موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - مقدمة - شرح النظريات الفقهيـة
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح النظريات الفقهيـة لفضيلة الشيخ سعد بن ناصر الشثري
  
 
 شرح النظريات الفقهيـة
 مقدمة
 المُرَادُ بِالنَّظَرِيَّاتِ الفِقْهِيَّة
 الفَرْقُ بَيْنَ النَّظَرِيَّاتِ الفِقْهِيَّةِ وَالقَوَاعِدِ الفِقْهِيَّة
 الفَرْقُ بَيْنَ النَّظَرِيَّاتِ الفِقْهِيَّةِ وَالفُصُولِ القَانُونِيَّة
 الفَرْقُ بَيْنَ النَّظَرِيَّاتِ الفِقْهِيَّةِ وَالأَبْوَابِ الفِقْهِيَّة
 الأَصْلُ التَّارِيخِيُّ لِلْكِتَابَةِ فِي النَّظَرِيَّاتِ الفِقْهِيَّة
 سَبَبُ تَسْمِيَتِهَا نَظَرِيَّاتٌ الفِقْهِيَّة
 الفَرْقُ بَيْنَ الدِّرَاسَةِ القَانُونِيَّةِ وَالدِّرَاسَةِ الفِقْهِيَّة
 دراسة المعاصرين للنظريات الفقهية
 فَوَائِد الكِتَابَة فِي النَّظَرِيَّاتِ الفِقْهِيَّةِ
 أَسْبَاب تَدْعِيم دِرَاسَةِ النَّظَرِيَّاتِ الفِقْهِيَّةِ
 أُمُور يَقَعُ فِيهَا بَعْضُ الكُتَّابِ فِي النَّظَرِيَّاتِ الفِقْهِيَّةِ
 تَأْصِيل الدِّرَاسَاتِ المُتَعَلِّقَةِ بِالنَّظَرِيَّاتِ الفِقْهِيَّةِ
 مَنَاهِج التَّأْلِيفِ فِي النَّظَرِيَّاتِ الفِقْهِيَّةِ
 نَظَرِيَّةُ الِالْتِزَامِ
 تَعْرِيفُ الِالْتِزَامِ
 حَقِيقَة الِالْتِزَامِ
 أَرْكَان الِالْتِزَامِ
 حُكْمُ الِالْتِزَامِ وحُكْمُ القِيَامِ بأَثَرِ الِالْتِزَام
 أَسْبَاب الِالْتِزَامِ
 مُغَيِّرَاتِ الِالْتِزَامِ
 أَسْبَابُ انْتِهَاءِ الِالْتِزَامِ
 أَيُّهُمَا أَوْلَى: أَنْ يُبْحَثَ الِالْتِزَامُ فِي بَابٍ وَاحِدٍ؟ أَوْ أَنْ يُجْعَلَ فِي كُلِّ بَابٍ مَا يُنَاسِبُهُ مِنْ أَحْكَامِ الِالْتِزَامِ؟
 الِالْتِزَام يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الأُصُولِ المَنْهَجِيَّةِ الَّتِي يَقُومُ عَلَيْهَا
 مُؤَلَّفَات مُتَعَلِّقَة بِهَذِهِ النَّظَرِيَّةِ
 أسْئِلَة
 حَقُّ المِلْكِيَّةِ
 تَعْرِيفُ المِلْكِيَّةِ
 أَنْوَاعُ المِلْكِيَّةِ
 أَسْبَابُ المِلْكِ
 آثَارُ المِلْكِيَّةِ
 التَّصَرُّفُ فِي المِلْكِ
 آثَارُ التَّصَرُّفِ فِي المَمْلُوكَاتِ
 ذِكْرُ المُؤَلَّفَاتِ فِي نَظَرِيَّةِ المِلْكِ
 الفُرُوقَاتُ بَيْنَ الدِّرَاسَاتِ الشَّرْعِيَّةِ وَالدِّرَاسَاتِ القَانُونِيَّةِ المُتَعَلِّقَةِ بِالمِلْكِيَّةِ
 نَظَرِيَّةُ الحَقِّ
 التَّعْرِيفُ بِمَعْنَى الحَقِّ
 الفَرْقُ بَيْنَ الحَقِّ وَبَيْنَ الحُرِّيَّةِ
 الفَرْقُ بَيْنَ الحَقِّ وَبَيْنَ الرُّخْصَةِ
 الفَرْقُ بَيْنَ الحُكْمِ وَالحَقِّ
 الفَرْقُ بَيْنَ العَقْدِ وَالحَقِّ وبَيْنَ الحَقِّ والذِّمَّةِ
 تَقْسِيمَاتُ الحُقُوقِ
 المُبْطِلُونَ وبَاب الحُقُوقِ
 أَرْكَانُ الحَقِّ
 شُرُوطُ الحَقِّ
 طُرُقُ إِثْبَاتِ الحَقِّ
 الآثَارُ المُتَرَتِّبَةُ عَلَى الحَقِّ
 المُؤَلَّفَاتُ فِي نَظَرِيَّةِ الحَقِّ
 المُقَارَنَةُ بَيْنَ الحَقِّ فِي الدِّرَاسَاتِ الفِقْهِيَّةِ وَالدِّرَاسَاتِ القَانُونِيَّةِ
 نَظَرِيَّةُ التَّعَسُّفِ فِي اسْتِعْمَالِ الحَقِّ
 تَعْرِيفُ التَّعَسُّفِ
 مِنْ صُوَرِ التَّعَسُّفِ المَنْهِيِّ عَنْهَا
 ضَوَابِطُ مَسْأَلَةِ التَّعَسُّفِ فِي اسْتِعْمَالِ الحَق
 هُنَاكَ بَعْضُ المُصْطَلَحَاتِ الَّتِي نَحْتَاجُ إِلَى التَّفْرِيقِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ التَّعَسُّفِ فِي اسْتِعْمَالِ الحَقِّ
 الآثَارُ المُتَرَتِّبَةُ عَلَى التَّعَسُّفِ
 مَنَاهِجُ الكِتَابَةِ فِي هَذِهِ القَاعِدَة
 صِلَةُ هَذِهِ النَّظَرِيَّةِ بِالقَوَاعِدِ الفِقْهِيَّةِ الأُخْرَى
 المُقَارَنَةُ بَيْنَ الدِّرَاسَاتِ الفِقْهِيَّةِ وَالقَانُونِيَّةِ المُتَعَلِّقَةِ بِهَذَا المَبْدَأِ
 نَظَرِيَّةُ العَقْدِ
 التَّعْرِيفُ اللُّغَوِيُّ لِلْعَقْدِ
