موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - الدرس الأول - شرح درس في مقاصد الشريعة
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح درس في مقاصد الشريعة لفضيلة الشيخ عبدالسلام بن محمد الشويعر
  
 
شرح درس في مقاصد الشريعة - الدرس الأول

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

إِنَّ مَنْ قَذَفَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي قَلْبِهِ نُورًا فَعَرَفَ نُصُوصَ الوَحْيَيْنِ؛ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، ثُمَّ رَزَقَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِأَنْ عَرَفَ مَقَاصِدَ الشَّرِيعَةِ، فَذَلِكَ هُوَ الفَقِيهُ حَقِيقَةً؛ وَلِذَلِكَ يَقُولُ الشَّيْخُ: إِنَّ فُقَهَاءَ الحَدِيثِ هُمُ الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ الأَمْرَيْنِ؛ عَرَفُوا نُصُوصَ الشَّرِيعَةِ مِنَ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَعَرَفُوا مَقَاصِدَهَا وَأَسْرَارَهَا الَّتِي بُنِيَتْ عَلَيْهَا.

وَكِتَابُ «القَوَاعِدِ النُّورَانِيَّةِ» مَبْنِيٌّ عَلَى هَذَا الأَسَاسِ فِي تَقْرِيرِ هَذَا المَبْدَأِ، وَالحَقِيقَةُ أَنَّ أَهْلَ زَمَانِنَا قَدْ أَجْحَفُوا فِي عِلْمِ المَقَاصِدِ إِجْحَافًا بَيِّنًا، وَجَعَلُوا عِلْمَ المَقَاصِدِ هُوَ الأَسَاسَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَبْنِيًّا عَلَى الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، بَلْ رُبَّمَا قَدَّمُوهُ عَلَى الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ فَتَرَى فِي كَثِيرٍ مِنْ كِتَابَاتِ المُعَاصِرِينَ -فِي هَذَا القَرْنِ فِي الخُصُوصِ- أَنَّهُمْ يُحِلُّونَ حَرَامًا، وَرُبَّمَا مَنَعُوا حَلَالًا، لَا لِشَيْءٍ إِلَّا بِحُجَّةِ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ، وَمَعْرِفَةِ المَصَالِحِ وَالمَضَارِّ، وَلَوْ وَزَنُوا ذَلِكَ بِمِيزَانِ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَنَظَرُوا إِلَيْهِمَا بِالمِيزَانِ الشَّرْعِيِّ الدَّقِيقِ، لَوَجَدُوا أَنَّ كَثِيرًا مِمَّا قَالُوهُ مُجَانِبٌ لِمَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ؛ إِذِ الشَّرِيعَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.

 إِذَنْ نُرِيدُ أَنْ نَتَكَلَّمَ عَن مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنَ المُسْلِمِينَ أَجْحَفُوا فِي هَذَا البَابِ، وَتَوَسَّعُوا فِيهِ تَوَسُّعًا بَيِّنًا فِي كُلِّ بُلْدَانِ المُسْلِمِينَ، حَتَّى رَأَيْنَا أُمُورًا عَجِيبَةً جِدًّا -وَسَيَتَبَيَّنُ لَنَا ذَلِكَ بِالأَمْثِلَةِ- مِنْ ذَلِكَ أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ أَلْغَى بَعْضَ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ بِحُجَّةِ المَقَاصِدِ، حِينَمَا قَالَ: إِنَّ الحُدُودَ الشَّرْعِيَّةَ يَجِبُ أَنْ تُلْغَى؛ لِأَنَّ هَذِهِ الحُدُودَ كَقَتْلِ القَاتِلِ، وَرَجْمِ الزَّانِي، وَقَطْعِ السَّارِقِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، إِنَّمَا شُرِعَتْ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ زَوَاجِرَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَقَدِ اخْتَلَفَ الزَّمَانُ، فَتُوجَدُ الآنَ زَوَاجِرُ أَعْظَمُ؛ كَالسُّجُونِ وَغَيْرِهَا، فَنَكْتَفِي بِهَذِهِ عَنْ تِلْكَ.

انْظُرْ كَيْفَ أَلْغَوُا الحُدُودَ الشَّرْعِيَّةَ بِحُجَّةِ المَصْلَحَةِ، وَبِحُجَّةِ اخْتِلَافِ الزَّمَانِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ!!

وَنَحْسِبُ أَنَّنَا بِإِذْنِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ إِذَا عَرَفْنَا أُصُولَ هَذَا الفَنِّ، وَأُصُولَ هَذَا العِلْمِ، سَيَسْتَبِينُ لَنَا خَطَأُ كَثِيرٍ مِنْ هَؤُلَاءِ، وَوَجْهُ بَيَانِ زَلَلِهِمْ فِي هَذَا البَابِ.

وَنَحْنُ حِينَمَا نَقُولُ: يَجِبُ أَلَّا يَكُونَ مُعَارِضًا لِلْكتابِ وَالسُّنَّةِ. فَلَيْسَ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَنْصُوصًا فِي الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى أَنَّ مَعْنَى تَعَلُّقِ المَقَاصِدِ الشَّرْعِيَّةِ بالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مَعْنَاهُ: أَلَّا تَكُونَ مُخَالِفَةً لَهُمَا، لَا أَنْ يَكُونَ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ فِيهِمَا، وَسَيَأْتِي ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللهُ فِي مَحَلِّهِ.

المَسْأَلَةُ الأُولَى: المُرَادُ بِمَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ:

يُقَالُ: مَقَاصِدُ الشَّرِيعَةِ، أَوِ: المَقَاصِدُ الشَّرْعِيَّةُ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ مِنَ المَعَانِي؛ كَالتَّعْبِيرِ بِـ «الأَغْرَاضِ الشَّرْعِيَّةِ»، وَهَذَا التَّعْبِيرُ كَانَ يُطْلِقُهُ الجُوَيْنِيُّ كَثِيرًا فِي كِتَابِهِ «الغِيَاثُ»، أَوِ التَعْبِيرُ بِـ «أَسْرَارِ الشَّرِيعَةِ»، بَلْ إِنَّ مِنْ أَهْلِ العِلْم مَنْ يُعَبِّرُ عَنْ ذَلِكَ بِـ «بَاطِنِ الشَّرِيعَةِ»، وَهَذَا التَّعْبِيرُ عَبَّرَ بِهِ أَيْضًا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ابْنُ تَيْمِيَةَ فَسَمَّاهُ: «بَاطِنَ الشَّرِيعَةِ الَّذِي يُوَافِقُ ظَاهِرَهَا»، خِلَافًا لِمَا يَقُولُهُ أَصْحَابُ الطَّرِيقَةِ البَاطِنِيَّةِ الَّذِينَ يَعْتَمِدُونَ بَاطِنًا وَيُلْغُونَ الظَّاهِرَ بِالكُلِّيَّةِ، وَهِيَ مُصْطَلَحَاتٌ، وَلَا مُشَاحَّةَ فِي الِاصْطِلَاحِ.

بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ عِنْدَمَا أَرَادَ أَنْ يُعَرِّفَ بِمَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ قَالَ: إِنَّ مَقَاصِدَ الشَّرِيعَةِ مَعْنَاهَا: حِكَمُهَا، أَيِ الحِكْمَةُ مِنْ تَشْرِيعِ حُكْمٍ مُعَيَّنٍ.

وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: إِنَّ مَقَاصِدَ الشَّرِيعَةِ هِيَ المَقَاصِدُ الشَّرْعِيَّةُ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا شُرِعَتِ الأَحْكَامُ؛ فَإِنَّ الأَحْكَامَ كُلَّهَا إِنَّمَا شُرِعَتْ لِأَجْلِ مصَالِحَ، فَاللهُ عَزَّ وَجَلَّ مَا شَرَعَ حُكْمًا مِنَ الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ إِلَّا لِمَصْلَحَةٍ؛ إِمَّا فِي الدُّنْيَا، أَوْ فِي الآخِرَةِ، فَهَذِهِ المَصَالِحُ هِيَ الَّتِي تُسَمَّى بِمَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ.

وَالمَعْنَى وَاحِدٌ؛ سَوَاءٌ سَمَّيْتَهَا حِكَمًا -أَيِ الحِكْمَةُ- أَوْ سَمَّيْتَهَا مصَالِحَ.

وَيُمْكِنُ أَنْ نَذْكُرَ شَرْحًا -وَلَا أَقُولُ تَعْرِيفًا وَلَا حَدًّا وَلَا رَسْمًا- لِلْمَقَاصِدِ، أَقُولُ شَرْحًا لِمَعْنَاهَا؛ فَنَقُولُ: إِنَّ المَقَاصِدَ هِيَ المَعَانِي الَّتِي شُرِعَتِ الأَحْكَامُ لِأَجْلِهَا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ ظَاهِرَةً.

عِنْدَمَا نَقُولُ: وَإِنْ لَمْ تَكُنْ ظَاهِرَةً. يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا أَحْيَانًا تَكُونُ ظَاهِرَةً؛ كَالعِلَلِ، وَأَحْيَانًا لَا تَكُونُ ظَاهِرَةً؛ مِثْلُ: المُسَافِرِ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ فَإِنَّهُ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ لِأَجْلِ سَفَرِهِ، وَلَكِنَّ الحِكْمَةَ وَالمَقْصِدَ الشَّرْعِيَّ إِنَّمَا هُوَ التَّخْفِيفُ عَنْهُ لِلْمَشَقَّةِ الَّتِي تَلْزَمُهُ حَالَةَ السَّفَرِ، فَالحِكْمَةُ هِيَ دَفْعُ المَشَقَّةِ، وَلَكِنَّهَا لَيْسَتْ ظَاهِرَةً، وَإِنَّمَا مَظِنَّتُهَا مَوْجُودَةٌ عِنْدَ السَّفَرِ؛ فَلِذَلِكَ سَمَّيْنَا هَذَا مَقْصِدًا شَرْعِيًّا.

