موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - مقدمة - شرح أصول الدين
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح أصول الدين لفضيلة الشيخ سعد بن ناصر الشثري
  
 
شرح أصول الدين - مقدمة

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين، نحمده على نعمه، ونشكره على مننه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد ..

فما من زمانٍ إلا ويكون فيه أهل زيغٍ، يزيغون عن الدين القويم، وينحرفون عن الصراط المستقيم، بشبهاتٍ شيطانيةٍ تلقيها الشياطين في القلوب. ومن فضل الله عز وجل أن هيَّأ من يقابل متبِّعي الشياطين بعلماءٍ يُرشدون الناس إلى الحق ويردون الباطل.

ومن أعظم أنواع الباطل مَوجات الإلحاد التي تكون في الأمة ما بين عصرٍ وآخر، وما من عصرٍ إلا وفيه مثل هذه الموجات. قد يتسمَّوْن باسم الإسلام وهم لا يؤمنون بعقائده، وقد يجحدون رب العزة والجلال، ولكنهم نوادر وقلة، ولهم خصائص وسمات، من تلك الخصائص:

أنه يغلب عليهم الاستهزاء والسخرية بأهل الحق، ومن المعلوم أن أصحاب الخلق الفاضل وأصحاب المعتقد الثابت لا يركنون إلى الاستهزاء والسخرية، وإنما يركنون إلى الدليل الواضح والحجة المقنعة والبرهان الجلي.

وأما شأن الاستهزاء فليس من شأن المؤمنين، ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ المُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلَا اللَّعَّانِ وَلَا الْفَاحِشِ وَلَا الْبَذِيءِ»(1).

وقد أخبر الله عز وجل عن أقوام الأنبياء أنهم كانوا بهم يستهزئون، كانوا بأنبيائهم يستهزئون.

ومن سمات أهل الإلحاد: الإعراض عن الكتاب والسنة، قد يظن الواحد منهم أن الكتاب والسنة أدلة نقلية مجردة، بينما الكتاب والسنة هي أعلى درجات الأدلة العقلية، بما يقتنع به أصحاب الفطر المستقيمة، المتجردين من الأهواء والأغراض الدنيوية. ولو تفكروا في القرآن وتأملوا في حججه وبراهينه لكان ذلك من أسباب هدايتهم، ولكنهم يعرضون عن الكتاب والسنة.

والسِّمَة الثالثة: أن أهل الباطل والإلحاد يدلِّسون على الناس، ويظهرون الحق بصورة تنفر منها النفوس، ويظهرون الباطل على أنه صورة حسنة بكلامٍ منمقٍ، ولذلك قد يغتر بهم كثير من الناس؛ لِمَا يسمعونه من القول المنمق كما قال تعالى: ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا(2). زخرف القول غرورا كلام منمق يَغُرُّون به الناس.

والأمر الآخر: أن أصحاب العقول منهم – من هؤلاء الملحدين – نادر أو قليل، إنما ينقل بعضهم من بعض، ويتكلم بعضهم بما يسمعه من أفرادهم، ولذلك قد تجدون في أصحاب هذا الصنف في عصرنا الحاضر مَن يُعيد كلمات منقولة ومكتوبة قبل أربعين وخمسين سنة في بعض البلدان الأخرى، ولا يُدخِل فيها المتغيرات العصرية، يستجر الكلام بدون أن يفكر في حقيقته ومدى انطباقه على وقائع الناس اليوم.

ومن صفاتهم أيضًا: أن مريد الإحسان منهم بالناس قليل، بل نادر، تجد أن كثيرا منهم لا يهتم إلا بنفسه، ولا يسعى إلى الإحسان إلى غيره؛ وذلك لأن معتقداتهم الملحدة لا تحض على الإحسان إلى الخلق. والناظر في مقالات هؤلاء الملحدة يجد أنها تماثل مقالات قد قيلت من عصور الأنبياء السابقين، وفي عصر نبينا وما بعده من عصور كثيرة. وليس لديهم شيء جديد، بل إنك تجد أنهم يرفعون أسماء الملحدة الذين مَرَّوْا على الأمة في قرونها السابقة.