 عُلَمَاءُ الشَّرِيعَةِ يَتَدَارَسُونَ العُقُودَ فِي كُتُبِهِمْ الفِقْهِيَّةِ عَلَى سَبِيلِ الانْفِرَادِ
 أَرْكَانُ العُقُودِ
 شُرُوطُ العَقْدِ
 الشُّرُوطُ فِي العَقْدِ
 العِبْرَةُ فِي العُقُودِ بِالأَلْفَاظِ وَالصِّيَغِ أَمْ بِالمَعَانِي وَالمَقَاصِدِ
 أَنْوَاعُ العُقُودِ
 آثَارُ العُقُودِ وما يَتَرَتَّبُ عَلَى العَقْدِ
 انْتِهَاءُ العُقُودِ
 مَسْأَلَةٌ: مَبْدَأُ الانْعِطَافِ وَعِلَاقَتُهُ بِالعَقْدِ
 مَا يَدْخُلُ فِي العُقُودِ وَمَا لَا يَدْخُلُ فِيهَا
 مَجَالَاتُ التَّأْلِيفِ فِي نَظَرِيَّةِ العُقُودِ
 المُقَارَنَةُ بَيْنَ الطَّرِيقَةِ الفِقْهِيَّةِ وَالقَانُونِيَّةِ فِي دِرَاسَةِ هَذِهِ القَاعِدَةِ
 نَظَرِيَّةُ الْإِثْبَاتِ
 أَهَمِّيَّةُ نَظَرِيَّةِ الْإِثْبَاتِ
 الْوَسَائِلُ الْمُؤَدِّيَةُ لِلْإِثْبَاتِ
 أَرْكَانُ الْإِثْبَاتِ
 مَسْأَلَةٌ: مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الثُّبُوتَ الَّذِي يَصْدُرُ بِهِ حُكْمٌ مِنَ الْقَاضِي يُشْتَرَطُ لَهُ أَمْرَانِ
 مَسْأَلَةٌ: مِنَ الْأُمُورِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْإِثْبَاتِ: التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ
 صِلَةُ نَظَرِيَّةِ الْإِثْبَاتِ بِالنَّظَرِيَّاتِ الْأُخْرَى
 المُقَارَنَةُ بَيْنَ النَّظْرَةِ الْفِقْهِيَّةِ وَالْقَانُونِيَّةِ لِمَسَائِلِ الْإِثْبَاتِ
 الْغَرَرُ
 تَعْرِيفُ الْغَرَرِ
 الْفَرْقُ بَيْنَ الْغَرَرِ وَمَا لَهُ بِهِ نَوْعُ اتِّصَالٍ
 حُكْمُ الْغَرَرِ
 الْحِكْمَةُ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الْغَرَرِ
 تَطْبِيقَاتُ الْغَرَرِ فِي الشَّرِيعَةِ
 سِرُّ اهْتِمَامِ الْمُعَاصِرِينَ بِمَبْحَثِ الْغَرَرِ أَكْثَرَ مِنَ الرِّبَا
 صُوَرٌ مِنَ الْغَرَرِ أَجَازَتْهَا الشَّرِيعَةُ
 أَنْوَاعُ الْعُقُودِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْغَرَرِ
 مَسْأَلَةٌ: هَلِ الْغَرَرُ يَخْتَصُّ بِعُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ أَوِ الْعُقُودِ الْمَالِيَّةِ؟
 تَأْثِيرُ الْغَرَرِ عَلَى الشُّرُوطِ
 سُبُلُ الْوِقَايَةِ مِنْ آثَارِ الْغَرَرِ
 الْفَرْقُ بَيْنَ الدِّرَاسَاتِ الْفِقْهِيَّةِ وَالدِّرَاسَاتِ الْقَانُونِيَّةِ فِي مَا يَتَعَلَّقُ الْغَرَرِ
 مَجَالَاتُ التَّأْلِيفِ فِي مَبْحَثِ الْغَرَرِ
 أسْئِلَةُ
 نَظَرِيَّةِ الدِّفَاعِ الشَّرْعِيِّ
 التَّعْرِيفُ لِنَظَرِيَّةِ الدِّفَاعِ الشَّرْعِيِّ
 الأَسَاسُ الشَّرْعِيُّ لِنَظَرِيَّةِ الدِّفَاعِ الشَّرْعِيِّ
 اتِّصَالُ نَظَرِيَّةِ الدِّفَاعِ الشَّرْعِيِّ بِبَعْضِ القَوَاعِدِ الفِقْهِيَّةِ
 وَهُنَاكَ أَرْكَانٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِهَذِهِ النَّظَرِيَّةِ مَبْنَاهَا عَلَى أَمْرَيْنِ
 تَقْسِيمَاتُ الِاعْتِدَاءِ
 شُرُوط اسْتِعْمَال الدِّفَاعِ الشَّرْعِيِّ
 تَرَدُّدُ القَانُونِيِّينَ فِي اسْتِقْلَالِيَّةِ نَظَرِيَّةِ الدِّفَاعِ الشَّرْعِيِّ
 مَجَالَاتُ التَّأْلِيفِ فِي نَظَرِيَّةِ الدَّفْعِ الشَّرْعِيِّ
 الفُرُوقَاتُ بَيْنَ الدِّرَاسَاتِ الفِقْهِيَّةِ وَالدِّرَاسَاتِ القَانُونِيَّةِ حَوْلَ نَظَرِيَّةِ الدِّفَاعِ الشَّرْعِيِّ
 أسْئِلَة
 نَظَرِيَّةُ الضَّمَانِ
 تَعْرِيفُ الضَّمَانِ
 أَنْوَاعُ الضَّمَانِ
 تَقْسِيمَاتُ الضَّمَان
 أَسْبَابُ الضَّمَان
 نِهَايَةُ الضَّمَان
 أَرْكَانُ الضَّمَان
 شُرُوطُ الضَّمَان
 مَوَانِعُ إِيجَابِ الضَّمَان
 المُقَارَنَةُ بَيْنَ أَحْكَامِ هَذِهِ النَّظَرِيَّةِ وَبَيْنَ شَيْءٍ مِنَ القَوَاعِدِ الفِقْهِيَّةِ
 الفَرْقُ بَيْنَ البَحْثِ الشَّرْعِيِّ الفِقْهِيِّ وَالبَحْثِ الحُقُوقِيِّ وَالقَانُونِيِّ
 المُؤَلَّفَاتُ فِي نَظَرِيَّةِ الضَّمَانِ
 نَظَرِيَّةُ الضَّرُورَةِ
شرح النظريات الفقهيـة - مقدمة

