موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - مقدمة - أصول الدين
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / المتون / أصول الدين لـ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي
  
 
أصول الدين - مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه.

أما بعد:

فإن الله تعالى: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ(1).وقال: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ(2).

وقال تعالى: ﴿فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ(3).

وقد فسر الله الإسلام في مواضع من كتابه مثل قوله: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(4). ففسره بإسلام الوجه الذي هو انقياد الباطن والظاهر لله، خالصا وهو محسن في هذا الانقياد بأن يكون على الصراط المستقيم، الذي هو طريق الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، وكذلك قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ(5). ففسره بالاعتقادات والإيمان بالله، وما له من الأسماء الحسنى والصفات العليا وبالإيمان بكل رسول أرسله الله، وبكل كتاب أنزله الله على جميع الرسل، خصوصا ما سمى بهذه الآية الكريمة من صفوة الرسل أهل الشرائع الكبار، وبالخضوع والانقياد لله ظاهرا وباطنا وبطاعته وطاعة رسله، وبين تعالى أن هذا هو الهدى، وأنه لا يحصل الاهتداء بغير هذا الطريق، لهذا قال: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ(6).

فبين تعالى أنه لا يحصل الهدى والاهتداء بغير هذا الطريق كما قال: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ(7). وهو الذي هدى به عباده على ألسنة رسله، خصوصا الهدى العظيم التام الذي جاء به خاتم الرسل وإمامهم محمد صلى الله عليه وسلم من الحق علما وعملا واعتقادا وسلوكا، وهو الصدق في أخباره النافعة، والعدل في أوامره ونواهيه، كما قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا(8).

وإذا أردت بيان ذلك والإشارة إليه على وجه التفصيل فإن دين الإسلام أمر العباد أن يؤمنوا بالرب العظيم الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر الخالق البارئ المصور الذي أحاط بكل شيء رحمة وعلما وقدرة ومشيئة، فإنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير ونفذت مشيئته في جميع الموجودات فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وقع كمال قدرته ومشيئته، فإنه حكيم في كل ما خلقه من المخلوقات، وحكيم في جميع التصرفات، وحكيم في كل ما شرعه من الشرائع، فما خلق شيئا عبثا بل نفس خلقه صادر عن حكمته، وما أوجده من المخلوقات فإنه مشتمل على غاية الحكمة، وهو الحسن والإتقان والانتظام الذي تشهده الأبصار والبصائر، وتصريف الأمور كلها وتقليبها من حال إلى حال كله على سعته موافق للحكمة والرحمة والمصلحة، وكذلك ما شرعه من الشرائع وحكم به من الأحكام الشرعية بين عباده جميعه أصوله وفروعه وغاياته مشتمل على الحكمة التي لا غاية لها ولا منتهى لكمالها وحسنها.

وكما أنه بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير، وله الحكمة في خلقه وأمره وقضاءه وشرعه فإن ذلك كله مملوء من رحمته التي من آثارها الخيرات، والبركات وأنواع المنافع، والمصالح الدينية والدنيوية الظاهرة والباطنة، وفيها من النعم والخيرات ما لا يعبر عنه المعبرون، ولا يقدر أن يصفه الواصفون، بل هي نعم لا تعد ولا تحصى ولا يحصي أحد ثناء عليه: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ(9). ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ(10).

وهذا أمر قد اعترف به البر والفاجر، ولهذا أخبر الله عن المشركين أنهم يعترفون أن الله هو الخالق وحده، المالك وحدة، المدبر وحده المنعم وحده، وإنما يتخذون أوثانهم، ومعبوداتهم يزعمون أنها تقربهم إلى الله زلفى، وإلا فهم يعلمون عجزها وفقرها وغير ذلك من صفات النقص، فإذا علم أن الله تعالى هو الذي له الأسماء العظيمة الحسنى، والصفات الكاملة العليا، وأنه المتفرد بكل كمال وعظمة وجلال، وأنه الخالق الرازق المدبر، ومن سواه مخلوق فقير إليه مدَّبر، وأن جميع النعم والفضل والخيرات والمنافع من الله وحده، وأنه الدافع لكل شر وسوء، فهو الذي يستحق أن يكون هو الإله المألوه وحده ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ(11). أي: هو إله أهل السماء وإله أهل الأرض، الذي يعظمه ويحبه ويدعوه أهل السماء والأرض دعاء عبادة ودعاء مسألة، وهذا هو الغاية والمقصود الأعظم من خلق جميع المكلفين ليعرفوه بأسمائه وصفاته وأفعاله، وليعبدوه وحده لا شريك له فيخلصوا له الدين، يقومون بالإيمان والإسلام والإحسان على الوجه الذي ينبغي، على وجه الإخلاص والذل لله الواحد القهار، وهذا هو التوحيد الذي دعت إليه جميع الرسل كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ(12).

