُ فَأَذْكُرُهُ، كَمَا يَذْكُرُ الرَّجُلُ وَجْهَ الرَّجُلِ إِذَا غَابَ عَنْهُ، ثُمَّ إِذَا رَآهُ عَرَفَهُ»(19)، وهذا أيضًا حذيفة رضي الله عنه يعتبر هو عالم الصحابة بالفتن، وسوف يتردد علينا ذكره كثيرًا في أحاديث الأشراط، كما هو ذكره في أحاديث الفتن كثيرة، ولذلك يحرص الإنسان على وصايا حذيفة في الفتن؛ لأنه هو أعلمهم بالفتن، فوصاياه غالبًا ما تكون إما نصًّا من النبي صلى الله عليه وسلم، أو فهمًا منه فهمه من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في الفتن.

ويقول حذيفة رضي الله عنه أيضًا: والله إني لأعلم الناس بكل فتنة هي كائنة فيما بيني وبين الساعة، وما بي إلا أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم أسرَّ إلي في ذلك بشيء لم يحدثه غيري، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو يحدث مجلسا أنا فيه عن الفتن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يعد الفتن: «مِنْهُنَّ ثَلَاثٌ لَا يَكَدْنَ يَذَرْنَ شَيْئًا، وَمِنْهُنَّ فِتَنٌ كَرِيَاحِ الصَّيْفِ مِنْهَا صِغَارٌ وَمِنْهَا كِبَارٌ»، قال حذيفة رضي الله عنه: فَذَهَبَ أُولَئِكَ الرَّهْطُ كُلُّهُمْ غَيْرِي (20)، يعني: كل أولئك الرهط من الصحابة قد تُوفُّوا وبقيت أنا، فأنا أعلم الناس بهذه الفتن، ولذلك رضي الله عنه هو توفي بعد عثمان رضي الله عنه بأربعين يومًا، فجاءه الصحابة بعد مقتل عثمان، وكان مريضًا، فقالوا: يا حذيفة قتل عثمان، فماذا توصينا أقبلت الفتن؛ لأن الفتن معروف أنها متعلقة بقتل الإمام أو قتل السلطان، فقال حذيفة رضي الله عنه وصية مختصـرة، قال: مَا أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ تُدْرِكُهُ الْفِتْنَةُ، إِلَّا أَنَا أَخَافُهَا عَلَيْهِ إِلَّا مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لَا تَضُرُّكَ الْفِتْنَةُ»(21)، فخرجوا من عنده، يقول: فخرجنا فذهبنا فإذا محمد بن مسلمة رضي الله عنه - فارس رسول الله، وهو من الفرسان الأبطال من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم- قد نصب لها فسطاطًا خارج المدينة، وعنده صخرة ومعه سيف من خشب يضرب به في الصخرة، فقالوا: ما هذا يا محمد؟، قال: هكذا أوصاني النبي صلى الله عليه وسلم إذا ثارت الفتنة، فقال: «يَا مُحَمَّدُ مَا بَالُكَ إِذَا اخْتَلف المُسْلِمُونَ أَوْ ثَارَتْ الفِتْنَةُ»، في رواية، وهذه رواية محمد بن مسلمة رُويت عن عدد من الصحابة، كابن عباس، وابن عمر، وحذيفة، ومحمد بن مسلمة نفسه، فقلت: مَا أَصْنَعُ يَا رَسُولَ الله؟، قال: «إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتْنَةٌ وَفُرْقَةٌ وَاخْتِلَافٌ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَأْتِ بِسَيْفِكَ أُحُدًا، فَاضْرِبْهُ حَتَّى يَنْقَطِعَ، ثُمَّ اجْلِسْ فِي بَيْتِكَ، حَتَّى تَأْتِيَكَ يَدٌ خَاطِئَةٌ، أَوْ مَنِيَّةٌ قَاضِيَةٌ»(22)، ولذلك لـما دعاه علي رضي الله عنه إلى القتال معه قال له محمد بن مسلمة: أَوْصَانِي خَلِيلِي، وَابْنُ عَمِّكَ فَقَالَ: «إِنَّهُ سَيَكُونُ فُرْقَةٌ وَاخْتِلَافٌ فَاكْسِرْ سَيْفَكَ وَاتَّخِذْ سَيْفًا مِنْ خَشَبٍ، وَاقْعُدْ فِي بَيْتِكَ حَتَّى تَأْتِيَكَ يَدٌ خَاطِئَةٌ أَوْ مَنِيَّةٌ قَاضِيَةٌ»، فَفَعَلْتُ مَا أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنْ اسْتَطَعْتَ يَا عَلِيُّ أَنْ لَا تَكُونَ تِلْكَ الْيَدَ الْخَاطِئَةَ، فَافْعَلْ(23).