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

إِنَّ الحَمْدَ للهِ، نَحْمَدهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.

أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ العُقَلَاءَ هُمُ الَّذِينَ يَسْعَوْنَ إِلَى إِصْلَاحِ أَحْوَالِهِمُ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالأُخْرَوِيَّةِ، وَلَنْ تَسْتَقِيمَ حَالُ النَّاسِ إِلَّا إِذَا رَجَعُوا إِلَى شَرْعِ اللهِ؛ فَإِنَّ دِينَ اللهِ تَحْصُلُ بِهِ سَعَادَةُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَلِذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (7) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ(1).

وَلَا يُمْكِنُ أَنْ تَحْصُلَ هَذِهِ الفَوَائِدُ وَالنِّعَمُ إِلَّا بِالرُّجُوعِ إِلَى شَرْعِ اللهِ، وَلَنْ يَحْصُلَ رُجُوعٌ إِلَى شَرْعِ اللهِ إِلَّا بِعِلْمٍ صَحِيحٍ مُؤَصَّلٍ، مَأْخُوذٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالمُنْتَظَرُ فِي هَذَا هُوَ التَّعَلُّمُ، وَمِنْ هُنَا جَاءَتِ النُّصُوصُ الشَّرْعِيَّةُ بِتَرْغِيبِ أَهْلِ الإِيمَانِ لِأَنْ يَتَعَلَّمُوا أَحْكَامَ الشَّرِيعَةِ؛ يَقُولُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَصْنَعُ»(2).