**

المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: الفَائِدَةُ مِنْ مَعْرِفَةِ المَقَاصِدِ الشَّرْعِيَّةِ:

الفَائِدَةُ الأُولَى: أَنَّهُ يُمْكِنُ فَهْمُ النُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ بُنَاءً عَلَى مَعْرِفَةِ المَقْصِدِ، مِثَالُهُ: مَعْنَى قَوْلِ السَّلَفِ: نُؤْمِنُ بِكَلَامِ اللهِ عَلَى مُرَادِ اللهِ. فَالسَّلَفُ عَلَيْهِمْ رِضْوَانُ اللهِ وَرَحْمَتُهُ حِينَمَا قَالُوا ذَلِكَ، فَلَيْسَ مَقْصِدُهُمُ التَّفْوِيضَ لِلْحَقِيقَةِ وَلَا لِلْمَعْنَى، وَإِنَّمَا هُوَ بَيَانُ أَنَّا نُؤْمِنُ بِكَلَامِ اللهِ عَلَى مُرَادِهِ جَلَّ وَعَلَا، الَّذِي أَرَادَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مِنْ ذِكْرِ هَذِهِ الأُمُورِ.

 وَسَأَضْرِبُ عَدَدًا مِنَ الأَمْثِلَةِ تَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ:

اللهُ عَزَّ وَجَلَّ حِينَمَا ذَكَرَ عَدَدًا لِلْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ يَكُونُونَ عَلَى نَارِ جَهَنَّمَ، ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى المَقْصِدَ مِنْ عَدَمِهِ فَقَالَ: ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا(1) الآيَةَ. فَالمَقْصِدُ هُوَ أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَذْكُرُ بَعْضَ الغَيْبِيَّاتِ فِتْنَةً لِقَوْمٍ، وَامْتِحَانًا لِآخَرِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا، وَلِذَلِكَ فَإِنَّ المُؤْمِنَ إِذَا جَاءَهُ الخَبَرُ عَنِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، أَوْ صَحَّ النَّقْلُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: عَلَى العَيْنِ وَالرَّأْسِ، سَمْعًا وَطَاعَةً للهِ وَرَسُولِهِ.

وَهَذَا ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ لَمَّا حَدَّثَ بِبَعْضِ أَخْبَارِ الصِّفَاتِ، كَانَ بِجَانِبِهِ رَجُلٌ فَانْتَفَضَ، وَقَالَ: لَا فَائِدَةَ مِنْ ذِكْرِهَا، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَدِّثُ بِهَا».

فَمَعْرِفَةُ صِفَاتِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ المُرَادُ مِنْهَا التَّعْرِيفُ بِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى؛ وَلِذَلِكَ جَاءَ فِي الحَدِيثِ: حِينَمَا يُحْشَرُ النَّاسُ فِي مَحْشَرٍ وَاحِدٍ، فَيَأْتِي لِكُلِّ أُنَاسٍ إِلَهُهُمُ الَّذِي يَعْبُدُونَهُ؛ فَتَأْتِي الشَّمْسُ، وَيَأْتِي القَمَرُ، وَيَأْتِي البَقَرُ، كُلٌّ يَتْبَعُ إِلَهَهُ فَيُقْذَفُ مَعَهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، ثُمَّ يُخَيَّلُ لِمَنْ عَبَدَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ شَكْلُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فَيَذْهَبُونَ مَعَهُ، فَلَا يَبْقَى فِي هَذَا المَقَامِ إِلَّا المُؤْمِنُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ وأَهْلِ الكِتَابِ وَالمُنَافِقُونَ، جَاءَ فِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «وَتَبْقَى هَذِهِ الْأُمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا، فَيَأْتِيهِمُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي صُورَةٍ غَيْرِ صُورَتِهِ الَّتِي يَعْرِفُونَ فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ. فَيَقُولُونَ: نَعُوذُ بِاللهِ مِنْكَ، هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا»(2). وَإِنَّمَا عَرَفُوا ذَلِكَ مِنَ الصِّفَاتِ الَّتِي أَخْبَرَ بِهَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ نَفْسِهِ فِي كِتَابِهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

إِذَنْ فَالمَقْصُودُ مِنَ الإِخْبَارِ عَنِ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ هُوَ التَّعْرِيفُ بِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، لَيْسَ المَقْصُودُ التَّشْبِيهَ وَلَا التَّمْثِيلَ.

كَذَلِكَ مَعْرِفَةُ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ تَدُلُّنَا عَلَى الحِكْمَةِ مِنْ ذِكْرِ المُغَيَّبَاتِ الأُخَرِ مِنَ الأَخْبَارِ السَّابِقَةِ، أَوِ الأَخْبَارِ اللَّاحِقَةِ، فَمِنْ مُغَيَّبَاتِ الأَخْبَارِ السَّابِقَةِ قِصَّةُ خَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَمَا كَانَ مِنْ خَبَرِ مُوسَى وَعِيسَى وَنُوحٍ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَنْبِيَاءِ اللهِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ، فَعِنْدَمَا ذَكَرَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْنَا خَبَرَهُمْ وَقَصَّ عَلَيْنَا نَبَأَهُمْ، إِنَّمَا قَصَّ ذَلِكَ لِمَقَاصِدَ مُعَيَّنَةٍ، مِنْهَا أَنَّ المَرْءَ يَنْظُرُ فِي حَالِهِمْ، ثُمَّ يَقِيسُ حَالَهُ إِلَى حَالِهِمْ، فَيَزْدَادَ إِيمَانًا، وَيَعْرِفَ أَنَّهُ مَهْمَا ابْتُلِيَ مِنْ بَلَاءٍ فَإِنَّ الأَوَائِلَ ابْتُلُوا أَعْظَمَ وَأَشَدَّ مِنْهُ، وَلِذَلِكَ يَقُولُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: إِنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ فِي القَصَصِ فَإِنَّ أَفْضَلَ القَصَصِ مَا حَكَاهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ، وَمَنْ شُغِلَ بِقَصَصِ غَيْرِهِ مِنَ القُصَّاصِ ابْتَعَدَ عَنْ كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَدْرِ ذَلِكَ.

فَالمَقْصُودُ هُوَ مَعْرِفَةُ حَالِهِمْ، وَلَيْسَ المَقْصُودُ أَنْ نَبْحَثَ فِي جُزْئِيَّاتِ نَبَئِهِمْ، وَلِذَلِكَ عِنْدَمَا يَأْتِي أَحَدُهُمْ –وَهُوَ مِنَ المُعَاصِرِينَ- فَيُغَرِّبُ فِي النَّظَرِ فِي خَبَرِ الأَوَائِلِ فَيَقُولُ: وَقَدْ قِيلَ إِنَّ آدَمَ لَيْسَ هُوَ أَبَا البَشَرِ. إِذَنْ فَمَنْ هُوَ أَبُو البَشَرِ؟! قَالَ: لِكُلِّ عِرْقٍ مِنْ أَعْرَاقِ بَنِي آدَمَ آدَمُ، فَهُمْ أَكْثَرُ مِنْ آدَمَ، وَإِنَّمَا القَصَصُ الَّتِي ذَكَرَهَا اللهُ فِي كِتَابه إِنَّمَا كَانَتْ قِصَّةً مَجَازِيَّةً لِلْعِبْرَةِ فِي الصِّرَاعِ بَيْنَ الخَيْرِ وَالشَّرِّ.

فَمَنْ نَظَرَ فِي مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ عَلِمَ أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ عِنْدَمَا قَصَّ عَلَيْنَا هَذَا القَصَصَ لَمْ يَقْصِدْ أَنْ يَتَعَبَّدَنَا بِهَذَا.

نَضْرِبُ مِثَالًا فِقْهِيًّا أَيْضًا فِي كَيْفِيَّةِ مَعْرِفَةِ المَقَاصِدِ، وَهُوَ مُفِيدٌ فِي فَهْمِ النُّصُوصِ:

«نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الصَّلَاةِ فِي المَقْبَرَةِ»، قَالَ عَلِيٌّ: «إِنَّ حَبِيبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَانِي أَنْ أُصَلِّيَ فِي الْمَقْبَرَةِ»(3). وَنَهَى عَنِ الصَّلَاةِ فِي أَمَاكِنَ خَمْسٍ أُخَرَ؛ كَالمَزْبَلَةِ، وَالحَمَّامِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ إِنْ صَحَّ النَّقْلُ فِيهَا، فَمِنْ أَهْلِ العِلْم –مِمَّنْ لَمْ يَنْظُرْ فِي مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ- قَالَ: العِلَّةُ مِنْ عَدَمِ الصَّلَاةِ فِي المَقْبَرَةِ هُوَ النَّجَاسَةُ؛ بِدَلِيلِ النَّهْيِ عَنِ الصَّلَاةِ فِي المَزْبَلَةِ وَفِي الحَمَّامِ وَفِي الحُشُوشِ، إِذَنِ العِلَّةُ فِي النَّهْيِ عَنِ الصَّلَاةِ فِي المَقْبَرَةِ النَّجَاسَةُ.

