موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - كتاب الزكاة - شرح المنتقى (الجزء الرابع)
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح المنتقى (الجزء الرابع) لفضيلة الشيخ عبد المحسن بن عبد الله الزامل
  
 
 شرح المنتقى (الجزء الرابع)
 كتاب الزكاة
 حديث: «مَا مِنْ صَاحِبِ إِبِلٍ لاَ يَفْعَلُ فِيهَا حَقَّهَا ..»
 حديث: «إِذَا أَدَّيْتَ زَكَاةَ مَالِكَ فَقَدْ قَضَيْتَ مَا عَلَيْكَ ..»
 حديث: «إِنَّا لاَ نُوَلِّي هَذَا الْعَمَلَ أَحَدًا سَأَلَهُ ...»
 حديث: «لاَ تَسْأَلِ الإمَارَةَ ...»
 حديث: «لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ صَاحِبُ مُكْسٍ ...»
 حديث: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ ..»
 حديث: «فِي كُلِّ إِبِلٍ سَائِمَةٍ ..»
 حديث أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ..
 حديث: «فِي ثَلاَثِينَ مِنَ الْبَقَرِ تَبِيعٌ ...»
 حديث: «لاَ تُؤْخَذُ صَدَقَاتُهُمْ إِلاَّ فِي دُورِهِمْ»
 أسئلة
 حديث: «فِيمَا سَقَتِ الأَنْهَارُ وَالْعُيُونُ الْعُشُورُ ...»
 حديث: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ ...»
 حديث: «كَانُوا يُؤَدُّونَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ نَحْلٍ ..»
 حديث: «يُخْرَصَ الْعِنَبَ كَمَا يُخْرَصُ النَّخْلَ ...»
 حديث: «إِذَا خَرَصْتُمْ فَخُذُوا وَدَعُوا ...»
 حديث: «أَتُؤَدِّي زَكَاةَ هَذَا؟..»
 أسئلة
 حديث: «لَيْسَ عَلَى المُسْلِمِ فِي فَرَسِهِ وَلاَ عَبْدِهِ صَدَقَةٌ»
 حديث: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَضَ عَلَى النَّاسِ زَكَاةَ الْفِطْرِ ...»
 حديث: «لَمْ نَزَلْ نُخْرِجُ الصَّدَقَةَ زَمَنَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَاعَ تَمْرٍ ...»
 حديث: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى المُصَلَّى»
 حديث: «أَنَّ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ رضي الله عنه سَأَلَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَعْجِيلِ صَدَقَتِهِ ...»
 حديث: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى»
 حديث: «لاَ تَبْتَعْهُ وَلاَ تَرْجِعْ فِي صَدَقَتِكَ»
 حديث: «لاَ تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيِّ وَلاَ لِذِي مِرَّةٍ سَوِىٍّ»
 حديث: «لاَ تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إِلاَّ لِخَمْسَةٍ ...»
 حديث: «مَنْ يَسْأَلْ مِنْكُمْ وَلَهُ أُوقِيَّةٌ أَوْ عَدْلُهَا فَقَدْ سَأَلَ إِلْحَافًا»
 حديث: «إِنَّ المَسْأَلَةَ حُرِّمَتْ إِلاَّ فِي إِحْدَى ثَلاَثٍ ...»
 حديث: «إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا ...»
 حديث: «إِذَا مَاتَ الإنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلاَّ مِنْ ثَلاَثَةٍ ...»
 حديث: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ مِنْ مَعَادِنِ الْقَبَلِيَّةِ الصَّدَقَةَ»
 حديث: «الْعَجْمَاءُ جَرْحُهَا جُبَارٌ وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ وَفِي الرِّكَازِ الخُمُسُ»
 حديث: «لاَ تُحْشَرُونَ وَلاَ تُعْشَرُونَ ...»
 المؤلفة قلوبهم
 كتاب الصيام
 حديث: «إِذَا لَمْ تَرَوُوا الْـهِلَالَ فَاسْتَكْمِلُوا ثَلاَثِينَ لَيْلَةً»
 حديث: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ ...»
 حديث: «وَكَانَ يَتَحَفَّظُ من شَعْبَانَ مَا لاَ يَتَحَفَّظُ من غَيْرِهِ ...»
 حديث: ««أَلاَ لاَ تَقَدَّمُوا شَهْرَ رَمَضَانَ بِصِيَامِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ إِلاَّ ...»
 أسئلة
 حديث: «يَا بِلَالُ نَادِ فِي النَّاسِ فَلْيَصُومُوا غَدًا»
 حديث: «رُخِّصَ لِلشَّيْخِ الْكَبِيرِ وَالْعَجُوزِ الْكَبِيرَةِ فِي ذَلِكَ وَهُمَا يُطِيقَانِ الصَّوْمَ أَنْ يُفْطِرَا...»
 حديث: «لَا يَمْنَعُكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ مِنْ سُحُورِكُمْ ...»
 حديث: «وَقَعْتُ عَلَى أَهْلِي فِي رَمَضَانَ ...»
 أسئلة
 حديث: «مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ وَهُوَ صَائِمٌ ...»
 حديث: «أَفْطَرَ الْـحَاجِمُ وَالْـمَحْجُومُ»
 حديث: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ احْتَجَمَ بِالْقَاحَةِ وَهُوَ صَائِمٌ ...»
 حديث: «مَنْ أَكَلَ نَاسِيًا، أَوْ شَرِبَ نَاسِيًا؛ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ ...»
 حديث: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُقَبِّل وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ ...»
 حديث: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهِ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُدْرِكُهُ الصُّبْحُ وَهُوُ جُنُبٌ ...»
 أسئلة
 حديث: «إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ وَأَدْبَرَ النَّهَارُ وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ فَقَدْ أَفْطَرْتَ»
 حديث: «إِنِّي لَسْتُ كَأَحَدِكُمْ؛ إِنِّي أَبِيتُ أُطْعَمُ وَأُسْقَى»
 حديث: «إِذَا رَأَيْتُمُ الْهِلاَلَ فَصُومُوا ...»
 حديث: «إِنْ شِئْتَ فَصُمْ وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ»
 حديث: «لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ -أو الْبِرُّ - أَنْ تَصُومُوا فِي السَّفَر»
 حديث: «كَانَ يَصُومُهُ كُلَّهُ إِلاَّ قَلِيلاً ..»
 أسئلة
 حديث: «إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَرَّمَ صِيَامَ هَذَيْنِ الْيَوْمَيْنِ ...»
 حديث: «أَمَا إِنِّي لَمْ يَخْفَ عَلَيَّ أَمْرُهُمْ وَلَكِنِّي خَشِيتُ أَنْ يُكْتَبَ عَلَيْهِمْ»
 حديث: «حَتَّى إِذَا بَقِيَ سَبْعٌ فَقَامَ بِنَا حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ ...»
 حديث: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ...»
 حديث: «اطْلُبُوهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ فِي الْوِتْرِ مِنْهَا ...»
 حديث: «مَا زَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ ...»
شرح المنتقى (الجزء الرابع) - كتاب الزكاة

