موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - مقدمة - شرح مختصر الصارم المسلول على شاتم الرسول
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح مختصر الصارم المسلول على شاتم الرسول لفضيلة الشيخ عبدالله بن عبدالعزيز العنقري
  
 
 شرح مختصر الصارم المسلول على شاتم الرسول
 مقدمة
 مقدمة المؤلف
 رُتب الكتاب على أربع مسائل
 المسألة الأولى: أن من سَبَّه صلى الله عليه وسلم من مسلم وكافر فإنه يجب قتله
 الأدلة على وجوب قتل السَّابِّ
 أسئلة
 المَوْضِعُ الثَّالِثُ: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ...
 وجوه الاستدلال على قتل الذمي المعاهد
 الوجه الثاني
 الوجه الثالث
 الوجه الرابع
 الوجه الخامس
 الوجه السادس
 المَوْضِع الرَّابِـع: قوله سبحانه: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ اللهَ وَرَسُولَهُ ...
 المَوْضِع الخامس: قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيَاِ وَالآخِرَةِ﴾
 فصل: الآيات الدالَّة على كُفْر الشاتم وقتْله إذا لَم يكن معاهَدا...
 الدَّلِيل الثَّانِي: قوله: ﴿يَحْذَرُ المُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُم بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ
 الدَّلِيل الثالث: قوله سبحانه: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِِ﴾
 الدَّلِيل الرَّابِع: قوله: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ...﴾
 الدَّلِيل السادس: قوله سبحانه: ﴿لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ...﴾
 الدَّلِيل السابع: قوله سبحانه: ﴿لاَ تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا﴾
 الدَّلِيل الثامن: أنه سبحانه قال: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ وَلاَ أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾
 أسئلة
 الدليل الخامس
 فصل: وأما السنة فأحاديث
 الحديث الأول
 الحديث الثاني
 الحديث الثالث
 الحديث الرابع
 الحديث الخامس
 الحديث السادس
 الحديث السابع
 الحديث الثامن
 الحديث التاسع
 أسئلة
 افتراء ابْن أبي سَرْحٍ
 الحديث العاشر
 الحَدِيث الحادي عشر
 الحَدِيث الثَّانِي عشر
 الحَدِيث الثالث عشر
 الحَدِيث الرَّابِع عشر
 الحديث الخامس عشر
 فصل: في إجماع الصحابة
 أسئلة
 المسألة الثانية: أنه يتعيُّن قتله، ولا يجوز استرقاقه، ولا المنُّ عليه، ولا فداؤه
 المسألة الثالثة: أنه يقتل ولا يستتاب سواء كان مسلمًا أو كافرًا
 المسألة الرابعة في بيان السب المذكور، والفرق بينه وبين مجرد الكفر
 فصل: كل سب وشتم يبيح الدم فهو كفر، وإن لم يكن كل كفر سبًّا
 فصل: الفرق بين السب لا تقبل منه التوبة والكفر الذي تقبل منه التوبة
 فصـــل: فأما الذمي فيجب التفريق بين مجرد كفره به وبين سبه
 أسئلة
 بعض المواضع تحتاج لضبط بعض الأعلام
 السب نوعان
 فصل فيمن سب الله تعالى
 هل تقبل توبة الساب لله عز وجل؟
 فصل: وإن كان الساب لله ذميًّا
 السب ثلاثُ مراتب
 فصل: فإن سبَّ موصوفًا بوصف أو مسمًّى باسم
 فصل: والحكم في سائر الأنبياء كالحكم في نبينا صلى الله عليه وسلم
 فصل : فأما مَن سب أزواج النبي صلى الله عليه وسلم؛ كمَنْ قذف عائشة...
 فصل: فأما مَنْ سبَّ أحدًا مِن الصحابة رضي الله عنهم أجمعين...
 فصل: وتفصيل القول في ذلك
 أسئلة
شرح مختصر الصارم المسلول على شاتم الرسول - مقدمة

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد، فهذا الكتاب -كتاب «اختصار الصارم المسلول» - كتاب نافع، ولاسيما في مثل هذه الأزمنة وهذه الأوقات، وهو اختصار للكتاب العظيم «الصارم المسلول على شاتم الرسول» صلوات الله وسلامه عليه. ولا بد من مقدمة، وقد تطول هذه المقدمة قبل البدء في شرح الكتاب.

أولاً: لا بد من التنويه إلى أن مِن غُرْبَة الدِّين أن نحتاج في مثل هذه البلاد إلى أن نشرح هذا الكتاب، الذي لو اقترح أحد شرحه منذ سنوات قريبة، لقيل له: إن الحاجة الداعية لهذا في مثل هذه البلاد قليلة؛ لعدم تفكير أحد بأدنى جرأة على مقام رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، فالأولى أن يُشرح لطلاب العلم ما يحتاجون إليه عادة من كتب الاعتقاد، وفقه الأحكام، ونحوهما، لكن في الآونة الأخيرة ظهرت دعاوى أهل الإجرام لإسقاط هَيْبَة رب العالمين من القلوب، وإسقاط مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبأسلوب مُخطَّط يتضح فيه لكل ذي فهم التنسيق والإعداد المُبَيَّت، بما يَجزِم معه العاقل أنه ليس بالأمر العارض المقتصر على تَهَوُّر فردٍ لم يحسب للأمور حسابها، ولكن هناك تنسيق مؤكد، وغرض أهله منه محدد، وهو جَسُّ نَبْضِ هذا المجتمع المسلم الذي أغاظهم كثيرًا وضعه مع دين الله، وكَبُر عليهم أن يستمر على ما هو عليه في هذا العالم المتلاطم بالفوضى الاعتقادية والأخلاقية، ولذا ضربوا في هذا المجتمع الكريم ضَرْبة في نِيَاطِ القلب، بتوجيه الهجمة إلى مقام رب العالمين سبحانه وتعالى، ومقام رسوله الكريم صلوات الله وسلامه عليه، فإن مضت هذه الهجمة على هذين المقامين الكريمين العظيمين دون حساب فإن غيرهما سيكون أسهل. ولهذا لوحظ أنه كما ضُبِط من تلبَّسَ بجريمة سَبِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد وُجد معه في نفس الوقت من صار يُهوِّن من الموضوع بالكلية ويرى عدم الاشتغال به وكأنه يتحدث عن موضوع ليس ذا شأن كبير، وإنما الموضوع برُمَّته من التوافه التي لا ينبغي التشاغل بها، بل لقد وُجد من تلبَّسَ بجريمة الدفاع الواضح عن السَّابِّ الشاتم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، بألفاظه الشنيعة بالإبداع الفني، بل ووَجَّه النقد واللَّوْم لمن حملوا على المجرم السَّابِّ، وكأن الخطيئة وقعت منهم هم لا من السَّابِّ. وهذا يؤكد أن أمور كهذه مُبيَّتة ولا يمكن أن تكون حوادث فردية تورَّطَ فيها سفيه أو سفيهة لم يحسبا للموضوع حسابه ولم يحسبا للبلد الذي هما فيه حسابه.