نَقُولُ: أَنْتْ نَظَرْتَ بِدِلَالَةِ الِاقْتِرَانِ، وَلَمْ تَنْظُرْ بِمَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ، فَالشَّرْعُ عِنْدَمَا نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ فِي المَقْبَرَةِ إِنَّمَا نَهَى سَدًّا لِذَرِيعَةِ الشِّرْكِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ أَنَّهُ نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ إِلَى شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الأُمُورِ إِلَّا إِلَى المَقْبَرَةِ، لِأَنَّهُ نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ «إِلَى»، وَلَمْ يَقُلْ «فِي»، وَأَمَّا بَقِيَّةُ الأَمَاكِنِ الَّتِي نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ فِيهَا فَقَالَ: «فِي»، فَنَهَى عَنْهَا جَمِيعًا، وَلِأَنَّ القَوْلَ بِنَجَاسَةِ المَقْبَرَةِ فِيهِ إِشْكَالٌ كَبِيرٌ جِدًّا وَلَوَازِمُ خَطِيرَةٌ؛ فَمَنْ عَرَفَ مَقَاصِدَ الشَّرِيعَةِ عَرَفَ أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الصَّلَاةِ فِي المَقَابِرِ إِنَّمَا هُوَ لِأَجْلِ سَدِّ ذَرِيعَةِ الشِّرْكِ؛ فَلِهَذَا نَقُولُ: إِنَّ هَذَا مِنْ فَهْمِ النَّصِّ الشَّرْعِيِّ لِمَعْرِفَةِ المَقْصِدِ الشَّرْعِيِّ.

وَمِنَ الأَمْثِلَةِ: عِنْدَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَرِثُ القَاتِلُ شَيْئًا»(4). فَظَاهِرُ النَّصِّ أَنَّ القَاتِلَ لَا يَرِثُ؛ سَوَاءٌ كَانَ القَتْلُ عَمْدًا، أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ، أَوْ خَطَأً، أَوْ قَتْلَ هَدَرٍ، وَالقَتْلُ الهَدَرُ لَهُ عَشْرُ صُوَرٍ؛ مِنْهَا القَصَاصُ، فَهَلْ لَا يَرِثُ لَوْ كَانَ قَتَلَ أَبَاهُ لِأَنَّهُ أَبُوهُ لِأَنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ القَصَاصَ؟

ظَاهِرُ النَّصِّ كَذَلِكَ، لَكِنِ انْظُرْ إِلَى المَعْنَى وَالمَقْصِدِ الشَّرْعِيِّ مِنْ نَهْيِ الشَّارِعِ عَنْ إِرْثِ القَاتِلِ مِنَ المُقْتُولِ شَيْئًا؛ لِكَيْ لَا يَكُونَ مِنْ بَابِ اسْتِعْجَالِ الشَّيْءِ قَبْلَ أَوَانِهِ، وَلِكَيْ لَا يَظُنَّ أَنَّ قَتْلَهُ يَكُونُ سَبَبًا لِإِرْثِهِ مِنْهُ، فَالمَقْصُودُ إِنَّمَا هُوَ سَدُّ الذَّرِيعَةِ، لَيْسَ لِلْقَتْلِ، وَإِنَّمَا لِلْأَسْبَابِ المُفْضِيَةِ لِلْقَتْلِ؛ وَلِذَا ذَهَبَ فُقَهَاءُ المَالِكِيَّةِ عَلَيْهِمْ رَحْمَةُ اللهِ إِلَى أَنَّ القَتْلَ الَّذِي يَمْنَعُ المِيرَاثَ إِنَّمَا هُوَ قَتْلُ العَمْدِ، وَأَمَّا قَتْلُ الخَطَأِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ مَانِعًا مِنَ المِيرَاثِ، وَهَذَا الَّذِي اتَّجَهَ إِلَيْهِ الآنَ المَشَايِخُ وَصَدَرَ فِيهِ قَرَارٌ مِنْ هَيْئَةِ كِبَارِ العُلَمَاءِ مُنْذُ عَشْرِ سَنَوَاتٍ أَوْ أَكْثَرَ، وَأَصْبَحَ القَضَاءُ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا كَانُوا فِي الأَمْرِ الأَوَّلِ عَلَى قَوْلِ الجُمْهُور بِأَنَّ قَتْلَ الخَطَأِ يَمْنَعُ المِيرَاثَ.

وَلَكِنْ لَمَّا نَظَرْنَا إِلَى مَقْصِدِ عَدَمِ إِرْثِ القَاتِلِ مِنَ المَقْتُولِ، وَجَدْنَا أَنَّهُ سَدُّ الذَّرِيعَةِ، وَشِبْهُ الذَّرِيعَةِ يَتَحَقَّقُ فِي القَتْلِ العَمْدِ، وَشِبْهُ الخَطَأِ دُونَ الخَطَأِ.

هَذِهِ الأَمْثِلَةُ تَتَعَلَّقُ بِهَا الفَائِدَةُ مِنْ مَعْرِفَةِ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ، وَهِيَ فَهْمُ النُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ، سَوَاءٌ كَانَتْ مِنَ الأَخْبَارِ، أَوْ سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ آيَاتِ الأَحْكَامِ.

وَهُنَا مِثَالٌ: وَهُوَ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ لِلْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّهُ حَدَّثَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّهُ سَيَتَوَلَّى عَلَى النَّاسِ فِتْيَانٌ -غِلْمَانٌ صِغَارٌ فِي السِّنِّ- وَأَنَّهُمْ إِذَا تَوَلُّوا عَلَى النَّاسِ فِي الإِمَامَةِ فَإِنَّهُ يَكُونُ فِي عَهْدِهِمْ هَدْمٌ لِبَعْضِ مَعَالِمِ الدِّينِ. فَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَسْتَعِيذُ بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ سَنَةِ سِتِّينَ أَلَّا يَمُوتَ فِيهَا، فَمَاتَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَبْلَ ذَلِكَ. وَلَمَّا جَاءَ الرَّاوِي عَنْهُ مَعَ ابْنِهِ إِلَى الشَّامِ -حِينَمَا كَانَ خُلَفَاءُ بَنِي أُمَيَّةَ مُتَوَلِّينَ عَلَى المُسْلِمِينَ- قَالَ ابْنُهُ لَهُ: «أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَصَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخَبَّرَكَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ؟» قَالَ الرَّاوِي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «لَا أَعْلَمُ، وَإِنَّمَا أَرْوِي كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ».

وَهَذَا الحَدِيثُ فِي الحَقِيقَةِ هُوَ أَيْضًا مِنْ إِعْمَالِ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ إِنْزَالُ الأَخْبَارِ الَّتِي تَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ عَلَى أَعْيَانٍ بِعَيْنِهِمْ، فَيَقُولُ: إِنَّ فُلَانًا هُوَ المَقْصُودُ بِالحَدِيثِ الفُلَانِيِّ، وَإِنَّ الوَاقِعَةَ الفُلَانِيَّةَ هِيَ المَقْصُودَةُ بِالشَّيْءِ الفُلَانِيِّ، وَلِذَا فَإِنَّ الإِمَامَ أَحْمَدَ لَمَّا سَأَلَهُ المُتَوَكِّلُ عَنْ أَخْبَارِ المَلَاحِمِ، قَالَ: «إِنَّهُ لَا يَصِحُّ فِيهَا شَيْءٌ». مَعَ أَنَّهُ صَحَّتْ فِيهَا أَشْيَاءُ، قَالَ: «وَلَكِنْ أَرَادَ المُتَوَكِّلُ أَنْ يُنَزِّلَهَا عَلَى أَشْيَاءَ بِعَيْنِهَا».

وَمَنْ قَرَأَ التَّارِيخَ عَرَفَ أَنَّهُ كَمِ اسْتُبِيحَتْ مِنْ دِمَاءِ المُسْلِمِينَ الشَّيْءُ الكَثِيرُ بِسَبَبِ تَنْزِيلِ بَعْضِ الأَخْبَارِ الَّتِي تَكُونُ مِنَ المَلَاحِمِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ عَلَى بَعْضِ الوَقَائِعِ، وَهَذَا وَاضِحٌ وَبَيِّنٌ.

الفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: مَعْرِفَةُ حِكْمَةِ التَّشْرِيعِ؛ لِيَزْدَادَ المَرْءُ ثِقَةً بِمَا يَعْلَمُ، فَإِنَّ المَرْءَ إِذَا عَرَفَ الشَّيْءَ مَعَ حِكْمَتِهِ ازْدَادَتْ ثِقَتُهُ بِهِ، نَعَمْ؛ المُؤْمِنُ مَأْمُورٌ بِالِامْتِثَالِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمِ السَّبَبَ وَالحِكْمَةَ، وَلَكِنْ لَا شَكَّ أَنَّ المَرْءَ إِذَا عَمِلَ بِشَيْءٍ وَهُوَ يَعْلَمُ سَبَبَهُ وَيَعْرِفُ لِمَ شُرِعَ ذَلِكَ الأَمْرُ؛ فَإِنَّهُ يَزْدَادُ يَقِينًا وَامْتِثَالًا فِي الفِعْلِ، وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ هَذِهِ الشَّرِيعَةَ مَا شُرِعَ فِيهَا حُكْمٌ إِلَّا لِسِرٍّ -كَمَا سَيَأْتِي مَعَنَا- عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ، وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ، وَلِذَلِكَ يَقُولُونَ: إِنَّ مِنْ أَسْبَابِ تَفْضِيلِ العِبَادَةِ مِنَ العَالِمِ أَنَّ العَالِمَ يَعْرِفُ سِرَّ كُلِّ عَمَلٍ يَعْمَلُهُ، فَإِذَا عَرِفَ السِّرَّ -أَيْ مَقْصِدَهُ الشَّرْعِيَّ- فَإِنَّهُ يَمْتَثِلُهُ وَهُوَ مُقْبِلٌ عَلَيْهِ بِقُوَّةٍ وَبِيَقِينٍ، وَهَذَا وَاضِحٌ جِدًّا، فَالمَرْأَةُ الَّتِي تَلْبَسُ الحِجَابَ وَامْتَثَلَتْ أَمْرَ اللهِ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، وَهِيَ عَالِمَةٌ بِالسِّرِّ فِيهِ، فَإِنَّهَا تَجِدُ فِي نَفْسِهَا مِنَ اليَقِينِ وَرَاحَةِ النَّفْسِ وَالإِقْبَالِ عَلَى هَذَا الفِعْلِ مَا لَا يَجِدُهُ غَيْرُهَا فِي هَذَا الأَمْرِ.