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: «بَايَعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى إِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ».


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.

قال الإمام الحافظ محمد ابن الجارود رحمه الله تعالى:

كِتَابُ الزَّكَاةِ

الزكاة كما لا يَخفى الركن الثاني بعد الشهادتين، وهي مِنْ أعظم أركان الإسلام، وهي عبادة ماليَّة، بل هي رأس العبادات الماليَّة. وأجمعَ المسلمون عليها، وتواترت الأدلة القطعية في وجوبها، في الكتاب والسنة.

قال سبحانه: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ(1)، وقال سبحانه: ﴿وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ(2)، وقال سبحانه: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة(3). وأمر سبحانه وتعالى بقتال مَنْ لم يؤتِ الزكاة، فقال سبحانه: ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ(4)، وقال: ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ(5). فلا يُخلَّى سبيل مَنْ امتنع من الزكاة حتى يؤديها ولو قهرًا، ويجب على الإمام أن يأخذها مِمَّنْ يمتنع مِنْها وتقوم نيَّتُه مقام نيَّتِه، كما سيأتي الإشارة إليه إنْ شاء الله في حديث بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ(6): «إنَّا آخِذُوهَا وَشَطْرَ مَالِهِ»(7)، لكن هل  تُجْزِئ عنه فيما بينه وبين الله، هذا فيه خلاف، وإنْ كان الأظهر على ما اختاره جَمْعٌ مِنْ الأئمة أنها لا تُجزئهُ وإن أجزأت ظاهرا لإقامة هذه الشعيرة.