ومن خصائصهم: عدم وجود يقين عندهم، بل الذي عندهم شك وافتراض وحَيرة، وعندهم من التفرق والاختلاف الشيء الكثير؛ لأن الباطل أوجهه متعددة، بينما الحق وجه واحد وقول واحد. بخلاف أهل الحق؛ فإنهم يجتمعون على قولٍ واحدٍ؛ لأن لديهم أصولاً يحتكمون إليها: هي الكتاب والسنة.

والناظر في أصحاب هذه المقالات الشنيعة يجد أن لديهم مسائل ودلائل، مسائل يتكلمون بها ويقعدون فيها بقواعد باطلة, وعندهم أيضًا أنواع من الأدلة التي يظنون أنها أدلة وهي ليست كذلك.

ولذلك إذا أردنا أن نرد على أصحاب هذه المقالات الزائغة فلا بد أن ننظر في أنواع الأدلة التي يستدلون بها ونبين حقيقتها، وهل يصح التمسك بها أو لا؟ ثم نورد بعض المسائل التي يتكلمون فيها بالباطل، ونمثل على أوجه وجود الضلال في أقوالهم وعقائدهم.

وفي يومنا هذا نبتدئ بمسألة مهمة، وهي ما يتعلق بالكلام في رب العزة والجلال، وإثبات الاعتقاد به، ربًّا خالقًا متصرفًا ومعبودًا. وهذه المسألة قد جاءت فيها نصوص كثيرة في الكتاب والسنة، وإن لم يكن هناك شك في الله عز وجل كما قال تعالى: ﴿أَفِي اللهِ شَكٌّ(3)، ومما فطرت عليه القلوب الاعتراف بالله عز وجل خالقا وربا ومتصرفا في الكون.

وذلك لأن هذا الكون العظيم الذي فيه مخلوقات متنوعة وحوادث متجددة، لا يمكن أن يُحْدِث نفسه ابتداءً؛ إذ من المعروف عقلا أن الشيء لا يحدث نفسه. وهكذا أيضا لا يصح أن نقول بأن هذه المخلوقات قد وجدت من غير خالق لها وموجد، فلم يبق إلا أن يكون لها خالق خلقها وهو الله جل وعلا، وشاهد هذا من كتاب الله عز وجل قوله سبحانه: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ﴾ هذا التقسيم الأول، ﴿أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ(4).

ثم إن تفكرك في عظيم صنع الله لك يجعلك تؤمن بالله ربًّا وخالقًا كما قال تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ(5). كم من عِرق في جسدك؟ وكم من عظم في جسدك؟ وكم من لحم في جسدك؟ وكم وكم ... هذا الترتيب البديع للبدن لا يمكن أن يكون أمرًا اعتباطيًّا، لا بد أن يكون من خالق.

ودليل آخر ألا وهو التفكر في خلق الله، في هذا الكون العظيم، هذه الأراضين، وهذه السماوات. وهذه الجبال والمخلوقات، لا بد لها من تدبير، لا بد لها من موجد، ثم لا بد لها من مدبر يتصرف فيها.

لا يعقل أن يكون هذا التصرف البديع في الكون بدون متصرف فيه، هذا السحاب يُساق من آلاف الأكيال فيمطر، فينبت الله به النبات، وهذه الشمس والقمر تجري بسياق غريب، سياق عجيب. قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ(6)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا(7)، وقال جل وعلا: ﴿صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ(8).

وهكذا أيضًا من الأدلة الدالة على هذه المسألة العظيمة: ما صرَّف الله في البهائم والحيوانات من اهتدائها لمعايشها، وتصرفها بما يعود على نفسها بالحياة والبقاء. قال تعالى: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى(9)، أي: هداها للتصرف بما يعود عليها بالنفع.

ومن الأدلة الدالة في هذا الباب: النعم الكثيرة التي أنعم الله بها جل وعلا على العباد، وأنت واحد منهم، كم من نعمة لله عليك؟ لا يمكن أن تكون قد أحدثتها بنفسك، وأبوك وأمك لم يقصدوا وجود هذه النعم فيك؛ سواء في بدنك، أو كانت تلك النعم في معايشك، في تقلبك في الحياة. قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ(10).