ومِنْ ذَلِكَ السِّرُّ فِي الصَّلَاةِ –فَإِنَّ لِلْعبَادَةِ أَسْرَارًا كَمَا قَالَ ابْنُ المُبَارَكِ- قَالَ تَقِيُّ الدِّينِ: إِنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ المُبَارَكِ (5) أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ فِي الحَدِيثِ يَقُولُ: «إِذَا كَبَّرْتَ –سَيَأْتِي مَعَنَا أَنَّ بَعْضَ المَقَاصِدِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا وَبَعْضَهَا مُخْتَلَفٌ فِيهَا- فَقَدْ رَفَعْتَ السِّتْرَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ رَبِّكَ». هَذَا مَقْصِدٌ شَرْعِيٌّ؛ عِنْدَمَا يَتَخَيَّلُ العَبْدُ أَنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ جَلَّ وَعَلَا، وَأَنَّهُ يَدْعُوهُ مِنْ غَيْرِ تُرْجُمَانٍ بَيْنَهُمَا وَلَا وَاسِطَةَ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَلَا يَبْصُقْ أَمَامَهُ؛ فَإِنَّمَا يُنَاجِي اللهَ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ، وَلَا عَنْ يَمِينِهِ؛ فَإِنَّ عَنْ يَمِينِهِ مَلَكًا، وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ فَيَدْفِنُهَا»(6). فَإِنَّ الإِنْسَانَ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ فِي صَلَاتِهِ فَكَأَنَّمَا رَفَعَ السِّتْرَ. هَذَا مِنْ مَقَاصِدِ العِبَادَاتِ.

وَالمَقْصِدُ هُنَا لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، وَلَكِنَّ المَقْصِدَ هُنَا فِي اليَقِينِ وَفِي أَدَاءِ العِبَادَةِ أَدَاءً صَحِيحًا، وَمَعْرِفَةُ المَقْصِدِ فِي هَذَا البَابِ هُوَ الَّذِي يُسَمَّى بِلَذَّةِ الإِيمَانِ، وَالسَّبَبُ فِي لَذَّةِ الإِيمَانِ هَذِهِ أَمْرَانِ:

مَا وَقَرَ فِي النَّفْسِ مِنْ تَعْظِيمِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالإِخْلَاصِ لَهُ.

وَالأَمْرُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ المَرْءُ طَاهِرًا فِي سِرِّهِ، حَرِيصًا عَلَى أَلَّا يَعْصِيَ اللهَ فِي السِّرِّ، وَمِنْ أَعْظَمِ مَا يُعْصَى اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ فِي السِّرِّ الشِّرْكُ، فَمَنْ أَشْرَكَ بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ شِرْكًا أَكْبَرَ أَوْ أَصْغَرَ، حُرِمَ مِنَ الإِيمَانِ مَا يُقَابِلُهُ؛ وَلِذَلِكَ يَقُولُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا»(7).

مِنْ عِبَادَاتِ السِّرِّ: قَضِيَّةُ النَّظَرِ، ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ(8). فَقَرَنَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بَيْنَ النَّظَرِ وَبَيْنَ مَا فِي القَلْبِ؛ لِأَنَّهُمَا سِرَّانِ، لِأَنَّ مَا تُبْصِرُهُ بِعَيْنِكَ لَا يَعْلَمُ بِهِ أَحَدٌ، وَلَكِنْ مَنْ غَضَّ بَصَرَهُ ابْتِغَاءَ مَا عِنْدَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ رَزَقَهُ اللهُ فِي قَلْبِهِ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ، يَجْعَلُ النَّفْسَ طَاهِرَةً نَقِيَّةً.

إِذَنْ فَمِنْ أَهَمِّ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ اليَقِينُ بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ عِنْدَ فِعْلِ العِبَادَةِ، وَالإِقْبَالُ عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِيهَا.

الفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: الِاسْتِدْلَالُ بِالمَقْصِدِ الشَّرْعِيِّ:

المَقَاصِدُ الشَّرْعِيَّةُ نَوْعَانِ: بَعْضُهَا يُسْتَدَلُّ بِهِ، وَبَعْضُهَا لَا يُسْتَدَلُّ بِهِ فِي الحُكْمِ الشَّرْعِيِّ.

فَالَّتِي لَا يُسْتَدَلُّ بِهَا: مِثْلُ مَا سَبَقَ مِنَ المَقْصِدِ مِنَ العِبَادَاتِ، فَإِنَّ غَالِبَ مَقَاصِدِ العِبَادَاتِ لَا يُسْتَدَلُّ بِهَا.

الفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: إِعْمَالُ المَقَاصِدِ فِي السِّيَاسَةِ الشَّرْعِيَّةِ.

وَالمُرَادُ بِالسِّيَاسَةِ الشَّرْعِيَّةِ: هِيَ التَّصَرُّفَاتُ الوَلَائِيَّةُ الَّتِي يَقُومُ بِهَا مَنْ أُنِيطَ بِهِ شَيْءٌ مِنَ الوِلَايَاتِ، وَالوِلَايَاتُ مُتَعَدِّدَةٌ: كَوِلَايَةِ الحُكْمِ، وَوِلَايَةِ القَضَاءِ، وَوِلَايَةِ المَظَالِمِ، وَوِلَايَةِ الأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَهَذِهِ لَيْسَتْ خَاصَّةً بِالهَيْئَاتِ وَإِنَّمَا حَتَّى لِلْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ لَهُ حَقُّ وِلَايَةِ الأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ عَلَى أَبْنَائِهِ، وَلِلْمُؤَدِّبِ مَعَ تَلَامِذَتِهِ، فَالمُؤَدِّبُ لَهُ حَقُّ الأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ.

إِذَنْ فَالوِلَايَاتُ مُتَعَدِّدَةٌ، وَقَدْ أَوْصَلَهَا المَرْوَزِيُّ فِي الأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ إِلَى إِحْدَى عَشَرَةَ وِلَايَةً، وَقَدْ تَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ وَقَدْ تَنْقُصُ بِاخْتِلَافِ الأَزْمَانِ، وَهَذَا هُوَ مَعْنَى قَوْلِ الفُقَهَاءِ رَحِمَهُمُ اللهُ: إِنَّ تَصَرُّفَاتِ وَلِيِّ الأَمْرِ مُنَاطَةٌ بِالمَصْلَحَةِ. أَيْ مَبْنِيَّةٌ عَلَى المَصْلَحَةِ.

فَمَنْ وَلِيَ أَمْرًا مِنْ أُمُورِ المُسْلِمِينَ: مُدِيرًا، أَوْ مُوَظَّفًا، أَوْ مَسْئُولًا عَنِ المُوَظَّفِينَ وَنَحْوِ ذَلِكَ، هَذَا لَهُ حَقُّ السِّيَاسَةِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي هِيَ مُنَاطَةٌ بِالمَصْلَحَةِ، وَهَذَا مِنْ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ.

الفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: الكَشْفُ عَنْ عِلَلِ الأَحْكَامِ، فَإِنَّنَا نَكْشِفُ عَنْ عِلَلِ الأَحْكَامِ فِي مَسَالِكَ مُتَعَدِّدَةٍ؛ مِنْهَا مَعْرِفَةُ المَقْصِدِ؛ وَلِذَلِكَ فَالأُصُولِيُّونَ عَدَّدُوا مَسَالِكَ العِلَّةِ، وَمِنْهَا: النَّصُّ، وَالإِجْمَاعُ، وَالقِيَاسُ، وَالمُنَاسَبَةُ، «المُنَاسَبَةُ» هِيَ مَقَاصِدُ الشَّرِيعَةِ، وَهِيَ كَيْفَ تَعْرِفُ أَنَّ هَذَا الفِعْلَ وَهَذِهِ العِلَّةَ بَيْنَهُمَا رَابِطٌ، وَهِيَ المَقْصِدُ الشَّرْعِيُّ الَّذِي اسْتَفَدْنَاهُ لِمَعْرِفَةِ العِلَّةِ -عِلَّةِ الحُكْمِ وُجُودًا وَعَدَمًا، وَهَذِهِ لَهَا أَمْثِلَةٌ كَثِيرَةٌ جِدًّا سَوَاءٌ فِي العِبَادَاتِ، أَوْ فِي غَيْرِهَا.

الفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أَنَّنَا نَسْتَفِيدُ مِنْ مَعْرِفَةِ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ فِي التَّرْجِيحِ بَيْنَ الأَقْوَالِ؛ فَكَثِيرٌ مِنَ الأَدِلَّةِ تَكُونُ مُتَعَارِضَةً فِي ذِهْنِ المُجْتَهِدِ، فَيُرَجِّحُ بَيْنَهَا بِمَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ.

وَسَأَضْرِبُ أَمْثِلَةً جُزْئِيَّةً ثُمَّ أَمْثِلَةً كُلِّيَّةً، فَمِنَ الأَمْثِلَةِ الجُزْئِيَّةِ: الخِلَافُ المَعْرُوفُ فِي مَسْأَلَةِ اخْتِلَافِ المَطَالِعِ، ؛ هَلِ المَطَالِعُ تَخْتَلِفُ أَمْ أَنَّهَا مُتَّحِدَةٌ؟ بِمَعْنَى: لَوْ رُؤِيَ هِلَالُ رَمَضَانَ أَوْ هِلَالُ ذِي الحِجَّةِ فِي مَشْرِقِ الأَرْضِ؛ فَهَلْ يَلْزَمُ مَنْ فِي مَغْرَبِهَا أَنْ يَصُومَ لِرُؤْيَا مَنْ فِي مَشْرِقِهَا أَمْ لَا؟

جَمَاهِيرُ أَهْلِ العِلْمِ عَلَى أَنَّ المَطَالِعَ لَا تَخْتَلِفُ لِأَسْبَابٍ كَثِيرَةٍ، وَذَكَرُوا عَلَى ذَلِكَ أَدِلَّةً: فَقَالَ فُقَهَاءُ الشَّافِعِيَّةِ وَوَافَقَهُمْ بَعْضُ فُقَهَاءِ المَذَاهِبِ الأُخْرَى: إِنَّ المَطَالِعَ تَخْتَلِفُ، اسْتِدْلَالًا بِحَدِيثِ أَبِي كُرَيْبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ»: أَنَّهُ إِذَا صَامَ أَهْلُ بَلَدٍ لَا يَلْزَمُ أَهْلَ البَلَدِ الآخَرِ أَنْ يَصُومُوا مَعَهُمْ.