وتواترت الأخبار عن النبي الكريم عليه الصلاة والسلام في وجوبها في «الصحيحين» مِنْ حديث ابن عمر(8) المشهور أنه عليه الصلاة والسلام قال: «بُنِىَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ، وَالحَجِّ»(9). وفي بعض الروايات تقديم الحج على الصوم. والشاهد من الحديث قوله: «وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ». وثبتَ في «الصحيحين» مِنْ حديث ابن عباس(10) في قصة إرسال معاذ رضي الله عنه أنه عليه الصلاة والسلام أمره أنْ يأخذ الزكاة قال: «فَإِنْ هُمْ أَجَابُوا لِذَلِكَ»، يَعْنِي إذا دعاهم إلى الصلاة «فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ قَدِ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ إِلَى فُقَرَائِهِمْ»(11). والأخبار في هذا كثيرة في وجوبها، بل قطعيّة في وجوب الزكاة.

والزكاة مِنْ الزكاء، مِنْ زكا يزكو الشيء إذا زاد، وكذلك مِنْ الطُّهْرة، وكذلك مِنْ النماء، وكذلك مِنْ البركة، يقال: زكا الشيء إذا زاد، وكل مال تُؤدَّى زَكاتُه دَرَّتْ بركاته وصار مُباركًا وصار مُنْتَفَعًا به حلالًا طيبًا.

فالمُصَنِّف رحمه الله افتتح كتابه بحديث جرير بن عبد الله رضي الله عنه، قال حدثنا محمود، هذا هو ابن آدم المروزي، مرَّ مِرارًا، وروى عنه عدة أخبار، وهو ثقة من شيوخِ البخاريّ رحمه الله، قال حدثنا مروان بن معاوية هو الطعطري، وهو ثقة أيضا، عن إسماعيل، وهو ابن أبي خالد، وهو من رجال الشيخين ثقة، وقيس بن أبي حازم أيضا تابعي كبير ثقة، عن جرير بن عبد الله البَجَلِي رضي الله عنه، قال: بَايعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم. وثبتَ في «الصحيحين» أنه قال: «ما حَجَبَنِي رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أَسْلَمْتُ، ولا رآني إلا تَبَسَّمَ»(12).

قال: «بَايَعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى إِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ». والشاهد قوله: «وإيتاء الزكاة». وهذا الحديث في «الصحيحين»، وإسناده صحيح. والمُصَنِّف رحمه الله لعله صَدَّر الباب بهذا الحديث، قد يكون من المعاني أن فيه البيعة على إيتاء الزكاة، وهذا تعظيم لأمرها. أيضًا هذه البيعة ليست لرجل مِنْ عموم الناس، بل هو لجرير بن عبد الله البجلي، وكان سيد قومه، وكأن بيعته إيَّاه على إيتاء الزكاة في نفسه خصوصًا ثم في أَخْذِهَا مِنْ قومه؛ لأنه سيد قومه رضي الله عنه، فهو موافق لحديث ابن عمر(13) في «الصحيحين»: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَن لَا إِلَه إِلَّا اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ»(14). وفي معناه حديث أبي هريرة(15) رضي الله عنه أيضًا في «الصحيحين»، والمعنى أنه لا يُكَفُّ عن مَنْ لم يؤتِ الزكاة حتى يُؤدِّيها طوعًا أو كرهًا، وهذا هو ما بايع عليه عليه الصلاة والسلام جريرًا رضي الله عنه، وذلك أنه كما تقدَّم سيد قومه، وبايعه على ذلك لبيان أهميتها وأنَّ مَنْ امتنع مِنْ قومك فإنها تُؤخذ منه قهرًا.

وهكذا كل والٍ في ناحية فيجب عليه أنْ يؤدي الزكاة، بمعني أنْ يجمع الزكاة، وأن يأخذ الزكاة مِنْ المُمْتَنِع منها، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يُرسل السُّعَاة لجمع الزكاة(16).

قال: «على إقام الصلاة». إقام الصلاة، واضح بمعنى أن تُقام في أوقاتها، أنْ تُقام بأركانها، بواجباتها، وشروطها. الله عز وجل يأمر بإقامة الصلاة لا بمجرد أدائها، والإقامة أمر زائد على مجرد تأديتها.