فهنا حذيفة رضي الله عنه كان أحضـر الناس للفتن، ولذلك سألوه هذا السؤال بعد مقتل عثمان رضي الله عنه، في حديثي هذا قال: «مِنْهُنَّ ثَلَاثٌ لَا يَكَدْنَ يَذَرْنَ شَيْئًا»، وصفناه لكم في أول الحديث، وهن موت النبي صلى الله عليه وسلم، مقتل عثمان، والدجال نعم، مقتل الخليفة هو عثمان رضي الله عنه، والدجال هو أكبر هذه الثلاث، وموت النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك يخطئ بعض الذين كتبوا في الأشراط، أنا ما رأيت أحدًا نَصَّ عليها، لكن يخطئون يقولون: هذه الثلاث منها الدهيمة ومنها كذا ومنها كذا، وينسون هذه الثلاث المنصوص عليها في مسند أحمد، ومستدرك الحاكم، وهي ما ذكرته لكم موت النبي صلى الله عليه وسلم، وقتل عثمان رضي الله عنه، والدجال، ليس عمر، عمر ما حصل فتنة بعد موته، «قتل خليفة مظلوم بالحق يعطيه»، فهم ظلموه، لكن عمر رضي الله عنه قتله مجوسي كافر، أما عثمان قتلوه الذين يزعمون أنهم من المسلمين، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لعثمان رضي الله عنه: «يَا عُثْمَانُ، إِنَّ اللهَ عَسَى أَنْ يُلْبِسَكَ قَمِيصًا، فَإِنْ أَرَادَكَ الْمُنَافِقُونَ عَلَى خَلْعِهِ، فَلَا تَخْلَعْهُ حَتَّى تَلْقَانِي»(24)، فعرفنا أن الذين ثاروا على عثمان ماذا؟ منافقون أو لا؟ أو ثورة مباركة كما يقول بعض السفهاء في عصـرنا، يسمون الثورة على عثمان ثورة مباركة، ويقولون: هذه أول الثورات المباركة على السلطان، الثورة على عثمان ثورة مباركة؟!! بل هي الفتنة التي انفتحت على الأمة، ولذلك كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر، وفي مسند الإمام أحمد قال: «إِذَا وُضِعَ السَّيْفُ فِي أُمَّتِي لَمْ يُرْفَعْ عَنْها إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَة»(25)، أما عمر رضي الله عنه؛ فلا شك أنه هو باب الفتنة الذي إذا كُسِـر انفتحت الفتنة على الناس، لكن متى تقع؟ إنما وقعت بمقتل عثمان، وإلا في حياة عمر رضي الله عنه لا فتن، جاء رجل إلى خالد ابن الوليد رضي الله عنه، وقال: يا أبا سليمان ثارت الفتن، هاجت الفتن، أو أتت الفتن، فقال: لا، ما دام ابن الخطاب حيًّا فلا فتنة؛ لأنهم يعلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بأنه هو غلق الفتنة، هو قُفْل الفتنة، جاءت أحاديث بهذا النص، هو باب الفتنة كما في الصحيحين، وأحاديث الفتن تكلمنا عنها في دورة قبل أسبوع، لعلكم ترجعون لها بالتفصيل.

حذيفة رضي الله عنه أيضًا قال: "أخبرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، فما منه من شيء إلا قد سألته إلا أني لم أسأله ما يخرج أهل المدينة من المدينة"، وهذا الحديث في مسلم، يقول: لم أسأله عن هذا، أنا وقفت على رواية ولا أدري الآن أين، لكن وقفت عليها قديمًا أن أبا هريرة رضي الله عنه، قال: لعلها تجدونها في المسند، أو في بعض المسانيد، يقول: يخرج أهل المدينة من المدينة أمراء السوء، وهذا قد وقع أيضاً وقد يقع كثيرًا يعني في أزمنة متتابعة، لكن وقع زمن استيلاء الترك على الحجاز، أهل القبائل الذين في المدينة وفي مكة فروا إلى الجبال، سكنوا الجبال وتبدوا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى بالبدو في حال الفتن؛ لأنهم خشوا على أنفسهم القتل، فقد يكون في ذاك الزمن، وقد يكون في أزمنة أيضًا قبل أيام القرامطة لما استولوا على الحجاز مكثوا مائة سنة في الحجاز، وهو في عصر متقدم من قريب من عهد البويهيين عام ثلاثمائة وأربعة وثلاثين، لما سيطر البويهيون على الخلافة العباسية صاروا هم الذين يديرون الحكم، بعدما كان يديره قبلهم بنو حمدان الشيعة في دولة بني حمدان، فأصبحوا هم يديرون، هؤلاء الباطنيون الذين جاؤوا من المشرق؛ لأن الفتن كلها تأتي من المشرق أو أعظمها، ثم سيطر القرامطة على جهة شرق الجزيرة، وكان هناك أبو سعيد الجنادي وابنه أيضًا، وهم الذين تسلطوا على الحجاج وقتلوهم في المطاف، وأخذوا الحجر الأسود إلى النجف وبقي عندهم هناك واحدًا وعشرين سنة، ثم ردَّه المسلمون بعد وسائط لـما كان مسيطرًا على مصر الفاطميون القرامطة، أيضًا هم قرامطة، فانظر كيف القرامطة مسيطرين في مصر وفي شرق الجزيرة وأخذوا الحجاز وعلى الدولة العباسية، وكان آنذاك العباسي طفلاً صغيرًا الخليفة العباسي، ولذلك خليفة الأندلس الذي هو عبد الرحمن الناصر الذي جلس في خلافته خمسين سنة، لما رأى هؤلاء سيطروا وكانوا لا يلقبون بالخليفة يلقبون بالأمير، قال: هؤلاء قرامطة كفرة، ونحن أحق بالخلافة، إذًا؛ أنا خليفة المسلمين، وفعلاً هو لُقِّب بالخليفة، وسمي بالخليفة إلى أن توفي.

الشاهد أنها فتن لو تقرؤون التاريخ بدقة يعني أفضل في معرفة الفتن التي وقعت والأشراط التي وقعت والفتن التي لم تقع، يفقه منها ذلك.