ثانيا: يحسن -كما قيل: الشيء بالشيء يُذكر- أن نستعرض ما وقع في تاريخ الأمة من سعي أعداء الله إلى تدمير مقام رب العالمين في قلوب المسلمين، وتهوين شأن رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، وما فعله أهل الإسلام بأولئك المجرمين على مدى القرون.

فيقال بعد الاستعانة بالله عز وجل: يمكن القول بأن أول من وقف لهؤلاء علي بن أبي طالب رضي الله عنه، حيث نبغ في زمنه قول زنادقة السَّبَئِيَّة الذين ادعوا فيه الربوبية، فما كان منه رضي الله عنه إلا أن حرَّقهم بالنار، وتحريقه رضي الله تعالى عنه للزنادقة بالنار ثابت في «صحيح البخاري»، وذكر ابن حجر في «فتح الباري» أنه جاء بسند حسن أن الذين حَرَّقهم هم الذين ادعوا فيه الربوبية وهم السَّبِئِيَّة أوائل الرَّافِضَة(1).

وفي زمن بني أمية قُتل عدد من رؤوس الضلال، ومن بينهم أبو منصور العجلي -زعيم فرقة المَنْصُورِيَّة- الذي ادَّعى النبوة والقائل بالإباحيَّة، وكذا المُغِيرة بن سعيد -زعيم فرقة المُغِيريَّة- حيث ادَّعى النبوة وكان ساحرًا ممخرقًا، وذلك في زمن هشام بن عبد الملك، وممن قتل أيضًا بَيَان بن سَمْعَان -زعيم فرقة البَيَانِيَّة- القائل بإلهية علي رضي الله عنه والذي ادَّعى أيضًا النبوة، وكذا قُتل في زمن بني أمية زعيم الرَّاوَنْدِيَّة ويُدعى الأَبْلَق القائل بالغُلُوِّ في عليٍّ رضي الله عنه.

أما في زمن بني العبَّاس فقد تَفَاقَم الأمر. ذكر شيخ الإسلام في «الفتاوى» في المجلد الرابع في الصحيفة العشرين، ما مُلخَّصه: أن الدولة العباسية لما انتشرت وكان في أنصارها من أهل المشرق والأعاجم طوائف من الذين نَعَتَهم النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: «الْفِتْنَةُ هَاهُنَا»(2) وأشار إلى المشرق، ظهر حينئذ كثير من أهل البدع، وعُرِّبت طائفة من كتب الأعاجم من المجوس الفُرْس، والصَّابئين الروم، والمشركين الهند. وفي دولة المأمون ظهر الخُرَّمِيَّة ونحوهم من المنافقين، وعُرِّب من كتب الأوائل المجلوبة من بلاد الروم ما عُرِّب، فانتشرت بسبب ذلك مقالات الصَّابِئَة، ورَاسلَ المأمون ملوك المشركين الهند، فلما ظهر ما ظهر من الكفر والنفاق وقَوِيَ ما قوي من حال المشركين وأهل الكتاب، كان من أثر ذلك ما ظهر من استيلاء الجهمية والرافضة وغيرهم من الضلال، وتقليد الصابئة والمتفلسفة. انتهى المقصود من كلامه باختصار.

وقد اشتهر عدد من الزنادقة زمن العباسيين، كمحمد بن سعيد المصلوب، وعبد الكريم بن أبي العَوْجَاء، وأخطر منهما زنادقة تزعموا فرقًا كالرَّاوَنْدِيَّة الذين قتلهم أبو جعفر المنصور، وكذا زعيم الخَطَّابِيَّة الزنادقة المدعي للنبوة ثم الإلهية وهو أبو الخطاب الأسدي، وكانوا يُصلبون وتُحرق جثثهم، وتفاقَم الأمر أيضا في زمن بني العباس، حتى جعل الخليفة المهدي رحمه الله -وهو من خيار بني العباس- جعل ديوانًا خاصًّا لتتبع الزنادقة؛ نظرًا لكثرة انتشار الزندقة في زمنه، فتتبعهم رحمه الله وتتبع أيضًا كتبهم وأتلفها، وقد قتل عددًا كبيرًا منهم، منهم شعراء، ومنهم بعض رؤوس الفِرَق الغَالِيَة، كالحسين بن أبي منصور العجلي الذي تزعَّم فرقة المنصورية بعد أبيه، وقد أوصى المهدي ابنه الهادي أن يستمر في استئصال الزنادقة، فقتل منهم خلقًا كثيرًا، وتولى بعده الرشيد رحمه الله وهو أيضا من خيار بني العباس، فأمَّن من كان هاربًا من الدولة أو مستخفيًا إلا الزنادقة، فإنه تتبعهم وقتل منهم طائفة كبيرة، حتى إن الرشيد رحمه الله لما روى له أبو معاوية الضرير حديث: «احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى»(3)، فقال عَمُّ الرشيد -أخو أبيه- كلمة تشبه كلمات من لا يَعُونَ للسُّنَّة قدرها اليوم، قال: يا أبا معاوية أين التقيا؟ وهذا أمر غَيْبِي لا يصح ضَرْب الأمثال له بالاعتراض والإيراد الباطل، فغضب الرشيد رحمه الله غضبًا شديدًا، وقال: أتعترض على الحديث، عليَّ بالنَّطْع -والنَّطْع بساط يُدعى به مع السيف ليُقتل عليه الرجل-، فلما أحضر النَّطع قام الناس يشفعون في عَمِّ الخليفة فقال الرشيد: هذه زَنْدَقة، ثم سَجَنَه وأقسم أن لا يخرج حتى يخبره بالذي ألقى إليه هذا، فأقسم عَمُّه الأيمان المغلَّظة أنه لم يلقه له أحد، وإنما كانت بادرة يستغفر الله تعالى منها، فأطلقه عند ذلك.