فأخبر أنه أوحى إلى جميع رسله أن يعترفوا بإلهيته وحده، وأن يقوموا بعبوديته ظاهرا وباطنا، وهذه العبودية التي أمر الله بها عباده هي طاعته وطاعة رسوله بتصديق خبر الله ورسوله، وامتثال أمر الله وأمر رسوله، واجتناب نهي الله ورسوله، وذلك هو القيام بحقه تعالى على عباده، وبالقيام بحقوق العباد بحسب حالهم ومراتبهم وذلك كله مبناه على العدل، فإن أصل العدل وأساسه عبادة الله وحده لا شريك له، فإن توحيده أوجب الواجبات، وأفرض الفرائض شرعا وعقلا، والإخلال بالإخلاص أظلم الظلم كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ(13). وأي ظلم أعظم من ظلم من تفرد الله بخلقه وتدبيره فعبد سواه، وتفرد بالإحسان إليه وإيصال الفضل إليه بكل سبيل، فصرف شكره لغيره، وإذا كان الشرك أظلم الظلم فما الظن بما هو أفظع من الشرك، وهو الإنكار والإلحاد والاستكبار عن عبادته أو عن الاعتراف به، فكل من لم يؤمن بالله ولم يخلص أعماله لله فهو ظالم على تفاوت في عظمة الظلم وشناعته، وكذلك حكمه وأحكامه بين عباده في المعاملات والحقوق الخاصة والعامة على كثرتها وتبحرها، كل ذلك مبني على العدل الذي تعترف بحسنه وكماله العقول السليمة والفطر المستقيمة ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ(14).

وقد ذكر الله أصول العدل والإحسان في أصول الدين وفروعه قال تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا(15). إلى قوله: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(16). وقال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا(17). إلى قوله: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ(18).

فتأمل هذه الأوامر الجليلة الجميلة وما فيها من الخيرات وما تضمنته من أداء الحقوق التي هي أفرض الحقوق شرعا، وعقلا، وما نهت عنه من أصناف المحرمات المحتوية على الظلم والشر والضرر والفساد. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَينْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ(19).

فقد جمعت هذه الآية الكريمة الأمر بكل عدل وإحسان وخير، وحثت على أداء الحقوق العامة والخاصة، ونهت عن كل منكر وفحشاء في حق الله، وبغي على عباد الله بدمائهم، وأموالهم، وأعراضهم، وقد جمع الله أيضا أصول العدل في قوله: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ(20).

كما جمع أصول الشر والظلم في الآية الأخرى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ(21).

وهذه المحرمات في كل شريعة، وكل زمان ومكان، لأن الشر والضرر والفساد ملازم لها حيث ما كانت، وقال تعالى في بيان أصول البر والتقوى التي هي روح العدل.


(1) آل عمران: ٨٥.
(2) آل عمران: ١٩.
(3) آل عمران: ٦٤.
(4) البقرة: ١١٢.
(5) البقرة: ١٣٦.
(6) البقرة: ١٣٧.
(7) آل عمران: ٧٣.
(8) الأنعام: ١١٥.
(9) النحل: ٥٣.
(10) النحل: ١٨.
(11) الزخرف: ٨٤.
(12) الأنبياء: ٢٥.
(13) لقمان: ١٣.
(14) المائدة: ٥٠.
(15) الأنعام: ١٥١.
(16) الأنعام: ١٥٣.
(17) الإسراء: ٢٣.
(18) الإسراء: ٣٩.
(19) النحل: ٩٠.
(20) الأعراف: ٢٩.
(21) الأعراف: ٣٣.