موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - الأَصْلُ الأَوَّلُ - شرح الأصول الستة
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح الأصول الستة لفضيلة الدكتور عبدالله بن عبدالرحمن الشثري
  
 
شرح الأصول الستة - الأَصْلُ الأَوَّلُ

الأَصْلُ الأَوَّلُ

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ الأَمِينِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، الَّلهُمَّ لَا سَهْلَ إِلَّا مَا جَعَلْتَهُ سَهْلًا وَأَنْتَ الَّذِي تَجْعَلُ الصَّعْبَ سَهْلًا، الَّلهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ القَوْلِ وَفِتْنَةِ العَمَلِ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنَ الإِعْجَابِ بِالقَوْلِ وَالعَمَلِ.

نَبْدَأُ القِرَاءَةَ فِي الأُصُولِ السِّتَّةِ لِلشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ.

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

قَالَ المُؤَلِّفُ شَيْخُ الإِسْلَامِ:

مِنْ أَعْجَبِ العُجَابِ وَأَكْبَرِ الآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى قُدْرَةِ المَلِكِ الغَلَّابِ؛ سِتَّةُ أُصُولٍ بَيَّنَهَا اللهُ تَعَالَى بَيَانًا وَاضِحًا لِلْعَوَامِّ فَوْقَ مَا يَظُنُّ الظَّانُّونَ، ثُمَّ بَعْدَ هَذَا غَلَطَ فِيهَا كَثِيرٌ مِنْ أَذْكِيَاءِ العَالَمِ وَعُقَلَاءِ بَنِي آدَمَ إِلَّا أَقَلَّ القَلِيلِ.

الأَصْلُ الأَوَّلُ

إِخْلَاصُ الدِّينِ للهِ تَعَالَى وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَبَيَانُ ضِدِّهِ الَّذِي هُوَ الشِّرْكُ بِاللهِ، وَكَوْنُ أَكْثَرِ القُرْآنِ فِي بَيَانِ هَذَا الأَصْلِ مِنْ وُجُوهٍ شَتَّى بِكَلَامٍ يَفْهَمُهُ أَبْلَدُ العَامَّةِ، ثُمَّ لَمَّا صَارَ عَلَى أَكْثَرِ الأُمَّةِ مَا صَارَ أَظْهَرَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ الإِخْلَاصَ فِي صُورَةِ تَنَقُّصِ الصَّالِحِينَ وَالتَّقْصِيرِ فِي حُقُوقِهِمْ، وَأَظْهَرَ لَهُمُ الشِّرْكَ بِاللهِ فِي صُورَةِ مَحَبَّةِ الصَّالِحِينَ وَأَتْبَاعِهِمْ.


هَذِهِ هِيَ الأُصُولُ السِّتَّةُ العَظِيمَةُ الَّتِي أَلَّفَهَا الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى، وَالشَّيْخُ -كَمَا تَعْلَمُونَ- هُوَ الشَّيْخُ الإِمَامُ، عَلَمُ الأَعْلَامِ، مُظْهِرُ السُّنَّةِ، وَأَعَزَّ اللهُ بِهِ الدِّينَ، وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ بْنِ سُلَيْمَانَ التَّمِيمِيُّ، وُلِدَ سَنَةَ أَلْفٍ وَمِائَةٍ وَخَمْسَةَ عَشَرَةَ لِلْهِجْرَةِ، وَتَرَبَّى فِي بَيْتِ عِلْمٍ، فِي بَيْتِ أَبِيهِ، وَرَزَقَهُ اللهُ تَعَالَى قُوَّةً وَحَافِظَةً لِلْعُلُومِ وَالمُتُونِ، وَحَفِظَ القُرْآنَ وَهُوَ صَغِيرٌ، وَرَحَلَ فِي طَلَبِ العِلْمِ، وَكَانَتْ حَيَاتُهُ حَافِلَةً بِالطَّلَبِ وَالجِدِّ وَالِاجْتِهَادِ وَالعِبَادَةِ وَالعِلْمِ وَالزُّهْدِ وَالوَرَعِ وَالدَّعْوَةِ إِلَى التَّوْحِيدِ الخَالِصِ للهِ تَعَالَى؛ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ تَعَالَى سَنَةَ أَلْفٍ وَمِائَتَيْنِ وَسِتَّةٍ مِنَ الهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ.

وَهَذَا الإِمَامُ العَلَمُ هُوَ الَّذِي جَدَّدَ الدِّينَ وَأَظْهَرَ السُّنَّةَ وَقَمَعَ البِدْعَةَ، وَدَعَا النَّاسَ إِلَى تَوْحِيدِ اللهِ تَعَالَى الخَالِصِ للهِ تَعَالَى، مَعَ مَا وَاجَهَ فِي ذَلِكَ مِنَ المُضَايَقَاتِ الشَّدِيدَةِ فِي دَعْوَتِهِ لَكِنَّ اللهَ تَعَالَى ثَبَّتَهُ وَمَكَّنَهُ حَتَّى ظَهَرَتْ دَعْوَتُهُ، وَهُوَ لَمْ يَأْتِ بِالجَدِيدِ، وَلِهَذَا لَمْ تَصِحَّ النِّسْبَةُ إِلَى أَنْ يُقَالَ «الدَّعْوَةُ الوَهَّابِيَّةُ» فَكَوْنُهَا تُنْسَبُ إِلَيْهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِالجَدِيدِ وَإِنَّمَا دَعَا النَّاسَ إِلَى الأَصْلِ العَظِيمِ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ.