في زمن المتوكِّل رحمه الله نَصَرَ السنة وأطفأ نار الجَهْمِيَّة كما هو معلوم، وكَتَبَ إلى الأمصار بالمنع من القول باعتقاد الجَهْمِيَّة الباطل في القرآن. ومن الزنادقة الذين قتلهم رجل يُدعَى محمودًا النيسابوري، ادَّعى النبوة أيضًا وتبعه عليه *** ووضع لهم مصحفًا زعم أنه أُوحِيَ إليه، فأمر المتوكل به فضرب حتى مات تحت الضرب الشديد. ثم إن الدولة العباسية ضعفت لضعف جانب الخلفاء الذين لم يكن لهم من الهَيْبة وإحكام الأمر ما كان لأوائل خلفاء بني العباس. فتسلَّط القُوَّاد الأتراك على أمور الدولة، ووصل الأمر إلى حد عزل بعض الخلفاء من قبل هؤلاء، وسجنهم، بل وقتلهم، وهذا مما تمادى بالدولة إلى أن اشتد ضعفها وسقطت عام ستة وخمسين وستمائة، وإن كان ذلك لا ينفي وجود بعض الخلفاء الذين كان لهم قوة وسطوة، لكن لا ريب أن ضعف الدولة على النحو الذي ذكرنا مَهَّد كثيرًا لخروج فِرَق الزنادقة والغُلاة. فخرجت فرق الباطنية، ومن أخبثهم القَرَامِطَة، الذين وصل بهم الأمر حدًّا دهموا فيه مكة المكرمة، وقتلوا الحُجَّاج، ورموا جثثهم في بئر زمزم، وأخذوا الحجر الأسود معهم.

وظهرت أيضًا ثورة الزِّنْج، التي استمرت أكثر من أربعة عشر عاما، بدءًا من عام خمس وخمسين ومائتين، استباحوا فيها من الناس ما حرَّم الله من الدماء والفُرُوج والأموال، مع ما اعتقدوه من الضلال المبين من دَعْوَى النبوة في زعيمهم علي بن محمد الذي ادَّعى أنه من نَسْل عليٍّ رضي الله عنه، ولم يكن صادقا فإنه من عَبْد قَيْس - بطن من رَبِيعة-، إلى أن قُتل وطفأت بدعته.

خرج أيضا عدد من الزنادقة كالحَلَّاج الصوفي -الحسين بن منصور- *** وقتل أيضا. واستمر الخلفاء في زمن بني العباس وبعدهم في تتبُّع الزنادقة، حتى قُتل على الزندقة أعداد كثيرة جدًّا، وكان من هؤلاء الزنادقة من يكون له أتباع وشَوْكة ويَنصِب القتال، وكان منهم من لا يكون بهذا القدر من الخطورة، لكن لا شك أنهم خَلَّفوا في الناس مِحْنَة عظيمة، وصنَّفوا كتبا أَغْوَوْا بها كثيرا من الأَغْمَار والسفهاء، ولهذا تَلْحَظ في تاريخ الأمة أن تتبُّع الزنادقة كان مصحوبا بتتبُّع كتبهم، بإتلافها وإحراقها ومنع نشرها، حتى كان بعض خلفاء بني العباس كالخليفة المعتضد يُحلِّف الوَرَّاقين ألا يبيعوا كتب الضلال، وكان ينادى في البلاد: أن لا يجتمع الناس على أهل التنجيم وأهل الجَدَل.

استمر المسلمون على مدى القرون يتتبعون هؤلاء المفسدين بالقتل، وكان من ذلك ما حدث عام اثنتين وستين وثلاثمائة وألف في هذه البلاد من حادثة رافضي حمل معه الغائط القذر وألقاه في المَطَاف حول الكعبة الشريفة لإهانة هذا الموضع، ولما قُبِض عليه اعترف بجُرْمه وصدق شرعا، وصَدَرَ الحكم الشرعي بقتله، فقتل بأمر الملك عبد العزيز رحمه الله بعد يومين فقط من جريمته. والأمثلة كثيرة جدًّا تتبعها الدكتور سعد بن فلاح العريفي في كتابه «عن الزنادقة عقائدهم وفرقهم».

ومما يُلحَظ في أزمنتنا هذه حِرْصُ عدد من أهل الضلال على استخراج موروث أهل الزندقة السابق وأهل الإلحاد، والسعي في نشره بعد أن نسيه الناس قرونا عديدة، مع الثناء على أصحابه، والاحتفاء بهم وعقد الندوات التي تُحْيِي تاريخهم القبيح، والأمر كما قيل: لكل قَوْم وارث.

وبذلك نعلم أن من أكبر ما يركِّز عليه أهل الإلحاد والزندقة قديما وحديثا كَسْرَ مهابة الرب عز وجل في قلوب المسلمين، والحطَّ من قدر نبيه صلوات الله وسلامه عليه، فإن مقام رب العالمين إذا أُسقط من القلوب، وأُسقط رسول الله صلى الله عليه وسلم من منزلته التي جعلها الله له، أمكن بعد ذلك أن يُنتهَك كل حكم، وأن يُتجاوَز كل حَدٍّ، كما تقدم بيانه. وهذا ما يجعل أهل الإلحاد يركِّزون على هذا الأمر الخطير الجَلَل؛ لأن فيه فتح الباب لانتهاك كل ما عداه.