«وإيتاء الزكاة»، الزكاة لَـمَّا كانت حقًا واجبًا في المال متعديًا، كان الواجب إيتاء الزكاة، وفي هذا دلالة على أنَّ الزكاة لا تُجْزِئ إلا بأنْ يؤتِيها وأنْ يؤديَّها، وعلى هذا لو كان له على إنسان دَيْن وكان قد يَئِسَ منه فأسقطه مِنْ الزكاة. مثل إنسان مثلا عليه زكاة (40000)، ومقدراها (1000) ريال ويطلب إنسان (1000) ريال وقد يَئِسَ منه لفقره أو لمماطلته، هل يُجْزِئ أنْ يُسقط عنه الـ(1000) بِنِيَّة أنَّها زكاة خاصة إذا كان مُعْسِرًا؟ لا تُجْزِئ باتفاق أهل العلم؛ لأنَّ هذا في الحقيقة فيه إحياء لماله، وأيضًا هو مال ميئوس منه، ثم هو في الحقيقة لم يؤدِ الزكاة ولم يُعْطِها، والله عز وجل أمر بإيتاء الزكاة، وهو أيضًا في حُكْم المال الذي لا يملكه، والمال الذي لا يتصرف فيه لا يحصل به المقصود، وذلك أنَّ الزكاة تكون في المال المُنْتَفَع به. ولهذا المال في ذمة المُمَاطِل لا زكاة فيه. فكيف يُسقط الزكاة الواجبة عليه بمقدار مال يطلبُه مِنْ إنسان وقد يئس منه. وكذلك أيضًا يفوت المعنى، المعنى المقصود مِنْ الزكاة: هو سَدُّ حاجة الفقير، وسد الخَلَّة للمُعْوِز، هذه هي الحكْمة مِنْ مشروعية الزكاة. ثُمَّ أيضًا مِنْ أعظم المعاني في مشروعية الزكاة أنَّها شُكْر نعمة مِنْ الغني لِمَا أنعمَ الله عليه بالحوائج الزائدة على حوائجه الأصلية، فهو ليس كالفقير، الفقير ربما لا يجد حوائجه الضرورية، وأنت أيها الغنيّ تجد الحوائج الأصلية الضرورية، وتجد فوقها مِنْ الحاجيات وتجد أيضًا فوقها مِنْ الأمور التي هي مُسْتَحْسَنَة، فأنت في نعمة وفي سَعَة مِنْ المال، وهذا يقتضي أن تشكر هذه النعمة بأن تؤدي المال وأن تُخْرِج الزكاة التي أَوْجَب الله عليك، وهذا لا يحصل في إسقاط الزكاة. ثم هو في الحقيقة أيضا إسقاط وليس إيتاء، والله عز وجل قال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ(17). فهي فريضة وأُمِر بإيتائها وإعطائها، كل هذا لا يحصل في إسقاط الزكاة بل هو تحايل وفِرار مِنْ الزكاة.

والزكاة كما تَقَدَّمَ رأس العبادات الماليَّة، والصلاة رأْس العبادات البدنيَّة، ولهذا لم يَذكر الحج والصوم، وليس كما قال بعضهم: لعله سَقَطَ من بعض الرواة، كما يقولونه أحيانًا في بعض الروايات، لعله سَقَطَ، لا، هذا لا يجوز أن يُقال، وهذا فتح باب شر عظيم، بل إنَّ ما جاء مِنْ الأحاديث وخاصة أنَّ جرير إسلامه مُتأخر رضي الله عنه، فالنبي صلى الله عليه وسلم تارةً يذكر بعض الأركان في مقام الدعوة إلى الله عز وجل، وجرير سيد قومه فكأنَّ الخِطاب له مخاطبة وليّ، وكذلك صاحب ولاية، بمعنى أنه يقوم على قومه بدعوتهم إلى الصلاة والزكاة كما يُدْعَى سائر الناس إلى هذين الركنين العظيمين.

ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَن لَا إِلَه إِلَّا اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ»(18). الحديث المتقدم، وذَكر الصلاة والزكاة، ولم يذكر الصوم والحج، وليس كما قال بعضهم في حديث ابن عمر وغيره: أنه يعني إخلال من بعض الرواة. بل المقام مقام دعوة ونحن حينما ندعو إلى الإسلام، ندعو الكفار، ندعو إلى هاتين، إذا رأى أنه يدعو إلى هاتين الخصلتين فإن من استجاب إلى الصلاة واستجاب إلى الزكاة، فإنه يستجيب إلى الحج بلا شك؛ لأنه لا يجب إلا مرةً واحدةً في العمر في حق المستطيع. والصوم شهر في العام، فالذي يستجيب للصلاة التي تتكرر في كل يوم خمس مرات في أوقات متفرقة محدودة معلومة، لا يَشُقُّ عليه صوم شهر في العام، وهذه عبادة بدنيَّة والصوم عبادة بدنيَّة.

ثم الصوم في الحقيقة أيضًا عبادة بدنيَّة، مجرد إمساك، والصلاة عبادة بدنيَّة لا يَكفِي فيها مجرد النيَّة، والصوم مجرد نيَّة، إمساك بنيَّة. الصلاة لا يَكفِي فيها مجرد النيَّة، بل فيها أفعال وأقوال مُفتتحة بالتكبير ومُختتمة بالتسليم. فمن استجاب لها فإنه يستجيب لِما أُمر به من الصوم بلا شك.

والحج كذلك، الحج عبادة مركبة من شيئين عبادة بدنيَّة وماليَّة، والصلاة عبادة بدنيَّة، والزكاة عبادة ماليَّة، فلم يخرج الحج عن هذين الأصلين. فاستجابته له من باب أولى؛ لأنه أيسر في باب الوجوب من جهة ولا يجب إلا مرةً واحدة.

قال: «والنُّصحِ لكلِ مسلمٍ»، وهذا في الحقيقة أيضًا شاهد لِـمَا تقدم في قوله: «والنُّصحِ لكلِ مسلمٍ»، والمعنى: أنَّ النصح لكل مسلم هو أعظم خِصَال المسلم، بل النصيحة هي الدين كله، قال صلى الله عليه وسلم في «صحيح مسلم»: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ»، قلنا: لِـمَن يا رسول الله؟ قال: «للهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ»(19). وعند أبي داود مِنْ حديث أبي هريرة(20): «الدِّينُ النَّصِيحَةُ، الدِّينُ النَّصِيحَةُ، الدِّينُ النَّصِيحَةُ»(21). كرَّرها ثلاثًا. وجاء من حديث ابن عباس، ومن أحاديث أخرى. بقوله: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ»، فجعل الدين في النصيحة. والدين مشتمل على الإسلام والإيمان والإحسان. فمن نَصَحَ لإخوانه فإنه يدل على سلامة قلبه، وطِيب نفسه، ومحبة الخير لإخوانه، «ولَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ»(22)، كما في «الصحيحين». وفي الرواية الأخرى عند النسائي بإسناد صحيح: «مِنْ الخَيْرِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ»(23). ثم مخاطبة جرير رضي الله عنه كما تقدم -سيد قومه رضي الله عنه- حتى ينصح لقومه.

والنصيحة مِنْ النُّصْح وهو الإخلاص، أو من المِنْصَحة وهي الإبرة التي يَخِيط بها الخيَّاط الثوب، أو من النِّصَاح وهو الخَيْط نفسه الذي يَخيط به الخيَّاط. والمعنى كله يجتمع، فالنصيحة مأخوذة من هذا وهو من المِنْصَحة وهي الإبرة، أو من النِّصَاح وهي الخَيْط، أو النَّاصِح وهو الخيَّاط نفسه، والمعني أنَّ المسلم ينصح لإخوانه كما يكون عمل الخياط الذي يأخذ الثوب وفيه فُتُوق وشقوق فيخيط فُتوق الثوب بالإبرة مع الخيط فيجمع شمل هذا الثوب. فالمسلم مع إخوانه يجتهد لجَمْع شملهم، والنصح لهم، وخاصة إذا كان له ولاية، فإنَّ نُصْحَه لهم مِنْ أعظم المصالح، وضده مِنْ أعظم المفاسد، ولهذا قال: «والنُّصحِ لكلِ مسلمٍ».