فَلَا تَصِحُّ النِّسْبَةُ حِينَئِذٍ لِوَجْهَيْنِ: لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِجَدِيدٍ وَإِنَّمَا دَعَا النَّاسَ إِلَى أَصْلٍ عَظِيمٍ أَمَرَهُ اللهُ تَعَالَى بِهِ، ثُمَّ إِنَّ النِّسْبَةَ صَارَتْ إِلَى أَبِيهِ، وَهَذَا لَا يَصِحُّ لَا مَنْهَجًا وَلَا لُغَةً، فَقِيلَ: «الدَّعْوَةُ الوَهَّابِيَّةُ»، وَاسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ، فَإِذَنْ هَذِهِ النِّسْبَةُ لَا تَصِحُّ، بَلْ هِيَ بَاطِلَةٌ، وَضَعَهَا أَعْدَاءُ الإِسْلَامِ لِلطَّعْنِ فِي هَذِهِ الدَّعْوَةِ، ﴿وَيَأْبَى اللهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ(1) وَكَانَ مِنْ آثَارِ دَعْوَتِهِ أَيْضًا قِيَامُ هَذِهِ الدَّوْلَةِ المُبَارَكَةِ «المَمْلَكَةِ العَرَبِيَّةِ السُّعُودِيَّةِ» مُنْذُ عَهْدِهَا الأَوَّلِ حِينَمَا اتَّفَقَ الإِمَامَانِ -الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ وَالإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ سُعُودٍ- عَلَى نُصْرَةِ الدِّينِ وَدَعْوَةِ النَّاسِ إِلَى التَّوْحِيدِ الخَالِصِ، فَكَانَ قِيَامُ هَذِهِ الدَّوْلَةِ سَبَبًا مِنْ هَذِهِ الأَسْبَابِ الَّتِي بُنِيَتْ عَلَى نِيَّةٍ خَالِصَةٍ للهِ تَعَالَى.

وَالشَّيْخُ رَحِمَهُ اللهُ فِي مُؤَلَّفَاتِهِ -وَهَا نَحْنُ أَمَامَ جُزْءٍ مِنْهَا- لَهُ مَنْهَجٌ خَاصٌّ فِي التَّأْلِيفِ، فَمِنْ مَنْهَجِهِ أَنَّهُ يَظْهَرُ عَلَيْهِ النِّيَّةُ الخَالِصَةُ الصَّادِقَةُ للهِ تَعَالَى، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ حِينَمَا يُؤَلِّفُ مُؤَلَّفًا أَوْ يَدْعُو فَيَقُولُ: «اعْلَمْ رَحِمَكَ اللهُ»، «اعْلَمْ وَفَّقَكَ اللهُ»، فَهُوَ يُرِيدُ النَّفْعَ وَدِلَالَةَ النَّاسِ إِلَى الخَيْرِ وَإِلَى الهُدَى وَإِلَى سُنَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، وَهَذَا عَلَامَةٌ مِنْ عَلَامَاتِ صِدْقِ النِّيَّةِ وَخُلُوصِهَا، وَمِنْ مَنْهَجِهِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ دَعَا إِلَى العَمَلِ بِكِتَابِ اللهِ تَعَالَى وَسُنَّةِ رَسُولهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ عَلَى وِفْقِ مَنْهَجِ السَّلَفِ الصَّالِحِ، فَلَمْ يَأْتِ بِجَدِيدٍ كَمَا تَقَدَّمَ، وَإِنَّمَا دَعَا النَّاسَ إِلَى الأَصْلِ العَظِيمِ، وَمِنْ مَنْهَجِهِ أَنَّهُ كَانَ يَعْتَنِي وَيَهْتَمُّ بِأُصُولِ الدِّينِ وَالمَسَائِلِ الكُبْرَى، وَتَقْرِيرِ التَّوْحِيدِ الخَالِصِ للهِ تَعَالَى، وَإِبْطَالِ الشِّرْكِ وَمُحَارَبَتِهِ مِنْ كُلِّ الوُجُوهِ، وَمِنْ مَنْهَجِهِ أَيْضًا تَعْظِيمُ سُنَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، وَتَعْظِيمُ الصَّحَابَةِ، وَتَعْظِيمُ أَقْوَالِهِمْ، وَالتَّابِعِينَ كَذَلِكَ، وَالسَّيْرُ عَلَى طَرِيقَتِهِمْ، هَذَا مَنْهَجٌ وَاضِحٌ بَيِّنٌ فِي دَعْوَتِهِ وَفِي تَعْلِيمِهِ وَفِي تَأْلِيفِهِ لِلْمُؤَلَّفَاتِ.

وَهَذِهِ الرِّسَالَةُ -الَّتِي هِيَ الأُصُولُ السِّتَّةُ- هِيَ الرِّسَالَةُ السَّادِسَةَ عَشَرَ مِنْ رَسَائِلِهِ العَظِيمَةِ الَّتِي أَلَّفَهَا وَكَتَبَهَا، وَهِيَ ضِمْنُ المَجْمُوعَةِ الَّتِي لِلشَّيْخِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى، وَسَمَّى هَذِهِ الأُصُولَ بِالأُصُولِ السِّتَّةِ؛ لِأَنَّ الأُصُولَ هِيَ جَمْعُ أَصْلٍ، وَالأَصْلُ هُوَ مَا يُبْنَى عَلَيْهِ غَيْرُهُ وَيُؤَسَّسُ، وَلِهَذَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ(2) فَالتَّوْحِيدُ هُوَ الأَصْلُ، وَهُوَ الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ، وَغَيْرُهُ مِنَ العِبَادَاتِ يُبْنَى عَلَى هَذَا الأَصْلِ العَظِيمِ، فَإِذَا صَلُحَ التَّوْحِيدُ وَاسْتَقَامَ اسْتَقَامَتِ العِبَادَاتُ، وَإِذَا اخْتَلَّ التَّوْحِيدُ اخْتَلَّتِ العِبَادَاتُ.