ثالثا: في بيان عِظَم قدر النبي صلى الله عليه وسلم عند أهل الإسلام.

فلا يخفى أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قد وجبت محبته ونصرته على الأمة إلى قيام الساعة، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا ...» الحديث(4)، وقال صلى الله عليه وسلم: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ»(5)، بل قال صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه لما قال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا مِنْ نَفْسِي، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لاَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ» فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: فَإِنَّهُ الآنَ، وَاللَّهِ، لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الآنَ يَا عُمَرُ»(6)، فمحبته ومكانته صلى الله عليه وسلم في قلب المسلم بالمكان الكبير الذي لا يكون مثله لأحد من البشر. وقد جرى الصحابة رضي الله عنهم على هذا الحال الكريم معه صلى الله عليه وسلم حتى عرف ذلك منهم كل أحد، حتى الكفار عرفوا ذلك عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. قال عروة بن مسعود قبل أن يسلم لما رأى عام الحديبية ما يصنعه الصحابة رضي الله عنهم بالنبي صلوات الله وسلامه عليه من الإكرام، قال لما رجع لكفار قريش حين صدوا النبي صلى الله عليه وسلم عن العمرة: «أَيْ قَوْمِ، وَاللهِ لَقَدْ وَفَدْتُ عَلَى المُلُوكِ، وَوَفَدْتُ عَلَى قَيْصَرَ، وَكِسْرَى، وَالنَّجَاشِيِّ، وَاللهِ إِنْ رَأَيْتُ مَلِكًا قَطُّ يُعَظِّمُهُ أَصْحَابُهُ مَا يُعَظِّمُ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحَمَّدًا، وَاللهِ إِنْ تَنَخَّمَ نُخَامَةً إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ، وَإِذَا أَمَرَهُمْ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ، وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ، وَإِذَا تَكَلَّمَ خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ، وَمَا يُحِدُّونَ إِلَيْهِ النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَه»(7).

ولما أَسَرَ زَيْدَ بنَ الدَّثِنَة رضي الله عنه كفارُ قريش وخرجوا به ليقتلوه، قال له أبو سفيان - قبل أن يسلم -: أنشدك الله يا زيد، أتحب أن محمدًا مكانك الآن يُضرب عنقه وأنك في أهلك؟ فقال: والله ما أحب أن محمدًا في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة وأنا جالس في أهلي. قال أبو سفيان: «مَا رَأَيْتُ مِنْ النَّاسِ أَحَدًا يُحِبُّ أَحَدًا كَحُبِّ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ مُحَمَّدًا»(8).

وبلغ حبهم لنبيهم صلى الله عليه وسلم حدًّا يوضحه لك هذا الحديث عن أنس رضي الله عنه حيث قال: كَانَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَاقَةٌ تُسَمَّى العَضْبَاءَ، لاَ تُسْبَقُ - قَالَ حُمَيْدٌ: أَوْ لاَ تَكَادُ تُسْبَقُ - فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ عَلَى قَعُودٍ فَسَبَقَهَا، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى المُسْلِمِينَ حَتَّى عَرَفَهُ، فَقَالَ: «حَقٌّ عَلَى اللهِ أَنْ لاَ يَرْتَفِعَ شَيْءٌ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا وَضَعَهُ»(9)، وفي لفظ: فلما رأى ما في وجوههم وقالوا: سُبقت العَضْبَاء فاشتدَّ عليهم رضي الله عنهم أن تسبق هذه الناقة؛ لأنها ناقة محمد صلى الله عليه وسلم. فإذا كان هذا حالهم مع ناقته فما حالهم معه هو صلى الله عليه وسلم!!

وروى أبو إسحاق الفزاري عن الأوزاعي عن حسان بن عطية قال: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ جَيْشًا فِيهِمْ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ، وَخَالِدُ بْنُ زَيْدٍ، فَلَمَّا صَافُّوا المُشْرِكِينَ أَقْبَلَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يَسُبُّ رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ: أَنَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، وَأَبِي فُلَانٌ فَسُبَّنِي وَسُبَّ أَبِي وَسُبَّ أُمِّي، وَكُفَّ عَنْ سَبِّ رَسُولِ اللَّهِ، لَمْ يَزِدْهُ ذَلِكَ إِلَّا غِرًا فَأَعَادَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَأَعَادَ الرَّجُلُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقَالَ: لَئِنْ عُدْتَ الثَّالِثَةَ لَأُرَجِّلَنَّكَ بِسَيْفِي، فَعَادَ فَحَمَلَ عَلَيْهِ الرَّجُلُ، فَوَلَّى الرَّجُلُ مُدْبِرًا، فَاتَّبَعَهُ الرَّجُلُ حَتَّى خَرَقَ صَفَّ الْمُشْرِكِينَ، فَضَرَبَهُ بِسَيْفِهِ، فَأَحَاطَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ فَقَتَلُوه (10). فهذا المسلم لم يتحمل أن يسمع سَبَّ النبي صلى الله عليه وسلم، فأراد من الكافر أن يكف ولو بالاشتغال بِسَبِّه هو وسَبِّ أبيه وأمه، فلما استمر الكافر في سَبِّه لم يملك هذا المسلم نفسه، فاتجه نحوه مع أنه في وسط جموع المشركين ومعهم أسلحتهم، فخَرَق صَفَّهم حتى أصاب السَّابَّ بسيفه، إلى أن اجتمع المشركون على هذا الصحابي الكريم وقتلوه رضي الله عنه. فأصعب ما يمكن أن يسمعه المسلم على الإطلاق أن يسمع مَسَبَّة الله ومَسَبَّة رسوله صلى الله عليه وسلم، فالمسلم لا يُطيقها ولو كان هذا المسلم من أكثر الناس تقصيرا في الواجبات وركوبا للمحرمات؛ لأن مقام نبي الله صلى الله عليه وسلم مقام كبير في نفس كل مسلم، وليس من اليسير عليه أبدا أن يَسمع في نبي الله صلى الله عليه وسلم مقالة سيئة، فإن محبة هذا النبي الكريم شيء مشترك بين جميع المسلمين صُلَحائهم وعُصَاتهم، ولا يمكن أن تنعدم من قلب أحد مهما بلغ في التقصير ما دام مسلما، وإن كانت المحبة كغيرها من أعمال القلوب تتفاوت بين المسلمين، كما هو أصل أهل السنة في مسائل الإيمان من تفاوت الإيمان في القلوب. ودليل ذلك من هذا الحديث: عن عمر رضي الله عنه أن رجلا كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم قد جلده في الشراب، فأتي به يوما فجلد، فقال رجل من القوم: اللهم العنه، ما أكثر ما يؤتى به، فقال صلى الله عليه وسلم: «لَا تَلْعَنُوهُ فَوَاللهِ مَا عَلِمْتُ إِنَّهُ يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ»(11). فأخبر صلى الله عليه وسلم بثبوت حبه في قلب هذا الرجل مع كثرة شربه للخمر وكثرة إقامة الحَدِّ عليه.