ومن الأدلة الدالة على هذه المسألة العظيمة: إجابة الله سبحانه وتعالى لدعاء الداعين، ونشاهد هذا في أنفسنا وفي غيرنا، أمور مُدلهمَّة مغلقة الأبواب ييسرها الله عز وجل بدعوات صادقات. قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ(11). فإن جاء المضطرين وإجابة دعاء الداعين هذا نشاهده ونعرفه من أحوال الناس.

ومن الأدلة الدالة على هذه المسألة: تلك الخوارق والآيات المعجزات التي تكون مع أنبياء الله عليهم السلام وأتباع الأنبياء. ونمثل لذلك بمثال عظيم، وهو نصر الله لأوليائه المؤمنين، قد يأتيهم في أول الأمر بعض الضيق، ولكنهم يصبرون فتكون العاقبة لهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (172) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ(12). يأتي أهل الباطل وعندهم قوات عظيمة وإمكانات كبيرة، يظن الظانُّ أن الإسلام سيُقضى عليه، ثم بعد ذلك ينصر الله أولياءه المؤمنين.

وأضرب لذلك مثلَيْن في التاريخ عجيبين:

أولهما: فيما يتعلق بحياة النبي صلى الله عليه وسلم ووفاته، في يوم الهجرة مائة رجل بأسلحتهم يطاردون النبي صلى الله عليه وسلم، وحاصروا بيته فخرج من بين أيديهم، وبحثوا عنه وطلبوه فنجاه الله منهم كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (13).

وهكذا في غزوة بدر، وفي غزوة أحد، وفي الخندق، حينما ظن المنافقون أن الإسلام قد قضي عليه، فنصر الله المسلمين بالريح، بدون أن يكون منهم قتال كثير.

وعند وفاة النبي صلى الله عليه وسلم أصيب المسلمون بوفاته، وأصيبوا بانقطاع الوحي، وارتدت العرب وتمالأ الروم على غزو ديار الإسلام، وتفرق الصحابة. بالموازين البشرية انقضى دين الله، ولن تقوم لهذا الدين قائمة، جمع الله كلمة المسلمين، وبعد سنة واحدة من ذلك الموقف يرسلون الجيوش إلى الروم وفارس فاتحين. مَن الذي نصرهم، يقابل الجيش ثمانية أضعافه فينصر الله عز وجل المؤمنين. هذه عبرة عظيمة.

والنوع الثاني: ما يتعلق بنصر الله علماءَ الدين، الذين وقفوا في وجه الكفر أو في وجه العقائد الفاسدة. أحد خلفاء بني العباس يدعو الناس إلى عقائد فاسدة في نفي الصفات، فيقف الإمام أحمد في وجهه، ويكون عند الخليفة قدرات مالية وعسكرية وعنده الدولة بكمالها. وقام بمواقف قوية بالنسبة لمن لم يستجب لما أراد نشره بين الناس من العقائد الفاسدة؛ فقتل بعضًا، وعذب بعضًا، وفصل من الوظيفة بعضًا آخرَ، فيقف الإمام أحمد مُظهرًا عقيدة الحق، كم عدد الجيش الذي معه؟ فأصبح ذكر للإمام أحمد، والعلم ينقل عن ذلك الإمام، ويقال: إمام أهل السنة والجماعة.

وفي عصرنا الحاضر جاءت قوة عظمى، أرادوا أن يمسخوا عقيدة الأمة، فقام لها علماء في كل قطر، فوقفوا في وجهوهم، نشروا الحق والعلم فنشر الله جل وعلا دعواتهم، وحمى الله بهم بلاد الإسلام، ويأتي احتلال بعض الدول كالجزائر مثلًا، فيقوم فيه علماء بعدد أصابع اليد، عبد الحميد بن باديس، والبشير الإبراهيمي، ونحوهم من العلماء. فيقفون في وجه هذه المحاولات الخاسرة، فيستجيب لهم الخلق، ولا تنطلي على الناس هذه الدعوات الفاسدة المفسدة والعقائد السيئة. هذه معجزات عظيمة، ليس لديهم سلاح، وليس لديهم قوة، وليس لديهم قدرة على مجابهة دولة عظمى. وليس هذا خاصًّا بذلك البلد، بل في بلاد الإسلام قاطبة، عاصمة دولة كبرى تفتح بأربعين رجلًا.