(1) البقرة: 43.
(2) البينة: 5.
(3) التوبة: 71.
(4) التوبة: 11.
(5) التوبة: 5.
(6) هو: الصحابي معاوية بن حيدة بن معاوية بن قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، القشيري، جد بهز بن حكيم، نزل البصرة، غزا خراسان ومات بها، له وفادة وصحبة، وسمع من النبي -صلى الله عليه وسلم. انظر: «أُسْد الغابة» (4/432 ترجمة 4975)، والإصابة (6/149 ترجمة 8071).
(7) أخرجه أبو داود في كتاب الزكاة – باب في زكاة السائمة (1575)، وحسنه الألباني في «إرواء الغليل» (791).
(8) هو: عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوى الصحابي المشهور أمه زينب بنت مظعون الجمحية ولد سنة ثلاث من المبعث النبوي فيما جزم به الزبير بن بكار قال: هاجر وهو ابن عشر سنين وكذا قال الواقدي حيث قال مات سنة أربع وثمانين روى عن النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان وغيرهم وروى عنه من الصحابة جابر وابن عباس وغيرهما. (الإصابة في تمييز الصحابة: 4/181).
(9) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان- باب بني الإسلام على خمس (8)، ومسلم في كتاب الإيمان- باب بيان أركان الإسلام ودعائمه العظام (16) بلفظ: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمَسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ، وَحَجِّ البَيْتِ الحَرَامِ».
(10) هو: عبد الله بن عباس البحر أبو العباس الهاشمي حبر الأمة، وفقيه العصر، وإمام التفسير، أبو العباس عبد الله، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم العباس بن عبد المطلب شيبة بن هاشم، واسمه عمرو بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر القرشي، الهاشمي، المكي، الأمير -رضي الله عنه. مولده: بشعب بني هاشم، قبل عام الهجرة بثلاث سنين. صحب النبي صلى الله عليه وسلم نحوًا من ثلاثين شهرًا، وحدث عنه بجملة صالحة. توفي سنة ثمان وستين، وله إحدى وسبعين سنةً. (سير أعلام النبلاء 5/330- 353).
(11) أخرجه البخاري في كتاب الزكاة- باب وجوب الزكاة (1395)، ومسلم في كتاب الإيمان- باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام (19).
(12) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد والسير – باب من لا يثبت على الخيل (3035)، ومسلم في كتاب فضائل الصحابة رضي الله تعالى عنهم – باب من فضائل جرير بن عبد الله رضي الله عنه (2475).
(13) تقدمت ترجمته.
(14) أخرجه البخاري: كتاب الإيمان، باب ﴿فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ (25)، مسلم: كتاب الإيمان،باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله ويقيموا الصلاة ... (22).
(15) أخرجه البخاري: كتاب الزكاة، باب وجوب الزكاة وقول الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ ... (1399)، مسلم: كتاب الإيمان،باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله ويقيموا الصلاة .... (21) واللفظ له.
(16) الأحاديث في هذا المعنى كثيرة؛ ومنها ما أخرجه البخاري في كتاب الهبة وفضلها – باب من لم يقبل الهدية لعِلَّة (2597)، ومسلم في كتاب الإمارة – باب تحريم هدايا العمال (1832) عن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه.
(17) التوبة: 60 .
(18) تقدم تخريجه.
(19) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب بيان أن الدين النصيحة (55)، من حديث تميم الداري رضي الله عنه.
(20) هو: عبد الرحمن بن صخر الدوسي، الملقب بأبي هريرة: صحابي، كان أكثر الصحابة حفظًا للحديث وروايةً له. نشأ يتيمًا ضعيفًا في الجاهلية، وقدم المدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر، فأسلم سنة 7 هـ، ولزم صحبة النبي، فروى عنه 5374 حديثًا، وولي إمرة المدينة مدة. وكان أكثر مقامه في المدينة وتوفي فيها سنة 59هـ. (تهذيب الكمال: 34/366).
(21) أخرجه أبو داود في كتاب الأدب- باب في النصيحة (4944).
(22) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان- باب أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه (13)، ومسلم في كتاب الإيمان- باب الدليل على أن من خصال الإيمان أن يحب (45).
(23) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان- باب أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه (13)، ومسلم في كتاب الإيمان- باب الدليل على أن من خصال الإيمان أن يحب (45).