رابعا: لا بد من الكلام على أصناف الواقعين في سَبِّ نبي الله صلى الله عليه وسلم قبل شرح هذا الكتاب.

تقدَّمَ عَرْضُ طوائف ممن تعرَّضوا لعموم مقام الاعتقاد من طوائف الزنادقة ونحوهم، وما فعل بهم المسلمون من النَكَال عبر القرون، ويبقى الكلام في تحديد أصناف الواقعين في التعرض لمقامه الكريم صلى الله عليه وسلم تحديدا، فيقال هم أصناف:

الصنف الأول: أهل الكفر من اليهود والنصارى والمشركين والملاحدة من أعداء الإسلام، فهؤلاء معلوم أنهم لا يتركون نبي الله صلى الله عليه وسلم ودينه بسبب العداوة المستحكمة بينهم وبين هذا الدين.

الصنف الثاني: أهل النفاق المتظاهرون بالإسلام مع إبطانهم الكفر، كعبد الله بن أُبَيِّ ابن سَلُولٍ وحزبه، وقد ذكروا في القرآن في مواضع، ويأتي شيء مما يتعلق بهم في هذا المختصر بعون الله.

الصنف الثالث: مجموعة من رؤوس الفِرَق الضالة، ويأتي في مقدمتهم الباطنية، والباطنية كما ينبغي أن يعلم طالب العلم نوعان: باطنية الشيعة وهم المشهورون بهذا، فلهم مقالات شنيعة معروفة في حق النبي صلى الله عليه وسلم مذكورة في تراجمهم وتاريخهم العفن. الصنف الثاني: باطنية الصوفية حيث نال من النبي صلى الله عليه وسلم مجموعة منهم، وأطلقوا في حقه صلى الله عليه وسلم شَنِيع الألفاظ، كما فعله ابن سَبْعين والحَلَّاج وأَضْرَابُهما، ويخفى هذا على كثير من عوام الصوفية، الذين يُعظِّمون هؤلاء دون أن يعلموا مقالاتهم الشنيعة، ولو وقفوا على مقالاتهم وعرفوا مرادهم لتغيَّر موقفهم منهم، كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى في جَهَلة الصوفية المعظِّمين لهذا الصنف المجرم:

يبغون منهم دعوة ويقبلون *** أياديا منهم رجا الغفران

ولو أنهم علموا حقيقة قولهم *** رجموهم لا شك بالصوان

والصِّوَانِ: هي الحجارة التي فيها صلابة، ولولا أني لا أريد نشر مقولاتهم في هذا المقام الذي نحن فيه الآن، لنقلت شيئا من تلك الألفاظ. وطالب العلم يجد هذه الألفاظ العفنة في كتب الردود على المتصوفة وفي الكتب التي صُنِّفت في مسائل من الاعتقاد أو السلوك التي عرض مصنفوها لانحراف الصوفية، ومنها كتاب يصل قريبا بحول الله عنوانه «كرامات الأولياء» فيه بيان لهذه الحقيقة عنهم لمن لم يعلمها، وفيه كلمة وجهت إلى هؤلاء الذين يجهلون حقيقة ما عليه أولئك الضالون.

الصنف الرابع: وهم أكثر من تعرَّض لنبي الله صلى الله عليه وسلم في هذه الأزمنة -المُنْسَلِخون- من الذين وجَّهوا وِجْهَتهم نحو أهل الإلحاد من الغربيين أو الشرقيين، وتبنَّوْا آرائهم الزائغة المنحلَّة ونَشَرُوها في الأمة، وصاروا واجهة لأولئك الملاحدة يُزيِّنون أباطيلهم ويترجمونها لشباب الأمة لتكون سهلة المنال، وهذا كثير في أصحاب الروايات والقصص والشعر الأعرج المسمى بشعر الحَدَاثة، إضافة إلى آخرين كتبوا في علم السياسة والاجتماع، وكذا كتاب المقالات الصحافية من حثالات اليساريين القدامى، وكذا ذوو النَّزْعَة العفنة الليبرالية المنفتحة بلا حدود، ولعدد منهم مواقع على الشبكة الإلكترونية ملأها بالهابط الفاسد من المقالات، وفي ضمنها تعرض لمقام رب العالمين ولمقام النبي صلى الله عليه وسلم، ولا تزال تسمع بين فَيْنَة وأخرى باقعة وآبدة من الأوابد ينشرها أولئك وفق خَطٍّ منظَّم مرسوم كما نَبَّهتُ، غرضهم منه ضَرْب مقام الرب تعالى ومقام النبي صلوات الله وسلامه عليه في قلوب المسلمين.