جَاءَ الحَافِظُ أَبُو عُمَرَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فَذَكَرَ هَذَا الخِلَافَ فِي «التَّمْهِيدِ»، ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي أَمِيلُ إِلَيْهِ هُوَ القَوْلُ الثَّانِي؛ وَهُوَ اخْتِلَافُ المَطَالِعِ. قَالَ: لِأَنَّهُ يَشُقُّ عَلَى النَّاسِ أَنْ يَعْلَمُوا كَوْنَ أَهْلِ المَغْرِبِ صَامُوا قَبْلَهُمْ أَوْ بَعْدَهُمْ. قَالَ: فَلِذَلِكَ نَقُولُ بِوُجُوبِ اخْتِلَافِ المَطَالِعِ؛ لِأَجْلِ المَشَقَّةِ، فَقَدْ رَجَّحَ بَيْنَ الأَدِلَّةِ بِهَذَا السَّبَبِ.

 الآنَ تَغَيَّرَ هَذَا المَقْصِدُ؛ فَأَغْلَبُ النَّاسِ يَعْلَمُ بِدُخُولِ شَهْرِ رَمَضَانَ مِنَ التِّلْفَازِ أَوِ الإِذَاعَةِ، فَهُنَا انْتَفَتِ المَشَقَّةُ.

وَسَأُعْطِيكُمْ مِثَالًا مُهِمًّا طَالَمَا مَرَّ عَلَيْنَا فِي كُتُبِ الفِقْهِ، وَسَنَرَى كَيْفَ اسْتَدَلَّ الفُقَهَاءُ بِالأَيْسَرِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ نَنْتَقِلُ إِلَى ذِكْرِ الرَّاجِحِ.

فَمِنْ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ اليُسْرُ، يَقُولُ الفُقَهَاءُ: إِنَّ العَامِّيَّ إِذَا سَأَلَ عَالِمَيْنِ، فَأَفْتَاهُ العَالِمَانِ بِقَوْلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا يَقُولُ بِالجَوَازِ، وَالآخَرُ يَقُولُ بِعَدَمِ الجَوَازِ، فَبِأَيِّ القَوْلَيْنِ يَأْخُذُ؟

قَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ: يَأْخُذُ أَسْهَلَ القَوْلَيْنِ؛ لِأَنَّ مَقَاصِدَ الشَّرِيعَةِ تَقُولُ: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ(9). فَاليُسْرُ هُوَ الشَّرِيعَةُ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «يَسِّرُوا».

قَابَلَهُمْ أُنَاسٌ آخَرُونَ وَقَالُوا: إِنَّ الشَّرِيعَةَ شُرِعَتْ فِيهَا تَكَالِيفُ، فَيَأْخُذُ المَرْءُ بِالقَوْلِ الأَشَدِّ.

 قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ وَمِنْ قَبْلِهِ الغَزَّالِيُّ: هَذَا القَوْلَانِ تَعَارَضَا فَتَسَاقَطَا، فَلَيْسَ الصَّحِيحُ أَنْ تَأْخُذَ بِالأَشَدِّ، وَلَيْسَ الصَّحِيحُ أَنْ تَأْخُذَ الأَيْسَرَ، وَإِنَّمَا الصَّحِيحُ أَنْ تَنْظُرَ بَيْنَ العَالِمَيْنِ؛ فَتَأْخُذُ بِقَوْلِ الأَعْلَمِ مِنْهُمَا وَالأَوْرَعِ؛ لِأَنَّكَ لَا يَجِبُ عَلَيْكَ أَنْ تَنْظُرَ فِي القَوْلِ، وَإِنَّمَا تَنْظُرُ فِي القَائِلِ، وَتَنْظُرُ فِي القَوْلِ إِنْ كَانَ عِنْدَكَ عِلْمٌ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَلَوْ يَسِيرًا.

**

المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: هَلْ عِلْمُ المَقَاصِدِ عِلْمٌ مُسْتَقِلٌّ بِذَاتِهِ أَمْ لَا؟

فَنَقُولُ: إِنَّ عِلْمَ المَقَاصِدِ فِي الحَقِيقَةِ إِنِ اعْتَبَرْنَا العِلْمَ هُوَ المُسْتَغْنِيَ عَنْ غَيْرِهِ مِنَ العُلُومِ، وَالقَائِمَ بِنَفْسِهِ، فَلَيْسَ عِلْمًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ تَسْتَفِيدَ مِنَ المَقَاصِدِ وَحْدَهَا، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ تَسْتَثْمِرَهَا فِي تَفْسِيرِ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، أَوْ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى حُكْمٍ فِقْهِيٍّ.

وَلِذَلِكَ فَإِنَّ الكَثِيرَ مِنَ النَّاسِ قَالُوا: هَلْ مَقَاصِدُ الشَّرِيعَةِ جُزْءٌ مِنْ أُصُولِ الفِقْهِ؟ أَمْ أَنَّهَا مُنْفَصِلَةٌ عَنْهُ؟ فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: هِيَ جُزْءٌ مِنْ أُصُولِ الفِقْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهَا مُكَمِّلَةٌ لِأُصُولِ الفِقْهِ، وَمِنَ المُعَاصِرِينَ مَنْ يَقُولُ: هِيَ عِلْمٌ مُنْفَصِلٌ عَنْ أُصُولِ الفِقْهِ.

وَالحَقِيقَةُ: أَنَّهُ سَوَاءٌ سَمَّيْتَهَا عِلْمًا أَوْ لَمْ تُسَمِّهَا عِلْمًا، سَمَّيْتَهَا جُزْءًا مِنْ أُصُولِ الفِقْهِ، أَوْ مُكَمِّلَةً لَهُ، أَوْ مُنْفَصِلَةً عَنْهُ، فَالنَّتِيجَةُ وَاحِدَةٌ، وَلَكِنْ لِنَعْلَمَ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهَا فِي الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَهِيَ مَوْجُودَةٌ مِنْ بَدْءِ التَّشْرِيعِ، فَاللهُ عَزَّ وَجَلَّ بَيَّنَ أَنَّ هَذِهِ الشَّرِيعَةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى المَصْلَحَةِ وَنَفْيِ الضَّرَرِ، وَالرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ».

فَنَفْيُ الضَّرَرِ مِنْ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ، وَقَدْ بَيَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ هَذَا الدِّينَ يُسْرٌ، وَالنُّصُوصُ مُتَضَافِرَةٌ فِي رَفْعِ الحَرَجِ وَالتَّيْسِيرِ وَالتَّسْهِيلِ، وَلُزُومِ عِبَادَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ المَقَاصِدَ مَوْجُودَةٌ فِي النُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ ابْتِدَاءً، فَلَمَّا جَاءَ المُجْتَهِدُونَ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، بَدَأُوا يَجْتَهِدُونَ فِي ذِكْرِ بَعْضِ المَقَاصِدِ الجُزْئِيَّةِ:

 عَلَى سَبِيلِ المِثَالِ: ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ لَمَّا تَكَلَّمَ عَنِ النِّكَاحِ قَالَ: «لَا نِكَاحَ إِلَّا نِكَاحُ رَغْبَةٍ».

بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَتَزَوَّجَ رَجُلٌ امْرَأَةً إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَاغِبًا فِي النِّكَاحِ، وَفَائِدَةُ النِّكَاحِ هُوَ الَّذِي فِيهِ إِيجَادُ أُسْرَةٍ، وَفِيهِ الإِلْزَامُ بِتَبَعَاتِ النِّكَاحِ؛ مِنَ الوَطْءِ، وَمِنَ السَّكَنِ، وَمِنَ البَيْتُوتَةِ، وَمِنَ الوَلَدِ، وَمِنَ النَّفَقَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ قَاصِدًا لِجَمِيعِ هَذِهِ الأُمُورِ فَإِنَّ نِكَاحَهُ غَيْرُ صَحِيحٍ.

مِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ: عِنْدَمَا يَأْتِي المَرْءُ لِيَتَزَوَّجَ امْرَأَةً لِيُحِلَّهَا لِغَيْرِهِ –نِكَاحُ التَّحْلِيلِ- فَهُوَ لَيْسَ رَاغِبًا فِي النِّكَاحِ، بَلْ هُوَ رَاغِبٌ فِي تَحْلِيلِهَا لِغَيْرِهِ، وَلِذَلِكَ أَبْطَلَ الشَّرْعُ نِكَاحَ التَّحْلِيلِ نَظَرًا لِمَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ.

عِنْدَمَا يَأْتِي امْرُؤٌ وَيَجْعَلُ النِّكَاحَ لَا يَعْلَمُ بِهِ أَحَدٌ، فَنَقُولُ: هَذَا لَيْسَ مِنْ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ، فَالفَرْقُ بَيْنَ النِّكَاحِ وَالسِّفَاحِ الضَّرْبُ عَلَيْهِ بِالدُّفِّ، فَإِعْلَانُ النِّكَاحِ هَذَا أَثَرٌ مِنْ آثَارِهِ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ الفُقَهَاءُ: إِنَّ هَذَا النِّكَاحَ الَّذِي لَا شُهُودَ فِيهِ وَلَا إِعْلَانَ نِكَاحٌ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ شَبِيهٌ بِالسِّفَاحِ.

وَكَثِيرٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ -وَمِنْهُمُ الشَّيْخُ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ بَازٍ- كَانَ يَقُولُ: إِنَّ النِّكَاحَ بِنِيَّةِ الطَّلَاقِ، وَالنِّكَاحَ الَّذِي يَكُونُ مُؤَقَّتًا بِالعُرْفِ، كِلَاهُمَا مُحَرَّمٌ؛ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْمَقْصِدِ الشَّرْعِيِّ، وَهُوَ نِكَاحُ الرَّغْبَةِ، كَمَا أَنَّ نِكَاحَ المُتْعَةِ مُخَالِفٌ لِلْمَقْصدِ الشَّرْعِيِّ -وَهُوَ نِكَاحُ الرَّغْبَةِ- لِأَنَّهُ المَقْصُودُ بِهِ المُتْعَةُ وَلَيْسَ الزَّوَاجُ، فكَمَا أَنَّ هَذَا نِكَاحٌ بَاطِلٌ، فَنَقُولُ: هَذَا أَيْضًا شَبِيهٌ بِهِ.

وَلَمَّا جَاءَ الفُقَهَاءُ وَدَوَّنُوا الفِقْهَ كَانُوا يَذْكُرُونَ المَقَاصِدَ فِي بَابِ تَعْلِيلِ الأَحْكَامِ، فَأَحْيَانًا يَذْكُرُونَ الحُكْمَ وَيُعَلِّلُونَهُ، لَا بِالعِلَّةِ وَإِنَّمَا بِالمَقْصِدِ، فَيَذْكُرُونَ المَقَاصِدَ فِي تَعْلِيلِ الأَحْكَامِ، وَلِذَلِكَ يَقُولُ: كَذَا، دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنِ النَّاسِ.

وَلِذَلِكَ يَقُولُ الفُقَهَاءُ: القِيَاسُ عَلَى أَقْسَامٍ:

قِيَاسُ أَصْلٍ، وَقِيَاسُ فَصْلٍ، وَقِيَاسُ وَصْلٍ. هَذِهِ عِبَارَةُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ ابْنِ تَيْمِيَةَ.

فَالفُقَهَاءُ يَذْكُرُونَ تَعْلِيلَ الأَحْكَامِ، وَهَذَا مِنْ بَابِ المَقَاصِدِ الشَّرْعِيَّةِ، وَكَذَلِكَ الأُصُولِيُّونَ يَتَكَلَّمُونَ عَنِ المَقَاصِدِ فِي بَعْضِ مَبَاحِثِ أُصُولِ الفِقْهِ، فَيَتَكَلَّمُونَ عَنِ المُنَاسَبَةِ كَمَسْلَكٍ مِنْ مَسَالِكِ العِلَّةِ، وَلَا يَذْكُرُونَ العِلَّةَ كَعِلْمٍ مُسْتَقِلٍّ، وَكَذَلِكَ عِنْدَمَا يَتَكَلَّمُونَ عَنِ المَصَالِحِ المُرْسَلَةِ كَدَلِيلٍ مِنَ الأَدِلَّةِ المُخْتَلَفِ فِيهَا، يَذْكُرُونَ المَقَاصِدَ، وَهِيَ جُزْءٌ مِنْهَا، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ المَبَاحِثِ الجُزْئِيَّةِ فِي بَعْضِ مَبَاحِثِ الأَمْرِ وَغَيْرِهَا.

إِلَى أَنْ جَاءَ ثَلَاثَةُ أَشْخَاصٍ هُمْ أَوَّلُ مَنْ دَوَّنَ عِلْمَ المَقَاصِدِ، أَيْ أَفْرَدُوهُ بِالتَّعْرِيفِ؛ أَوَّلُهُمُ الجُوَيْنِيُّ إِمَامُ الحَرَمَيْنِ، فَهُوَ أَوَّلُ مَنْ أَكْثَرَ مِنَ التَّعْبِيرِ بِكَلِمَةِ «مَقْصِدٍ» أَوْ «مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ»، بَلْ يُقَالُ: هُوَ أَوَّلُ مَنِ اسْتَخْدَمَ هَذَا المُصْطَلَحَ وَإِنْ لَمْ يُفْرِدْهُ بِالتَّأْلِيفِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ قَسَّمَ المَقَاصِدَ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: ضَرُورِيَّةٍ، وَحَاجِيَّةٍ، وَتَحْسِينِيَّةٍ، وَهَذِهِ مِنْ أَهَمِّ التَّقَاسِيمِ الَّتِي تَمُرُّ مَعَنَا بَعْدَ ذَلِكَ.

ثُمَّ جَاءَ بَعْدَهُ الآمِدِيُّ وَالغَزَّالِيُّ، وَقَدْ قَسَّمَا الضَّرُورِيَّاتِ إِلَى التَّقْسِيمِ المَشْهُورِ المَعْرُوفِ، وَهِيَ خَمْسٌ: حِفْظُ الدِّينِ، وَالنَّفْسِ، وَالمَالِ، وَالعِرْضِ، وَالنَّسْلِ، وَسَنُبَيِّنُ بَعْدَ ذَلِكَ هَلْ هَذِهِ الخَمْسُ مَحْصُورَةٌ أَمْ لَا.

إِلَى أَنْ جَاءَ أَبُو إِسْحَاقَ الشَّاطِبِيُّ رَحِمَهُ اللهُ، فَأَلَّفَ كِتَابَهُ «المُوَافَقَاتِ»، فَأَفْرَدَ عِلْمَ المَقَاصِدِ فِي الكِتَابِ الثَّانِي مِنْهُ، فَيَكُونُ الشَّاطِبِيُّ هُوَ أَوَّلَ مَنْ أَفْرَدَ عِلْمَ المَقَاصِدِ بِالتَّأْلِيفِ وَالكِتَابَةِ، ثُمَّ إِنَّ مَنْ بَعْدَهُ إِنَّمَا هُمْ عَالَةٌ عَلَيْهِ؛ وَلِذَلِكَ إِذَا قِيلَ: إِنَّ أَبَا إِسْحَاقَ الشَّاطِبِيَّ هُوَ أَبُو عِلْمِ المَقَاصِدِ؛ فَلَيْسَ هُوَ الَّذِي ابْتَكَرَهُ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ أَتَى بِمُصْطَلَحِ المَقَاصِدِ، وَإِنَّمَا هُوَ أَوَّلُ مَنْ أَفْرَدَهُ بِالتَّأْلِيفِ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ؛ فَجَمَعَ مَا فِي كُتُبِ الفِقْهِ، وَكُتُبِ الأُصُولِ، وَكُتُبِ أُصُولِ الدِّينِ -وَهِيَ كُتُبُ العَقَائِدِ- فَإِنَّ أَهْلَ العَقَائِدِ يَتَكَلَّمُونَ عَنِ المَقَاصِدِ عِنْدَمَا يَتَكَلَّمُونَ عَنِ الأَحْكَامِ هَلْ هِيَ مُعَلَّلَةٌ أَمْ لَيْسَتْ مُعَلَّلَةً؛ جَمَعَ هَذِهِ الأُمُورَ كُلَّهَا وَجَعَلَهَا فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ كِتَابُهُ المَشْهُورُ بِـ «المُوَافَقَاتِ»، وَمَا زَالَ النَّاسُ إِلَى وَقْتِنَا هَذَا عَالَةً عَلَى هَذَا الكِتَابِ.

ثُمَّ جَاءَ المُعَاصِرُونَ وَعُنُوا بِهَذَا العِلْمِ، فَأَلَّفُوا فِيهِ مِئَاتِ المُؤَلَّفَاتِ، حَتَّى أَنَّهُمْ بَدَأُوا يَأْخُذُونَ المَقَاصِدَ عَنْ فُلَانٍ وَيَدُورُونَ فِي فَلَكٍ وَاحِدٍ.

وَالَّذِينَ كَتَبُوا مِنَ المُعَاصِرِينَ شَطَحُوا شَطْحًا بَيِّنًا، حَتَّى جَاءَ جَمَاعَةٌ مِنَ النَّاسِ يَتَسَمُّونَ بِاليَسَارِيِّينَ مِنَ الإِسْلَامِيِّينَ فَبَدَأُوا يَكْتُبُونَ فِي المَقَاصِدِ لِهَدْمِ الدِّينِ، وَمِنْ كَلَامِهِمُ المَشْهُورُ: «يَجِبُ أَنْ نُعِيدَ قِرَاءَةَ النَّصِّ فِي ضَوْءِ المَقَاصِدِ». فَيَجْعَلُونَ هَذِهِ المَقَاصِدَ -الَّتِي بَعْضُهَا يَكُونُ مَضْمُونًا، أَوْ عَامًّا لَيْسَ دَقِيقًا- مُقَدَّمًا عَلَى النَّصِّ الشَّرْعِيِّ مِنَ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَهَذَا أَمْرٌ خَطِيرٌ.

 وَلَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ القَيِّمِ الطَّوَاغِيتَ فَجَعَلَهَا أَرْبَعَةً، وَلَوْ قَالَ امْرُؤٌ: إِنَّ هُنَاكَ طَاغُوتًا خَامِسًا -وَهُوَ الِاحْتِجَاجُ بِالمَقَاصِدِ عَلَى هَدْمِ النُّصُوصِ- لَكَانَ مُوَفَّقًا فِي ذَلِكَ.