وَسَمَّاهَا المُؤَلِّفُ هُنَا بِالأُصُولِ السِّتَّةِ، وَهَذَا العَدَدُ لَا يُقْصَدُ بِهِ الحَصْرُ، وَإِنَّمَا هُوَ أُسْلُوبٌ مِنْ أَسَالِيبِ التَّعْلِيمِ، تَعْلِيمِ الطُّلَّابِ بِالأَعْدَادِ فِي العِلْمِ حَتَّى يَضْبِطُوهَا وَيَحْفَظُوهَا فَإِذَا مَا تَلَوْهَا وَتَذَكَّرُوهَا عَرِفُوهَا بِالأَعْدَادِ، فَإِذَا عَدَّ أَرْبَعَةً أَوْ خَمْسَةً قَالَ: بَقِيَ وَاحِدٌ وَهُوَ السَّادِسُ. فَتَذَكَّرَ، وَهَذَا مَنْهَجٌ نَبَوِيٌّ أَيْضًا سَلَكَهُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حِينَمَا كَانَ يُعَلِّمُ أَصْحَابَهُ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «ثَلَاثٌ لَا يُغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُسْلِمٍ»(3)، وَقَالَ: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ»(4) وَغَيْرُهَا مِنَ الأَعْدَادِ، إِنَّمَا يُرِيدُ أَنْ يُبَيِّنَ لَهُمْ أَهَمَّ هَذِهِ الأُمُورِ، وَإِلَّا لَا يَقْصِدُ بِهَذَا العَدَدِ الحَصْرَ وَلَا الِاسْتِقْصَاءَ، وَإِنَّمَا هُوَ أُسْلُوبٌ مِنْ أَسَالِيبِ العِلْمِ، أَوْ مِنْ أَسَالِيبِ تَقْرِيبِ العِلْمِ لِلْمُسْتَمِعِ وَلِلطُّلَّابِ.

بَدَأَ المُؤَلِّفُ بِالبَسْمَلَةِ «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» اقْتِدَاءً بِالكِتَابِ العَزِيزِ، فَإِنَّ القُرْآنَ الكريمَ أَوَّلُ آيَةٍ فِيهِ هِيَ البَسْمَلَةُ ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(5)، وَاتِّبَاعًا لِهَدْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، فَهُوَ الَّذِي كَانَ يَكْتُبُ «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» فِي مُكَاتَبَاتِهِ وَرَسَائِلِهِ، كَانَ يَكْتُبُهَا، وَقَدْ جَاءَ فِي الحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُمْ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَحَسَّنَ إِسْنَادَهُ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ: «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِحَمْدِ اللهِ فَهُوَ أَقْطَعُ»(6)، وَهَذَا فِيهِ اتِّبَاعٌ لِلسُّنَّةِ، فَالَّذِي يَبْتَدِئُ كَلَامَهُ وَحَدِيثَهُ بِغَيْرِ البَسْمَلَةِ فَقَدْ خَالَفَ السُّنَّةَ، وَالَّذِي يَبْتَدِئُ بِالبَسْمَلَةِ فَقَدْ وَافَقَ السُّنَّةَ، وَيُرْوَى أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ يَكْتُبُ: «بِسْمِكَ الَّلهُمَّ»، ثُمَّ لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿بِسْمِ اللهِ مَجْرَاهَا(7) كَتَبَ «بِسْمِ اللهِ»، ثُمَّ لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلِ ادْعُواْ اللهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ(8) كَتَبَ «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ»، ثُمَّ لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ(9) كَتَبَ «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»، وَهَذِهِ البَسْمَلَةُ هِيَ مِنْ مَحَاسِنِ شَرِيعَةِ الإِسْلَامِ، دُعِيَ المُسْلِمُ إِلَى أَنْ يَبْتَدِئَ عَمَلَهُ بِهَذِهِ البَسْمَلَةِ لِيَنَالَ البَرَكَةَ وَالخَيْرَ مِنْ هَذَا الِاسْمِ العَظِيمِ، فَإِذَا تَوَضَّأَ يَقُولُ «بِسْمِ اللهِ»، وَإِذَا قَرَأَ يَقُولُ «بِسْمِ اللهِ»، وَإِذَا أَلَّفَ «بِسْمِ اللهِ»، وَإِذَا أَكَلَ يَقُولُ «بِسْمِ اللهِ»، وَإِذَا نَامَ يَقُولُ «بِسْمِ اللهِ»، فَالمُسْلِمُ هُوَ يُلَازِمُ هَذِهِ البَسْمَلَةَ فِي حَيَاتِهِ كُلِّهَا عِنْدَ ابْتِدَاءِ الأُمُورِ، وَالبَاءُ فِي قَوْلِهِ: «بِسْمِ اللهِ» مُتَعَلِّقَةٌ بِجَارٍّ وَمَجْرُورٍ مَحْذُوفٍ، وَقَدَّرُوهُ بِفِعْلٍ مُنَاسِبٍ، وَلِهَذَا قُدِّرَ بِفِعْلٍ لِأَنَّ الأَصْلَ فِي الأَفْعَالِ العَمَلُ، لِأَنَّ الأَصْلَ فِي الأَفْعَالِ أَنَّهَا تَعْمَلُ، وَلِهَذَا قُدِّرَ بِالفِعْلِ، وَهَذَا هُوَ المُخْتَارُ، وَإِلَّا قِيلَ: إِنَّهَا مُقَدَّرَةٌ بِاسْمٍ.