طبعًا "البداية والنهاية" لابن كثير ذكر أشياء كثيرة من هذا، وأيضًا "تاريخ الإسلام" للذهبي، مراجعة السنوات وأحداثها، حتى ابن جرير، لكن ابن جرير ينبغي للإنسان أن ينتبه له، و"المنتظم" لابن الجوزي، يعني القصص قد يكون في بعضها قصص لا تصح، وهذه هي خطبة النبي صلى الله عليه وسلم التي أخبر عنها ما كان وما هو كائن إلى قيام الساعة.

أول الأشراط التي وقعت هي مبعث النبي، هذا يُعتبر أول شرط وقع من أشراط الساعة يعني نحده لنا نحن، وإلا الأمم قبلنا يعني قد يكون عيسى من أشراطها في أول بعثته يعني، لكن بالنسبة لنا لأهل الإسلام بعثة النبي صلى الله عليه وسلم هي أول الأشراط، كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب قال: «بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ»(26)، ويشير إلى المسبحة والوسطى، يشير إلى المسبحة أو السبابة كما يسمونها، بعضهم يسميها المسبحة والوسطى، قال قتادة: "مثل ما بينهما من الطول"، يعني: طول هذه، يعني: ما بقي من الساعة إلا هذا، إذا قلنا: أن الساعة والنبي صلى الله عليه وسلم هكذا، يمشون مع بعض مع الوسطى، ثم انتهى النبي صلى الله عليه وسلم هنا، كم بقي على الساعة؟ هذا القدر بقي على الساعة قدر يسير، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ هَكَذَا»(27)، أو قال: «كهاتين» «وكَادَتْ أن  تَسْبِقُنِي إِلَيْكُم»(28)، وأيضًا قال في حديث آخر: «بُعِثْتُ فِي نَسَمِ السَّاعَةِ»(29)، هذا في غير الصحيح، وفي حديث آخر: «فِي نَفَسِ السَّاعَةِ»(30)، ومعروف أن الذي يكون في نفس الشيء يكون قريبًا منه يعني نفسه يصله، هذا بالنسبة لبعثة النبي صلى الله عليه وسلم.

ومن أشراطها أيضًا وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا هو الأمر العظيم أو الفتنة الأولى العظيمة، ويبين ذلك الحديث الصحيح الذي رواه البخاري في صحيحه، من حديث عوف بن مالك رضي الله عنه، يقول: أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو في قُبَّة أَدَم، يعني في قُبَّة هي الخيمة الصغيرة من أَدَم من جلد يعني، وهي عادة ما تسع واحدًا أو اثنين، يتخذها الإنسان معه في سفره تسع واحدًا أو اثنين من أَدَم، يعني وتكون من أَدَم من جلد، يقول: وهو في قبة من أدم في غزوة تبوك، يعني في آخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم، فجئت إليه صلى الله عليه وسلم فقال: «ادْخُلْ يَا عَوْف»، قلت: «بِكُلِّي يا رسول الله؟»، يعني: أدخل فقط رأسي وأستمع، وأسأل، أم أدخل كلي وأجلس بجانبك والمكان صغير؟ قال: «بِكُلِّكَ»، يقول: فدخلت، فجلست عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لي: «اعْدُدْ يَا عَوْفُ، سِتًّا بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ، أَوَّلُهُنَّ مَوْتِي» في بعض الروايات يقول: فبكيت فأخذ يسكتني النبي صلى الله عليه وسلم، ويقول: «قُلْ إِحْدَى» ثم قال: «فَتْحُ بَيْتِ الْمَقْدِس، ثُمَّ مُوتَانٌ يَكُونُ فِي أُمَّتِي يَأْخُذُهُمْ مِثْلَ قُعَاصِ الْغَنَم»، الموتان هو الموت الشديد، إذا حصل موت شديد يعني مات فيه أناس كثير، قال: وقع على آل فلان موتان يعني موتًا شديدًا، يأخذ فيكم كقعاص الغنم، يعني مثل الطاعون الذي يصيب الغنم، الغنم مضـرب مثل للطاعون الذي يصيبها، فتموت جماعات كثيرة، ثم «يَفِيضُ الْمَالُ فِيكُمْ حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيُعْطَى الْمِائَةَ دِينَارٍ فَيَتَسَخَّطُهَا»، يعني يقول: مائة دينار قليلة، «وَفِتْنَةٌ تَكُونُ بَيْنَكُمْ لَا يَبْقَى بَيْتُ مُسْلِمٍ إِلَّا دَخَلَتْهُ، ثُمَّ تَكُونُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ بَنِي الْأَصْفَرِ هُدْنَةٌ»، وبنو الأصفر في لغة الحديث هم الروم، وليس بني الأصفر الذي الآن يُسمَّون شرق الأرض يُسمَّون اليابان والصين يسمون بنو الأصفر الآن لأنهم صفر، ويسمون الروم روم، هذا الذي أسمعه، لكن الذي في لغة الأحاديث أن بني الأصفر هم الروم، يقولون: «فَيَغْدِرُونَ بِكُمْ، فَيَسِيرُونَ إِلَيْكُمْ فِي ثَمَانِينَ غَايَة»، وفي رواية: «رَايَةً»، والغاية هي الراية، يعني كل راية يعني كتيبة جيش كل راية جيش، «تَحْتَ كُلِّ غَايَةٍ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا» وفي لفظ، «قِوَامُ كُلِّ رَايَةٍ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا»(31) قِوامُها يعني هي اثنا عشر ألفًا ويزيد، فلو اعتبرناها اثني عشر ألفًا ولم تصل إلى ثلاثة عشر ألفًا، اثنا عشـر ألفًا ونصف، اثنا عشر ألفًا وخمسمائة، اضربها في ثمانين يكون العدد كم؟ مليون مقاتل جيشهم، وهذه الغَدْرَة هي التي لم تقع بعد، غدرة الروم لم تحصل الهدنة بعد، والغَدْرَة التي تقع منهم، وسوف نتحدث عن الخمس التي وقعت؛ لأننا الآن نتكلم عن الأشراط التي وقعت، موت النبي صلى الله عليه وسلم نعم شيء معروف وظاهر، ثم فتح بيت المقدس.