الآنَ أَصْبَحَ بَعْضُ النَّاسِ وَلِلْأَسَفِ فِي مُؤَلَّفَاتِهِمْ يَهْدِمُونَ الدِّينَ بِحُجَّةِ المَقَاصِدِ، وَنَحْنُ لَا نُلْغِيهَا بِالكُلِّيَّةِ كَمَا هِيَ طَرِيقَةُ بَعْضِ الفِرَقِ مِثْلِ الظَّاهِرِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ، وَلَكِنْ نَقُولُ: إِنَّ هُنَاكَ مَقَاصِدَ وَلَكِنَّهَا مَقَاصِدُ مُقَيَّدَةٌ، وَلِذَلِكَ فَإِنَّنَا نَجِدُ أَنَّ هَؤُلَاءِ اليَسَارِيِّينَ مِنْ أَشَدِّ أَعْدَائِهِمُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ، وَدَائِمًا يَقُولُونَ: «إِنَّ الشَّافِعِيَّ عَطَّلَ تَطَوُّرَ الفِقْهِ». يَقُولُونَ: لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ لَمَّا أَلَّفَ كِتَابَهُ «الرِّسَالَةَ» قَالَ: «إِنَّ المَصَالِحَ المُرْسَلَةَ وَالِاسْتِحْسَانَ وَمَا فِي حُكْمِهِمَا يَجِبُ أَنْ يُقَيَّدَ بِأَنْ لَا يُخَالِفَ الكِتَابَ وَالسُّنَّةَ»، ولَا شَكَّ أَنَّ الشَّافِعِيَّ نَاقِلٌ لِمَا قَالَهُ أَهْلُ العِلْمِ جَمِيعًا وَدَوَّنُوهُ، وَيَزْعُمُ هَؤُلَاءِ أَنَّ مَنْ بَعْدَهُ قَلَّدُوهُ، وَفِي الحَقِيقَةِ لَمْ يُقَلِّدُوهُ، وَإِنَّمَا هُوَ مُسْتَقِرٌّ فِي نُفُوسِ المُؤْمِنِينَ فِي كُلِّ مَكَانٍ وَزَمَانٍ، وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوِ اجْتَمَعَ مَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا عَلَى عَدَمِ ذَلِكَ.

وَسَنُبَيِّنُ مَا هِيَ طَرِيقَةُ فُقَهَاءِ الحَدِيثِ -بِالخُصُوصِ فِي هَذَا العِلْمِ- وَأَئِمَّةِ الصَّحَابَةِ وَأَئِمَّةِ العُلَمَاءِ كَيْفَ طَبَّقُوا عِلْمَ المَقَاصِدِ بِالتَّطْبِيقِ الدَّقِيقِ الَّذِي سَنَمُرُّ عَلَيْهِ إِنْ شَاءَ اللهُ فِيمَا بَعْدُ!!

أَقْسَامُ المَقَاصِدِ:

وَسَأَذْكُرُ جُزْئِيَّةً أُخْرَى؛ وَهِيَ مَسْأَلَةُ أَقْسَامِ المَقَاصِدِ:

لَقَدْ عَرَّفْنَا المَقَاصِدَ: وَهِيَ الحِكَمُ وَالأَسْرَارُ، وَعَرَّفْنَا أَيْضًا الفَائِدَةَ مِنْ مَعْرِفَةِ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ، وَذَكَرْنَا سِتَّ فَوَائِدَ فِي مَعْرِفَةِ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ، وَأَنَّ هَذِهِ الفَوَائِدَ عَظِيمَةٌ جِدًّا؛ وَلِذَلِكَ يَتَمَايَزُ بَعْضُ النَّاسِ عَنْ بَعْضِهِمْ بِذَلِكَ، كَمَا يَقُولُ شَيْخُ الإِسْلَامِ: الفَرْقُ بَيْنَ فُقَهَاءِ الحَدِيثِ وَرُوَاةِ الحَدِيثِ، أَنَّ فُقَهَاءَ الحَدِيثِ يَعْرِفُونَ مَقَاصِدَ الشَّرِيعَةِ.

وَتَكَلَّمْنَا عَنْ تَعَلُّقِ عِلْمِ المَقَاصِدِ بِالفِقْهِ وَأُصُولِ الفِقْهِ، وَكَيْفَ تَطَوَّرَ إِنْ صَحَّ تَسْمِيَتُهُ بِالتَّطَوُّرِ؛ وَإِلَّا فَهُوَ مَوْجُودٌ فِي كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَعْمَلَهُ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ فُقَهَاءِ المُسْلِمِينَ، إِلَى أَنْ جَاءَ المُدَوِّنُونَ فِيهِ، وَذَكَرْنَا طَرِيقَتَهُمْ عَلَى سَبِيلِ الإِجْمَالِ.

نَبْدَأُ الآنَ بِذِكْرِ أَوَّلِ تَقْسِيمٍ مِنْ أَقْسَامِ المَقَاصِدِ، وَسَنَأْخُذُ تَقْسِيمًا وَاحِدًا الآنَ، وَقَبْلَ ذَلِكَ نَذْكُرُ فَائِدَةَ مَعْرِفَةِ أَقْسَامِ المَقَاصِدِ، وَخُذْ هَذِهِ القَاعِدَةَ فِي كُلِّ عُلُومِ الفِقْهِ وَغَيْرِهِ؛ كُلَّمَا عَرَفْتَ أَقْسَامًا أَكْثَرَ كُلَّمَا فَهِمْتَ الشَّيْءَ أَدَقَّ.

وَلِذَلِكَ ذَكَرَ بَدْرُ الدِّينِ الزَّرْكَشِيُّ أَنَّ مِنْ كَمَالِ الفِقْهِ مَعْرِفَةَ التَّقْسِيمِ، وَكُلَّمَا رَأَيْتَ الفَقِيهَ يُكْثِرُ التَّقْسِيمَ فَاعْلَمْ أَنَّهُ أَدَقُّ فَهْمًا، وَأَنَّ الَّذِي يَأْخُذُ الشَّيْءَ جُمْلَةً رُبَّمَا يَفُوتُ عَلَيْهِ بَعْضُ المَسَائِلِ، فَكُلَّمَا قَسَّمَهُ وَنَوَّعَهُ وَرَتَّبَهُ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى دِقَّةِ ذِهْنِهِ وَصَفَاءِ فَهْمِهِ.

مِنْ أَهَمِّ تَقَاسِيمِ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ بِاعْتِبَارِ مَنَاطِهَا: أَيْ بِاعْتِبَارِ مَنْ تَتَعَلَّقُ بِهِ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:

مَقَاصِدُ كُلِّيَّةٌ، وَمَقَاصِدُ نَوْعِيَّةٌ، وَمَقَاصِدُ جُزْئِيَّةٌ.

المَقَاصِدُ الكُلِّيَّةُ: هُوَ أَنَّ هَذَا المَقْصِدَ الَّذِي يُذْكَرُ تَنْدَرِجُ تَحْتَهُ كُلُّ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ بِلَا اسْتِثْنَاءٍ، جَلْبُ المَصْلَحَةِ، وَدَفْعُ المَضَرَّةِ، فَإِيجَادُ المَصْلَحَةِ وَدَفْعُ المَضَرَّةِ هَذَا مَقْصِدٌ كُلِّيٌّ.

وَمَقْصِدٌ آخَرُ مِنَ المَقَاصِدِ الكُلِّيَّةِ وَهُوَ «رَفْعُ الحَرَجِ»، فَعِنْدَمَا يَكُونُ المَرْءُ مَرِيضًا وَلَا يَسْتَطِيعُ القِيَامَ فِي الصَّلَاةِ فَلَهُ أَنْ يَجْلِسَ، فَكُلُّ مَنْ ضَاقَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مُعَيَّنٌ اتَّسَعَ عَلَيْهِ بِالتَّسْهِيلِ.

وَمِنَ المَقَاصِدِ الكُلِّيَّةِ كَذَلِكَ «التَّيْسِيرُ»، فَالشَّرِيعَةُ جَاءَتْ بِالتَّيْسِيرِ وَعَدَمِ التَّشْدِيدِ عَلَى العِبَادِ، فَلَيْسَ المَقْصُودُ الشِّدَّةَ، وَلِذَلِكَ ذَكَرَ الشَّاطِبِيُّ مَبْحَثًا لَطِيفًا جِدًّا، وَهُوَ: «هَلِ المَقْصُودُ مِنَ العِبَادَةِ المَشَقَّةُ؟!»، النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا رَأَى امْرَأَةً رَابِطَةً حَبْلًا بَيْنَ سَارِيَتَيْنِ قَالَ: «مَهْ، عَلَيْكُمْ مِنَ الأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا».

يَقُولُ ابْنُ القَيِّمِ فِي «البَدَائِعِ» فَائِدَةً مُهِمَّةً؛ قَالَ: «إِنَّ العَبْدَ إِذَا أَتَى العِبَادَةَ وَهُوَ مُقْبِلٌ عَلَيْهَا يَلْتَذُّ بِهَا؛ أَعْظَمُ أَجْرًا مِمَّنْ يُجَاهِدُ نَفْسَهُ عَلَيْهَا؛ فَالَّذِي يَقُومُ اللَّيْلَ مُقْبِلًا عَلَيْهِ مُحِبًّا لَهُ أَعْظَمُ أَجْرًا مِمَّنْ يَقُومُ مُتَثَاقِلًا».

وَلِذَلِكَ يَقُولُ ابْنُ المُبَارَكِ رَحِمَهُ اللهُ: «جَاهَدْنَا أَنْفُسَنَا عِشْرِينَ سَنَةً فِي قِيَامِ اللَّيْلِ، فَارْتَحْنَا عِشْرِينَ سَنَةً».

فَلَيْسَ المَقْصُودُ المَشَقَّةَ فِي العِبَادَةِ، لَكِنْ فِي العِبَادَةِ مَشَقَّةٌ.

النَّوْعُ الثَّانِي: المَقَاصِدُ النَّوْعِيَّةُ: بِمَعْنَى أَنَّهَا نَوْعٌ فِي بَابٍ مُعَيَّنٍ، مِثْلُ المُعَامَلَاتِ المَالِيَّةِ، مَقَاصِدُهَا المُعَامَلَةُ فَقَطْ، فَمِنْ مَقَاصِدِ المُعَامَلَاتِ إِدَارَةُ المَالِ، فَيَنْتَقِلُ مِنْ يَدٍ إِلَى يَدٍ، وَلِذَلِكَ فَإِنَّ المُعَامَلَاتِ الرِّبَوِيَّةَ تُخَالِفُ مَقَاصِدَ الشَّرِيعَةِ؛ لِأَنَّ الأَمْوَالَ تُصْبِحُ عِنْدَ مَرَاكِزَ مُعَيَّنَةٍ، وَيُصْبِحُ المُجْتَمَعُ كُلُّهُ مُقْتَرِضًا لِهَذَا المَالِ.