وَأُخِّرَ هَذَا التَّقْدِيرُ، يَعْنِي هِيَ مُؤَخَّرَةٌ بِفِعْلٍ مُؤَخَّرٍ مُنَاسِبٍ، أَمَّا كَوْنُهَا مُقَدَّرَةً بِفِعْلٍ، فَلِأَنَّ الأَصْلَ فِي الأَفْعَالِ العَمَلُ، وَأَمَّا كَوْنُ التَّقْدِيرِ مُتَأَخِّرًا لِيُفِيدَ الحَصْرَ وَالقَصْرَ وَالِاخْتِصَاصَ، وَأَمَّا كَوْنُهُ مُنَاسِبًا فَإِنَّ الإِنْسَانَ يَأْتِي بِاللَّفْظِ المُنَاسِبِ لِمَا بَعْدَ هَذِهِ البَسْمَلَةِ، وَهُوَ أَدَلُّ عَلَى ذَلِكَ.

فَلَا يَقُولُ: «بِسْمِ اللهِ أَبْتَدِئُ». أَوْ: «أَبْتَدِئُ بِسْمِ اللهِ»، فَلَا بُدَّ أَنْ يُبَيِّنَ إِنْ كَانَتْ قِرَاءَةً، وَإِنْ كَانَ نَوْمًا، وَإِنْ كَانَ أَكْلًا، وَإِنْ كَانَ تَأْلِيفًا، وَإِنْ كَانَ قِرَاءَةً، وَفِي هَذَا المَوْضِعِ نَقُولُ: «بِسْمِ اللهِ أَبْتَدِئُ». أَوْ: «أَبْتَدِئُ بِسْمِ اللهِ». وَفِي هَذَا جَاءَ فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ الفِعْلُ وَالِاسْمُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ ارْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ اللهِ مَجْرَاهَا(10) قَالَ: ﴿بِسْمِ اللهِ مَجْرَاهَا﴾ أُخِّرَ، وَفِي أَوَّلِ سُورَةِ العَلَقِ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ(11) قَالَ العُلَمَاءُ: إِنَّ التَّقْدِيمَ هُنَا وَالتَّأْخِيرَ هُوَ مِمَّا يَقْتَضِيهِ الحَالُ وَإِنْ كَانَ يُخَالِفُ القَاعِدَةَ النَّحْوِيَّةَ. أَوْ يَكُونُ جُمِعَ بَيْنَ الأَمْرَيْنِ، بَيْنَ التَّقْدِيرِ الِاسْمِيِّ وَالتَّقْدِيرِ الفِعْلِيِّ، وَحُذِفَتِ الأَلِفُ الَّتِي بَيْنَ البَاءِ وَالسِّينِ، قَالُوا: لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ. فَشُبِّكَتِ البَاءُ مَعَ السِّينِ مُبَاشَرَةً لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ، وَالِاسْمُ قِيلَ: مُشْتَقٌّ مِنَ السُّمُوِّ. وَهُوَ العُلُوُّ وَالرِّفْعَةُ، وَقِيلَ: مُشْتَقٌّ مِنَ السِّمَةِ. وَهِيَ العَلَامَةُ، وَلَفْظُ الجَلَالَةِ هُوَ عَلَمٌ عَلَى الرَّبِّ جَلَّ جَلَالُهُ، اسْمٌ مُخْتَصٌّ بِاللهِ جَلَّ وَعَلَا، لَا يُسَمَّى بِهِ غَيْرُهُ، وَلَا يَشْتَرِكُ مَعَهُ غَيْرُهُ، وَهُوَ الِاسْمُ العَظِيمُ الجَامِعُ لِأَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى كُلِّهَا، وَكُلُّ أَسْمَاءِ اللهِ جَلَّ وَعَلَا تَابِعَةٌ لِهَذَا الِاسْمِ العَظِيمِ.

وَقِيلَ: إِنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ التَّأَلُّهِ. وَهُوَ التَّعَبُّدُ، فَكُلُّ الخَلَائِقِ تَتَأَلَّهُ إِلَى هَذَا الرَّبِّ جَلَّ جَلَالُهُ، وَالعِبَادُ يَتَأَلَّهُونَ إِلَيْهِ وَيَتَّجِهُونَ إِلَيْهِ فِي عِبَادَتِهِمْ وَفِي كُلِّ شُئُونِهِمْ وَأَحْوَالِهِمْ، وَهَذَا الِاسْمُ العَظِيمُ هُوَ الَّذِي جَمَعَ الصِّفَاتِ اللَّفْظِيَّةَ وَالمَعْنَوِيَّةَ، وَالصِّفَاتُ اللَّفْظِيَّةُ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى، وَالصِّفَاتُ المَعْنَوِيَّةُ يَكْفِي فِيهَا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ»(12) فَلَا يُذْكَرُ هَذَا الِاسْمُ العَظِيمُ «اللهُ» فِي خَوْفٍ إِلَّا أَمَّنَهُ، وَلَا فِي فَقْرٍ إِلَّا أَغْنَاهُ، وَلَا فِي ذِلَّةٍ إِلَّا أَعَزَّهَا، وَلَا فِي ضِيقٍ إِلَّا وَسَّعَهُ، وَلَا فِي حَرَجٍ إِلَّا رَفَعَهُ، فَهُوَ اسْمٌ مُبَارَكٌ عَظِيمٌ، قَدْ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ: إِنَّهُ اسْمُ اللهِ الأَعْظَمُ.