طبعًا موت النبي صلى الله عليه وسلم هو شرط وفتنة؛ لأنها ارتدَّت العرب كلهم بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يبق على الإسلام إلا مكة والمدينة وقرية في هَجَر، وباقي العرب ارتدُّوا، فردَّهم أبو بكر رضي الله عنه إلى الإسلام خلال عام واحد، جاهدهم جهادًا عظيمًا رضي الله عنه وأرضاه ومَن مِثل أبي بكر؟ ولذلك لـما قام بالجهاد، وكان بعضهم يسأله أن يتأنَّى ولا يستعجل في تسيير جيش أسامة وغيره، فكان يُسيِّر الجيش وهو يتحدث إذا كلَّمه قال: "أينقص الإسلام وأنا حي؟"، رضي الله عنـه، لا والله لا ينقص الإسلام وأبو بكر حي، فجاهدهم في عام واحد وأدخلهم إلى الإسلام، وهي فتنة عظيمة كما قلت، إلى الآن آثارها من يعتقد في النبي صلى الله عليه وسلم الحياة، وتعرفون الصوفية على جميع طرائقهم يعتقدون في النبي صلى الله عليه وسلم، بل يعتقدون في أوليائهم الحياة، فكيف بالنبي؟ ولذلك تجدهم يأتونه ويستنصرونه مثلاً في قبره ويرسلون الرسائل ويكتبون الكتابات، بل يدعونه من دون الله، بل يسألونه من دون الله نسأل الله السلامة، وهذه من الفتنة العظيمة بموت النبي صلى الله عليه وسلم.

ثم فتح بيت المقدس، فتحه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأخذه من يد الروم، ولا شك أن هذا فتح عظيم، وسوف يُفتح أيضًا مرات ومرات، فتحه صلاح الدين الأيوبي أيضًا من الروم، ثم سوف يأتي القتال الأخير في فتحه مع اليهود؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر وهذا من دلائل نبوته أننا سنقاتل اليهود في بيت المقدس، وما كان في بيت المقدس يهود، فعُلِم أن اليهود سوف يتجمعون في بيت المقدس، وهم مع علمهم هذه الأحاديث المتواترة عندنا يذهبون إلى حَتْفِهم ويتجمَّعون في بيت المقدس حتى نقتلهم هناك ـ بإذن الله تعالى.

ثم مُوتَان يأخذ فيكم كقُعَاصِ الغنم، هذا طاعون عَمْوَاس الذي وقع في زمن عمر رضي الله عنه، ومات فيه عدد كبير من الصحابة رضوان الله عليهم حتى إن أنسًا رضي الله عنه يقول: حدثتني ابنتي حفصة أنه دُفن من صلبي في طاعون عَمْوَاس سبعة وعشرين نسمة، من عياله وعيال عياله رضي الله عنه، "ثم استفاضة المال حتى يعطى الرجل مائة دينار فيظل ساخطًا"، هذه فتنة المال التي وقعت في عهد عثمان، انفتح الخير على الناس واغْتَنَوْا، ولكن ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى(32)، طغوا وزاد المال عندهم، لكنهم أرادوا إمامهم لطيبته ورزقه بهم تسلطوا عليه، فكانت الفتنة العظيمة، فاستفاضة المال وقعت في عهد عثمان، هذه الاستفاضة هي من الآيات ومن العلامات التي ظهرت وتظهر وتزيد، وهي التي خَشِيَها النبي صلى الله عليه وسلم على أمته، وقال: «إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ فِتْنَةً وَفِتْنَةُ أُمَّتِي المَالُ»(33)، وقال: «اطَّلَعْتُ فِي الجَنَّةِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الفُقَرَاءَ، وَاطَّلَعْتُ فِي النَّارِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ»(34)، وقال: «فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ»(35)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنِّي أَخْشَى أَنْ تُبْسَطَ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ»(36)، وقال: «مَا أَخْشَى عَلَيْكُمُ الْخَطَأَ، وَلَكِنِّي أَخْشَى عَلَيْكُمُ التَّعَمُّدَ»(37)، استفاضة المال، النبي صلى الله عليه وسلم قال كما في الصحيحين: «إِنَّ أَكْثَرَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ مَا يُخْرِجُ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ بَرَكَاتِ الأَرْضِ» قِيلَ: وَمَا بَرَكَاتُ الأَرْضِ؟ قَالَ: «زَهْرَةُ الدُّنْيَا»(38)، وقال أيضًا النبي صلى الله عليه وسلم: «وَتُصَبُّ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا صَبًّا، حَتَّى لَا يُزِيغُكُمْ بَعْدِي إِنْ أَزَاغَكُمْ إِلَّا هِيَ»(39)، يعني إلا الدنيا هي التي تُزِيغُ قلبَه، وحذَّر منها النبي صلى الله عليه وسلم أشد التحذير، وقال كما في الصحيحين: «أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الأَرْضِ»(40)، مفاتيح كنوز الأرض، ولذلك بلاد المسلمين هي أعظم بلاد الأرض كنوزًا في الأرض البترول والمعادن والغاز وكل شيء، حتى الخضروات والفواكه وغيرها من الزراعة، هي أغنى أرض على هذه الكرة الأرضية؛ لأننا أهل الإسلام ملكوا وسط الأرض، كما قال ابن القيم، يقول: "وطردنا الكفار في أطرافها"، ومع ذلك مع ضعفهم إلى الآن لم يستطع عليهم الكفار مع ضعف المسلمين وتَمَزُّقِهم؛ لأن الله لا يُسلِّط عليهم الكفار في سَنَةٍ عامَّةٍ، حتى يَقتل بعضُهم بعضًا ويَسبي بعضهم بعضُا، حينئذٍ يتسلط عليهم أهل الكفر.