وَمِنْ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ عَدَمُ الظُّلْمِ: وَلِذَلِكَ فَإِنَّ الغَرَرَ إِنَّمَا حُرِّمَ؛ لِأَنَّ فِيهِ نَوْعَ ظُلْمٍ، وَلِذَلِكَ عُفِيَ عَنِ الغَرَرِ اليَسِيرِ لِأَنَّهُ لَا ظُلْمَ فِيهِ.

هَذَا مِنَ المَقَاصِدِ النَّوْعِيَّةِ المُتَعَلِّقَةِ بِبَابٍ مُعَيَّنٍ، وَأَكْثَرُ مَنْ كَتَبَ عَنِ المَقَاصِدِ النَّوْعِيَّةِ الشَّيْخُ مُحَمَّد طَاهِر عَاشُور فِي كِتَابِهِ «مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ».

النَّوْعُ الثَّالِثُ: المَقَاصِدُ الجُزْئِيَّةُ: أَيِ المُتَعَلِّقَةُ بِشَيْءٍ بِعَيْنِهِ وَمَسْأَلَةٍ بِعَيْنِهَا مِثْلِ النَّجَاسَاتِ، فَالمَقْصُودُ مِنْهَا ذَهَابُ عَيْنِ النَّجَاسَةِ، فَإِذَا ذَهَبَتْ عَيْنُ النَّجَاسَةِ فَلَا يَلْزَمُ التَّسْبِيعُ فِي العَدَدِ، وَلَا التَّثْلِيثُ، وَإِنَّمَا المَقْصُودُ ذَهَابُ عَيْنِهَا، وَالمَقْصُودُ مِنَ النِّكَاحِ –كَمَا ذَكَرْنَا قَوْلَ ابْنِ عُمَرَ- الرَّغْبَةُ، فَهَذَا مَقْصِدٌ جُزْئِيٌّ.

الفَرْقُ بَيْنَ المَقَاصِدِ الكُلِّيَّةِ وَالأَنْوَاعِ الأُخْرَى:

الفَرْقُ الأَوَّلُ: أَنَّ المَقَاصِدَ الكُلِّيَّةَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا بَيْنَ المُسْلِمِينَ، بَيْنَمَا المَقَاصِدُ النَّوْعِيَّةُ وَالجُزْئِيَّةُ قَدْ يَكُونُ فِيهَا خِلَافٌ، هَذَا هُوَ الفَرْقُ الأَوَّلُ.

الفَرْقُ الثَّانِي: أَنَّ المَقَاصِدَ الكُلِّيَّةَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهَا فِي الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، بَيْنَمَا المَقَاصِدُ النَّوْعِيَّةُ فَبَعْضُهَا مَنْصُوصٌ عَلَيْهَا، وَبَعْضُهَا لَيْسَ مَنْصُوصًا عَلَيْهَا.

وَصَلَّى اللهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

الأَسْئِلَةُ

السُّؤَالُ: لِمَاذَا نَبْحَثُ عَنْ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ وَأَسْرَارِهَا؟ وَلِمَ لَا نَعْمَلُ بِالأَحْكَامِ تَعَبُّدِيًّا حَتَّى نَسْأَلَ الأَجْرَ العَظِيمَ قَبْلَ مَعْرِفَةِ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ أَنَّهَا شُرِعَتْ لِأَجْلِ مَصْلَحَةٍ مُعَيَّنَةٍ؟

الجَوَابُ: أَوَّلًا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الِامْتِثَالُ تَعَبُّدًا، ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ(10). سَوَاءٌ عَرَفْتَ أَوْ لَمْ تَعْرِفِ المَقْصِدَ، وَيَجِبُ أَنْ تُعَوِّدَ نَفْسَكَ عَلَى ذَلِكَ، فَهَذَا ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ لَمَّا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِاثْنَيْنِ تَلَاحَيَا فِي المَسْجِدِ: «اجْلِسَا». فَجَلَسَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عِنْدَ البَابِ، فَقَالَ: إِنَّكَ قُلْتَ أَمْرًا خَشِيتُ أَنْ أُخَالِفَهُ فَأَهْلَكَ.

فَالمُؤْمِنُ يَمْتَثِلُ مُبَاشَرَةً، وَلَكِنْ مَعَ امْتِثَالِهِ إِذَا بَحَثَ عَنِ المَقْصِدِ كَانَ امْتِثَالُهُ أَقْوَى؛ لِمَعْرِفَتِهِ أَنَّهُ وَافَقَ المُرَادَ، وَخَاصَّةً عِنْدَ الِاخْتِلَافِ فِي المَسْأَلَةِ، الأَمْرُ الثَّانِي عِنْدَ الِاجْتِهَادِ، فَقَدْ قُلْنَا: إِنَّ النِّكَاحَ بِنِيَّةِ الطَّلَاقِ حَرَامٌ؛ لِأَنَّنَا نَظَرْنَا فِي المَقَاصِدِ مِنْ بَابِ اسْتِثْمَارِ المَقَاصِدِ فِي إِيجَادِ الأَحْكَامِ، فَلِلْمَقَاصِدِ فَوَائِدُ أُخْرَى، فَالِامْتِثَالُ وَاجِبٌ وَلَكِنْ لِكَيْ نَنْقِلَ الحُكْمَ أَوْ نُقَيِّدَهُ، فَإِنَّ هَذَا يَحْتَاجُ إِلَى مَعْرِفَةِ المَقَاصِدِ، وَسَيَأْتِي مَعَنَا عِنْدَ تَقْيِيدِ الأَحْكَامِ عِنْدَمَا نَقُولُ: لَا يَجُوزُ بَيْعُ الوَقْفِ إِلَّا لِحَاجَةٍ. فَهَذَا تَقْيِيدٌ، فَمَعْرِفَةُ المَقَاصِدِ مُفِيدٌ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فَوَائِدَهَا.

وَلَيْسَ ثَمَّ تَعَارُضٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الِامْتِثَالِ، بَلْ مَعْرِفَةُ المَقْصِدِ الشَّرْعِيِّ يُقَوِّي الِامْتِثَالَ، وَمَعْرِفَةُ المَقْصِدِ يَحْتَاجُ إِلَى نُورٍ، وَهُوَ العِبَادَةُ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -الَّذِي رُوِيَ مَرْفُوعًا- إِنَّمَا العِلْمُ الخَشْيَةُ؛ وَلِذَلِكَ فَإِنَّ صَاحِبَ العِبَادَةِ تَجِدُ عَلَى كَلَامِهِ مِنَ النُّورِ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهِ.


(1) سورة المدثر: 31.

(2) أخرجه البخاري في كتاب التوحيد- باب قول الله تعالى: ﴿وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾ (7440)، ومسلم في كتاب الإيمان- باب معرفة طريق الرؤية (182).

(3) أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة- باب في المواضع التي لا تجوز الصلاة فيها (490)، وضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود»، وقال: «ضعيف».

(4) أخرجه مالك في «موطئه» (1620)، وأحمد في «مسنده» (1/49)، والنسائي في «سننه الكبرى» (6368)، وابن ماجه في كتاب الديات- باب القاتل لا يرث (2646)، وفيه: انقطاعٌ بين عمرو بن شعيب، وعمر بن الخطاب رضي الله عنه.

(5) عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي التميمي، مولاهم، أبو عبد الرحمن المروزي أحد الأئمة الأعلام وحفاظ الإسلام. قال الحاكم: إمام عصره في الآفاق، وأولاهم بذلك علمًا، وزهدًا، وشجاعة، وسخاء. قال عبد الرحمن بن مهدي: الأئمة أربعة: سفيان الثوري، ومالك بن أنس، وحماد بن زيد، وابن المبارك . وقال علي بن صدقة، عن شعيب بن حرب: ما لقي ابن المبارك رجلًا إلا وابن المبارك أفضل منه. وقال موسى بن إسماعيل، عن سلام بن أبي مطيع: ما خلف بالمشرق مثله. وقال يحيى بن معين: كان عبد الله بن المبارك كيسًا مستثبتًا ثقة، وكان عالمًا صحيح الحديث، وكانت كتبه التي حدث بها عشرين ألفًا أو واحدًا وعشرين ألفًا. وقال حبان بن موسى: عوتب ابن المبارك فيما يفرق المال في البلدان، ولا يفعل في أهل بلده، فقال: إني أعرف مكان قوم لهم فضل وصدق، طلبوا الحديث فأحسنوا الطلب للحديث، وحاجة الناس إليهم شديدة، وقد احتاجوا، فإن تركناهم ضاع علمهم، وإن أغنيناهم نشروا العلم لأمة محمد صلى الله عليه وسلم ولا أعلم بعد النبوة درجة أفضل من بث العلم .وقال محمد بن سعد: مات بهيت منصرفًا من الغزو سنة إحدى وثمانين ومائة، وله ثلاث وستون سنة. انظر: تهذيب الكمال (16/5) التاريخ الكبير (5/212) تذكرة الحفاظ (1/274).

(6) أخرجه البخاري في كتاب الصلاة- باب لا يبصق عن يمينه في الصلاة (412)، ومسلم في كتاب المساجد مواضع الصلاة- باب النهى عن البصاق في المسجد في الصلاة وغيرها (547).

(7) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان- باب الدليل على أن من رضي بالله ربا وبالإسلام دينًا (34).

(8) سورة غافر: 19.

(9) سورة الحج: 78.

(10) سورة الأحزاب: 36.