«الرَّحْمَنُ» أَيْ: ذُو الرَّحْمَةِ، وَهِيَ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ اللهِ جَلَّ وَعَلَا قَائِمَةٌ بِهِ، وَ«الرَّحْمَنُ» أَيْضًا اسْمٌ مُخْتَصٌّ بِاللهِ جَلَّ وَعَلَا لَا يُسَمَّى بِهِ غَيْرُهُ، وَلَا يُشَارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ، فَهُوَ ذُو الرَّحْمَةِ الوَاسِعَةِ، وَ«الرَّحِيمُ» هُوَ ذُو الرَّحْمَةِ الوَاصِلَةِ، «الرَّحْمَنُ» هُوَ ذُو الرَّحْمَةِ الوَاسِعَةِ، وَ«الرَّحِيمُ» هُوَ ذُو الرَّحْمَةِ الوَاصِلَةِ، أَيِ الوَاصِلَةُ إِلَى خَلْقِهِ، وَ«الرَّحِيمُ» يَشْتَرِكُ مَعَهُ غَيْرُهُ، فَهُوَ صِفَةٌ للهِ جَلَّ وَعَلَا تَلِيقُ بِهِ، وَصِفَةٌ لِلْمَخْلُوقِ.

وَلِهَذَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا(13)، ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ(14) فَهَذَا الوَصْفُ الأَخِيرُ وَهُوَ «الرَّحِيمُ» يَشْتَرِكُ فِيهِ الخَلْقُ أَيْضًا، وَقُدِّمَ هُنَا «الرَّحْمَنُ»: «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»، وَلَمْ يَقُلْ: «الرَّحِيمِ الرَّحْمَنِ». قَالُوا: إِنَّ الزِّيَادَةَ فِي المَبْنَى تَدُلُّ عَلَى الزِّيَادَةِ فِي المَعْنَى، فَحُرُوفُ «الرَّحْمَنِ» أَكْثَرُ مِنْ حُرُوفِ «الرَّحِيمِ»، وَقُدِّمَ أَيْضًا لِأَنَّهُ اسْمٌ مُخْتَصٌّ بِاللهِ جَلَّ وَعَلَا، فَنَاسَبَ أَنْ يُذْكَرَ بَعْدَ لَفْظِ الجَلَالَةِ، نَاسَبَ أَنْ يُذْكَرَ بَعْدَ لَفْظِ الجَلَالَةِ الِاسْمُ المُخْتَصُّ بِاللهِ، وَكَذَلِكَ «الرَّحْمَنُ» المُخْتَصُّ بِاللهِ جَلَّ وَعَلَا، أَمَّا «الرَّحِيمُ» فَلَيْسَ مُخْتَصًّا بِاللهِ، فَهُوَ صِفَةٌ للهِ جَلَّ وَعَلَا وَيَتَّصِفُ بِهَا غَيْرُهُ، فَنَاسَبَ أَنْ يُقَدَّمَ «الرَّحْمَنُ» وَيُؤَخَّرَ «الرَّحِيمُ».

قَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللهُ: «مِنْ أَعْجَبِ العُجَابِ» العَجَبُ وَالعُجَابُ هُنَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَهُوَ تَجَاوُزُ حَدِّ العَجَبِ، وَمَا هُوَ العَجَبُ؟ العَجَبُ هُوَ الأَمْرُ المُتَعَجَّبُ مِنْهُ، وَلِهَذَا لَمَّا قَدَّرَ اللهُ جَلَّ وَعَلَا وَقَضَى أَنْ تَلِدَ امْرَأَةُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ تَعَجَّبَتْ مِنْ وِلَادَتِهَا وَهِيَ قَدْ طَعَنَتْ فِي السِّنِّ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَاءِ إِسْحَقَ يَعْقُوبَ (71) قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (72) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ(15) رَدَّ المَلَائِكَةُ عَلَيْهَا لِأَنَّ الأَمْرَ قَدْ قَدَّرَهُ اللهُ تَعَالَى وَقَضَاهُ ﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ هَذَا أَمْرُ اللهِ قَدَّرَهُ وَقَضَاهُ، وَالعَجَبُ أَوِ التَّعَجُّبُ قَدْ يَكُونُ فِي أَمْرٍ مُنْكَرٍ وَقَدْ يَكُونُ فِي أَمْرٍ مُسْتَحْسَنٍ، قَدْ يَكُونُ فِي أَمْرٍ مُنْكَرٍ وَقَدْ يَكُونُ فِي أَمْرٍ مُسْتَحْسَنٍ، وَهُنَا الشَّيْخُ يُنْكِرُ هَذَا الأَمْرَ، قَالَ: «مِنْ أَعْجَبِ العُجَابِ» هَذَا لَيْسَ اسْتِحْسَانًا وَإِنَّمَا اسْتِنْكَارٌ، وَلِهَذَا قَالَ: قَالَ اللهُ تَعَالَى عَنْ كُفَّارِ قُرَيْشٍ حِينَمَا دَعَاهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ إِلَى عِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ وَإِخْلَاصِ الدِّينِ لَهُ؛ قَالُوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ(16) فَالعُجَابُ هُنَا لِلْإِنْكَارِ، فَهُمْ أَنْكَرُوا هَذَا الأَمْرَ، أَنْ تَكُونَ الآلِهَةُ إِلَهًا وَاحِدًا.

وَمِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا(17) وَأَمَّا الأَمْرُ المُسْتَحْسَنُ فَهَذَا يَقَعُ كَثِيرًا، وَهُوَ كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ؛ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ»(18) «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ» فَالشَّيْءُ العَجِيبُ هُوَ الأَمْرُ المُسْتَغْرَبُ، وَهَذَا الأَمْرُ المُسْتَغْرَبُ قَدْ يَكُونُ عَلَى غَيْرِ العَادَةِ، قَالَ الشَّيْخُ: «وَأَكْبَرِ الآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى قُدْرَةِ المَلِكِ الغَلَّابِ سِتَّةُ أُصُولٍ» فَكَأَنَّ الشَّيْخَ رَحِمَهُ اللهُ جَمَعَ فِي هَذِهِ الأُصُولِ السِّتَّةِ مَا يَدُلُّ عَلَى قُدْرَةِ اللهِ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذَا الكَوْنِ العَظِيمِ وَاسْتِحْقَاقِهِ لِلْعِبَادَةِ مِنْ خَلْقِهِ، وَأَنَّ كُلَّ مَعْبُودٍ سِوَاهُ فَهُوَ بَاطِلٌ، قَالَ: «وَأَكْبَرِ الآيَاتِ الدَّالَّةِ» وَالآيَاتُ هُنَا جَمْعٌ آيَةٍ، وَالآيَةُ لَهَا عِدَّةُ مَعَانٍ فِي اللُّغَةِ، تَأْتِي بِمَعْنَى العَجَبِ، كَأَنْ تَقُولَ: فُلَانٌ آيَةٌ فِي العِلْمِ. تَتَعَجَّبُ، وَقَدْ تَأْتِي بِمَعْنَى العَلَامَةِ، ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ(19) أَيْ عَلَامَةُ مُلْكِهِ، وَقَدْ تَأْتِي بِمَعْنَى البُرْهَانِ: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ(20) وَقَدْ تَأْتِي بِمَعَانٍ أُخَرَ، وَلَكِنْ هَذِهِ أَظْهَرُهَا.

وَالآيَاتُ عَلَى نَوْعَيْنِ: آيَاتٌ كَوْنِيَّةٌ، وَآيَاتٌ شَرْعِيَّةٌ، وَهَذِهِ هِيَ الَّتِي قَصَدَهَا الشَّيْخُ، قَصَدَ الشَّيْخُ أَنَّ الآيَاتِ عَلَى نَوْعَيْنِ: آيَاتٌ كَوْنِيَّةٌ، وَآيَاتٌ شَرْعِيَّةٌ.

فَالآيَاتُ الكَوْنِيَّةُ مَا يَرَاهُ الإِنْسَانُ فِي هَذَا الكَوْنِ العَظِيمِ، مِنْ لَيْلٍ وَنَهَارٍ وَشَمْسٍ وَقَمَرٍ وَأَفْلَاكٍ وَتَعَاقُبٍ، هَذَا كُلُّهُ آيَاتٌ كَوْنِيَّةٌ، تَدُلُّ دِلَالَةً عَظِيمَةً عَلَى اسْتِحْقَاقِ اللهِ جَلَّ وَعَلَا لِلْعِبَادَةِ، وَالآيَاتُ الكَوْنِيَّةُ مِنْهَا مَا هُوَ ثَابِتٌ، وَمِنْهَا مَا هُوَ مُتَنَقِّلٌ أَوْ مُتَغَيِّرٌ، فَالسَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ ثَابِتَةٌ، آيَةُ مَخْلُوقَةٌ ثَابِتَةٌ، فَالإِنْسَانُ يَرَى السَّمَاءَ فِي النَّهَارِ وَاللَّيْلِ، وَيَرَى الأَرْضَ فِي اللَّيْلِ وَفِي النَّهَارِ، ثَابِتَةٌ، وَهُنَاكَ آيَاتٌ مُتَعَاقِبَةٌ أَوْ مُتَنَقِّلَةٌ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، وَهِيَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، الإِنْسَانُ يَرَى النَّهَارَ مُنْذُ طُلُوعِ الفَجْرِ إِلَى مَغِيبِ الشَّمْسِ، هَذَا وَقْتُ النَّهَارِ، وَمِنْ مَغِيبِ الشَّمْسِ إِلَى طُلُوعِ الفَجْرِ، هَذَا هُوَ اللَّيْلُ، ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ(21) فَهَذِهِ الآيَاتُ العَظِيمَةُ دَالَّةٌ عَلَى اسْتِحْقَاقِ اللهِ جَلَّ وَعَلَا لِلْعُبُودِيَّةِ.

وَآيَاتٌ شَرْعِيَّةٌ؛ وَهِيَ هَذَا الوَحْيُ الَّذِي بَيْنَ أَيْدِينَا، وَهُوَ القُرْآنُ العَظِيمُ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللهُ تَعَالَى عَلَى قَلْبِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ(22) ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَِ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ(23) هَذَا هُوَ القُرْآنُ العَظِيمُ، آيَةٌ شَرْعِيَّةٌ أَمَرَنَا اللهُ تَعَالَى بِتَعَبُّدِنَا بِتِلَاوَتِهِ، وَأَمَرَنَا بِاتِّبَاعِهِ وَتَطْبِيقِهِ وَالعَمَلِ بِهِ، فَكُلُّ هَذِهِ الآيَاتِ دَالَّةٌ عَلَى قُدْرَةِ اللهِ المَلِكِ الغَلَّابِ، وَالمَلِكُ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ اللهِ تَعَالَى، وَاسْمٌ مِنْ أَسْمَائِهِ، وَالغَلَّابُ الَّذِي لَا يُغْلَبُ، كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي(24) وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ(25) فَهُوَ الغَلَّابُ الَّذِي يَغْلِبُ كُلَّ شَيْءٍ، وَالَّذِي يَقْهَرُ كُلَّ شَيْءٍ، وَالَّذِي لَا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ.