فالدنيا هي التي تهلك الناس وهي الفتنة المصاحبة للناس وتستمر معهم في ليلهم ونهارهم وصباحهم ومسائهم، ووقعت من ذاك العهد من زمن عثمان رضي الله عنه، قال: «وَفِتْنَةٌ تَكُونُ بَيْنَكُمْ لَا يَبْقَى بَيْتُ مُسْلِمٍ إِلَّا دَخَلَتْهُ»(41)، الفتنة التي لم يبق بيت من العرب إلا دخلته هي مقتل عثمان رضي الله عنه، يعني ما يقال: إنها فتن أخرى تدخل البيوت أو غير ذلك لا، هذه الفتنُ فتنٌ تأتي في آخر الزمان، كما قال في بعضها حديث حذيفة، قال: "لتصبن عليكم الفتن حتى تبلغ الفيافي"، قالوا: ما الفيافي يا حذيفة، قال: "الأرض القفر"، يعني: تجد أعرابي في أرض قَفْر ما عنده أحد وعنده خيمة وفيها دش، رأينا هذا، هذا من الفتن التي وصلت إلى الأرض القَفْر، في أقصى الدنيا بعيد عن الناس بعيد عن كل شيء إلا الدش هذا وصل له كل الفساد في خيمته، وهو في أرض قَفْر في الفَيَافِي، كما قال حذيفة رضي الله عنه، هذه هي الفتن التي تصل إلى البيوت في العموم، لكن التي تصل بيوت العرب في ذاك الزمن، فالعرب كانوا متجمِّعين في زمن عثمان عنده، ثم حصلت هذه الفتنة فلم تَدَعْ بيتًا من العرب إلا دخلته.

الهُدْنة سوف نأتي إليها إن شاء الله في وقت آخر.

من الأشياء أيضًا في الفتن - من الأشراط - أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسأل عن ذلك، فيأتيه أحيانًا الأعراب، يقول في حديث عائشة في الصحيح قالت: كَانَ رِجَالٌ مِنَ الأَعْرَابِ جُفَاةً، يَأْتُونَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَسْأَلُونَهُ: مَتَى السَّاعَةُ؟ فَكَانَ يَنْظُرُ إِلَى أَصْغَرِهِمْ فَيَقُولُ: «إِنْ يَعِشْ هَذَا لاَ يُدْرِكْهُ الهَرَمُ حَتَّى تَقُومَ عَلَيْكُمْ سَاعَتُكُمْ»(42) وفي حديث أنس الساعة وهي بمعنى واحد، وهو أنه «يَنْخَرِم القرن»(43)، يعني هذا إذا بلغ الهرم فإذا أنتم في المقابر، والعبد إذا كان في المقبرة خلاص بدأ حياة الآخرة، وقامت عليه ساعته هو، من الأعراب من يسأل النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم يظن في السائل مثلاً أنه صاحب علم أو يحفظ، كما أيضًا في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة قال: بَيْنَمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَجْلِسٍ يُحَدِّثُ القَوْمَ، جَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ فَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَدِّثُ، فَقَالَ بَعْضُ القَوْمِ: سَمِعَ مَا قَالَ فَكَرِهَ مَا قَالَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ لَمْ يَسْمَعْ، حَتَّى إِذَا قَضَى حَدِيثَهُ قَالَ: «أَيْنَ أُرَاهُ السَّائِلُ عَنِ السَّاعَةِ» قَالَ: هَا أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «فَإِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ»، قَالَ: كَيْفَ إِضَاعَتُهَا؟ قَالَ: «إِذَا وُسِّدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ»(44)، يعني إذا أُعْطِيَت الأمور إلى غير أهلها الذين هم يقومون بها على الوجه الأكمل وعلى الوجه الصحيح فإنها تقوم الساعة، وبعضهم قال: من إضاعتها أن يَسُودَ الأقوامَ والناسَ يَسُودُهم فُسَّاقُهم، كما قال أبو بكر رضي الله عنه، قالت امرأة وسألت عنه قالت: "من أنت؟"، قال: "أنا رجل من قريش"، قالت: "من أي قريش؟"، قال: "من كذا"، قالت: "من أي كذا"، فقال: "إنك امرأة سؤول، أنا أبو بكر"، فقالت: "يا أبا بكر"، يعني أمير المؤمنين كان، قالت: "يا أبا بكر جاءنا الله بهذا الخير، فإلى متى نبقى على هذا الخير؟"، قال: "ما دام يَسُودُ الناسَ أخيارُهم، فنحن باقون على هذا الخير، أتدرين من السيد؟ أرأيت القوم يصدرون عن أمر رجل منهم ويوردون عن أمره"، يعني: يكون لهم سيد، أو مسئول عنهم، أو رئيس قبيلة، فإذا قال: افعلوا كذا أو اصنعوا كذا صنعوا، وإذا كَفَّهم عن شيء كَفُّوا، قال: أولئك إن كانوا خيار الناس فنحن على خير، أما إذا ساد سفهاؤهم أو فُسَّاقُهم هلك الناس، وهو بمعنى الحديث إذا وُسِّد الأمر إلى غير أهله، والله المستعان.