الصنف الخامس: أناس من غير حَمَلة العلم الشرعي ممن أقحموا أنفسهم في غِمار فهم النصوص الشرعية والحديث عن قضايا الأمة ولاسيما عبر وسائل الإعلام، وظهرت في ظرف شهور مضت جملة من العبارات والألفاظ التي أطلقها هؤلاء، واضطربت لها الأمة لشنيع مدلول تلك العبارات التي أطلقها أولئك الذين لم يُؤدِّبهم العلم، ولم يَجْثَوْا على الرُّكَب لتعلُّمه، فأساءوا من حيث يزعمون أنهم يحسنون، وكثيرا ما يبادرون إلى الإقرار بأنهم أخطأوا ويعتذرون مما قالوه، وما ذاك إلا لجهلهم بما خاضوا فيه، ذلك الجهل الذي يأبون الإقرار به، وبخاصة إذا حملوا شهادات عليا في المجالات الحديثة، من طب أو علوم الحاسب أو الهندسة أو غيرها، ورأوا أن هذه المؤهلات كفيلة بمنحهم الحق في الخوض في مجال العلوم الشرعية، التي أَضْحَتْ بكل أسف وبكل مرارة كلأً مباحا يتحدث فيه كثير ممن لا يفقهون، وصارت شهادتهم كما قيل غطاء يغطى به الجهل، فإن بعض من يخوضون في المسائل الشرعية من هؤلاء لا يحسنون مجرد قراءة الآية التي يستدلون بها، ولا يستطيعون تمييز الصحيح من المكذوب في الروايات، ولا يدري بمدلول الكلمة التي يطلقها شرعا، وما الذي يترتب عليها من حكم عظيم، وقد وقف الناس على أمثلة عجيبة على ما قلت عن هؤلاء، واتضح للجميع كيف أنهم كانوا على جهل شديد في ما خاضوا فيه، فإن أنكر عليهم أهل العلم لم يجدوا جوابا إلا الاعتذار بأنهم لم يكونوا يستشعرون أن في قولهم مخالفة، ووصلت إلى حد المساس بمقام نبي الله صلى الله عليه وسلم. فهلا كفُّوا إذا وقصروا كلامهم على ما يحسنون مما تخصصوا فيه وتركوا الخوض في ما لا علم لهم به، لكنها باقعة الإعلام التي قربت الجاهل ونحت العالم.

خامسًا: في وجوب الاحتساب على هؤلاء جميعًا وخطر السكوت عليهم.

لا ريب أن هؤلاء جميعا قد وقعوا في أكبر المنكرات التي مهما عددت من منكرات العصاة وأهل الكبائر فإنها لا تصل إلى منكرهم، فوجب حسم مادة هذه الفتنة من جانبين:

الجانب الأول: ببيان الحكم الشرعي فيهم، وهو ما يلزم أهل العلم وحملته لكف شر هؤلاء، وتحذير الأمة من الوقوع في شَرَكِهم وكيدهم أو الإصغاء إلى من قد يكون جاهلا منهم.

الجانب الثاني: بالزاجر الشرعي الموقف لهم عند حدهم، وإقامة حكم الله فيهم غضبا لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وكَفًّا لهذا الشر العظيم الذي يمكن أن نذكر أن خطره يتمثل في جوانب عديدة، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:

أولا: أن هذا المنكر العظيم إذا تُرِك فإنه من أسرع أسباب حلول نقمة الله تعالى، والاستعلان بِسَبِّ نبيِّ الله صلى الله عليه وسلم كفر كما سيأتي تفصيله بأدلته في هذا المختصر بعون الله، والغالب أن نقمة الله تعالى من السَّابِّ لنبيِّه صلى الله عليه وسلم لا تتأخر، وقد ذكر شيخ الإسلام في كتاب «الجواب الصحيح» أن المسلمين إذا كانوا في حصار للكفار، فسَبُّ الكفار نبي الله صلى الله عليه وسلم، علم المسلمون أن النصر قد اقترب؛ لأن مما اعتادوه غير مرة في المستعلن من الكفار بِسَبِّ النبي صلى الله عليه وسلم أنه يُدْحَر ويُغلب، انتصارا من الله لنبيه صلى الله عليه وسلم، وعقوبة منه عز وجل لمن اجترءوا على مقام رسول الله صلوات الله وسلامه عليه تحقيقا لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ(12)، فإذا كان هذا في حق الكفار، فكيف إذا استعلن بالسَّبِّ في بلاد المسلمين الذين يشهدون لنبيهم صلى الله عليه وسلم بالرسالة، لا شك أن النقمة ستكون أقرب، وأن الوبال إن نزل فإنه والعياذ بالله ينزل على الجميع بسبب حفنة خبيثة لن يقتصر أمر العقاب عليها إن نزل، بل إذا نزل عَمَّت الصالح والطالح، كما دَلَّ على هذا عدة أحاديث عنه صلى الله عليه وسلم في أن العقاب إذا نزل عم الجميع(13).

ثانيًا: أن هذا السَّابَّ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم يفتح باب فتنة كبيرة، إذ قد يقوم أحد بالانتقام منه بقتله أو بضربه، ثم قد يُنتقم للسَّابِّ من قِبَل قريب أو غيره، ثم كَرَّة ثالثة يُنتقم من الذي انتقم، وهكذا قد ينتشر القتل والقتال المتبادل بسبب هذا السَّابِّ المجرم الذي فتح الباب لفتنة لا يدرى بأبعادها وعند أي حد تقف.