قَالَ هُنَا: «سِتَّةُ أُصُولٍ» وَقَدْ تَقَدَّمَ الكَلَامُ عَلَى السِّتَّةِ، «بَيَّنَهَا اللهُ تَعَالَى بَيَانًا وَاضِحًا لِلْعَوَامِّ فَوْقَ مَا يَظُنُّ الظَّانُّونَ»، بِمَعْنَى أَنَّ هَذَا البَيَانَ الَّذِي بَيَّنَهُ اللهُ تَعَالَى فِي بَيَانِ قُدْرَتِهِ وَاسْتِحْقَاقِهِ لِلْعِبَادَةِ جَلَّ وَعَلَا لَا يَحْتَاجُ إِلَى عِلْمٍ زَائِدٍ وَلَا إِلَى رُسُوخٍ فِي العِلْمِ، وَلَا إِلَى تَمَكُّنٍ فِي العِلْمِ وَلَا إِلَى شَهَادَاتٍ، وَاضِحٌ وَبَيِّنٌ فِي هَذَا الكَوْنِ المَفْتُوحِ وَفِي هَذِهِ الآيَاتِ المَقْرُوءَةِ، وَهُوَ القُرْآنُ العَظِيمُ، وَلِهَذَا هَذَا هُوَ مَنْهَجُ القُرْآنِ الكَرِيمِ حِينَمَا يُرِيدُ اللهُ جَلَّ وَعَلَا أَنْ يُثْبِتَ اسْتِحْقَاقَهُ لِلْعُبُودِيَّةِ وَالأُلُوهِيَّةِ لَهُ جَلَّ وَعَلَا، فَهُوَ لَا يَأْتِي مُبَاشَرَةً إِلَّا بِالدَّلَائِلِ وَالقَرَائِنِ العَقْلِيَّةِ الَّتِي تَجْعَلُ الإِنْسَانَ يَقْتَنِعُ، فِي مِثْلِ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الأَنْعَامِ: ﴿إِنَّ اللهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ(26) بَعْدَهَا عَدَّدَ: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ(27) ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ عَدَّدَ: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ(28)، ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ(29)، عَدَّدَ الآيَاتِ العَظِيمَةَ ثُمَّ أَبْطَلَ الآلِهَةَ، بَعْدَهَا قَالَ: ﴿وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ(30) ثُمَّ قَالَ بَعْدَهَا -وَخَتَمَهَا: ﴿ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ(31) مَا دَامَ أَنَّكُمْ عَلِمْتُمْ هَذِهِ الأَدِلَّةَ العَظِيمَةَ وَأَبْطَلْنَا هَذِهِ المَزَاعِمَ الَّتِي تَدَّعِي العِبَادَةَ؛ فَاللهُ جَلَّ وَعَلَا هُوَ المُسْتَحِقُّ لِلْعِبَادَةِ، فَأَغْلَبُ مَا تَأْتِي الآيَاتُ فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ يَأْتِي بَعْدَهَا التَّعْقِيبُ بِاسْتِحْقَاقِ اللهِ تَعَالَى لِلْعِبَادَةِ؛ فَهَذَا مَنْهَجٌ قُرْآنِيٌّ يَجِبُ أَنْ يَسْلُكَهُ المُسْلِمُ فِي إِقَامَةِ الحُجَّةِ دَائِمًا، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى أَيْضًا فِي مِثْلِ ذَلِكَ فِي سُورَةِ الرُّومِ: ﴿فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (17) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (18) يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (19) وَمِنْ آيَاتِهِ(32)، ثُمَّ قَالَ بَعْدَهَا: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(33) خَتَمَهَا بِهَذَا، قَرَّرَ وَأَقَامَ الحُجَّةَ وَالبُرْهَانَ، ثُمَّ بَيَّنَ الِاسْتِحْقَاقَ الوَاجِبَ عَلَى العِبَادِ، هَذَا مَنْهَجٌ عَظِيمٌ فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ يُرْشِدُ إِلَيْهِ الشَّيْخُ هُنَا حِينَمَا يَقُولُ: «بَيَّنَهَا اللهُ تَعَالَى بَيَانًا وَاضِحًا لِلْعَوَامِّ فَوْقَ مَا يَظُنُّ الظَّانُّونَ»؛ فَالدَّعْوَةُ الَّتِي هِيَ التَّوْحِيدُ الخَالِصُ لَا تَحْتَاجُ إِلَى فَلْسَفَةٍ، وَلَا إِلَى اسْتِطْرَادِ كَلَامٍ وَإِلَى إِقَامَةِ حُجَجٍ عَقْلِيَّةِ وَتَآلِيفَ، شَيْءٌ وَاضِحٌ وَبَيِّنٌ، وَلِهَذَا جَاءَ القُرْآنُ مُيَسَّرًا، ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ(34) يَقْرَؤُهُ العَالِمُ وَغَيْرُ العَالِمِ وَالمُتَوَسِّطُ بَيْنَهُمَا، وَيَفْهَمُ مَاذَا يُرِيدُ اللهُ جَلَّ وَعَلَا ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ(35) اعْلَمْ أَيُّهَا المَخْلُوقُ المُكَلَّفُ أَنَّ اللهَ إِلَهٌ وَاحِدٌ مُسْتَحِقٌّ لِلْعِبَادَةِ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ البَقَرَةِ مُؤَكِّدًا عَلَى هَذَا المَعْنَى العَظِيمِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ كُلُّ النَّاسِ، المُؤْمِنُ وَغَيْرُ المُؤْمِنِ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ(36) إِذَا كَانَ كَذَلِكَ ﴿فَلَا تَجْعَلُواْ لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ(37) تَعْلَمُونَ هَذَا الأَمْرَ وَتَجْعَلُونَ للهِ شَرِيكًا فِي مُلْكِهِ، ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا(38).