فهذا أمر عام، نقول: إذا وُسِّد الأمر إلى غير أهله، الواحد يقول مثلًا قد يُوسَّد الأمر إلى غير أهله في أمور عدة، النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنها خلافة راشدة على منهاج النبوة ثلاثين سنة إلى أن تنازل الحسن لمعاوية رضي الله عنه، نقول: وهذا التنازل أيضًا ممدوحٌ، مدحه النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه قال: «إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ وَلَعَلَّ اللهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ»(45)، فأصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين، إذًا؛ ولاية معاوية ولاية شرعية، مَدَحَهَا مَنْ؟ النبي صلى الله عليه وسلم، مَدَحَ ولاية معاوية؛ لأنه مَدَحَ الصلح الذي أدى إليها، الخلافة الراشدة مدحها النبي صلى الله عليه وسلم، نقول: نعم، وإن كان معاوية هنا أخذ بالرخصة وهو ملك وليس خلافة؛ لأن الخلافة عزيمة، الملك رخصة، لكن لابد أن يكون ملكًا عادلاً وهو كذلك رضي الله عنه، هو أفضل ملك بعد الخلافة الراشدة، لا عمر بن عبد العزيز ولا غيره يكونون مثله، حتى في عدله، ولذلك أربعة من التابعين مجاهد بن جبر، وقتادة بن دعامة السَّدُوسِي، وأبي إسحاق السَّبِيعِي، والأعمش كانوا يسألونهم في زمن عمر ابن عبد العزيز، فيمدحون عمر ويثنون عليه، فكان هؤلاء الأربعة، كل مَن جاءهم قال: كيف لو رأيتهم معاوية نحن أدركناه، قال بعضهم للأعمش، تعني حلمه، قال: لا والله بل عدله، والأعمش فيه تشيُّع، يقول: بل عدله، لو رأيتموه لقلتم المهدي، قلتم إن معاوية هذا المهدي، ومعروف معاوية رضي الله عنه وعدله، بل إن الحسن بن علي رضي الله عنه ما تنازل لمعاوية لـما سألوه قالوا: لـِمَ تنازلتَ لمعاوية، قال: لأن أبي قال لي: يا حسن لا تكره إمرة معاوية، والله لئن ذهب معاوية لتندرن الرؤوس من كواهلها، يعني ترون القتل فيكم، وفعلاً بقي معاوية خليفة بعد الخلافة الراشدة عشـرين سنة، لا ينقمون عليه شيئًا والصحابة متوافرون ويثنون عليه خيرًا ويمدحون في خلافته، إلى أن تُوفِّي معاوية، ثم جاءت بعد ذلك الفتن العظيمة التي حصل فيها قتل ومَقاتِل بين المسلمين في وقعة الحَرَّة، ومقتل الحسين رضي الله عنه، وعمن قتل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فهذه الفتن خرجت بعد معاوية، فلذلك ما أثنى به النبي صلى الله عليه وسلم على صلح الحسن يَنْجَرُّ ذلك الثناء على معاوية رضي الله عنه.

بل إن عليًّا رضي الله عنه لم يكره إِمْرَة معاوية رضي الله عنه، هل هذا ضياع للأمانة؟ لا؛ لأنه إذا قال: ضاعت الأمانة فأين الخلافة الراشدة؟ نقول: أنت تَتَّهِم الحسن بن علي أنه ضَيَّعَ الأمانة، والنبي صلى الله عليه وسلم يمدحه أنه أصلح الله به، فمن نُصَدِّق؟ نُصَدِّقك أنت يا رُوَيْبِضَةُ يا مَن لا تَفْقَه في دين الله شيئًا أم نُصَدِّقُ رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي مَدَحَ ابنه الحسن بأنه يُصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين؟ نُصَدِّق (عدنان إبراهيم) هذا الرُّوَيْبِضَة أو غيره ممن يُردِّدون كلماته أم نُصدِّق رسول الله صلى الله عليه وسلم في مدحته للحسن الذي تنازل لمعاوية رضي الله عنه وعن الحسن وعن علي؟ لكن هذا هو شأن من لا يُقدِّر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قَدْرَهم، ومعاوية رضي الله عنه كان يقول أهل العلم: إنه بوابة الصحابة، هو البوابة، فمن جَرُأَ على معاوية جَرُأَ على الباقين، يأتي بعضهم يقول: معاوية قاتل علي، نقول: قاتله طلحة والزبير وعائشة؛ ماذا تقول في طلحة والزبير وعائشة؟ تلعنهم، وتسبُّهم أنت، عرفناك إذًا؛ زيدي أو شيعي، رافضي، عرفنا خبثك؛ لأن عليًّا رضي الله عنه بكى لموت طلحة والزبير، وترفَّق بعائشة أم المؤمنين ورَفَقَ بها وحملها إلى بيتها ولم يؤذها بكلمة.