وَكَمَا أَنَّ سَعَادَةَ الآخِرَةِ لَا تَحْصُلُ إِلَّا بِعِلْمٍ صَحِيحٍ، فَهَكَذَا سَعَادَةُ الدُّنْيَا لَا تَحْصُلُ إِلَّا بِالعِلْمِ الَّذِي يُعِيدُ النَّاسَ إِلَى شَرْعِ اللهِ وَدِينِهِ؛ كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً(3).

وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ عَمَلٌ صَالِحٌ إِلَّا بِعِلْمٍ صَحِيحٍ، وَمِنْ هُنَا رَفَعَ اللهُ شَأْنَ الفُقَهَاءِ الَّذِينَ يُعِيدُونَ النَّاسَ إِلَى الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِي جَمِيعِ مَجَالَاتِ الحَيَاةِ، وَأَمَرَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِأَنْ يُوجَدَ فِي الأُمَّةِ طَائِفَةٌ يُفَقِّهُونَ الخَلْقَ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ(4).

وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ»(5).

وَمِمَّا يَحْصُلُ بِهِ التَّفَقُّهُ: مِثْلُ هَذِهِ الدَّوْرَاتِ العِلْمِيَّةِ الَّتِي لَهَا أَصْلٌ فِي السُّنةِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثِ عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ قَالَ: أَتَيْنَا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ شَبَبَةٌ مُتَقَارِبُونَ، فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَحِيمًا رَقِيقًا، فَظَنَّ أَنَّا قَدِ اشْتَقْنَا إِلَى أَهْلِنَا، وَسَأَلَنَا عَمَّنْ تَرَكْنَا فِي أَهْلِنَا، فَأَخْبَرْنَاهُ، فَقَالَ: «ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ فَأَقِيمُوا فِيهِمْ، وَعَلِّمُوهُمْ، وَبِرُّوهُمْ، وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي، وَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، ثُمَّ لْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ»(6). كَمَا وَرَدَ فِي الحَدِيْثِ الصَّحِيْحِ.

وَمِنْ هُنَا فَنَحْنُ نَحْتَاجُ إِلَى التَّفَقُّهِ فِي أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ، وَمُنْطَلَقُ الفِقْهِ هُوَ تَطْبِيقُ أَحْكَامِ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى حَيَاةِ النَّاسِ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا سَنَتَدَارَسُهُ هَذِهِ الأَيَّامِ فِي مَبَاحِثِ مَا يُسَمَّى بِـ «النَّظَرِيَّاتِ الفِقْهِيَّةِ»، فَإِنَّ هَذَا فَنٌّ جَدِيدٌ طَرَأَ عَلَى النَّاسِ فِي أَزْمَانِنَا الحَاضِرَةِ، وَهُوَ مُحَاوَلَةٌ جَادَّةٌ مِنْ عُلَمَاءِ الأُمَّةِ مِنْ أَجْلِ إِبْرَازِ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ الغَرَّاءِ، وَمُقَارَنَةِ مَا وَرَدَ إِلَى النَّاسِ مِنْ نَظَرِيَّاتٍ حُقُوقِيَّةٍ بِأَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ؛ لِيَظْهَرَ التَّمَيُّزُ فِي أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ، وَلِيَعْرِفَ أُولَئِكَ المَفْتُونُونَ - بِمَا يَرِدُ إِلَيْنَا مِنْ غَرْبٍ وَشَرْقٍ - أَنَّ عِنْدَنَا مَا يُغْنِي بَلْ مَا يَتَفَوَّقُ عَلَى مَا يَرِدُ إِلَيْنَا.


(1) سورة البينة: 7، 8.
(2) أخرجه مسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار- باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر (2699)، أخرجه أبو داود في كتاب العلم- باب الحث على طلب العلم (3641)، والترمذي في كتاب العلم- باب ما جاء في فضل الفقه على العبادة (2685)، وقال: «حديث حسن صحيح»، وابن ماجه في كتاب المقدمة- باب فضل العلماء والحث على طلب العلم (223).
(3) سورة النحل: 97.
(4) سورة التوبة: 122.
(5) أخرجه البخاري في كتاب العلم- باب من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين (71)، ومسلم في كتاب الزكاة- باب النهي عن المسألة (1037).
(6) أخرجه البخاري في كتاب الأذان- باب الأذان للمسافر إذا كانوا جماعة (631)، ومسلم في كتاب المساجد- باب من أحق بالإمامة (674)، من حديث مالك بن الحويرث رضي الله عنه.