ثالثًا: أن من أعظم ما ينعكس على المجتمع الذي يسُبُّ فيه نبيَّ الله صلى الله عليه وسلم أن يُصوَّر بصورة المجتمع المنحلِّ غير المُكتَرِث بجناب نبي الله صلى الله عليه وسلم، فيجد أعداءه المتربِّصون من الروافض وأعوانهم بُغْيتهم بتصوير هذا المجتمع بالمجتمع المُنسَلِخ من الدين، وتُوصَم جهود هذا المجتمع العظيمة في الدعوة إلى دين الإسلام ونشر العلم وإغاثة المنكوبين من المسلمين، تُوصَم كل هذه الجهود بأنها مجرد نفاق وتضليل وذَرٍّ للرَّمَاد، إذ لو صَدَقَ هؤلاء لما جهر بمَسَبَّة النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك بلا ريب يؤدي إلى صَدٍّ عظيم عن الحق المتمثل في منهج السلف وطريق أهل السنة الذي يَدين به هذا المجتمع وينشره في العالم. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يلاحظ ملاحظة تامة اجتناب أي أمر ينعكس على مجتمع المسلمين في زمنه بصورة غير سليمة، حتى إنه ترك قتل رأس المنافقين عبد الله بن أُبَيٍّ، وأول سلف للخوارج نبغ في زمنه، ترك قتلهما بقوله: «لَئِلَّا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ»(14)، فمراعاة سمعة المجتمع المسلم غاية في الأهمية، حتى لا يُشوَّه بتصرف حفنات قليلة يجد العدو فيها نموذجا يفخم من أمره، ليعكس تصرفهم على الجميع، مع أن الواقع الذي يعلمه الجميع أنهم حفنة لا يقر لهم أحد باطلهم، لكن إن لم يؤخذ على أيديهم نُسِبَ باطلهم إلى المجتمع، ونشرت بغضاء هذا المجتمع في بلاد الإسلام، واستغل في هذا الإعلام وغيره بما يكون سببا في تشويه المجتمع السُّنِّي وإجهاض جهوده في الدعوة إلى الله تعالى.

سادسًا: لا بد أن يعي طالب العلم جيدا المراد بالسَّبِّ، وبيان الصور التي تدخل في مسماه.

فالسَّبُّ في اللغة هو الشتم، وسيأتي في كلام الشيخ أن السب يكون تارة بالتصريح الذي لا يتردد فيه أنه سَبٌّ. وتارة يكون بالتعريض الذي يكون فيه السَّبُّ غير واضح وضوحه في التصريح، وذلك آت في موضعه بعون الله. ولهذا فإن للسَّبِّ صورا في وقتنا هذا، منها ما يأتي:

السَّبُّ بالأقوال، سواء أكانت نثرا أو شعرا. ومنها السب بالأفعال، سواء أكانت مكتوبة أو مرسومة مصورة أو في شكل تمثيليات ومسرحيات، وكل هذه الصور وقعت من أهل الإجرام، وتَفَاقَم أمرهم في وقتنا هذا أكثر من غيره، وهنا لا بد من التفطُّن إلى أمر بالغ الأهمية وهو التأكد من أن اللفظ يفيد السَّبَّ فعلا، إذ قد يظن في بعض الأقوال أنها سَبٌّ وليست كذلك، فقد روى مسلم في «صحيحه» عن أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ(15) رضي الله عنه أنه قال: كَانَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ بَيْتُهُ أَقْصَى بَيْتٍ فِي الْمَدِينَةِ، فَكَانَ لَا تُخْطِئُهُ الصَّلَاةُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: فَتَوَجَّعْنَا لَهُ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا فُلَانُ لَوْ أَنَّكَ اشْتَرَيْتَ حِمَارًا يَقِيكَ مِنَ الرَّمْضَاءِ، وَيَقِيكَ مِنْ هَوَامِّ الْأَرْضِ، قَالَ: أَمَ وَاللهِ مَا أُحِبُّ أَنَّ بَيْتِي مُطَنَّبٌ بِبَيْتِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: فَحَمَلْتُ بِهِ حِمْلًا حَتَّى أَتَيْتُ نَبِيَّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخْبَرْتُهُ، قَالَ: فَدَعَاهُ، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، وَذَكَرَ لَهُ أَنَّهُ يَرْجُو فِي أَثَرِهِ الْأَجْرَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ لَكَ مَا احْتَسَبْتَ»(16). فأبي رضي الله عنه حين سمع قول الأنصاري هذا استعظمه واستثقله، وهو معنى قوله: فحملت به حملا؛ لأن اللفظ قد يُفهم منه أن هذا الرجل يريد النيل من النبي صلى الله عليه وسلم من جهة أنه يبغض أن يكون جارا من جيرانه، ولا ريب أن أحدا لو أبغض جوار نبي الله صلى الله عليه وسلم لكان من أحط الناس وأسفلهم، وكان قوله دالًّا على بغض شديد وازدراء لنبي الله صلى الله عليه وسلم، وذلك لا يكون من مسلم قط، ولما كان اللفظ محتملا لهذا المعنى ولغيره دعاه النبي صلى الله عليه وسلم وسأله عن مراده ليتضح المقصود بهذه الكلمة، فلما بَيَّن مراده، بَشَّره رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الله قد كتب له ذلك كله ذهابه إلى المسجد ورجوعه إلى أهله. وحال هذا الصحابي الكريم دالة على ذلك في مراعاته للصلاة والحرص عليها. واعلم أن هذا الكلام الذي نقوله في أهمية التدقيق في الألفاظ المحتملة، إنما نقصد به ما كان محتملا لمعنى صحيح، أما الألفاظ الصريحة في السَّبِّ، أو التي فيها تعريض وتلميح بالسَّبِّ دون أن تحتمل معنى سليما فلا يجوز بحال أن يُدافَع عن أهلها، كما فعل بعض الأراذل حين نَصَبُوا أنفسهم شُرَّاحا لعبارات جَليَّة واضحة في السَّبِّ دافعوا بها عن المجرمين من أهل السَّبِّ، فهذا من مظاهرة المجرمين التي نهينا عنها، ووقوف إلى جانبهم، يكون المدافع بسببه مدانا بدفاعه، ولهذا فإن الألفاظ المحتملة فقط هي التي يُسأل أصحابها عن مرادهم، أما ما سواها فلا. وتقدير ذلك على كل حال راجع إلى أهل العلم الشرعي والقضاة الذين يحكمون وفق الشرع ممن تكلموا عن مدلولات مثل هذه الألفاظ وبَيَّنوا ما الذي يدل منها على السَّبِّ وما الذي لا يدل مما سيأتي تفصيل كثير منه بعون الله في هذا الكتاب.