ويشهد أنها زوجة النبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة، وأنت يا خبيث تسبُّ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وعلي رضي الله عنه يقول: أرجوا أن أكون أنا وطلحة والزبير ممن قال الله فيهم: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِين(46)، فقال الحارث الأعور الشيعي قال: لا، الله أعدل من أن يُدخل طلحة والزبير الجنة، فأخذ دَوَاةً عنده وضربه بها، قال: (ويحك إذا لم أكن أنا وطلحة والزبير فمن يكون؟) نحن نقول: لا شك أنه حصل قتال ليس فقط شيء في الصدر، قتال، لكن هذا القتال لم يكن لأجل دينهم إنما كان لأخذ الثأر من قَتَلَة عثمان، والله عز وجل ربٌّ رحيم يحكم بينهم، جاء رجل إلى أبي زُرْعَة الرازي - الإمام المُحَدِّث - فقال: إني أبغض معاوية قال: لـِمَ؟ قال: لأنه قاتَل عليًّا، قال: وَيْحَك رَبُّ معاوية رَبٌّ رحيم، وخَصْمُ معاوية خَصْمٌ كريم فما دَخْلُك بينهما؟ ما دَخْلُك أنت بين معاوية وبين علي؟ ربهم رب رحيم وخصم معاوية خصم كريم علي بن أبي طالب، إذا جاء يوم القيامة يقول: عفوتُ، أو تظنون عليًّا ينتقم، الذي يقول للدنيا: طلَّقتك ثلاثًا، وهو يأخذ بلحيته، كان يُصَفِّي بيت المال يُوزِّعه على المسلمين، ثم يصلي فيه ركعتين، ويقول: أيتها الدنيا طلَّقتك ثلاثًا لا رجعة لي فيك، وكان يلبس أخشن الثياب، ويأكل أخشن الطعام ليس له في الدنيا شأن، هذا إذا جاء في الآخرة يقول: نعم قاتلني على الخلافة أو شيء من هذا؟ لا، أبدًا يعفو، من الآن أجزم أنه يعفو، هذا إذا ثبَّتنا أنه كما قال السلف: إن عليًّا رضي الله عنه مجتهد ومعاوية مجتهد، فكلاهما بين مجتهد مصيب أو مجتهد مخطئ، فكلاهما له أجر، هذا أجران، أحدهما له أجران والآخر له أجر، مع أننا في القتال لا نُصَوِّب أحدًا من الطائفتين، في القتال الذي وقع بينهم نقول: هو قتال مكروه عند أهل السنة، القتال الذي في الجَمَل وفي صِفِّين مكروه أو ممدوح؟ مكروه، ما الدليل؟ النبي صلى الله عليه وسلم لما مدح الصلح عرفنا أن القتال إما مكروه أو محرم؛ لأن الصلح إنما مستحب أو واجب، بل إن الصحابة أجمعوا على الصلح، انتهى عليٌّ ومعاوية إلى الصلح، لكن مَرَقَتْ الخوارج أليس كذلك؟ فقد أجمعوا على الصلح قبل أن يُتمِّموه، فأتمَّه الحسن، إذًا؛ الصلح هو إجماع الصحابة، فمن يأتي ويعترض بعد ذلك نقول: عارضت إجماع الصحابة، والله المستعان، نقف عند هذا وإن شاء الله غدًا نكمل، والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد.