كذلك من الأدلة الدالة على هذه المسألة: هذا القرآن العظيم والكتاب الكريم الذي بين أيدينا نقرؤه، فيه من البراهين والحجج، وفيه من الهدى والرحمة الشيء الكثير. لا تنقضي عجائبه، يدل على عظمة قائله، قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ(14).

ويدلك على هذه المسألة العظيمة: ما فطر الله قلوب العباد عليه، مع اختلاف مللهم وأجناسهم ولغاتهم وبلدانهم، إذا نزلت بهم المصيبة لجئوا إلى الله.

هكذا؛ أيضًا من الأدلة الدالة على صحة الرسالات وإثبات وجود الخالق جل وعلا: صدق الوعود التي وعد الله بها بعض العباد، فوعد المنفق بالخلف(15)، ونجد هذا جليًّا واضحًا في الناس، من أنفق لله رزقه الله وفتح عليه أبواب الرزق كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ(16).

وفي مقابل ذلك: أن الباغين والظالمين ينزل بهم من العقوبات التي يشاهدها الناس يستدلون بها على عدل الله جل وعلا.

كذلك الصنع البديع لهذا الخلق يدل على إثبات وجود رب العزة والجلال.

ومن أدلة وجود الله عز وجل وخلقه وتدبيره للكون: تغير القلوب في اللحظات اليسيرة. يحب فلانًا من الناس وفي لحظات ينقلب حتى يكون مبغضًا له، والعكس بالعكس. من الذي يتصرف في القلوب في لحظات؟ هذا لا بد له من متصرف.

كذلك تعليم بني آدم ، يخرجون من بطون أمهاتهم لا يعلمون شيئًا، فيُيَسِّر الله عز وجل لهم أنواع العلم والمعارف.

هكذا أيضًا من الأدلة على هذه المسألة العظيمة: تلك الطمأنينة والسكينة التي يجدها المؤمنون في قلوبهم، تحدث عندهم المصائب العظيمة وهم صابرون موقنون بلزوم وقوع ما قضاه الله وقدَّره، لا يتسخطون ولا يكون عندهم اعتراض على ما قدره الله عز وجل، بل قد تجد بعضَهم فرِح بما قدَّره الله عليه، ولو كان ذلك التقدير مكروهًا لنفسه. وشاهد هذا في ما يجده العقلاء من حلاوة عند الاتصال بالله عز وجل، يقومون في آخر الليل يصلون يرجون ما عند الله، يقومون لصلاة الفجر في الليالي الشاتية والبرد الشديد، ويقومون لصلاة الفجر في الصيف مع كون وقت الفجر يُبكِّر كثيرًا، فيجدون حلاوة لتلك الطاعات، لا يكون عندهم جزع ولا تسخط.

كذلك من أعظم الأدلة في هذا الباب: تصريف الأرزاق بين العباد، نجد القويَ البدن يعجز عن كسبه، وضعيف البدن يكتسب. نجد الماهر صاحب عقليات التخطيط يعجز عن توفير اليسير، ويرزقُ ربُّ العزة والجلال البليدَ في فكره المالَ الوفير؛ لِيُثبت للعباد أن الأرزاق بيده جل وعلا، لا بذهن ولا بدهاء ولا بقدرة ولا بغش ولا باحتيال. بل نجد من الحيوانات التي تعجز عن أنواع الزرق ما يقوم الله بتيسير الرزق لها، قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللهِ رِزْقُهَا(17).

كذلك؛ إذا نظر العبد في الأحوال المتضادة الموجودة في المخلوقات جعله يؤمن بقدرة رب العزة والجلال، تضحك وبعد ثانيتين تحزن، تفرح وبعد ثانيتين تسخط. من الذي قلب حالك في لحظات إلى غضب، رب العزة ، لا بد من خالق يقدر مثل هذه الأمور.

من الأدلة الدالة على هذه المسألة: الأخبار الشرعية الواردة في الكتاب والسنة، اشتمل القرآن على العديد من الأخبار الماضية والمستقبلة، كلها صدق، مما يدل على أن المتكلم بهذا القرآن ليس بشرًا؛ لأن البشر إذا أخبر بأمور لا يعرفها يصيب في بعض ويخطئ في بعضها الآخر.