والغرض من التنبيه على هذه المسألة التروِّي في الحكم بأن كذا وكذا من السَّبِّ، فإن الغُلَاة مثلا في النبي صلى الله عليه وسلم إذا سمعوا دعاة التوحيد يقولون: إن نبي الله صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب ولا يجوز لأحد أن يدعوه من دون الله؛ لأنه لا حق لأحد من البشر في مثل هذا بل هو خاص بالرب وحده، إذا سمع الغلاة هذا زعموا أن دعاة التوحيد قد سَبُّوا النبي صلى الله عليه وسلم ونَقَصُوه عن درجته، ولهذا قلنا: إن تحديد كون هذا سَبًّا ليس عبثا وتخرُّصا بل السَّبُّ له مدلول مُعيَّن وبالصور التي ذكرنا، ويترتب عليه أحكام كبار في دين الله، ذكر شيئا منها كثيرا في هذا الكتاب المبارك بعون الله عز وجل.

سابعًا: هذا «المختصر» الذي كتبه الشيخ محمد بن علي البَعْلِي الحنبلي رحمه الله لا يُغني أبدًا عن الرجوع لأصل الكتاب «الجواب الصحيح»، وقد أوجز البَعْلِي رحمه الله بالعبارة في بعض المواضع اعتمادًا على وضوح المسألة عنده فيما يظهر، لكن صارت بعض المواضع بسبب الاختصار غير واضحة لطالب العلم إلا بالرجوع إلى الأصل، ولهذا سنرجع للأصل إن شاء الله في أكثر من موضع لتَجْلِيَة ما قد يخفى بسبب الاختصار، وعُذْر البَعْلِي رحمه الله تعالى واضح فيما قلنا من وضوح المسألة في نظره وفي حرصه على الاختصار؛ لأن من عادة المختصر الإجازة في العبارة قدر ما يستطيع لئلا يطول الكتاب ويقترب من الأصل فلا يكون في الاختصار فائدة عند ذلك.

ونبدأ إن شاء الله عز وجل بقراءة هذا الكتاب وطريقة القراءة فيه إن شاء الله تعالى ستكون -ولاسيما في البداية- ستكون إن شاء الله عز وجل مترسِّلَة، وسيكون فيها شرح مُسْهِب في بعض المواضع، حتى إذا أتينا إلى المواضع مرة أخرى؛ لأنها تتكرر أحلنا على ما كان في أول هذا الكتاب من الشرح ونكتفي به إن شاء الله تعالى، ولهذا قد نطيل في البداية لكن إن شاء الله تعالى عندما يأتي الموضع ويتكرر سنحيل على ما تم شرحه في أول الدروس إن شاء الله.


(1) انظر «فتح الباري» لابن حجر (12/270).
(2) أخرجه البخاري في كتاب الفتن- باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الفتنة من قبل المشرق» (7092).
(3) أخرجه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء- باب وفاة موسى وذكره بعد (3409)، ومسلم في كتاب القدر- باب حجاج آدم وموسى عليهما السلام (2652).
(4) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان- باب حلاوة الإيمان (16)، ومسلم في كتاب الإيمان- باب بيان خصال من اتصف بها وجد حلاوة الإيمان (43)، من حديث أنس بن مالك .
(5) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان- باب حب الرسول الله صلى الله عليه وسلم من الإيمان (15)، ومسلم في كتاب الإيمان- باب وجوب محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم (44).
(6) أخرجه البخاري في كتاب الأيمان والنذور – باب كيف كانت يمين النبي صلى الله عليه وسلم (6632).
(7) أخرجه البخاري في كتاب الشروط – باب الشروط في الجهاد والمصالحة (2731).
(8) «سيرة ابن هشام» (2/172).
(9) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد والسير – باب ناقة النبي صلى الله عليه وسلم (2872).
(10) أخرجه أبو إسحاق الفزاري في «السير» (331).
(11) أخرجه البخاري في كتاب الحدود- باب ما يكره من لعن شارب الخمر، وإنه ليس بخارج من الملة (6780).
(12) سورة الكوثر: 3.
(13) منها ما أخرجه ابن ماجة في كتاب الفتن – باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (4009) عن عُبَيْدِ الله بن جرير، عن أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْ قَوْمٍ يُعْمَلُ فِيهِمْ بِالْمَعَاصِي، هُمْ أَعَزُّ مِنْهُمْ وَأَمْنَعُ، لَا يُغَيِّرُونَ، إِلَّا عَمَّهُمُ اللهُ بِعِقَابٍ» وصححه الألباني في صحيح الجامع (5749).
(14) أخرجه البخاري في كتاب المناقب- باب ما ينهى من دعوة الجاهلية (3518)، ومسلم في كتاب البر والصلة والآداب- باب نصر الأخ ظالمًا ومظلومًا (2584)، من جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.
(15) هو: الصحابي الجليل أبي بن كعب بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار، سيد القراء، أبو منذر، الأنصاري، النجاري، المدني، المقرئ، البدري، ويكنى أيضًا: أبا الطفيل. شهد العقبة وبدرًا، وجمع القرآن في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وعُرض على النبي -عليه السلام- وحفظ عنه علمًا مباركًا، وكان رأسًا في العلم والعمل -رضي الله عنه. قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ليهنك العلم أبا المنذر». مات سنة اثنتين وثلاثين. انظر: الاستيعاب (ص: 42 ترجمة 2)، وأسد الغابة (1/168 ترجمة 34).
(16) أخرجه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة – باب فضل كثرة الخطى إلى المساجد (663).