(1) هو: عبد الرحمن بن صخر الدوسي، الملقب بأبي هريرة: صحابي، كان أكثر الصحابة حفظًا للحديث ورواية له. نشأ يتيمًا ضعيفًا في الجاهلية، وقدم المدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر، فأسلم سنة 7هـ، ولزم صحبة النبي، فروى عنه 5374 حديثًا، وولي إمرة المدينة مدة. وكان أكثر مقامه في المدينة وتوفي فيها سنة 59هـ. (تهذيب الكمال: 34/366).
(2) هو: عمر بن الخطاب بن نفيل القرشي العدوي أبو حفص أمير المؤمنين وُلد بعد الفيل بثلاث عشرة سنة. أسلم بمكة قديمًا وهاجر إلى المدينة قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهد بدرًا والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وولي الخلافة عشر سنين وخمسة أشهر وقُتل يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة وهو أول من اتخذ الدرة. (أُسْد الغابة: 1/814).
(3) لم أقف عليه بهذا اللفظ.
(4) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان- باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان (8).
(5) أخرجه البخاري في كتاب تفسير القرآن- باب قوله تعالى: ﴿إن الله عنده علم الساعة﴾ (4777)، مسلم في كتاب الإيمان- باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان (9).
(6)أخرجه مسلم في كتاب الإيمان- باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان (10).
(7)أخرجه أحمد في «مسنده» (1/52)، وقال شعيب الأرنؤوط: «إسناده صحيح على شرط مسلم».
(8) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان- باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان (8).
(9) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان- باب من الدين الفرار من الفتن (19).
(10) هو: الصحابي أبو سعيد الخدري سعد بن مالك بن سنان الإمام، المجاهد، مفتي المدينة، سعد بن مالك بن سنان بن ثعلبة بن عبيد بن الأبجر بن عوف بن الحارث بن الخزرج. واسم الأبجر: خدرة. وقيل: بل خدرة هي أم الأبجر. وأخو أبي سعيد لأمه هو: قتادة بن النعمان الظفري، أحد البدريين. استشهد أبوه مالك يوم أحد، وشهد أبو سعيد الخندق، وبيعة الرضوان. وحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم فأكثر، وأطاب، وعن: أبي بكر، وعمر، وطائفة. وكان أحد الفقهاء المجتهدين. مات سنة أربع وسبعين. . انظر: «سير أعلام النبلاء» (5/163-166).
(11) أخرجه البخاري في كتاب الفتن- باب خروج النار (7119)، ومسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة- باب لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب (2894).
(12) أخرجه البخاري في كتاب الفتن- باب خروج النار (7119)، ومسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة- باب لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب (2894).
(13) أخرجه حنبل بن إسحاق في «جزءه» (20).
(14) أخرجه البخاري في كتاب فضائل القرآن- باب إثم من راءى بقراءة القرآن أو تأكل به (5057)، ومسلم في كتاب الزكاة- باب التحريض على قتل الخوارج (1066).
(15) أخرجه ابن ماجه في كتاب المقدمة- باب في ذكر الخوارج (174)، وحسنه الألباني في «صحيح ابن ماجه».
(16) أخرجه مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة- باب في الآيات التي تكون قبل الساعة (2901).
(17) أخرجه أحمد في «مسنده» (4/105)، وقال شعيب الأرناؤوط: «حديث حسن».
(18) أخرجه مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة- باب إخبار النبي صلى الله عليه وسلم فيما يكون إلى قيام الساعة (2892).
(19) أخرجه مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة- باب إخبار النبي صلى الله عليه وسلم فيما يكون إلى قيام الساعة (2891).
(20) أخرجه مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة- باب إخبار النبي صلى الله عليه وسلم فيما يكون إلى قيام الساعة (2891).
(21) أخرجه أبو داود في كتاب السنة – باب ما يدل على ترك الكلام في الفتنة (4663)، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح (6242).
(22) أخرجه ابن ماجة في كتاب الفتن – باب التثبت في الفتنة (3962)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (2432).
(23) أخرجه الإمام أحمد في «مسنده» (27200) وقال شعيب الأرناؤوط: حسن بطرقه وشواهده.
(24) أخرجه الإمام أحمد في «مسنده» (24566)، وقال شعيب الأرناؤوط: إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الصحيح غير الوليد بن سليمان؛ فقد روى له النسائي وابن ماجه وهو ثقة.
(25) أخرجه الإمام أحمد في «مسنده» (17115) عن شداد بن أوس رضي الله عنه، وقال شعيب الأرناؤوط: حديث صحيح.
(26) أخرجه مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة- باب قرب الساعة (2951).
(27) أخرجه البخاري في كتاب الطلاق- باب اللعان (5301)، ومسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة- باب قرب الساعة (2950).
(28) أخرجه نعيم بن حماد في «الفتن» (1770).
(29) أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في «حلية الأولياء» (4/161).
(30)أخرجه الترمذي في كتاب الفتن- باب ما جاء في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «بعثت أنا والساعة» (2213)، وضعفه الألباني في «ضعيف الترمذي»، وقال: «ضعيف».
(31)أخرجه بنحوه الإمام أحمد في «مسنده» (23985)، وابن ماجه في كتاب الفتن – باب أشراط الساعة (4042) بألفاظ متقاربة، وقال شعيب الأرناؤوط في تحقيق المسند: إسناده صحيح على شرط مسلم.
(32) سورة العلق: 6، 7.
(33) أخرجه الترمذي في كتاب الزهد- باب ما جاء أن فتنة هذه الأمة في المال (2336)، وصححه الألباني في «صحيح الترمذي».
(34) أخرجه البخاري في كتاب الرقاق- باب فضل الفقر (6449)، ومسلم في كتاب الذكر والدعاء- باب أكثر أهل الجنة الفقراء وأكثر أهل النار النساء (2737).
(35) أخرجه مسلم في كتاب الذكر والدعاء- باب أكثر أهل الجنة الفقراء وأكثر أهل النار النساء (2742).
(36) أخرجه البخاري في كتاب الرقاق- باب ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها (6425)، ومسلم في كتاب الزهد والرقائق (2961).
(37)أخرجه الحاكم في «المستدرك على الصحيحين» (2/582).
(38)أخرجه البخاري في كتاب الرقاق- باب ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها (6427) ، ومسلم في كتاب الزكاة- باب تخوف ما يخرج من زهرة الدنيا (1052).
(39) أخرجه أحمد في «مسنده» (5/152)، وقال شعيب الأرناؤوط: «إسناده ضعيف».
(40) أخرجه البخاري في كتاب الرقاق- باب في الحوض (6590)، ومسلم في كتاب الفضائل- باب إثبات حوض نبينا محمد صلى الله عليه وسلم (2296).
(41) تقدم تخريجه.
(42) أخرجه البخاري في كتاب الرقاق – باب سكرات الموت (6511)، ومسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة – باب قرب الساعة (2952).
(43) أخرجه مسلم في كتاب فضائل الصحابة – باب قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تأتي مائة سنة ... » (2537) عن ابن عمر رضي الله عنهما.
(44) أخرجه البخاري في كتاب العلم – باب من سُئل علمًا وهو مشتغل في حديثه (59).
(45) أخرجه البخاري في كتاب الصلح- باب قول النبي صلى الله عليه وسلم للحسن بن علي رضي الله عنهما: «ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين» (2704).
(46) سورة الحجر: 47.