هكذا أيضًا إذا تأمل الإنسان في شرع الله ودينه وجد أن الأحكام الشرعية مبنية على العدل، لا ظلم فيها ولا جور.

فمثل هذا كله يدل على كون الله عز وجل هو الخالق الرازق، هو المتصرف في الكون قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ(18). أكثر الأمم السابقة يؤمنون بالله ربا وخالقا، لكنهم لا يصرفون له العبادة وحده، فكان هذا دليلًا على أن إيمانهم بالله ناقص.

من الأدلة الدالة على هذه المسألة العظيمة: التحدي العظيم في القرآن للإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن، لم يحاول أحد منهم، عجزوا عن مجرد المحاولة، مع أنهم أهل الفصاحة والبيان.

كذلك، توافق أحكام هذه الشريعة وعدم التناقض فيما بينها، فالمقصود أن الأدلة العقلية الدالة على هذه المسألة العظيمة كثيرة متعددة، ولذا أخبر الله عز وجل عن أهل جهنم أنهم إذا ألقوا في جهنم قالوا: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ﴾ أي نتبع الأدلة النقلية ﴿أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ(19).

الأدلة في هذا الباب كثيرة متعددة. ويبقى عندنا الكلام في إثبات صحة الرسالة لمحمد صلى الله عليه وسلم، وإثبات صحة هذا الدين، دين الإسلام.

يقول الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ(20) إذن الدين المقبول هو الإسلام، ما عداه من الأديان ليست مقبولة عند الله، قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلَامُ(21) أي: الدين المقبول، والمراد بذلك الاستسلام لله والانقياد بالتوحيد بالباطن والظاهر.

والناظر في هذا الدين القويم يجد أن البراهين الدالة على صحته كثيرة متعددة.

أولها: أن أحكام هذا الدين تجلب الخير والمصالح للعباد، وما توهم فيه المتوهمون أنها تجلب خلاف ذلك لا يلبثون قليلًا إلا وقد تبين لهم أن تلك الأحكام تجلب الخير، ولذا قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا(22).

وهذا الدين أصله إفراد الله بالعبادة، ولذا نقول من دلائل صحته وصدقه موافقته لجميع شرائع الأنبياء السابقين في أصل تلك الأديان، ولذا قال الله عز وجل: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ(23)، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ(24).

وعند التأمل في هذا نجده جليًّا واضحًا: بناء هذا الدين على الإخلاص لله عز وجل.

ومن الأدلة على صحة هذا الدين وصدقه: أن النفوس تعتقد أن الخير والمصلحة في بعض المسائل في خلاف أو في مخالفة هذا الدين، فإذا تبين الأمر بعد ذلك وجدنا أن الخير والمصلحة في اتباع هذا الدين، ولذا قال تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ(25)، قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ(26) أي: لَلَحِقَتْكُمُ المشقة.

الدليل على صدق هذا الدين أيضًا: أن الله عز وجل ينصر أولياء هذا الدين المتقين لله، بدءا من النبي صلى الله عليه وسلم فمن بعده، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ(27).

وكما ذكرت قبل قليل من الحوادث، أولئك الذين تمسكوا بهذا الدين مع ضعف الإمكانات عندهم جعل الله العاقبة الحميدة لهم.

ومما يدل على صحة هذا الدين: عجز المعارضين عن الإتيان بمثله.

وهكذا أيضًا مما يدل على صحة هذا الدين: عدم التناقض في أخباره تناقضا حقيقيا، قد يكون هناك تناقض صوري، يظن بعض الناس أنه من التناقض ولا يكون الأمر كذلك.

ومما يدل على صحة هذا الدين: أنه عند مقابلة حججه الصحيحة بحجج غيره تنمسح تلك الحجج والشبهات، قال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ(28).

ويدلُّك على صحة هذا الدين: أنه مع شدة مكر الأعداء لأهل هذا الدين واجتماعهم على الباطل، إلا أن الله عز وجل يؤيد أصحاب هذا الدين وينصرهم كما قال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾.

لعلنا نقرأ شيئًا من مقدمة هذه الرسالة العظيمة «أصول الدين»، التي ألفها الشيخ عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله تعالى من أجل الرد على ضلال الزنادقة والملحدين.