ثُمَّ قَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللهُ: «ثُمَّ بَعْدَ هَذَا غَلَطَ فِيهَا كَثِيرٌ مِنْ أَذْكِيَاءِ العَالَمِ وَعُقَلَاءِ بَنِي آدَمَ» هَذَا يُعْطِينَا دِلَالَةً أَنَّ ذَكَاءَ الإِنْسَانِ لَا عِلَاقَةَ لَهُ بِهِدَايَتِهِ، الهِدَايَةُ هِيَ مِنَ اللهِ جَلَّ وَعَلَا؛ لِأَنَّ الذَّكَاءَ قَدْ يَكُونُ سَبَبًا لِلضَّلَالِ وَالإِفْرَاطِ، أَوْ لِلْوُقُوعِ فِي البُعْدِ عَنْ مَنْهَجِ السَّلَفِ، كَمَا وَقَعَ لِبَعْضِ الفِرَقِ مِنَ المُعْتَزِلَةِ وَالرَّافِضَةِ وَالجَهْمِيَّةِ وَالقَدَرِيَّةِ الَّذِينَ غَلَّبُوا ذَكَاءَهُمْ وَعُقُولَهُمْ فِي هَذَا، وَأَفْرَطُوا فِي هَذَا الأَمْرِ، الهِدَايَةُ لَا تُؤْخَذُ مِنَ العَقْلِ، وَلَا تُؤْخَذُ مِنَ الذَّكَاءِ، وَإِنَّمَا تُؤْخَذُ بِتَوْفِيقِ اللهِ جَلَّ وَعَلَا بَعْدَ بَذْلِ الأَسْبَابِ لِذَلِكَ، وَلِهَذَا فَإِنَّ مَعْرِفَةَ اللهِ جَلَّ وَعَلَا لَيْسَتْ بِالعَقْلِ، وَلِهَذَا يَنْتَشِرُ عِنْدَ بَعْضِ النَّاسِ نَسْمَعُ أَلْفَاظًا؛ يَقُولُ: (اللهُ مَا رَأَيْنَاهُ، بِالعَقْلِ عَرَفْنَاهُ)، هَذِهِ كَلِمَةٌ عَظِيمَةٌ خَطِيرَةٌ أَنْ يُقَالَ هَذَا الكَلَامُ، عَرَفْنَا اللهَ تَعَالَى بِالوَحْيِ وَلَيْسَ بِالعَقْلِ، عَرَفْنَا اللهَ تَعَالَى بِالوَحْيِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا(39) جَعَلَهُ اللهُ تَعَالَى بِتَوْفِيقِهِ وَإِلْهَامِهِ وَإِرْشَادِهِ، جَعَلَهُ اللهُ تَعَالَى نُورًا فِي قَلْبِ هَذَا المَخْلُوقِ لِيَهْتَدِيَ بِهِ إِلَى الصِّرَاطِ المُسْتَقِيمِ، وَلَيْسَ هُوَ بِالعَقْلِ، وَلِهَذَا الشَّيْخُ هُنَا يَذُمُّ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدَّعُونَ الذَّكَاءَ وَلَمْ يَهْتَدُوا إِلَى الذَّكَاءِ، يَعْنِي مَا زَكَّوْا أَنْفُسَهُمْ بِالتَّوْحِيدِ الخَالِصِ للهِ تَعَالَى؛ وَلِهَذَا قَالَ: «غَلَطَ فِيهَا كَثِيرٌ مِنْ أَذْكِيَاءِ العَالَمِ وَعُقَلَاءِ بَنِي آدَمَ إِلَّا أَقَلَّ القَلِيلِ»، أَقَلُّ القَلِيلِ هُمُ الَّذِينَ وَفَّقَهُمُ اللهُ تَعَالَى، وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ شَرْعِيَّةٌ عَظِيمَةٌ، أَهْلُ الحَقِّ هُمُ القِلَّةُ، هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْفَظَ دَائِمًا، فِي كُلِّ زَمَانٍ وَفِي كُلِّ مَكَانٍ، فَلَا يَغْتَرَّ الإِنْسَانُ بِكَثْرَةِ الدَّاعِينَ إِلَى البَاطِلِ، وَالدَّاعِينَ إِلَى الشِّرْكِ وَإِلَى الشَّهَوَاتِ وَإِلَى الشُّبُهَاتِ، وَهَؤُلَاءِ كَذَلِكَ.

وَلِذَا قَالَ اللهُ تَعَالَى بَعْدَ كُلِّ قِصَّةٍ مِنْ قَصَصِ الأَنْبِيَاءِ فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ(40) وَيَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ(41) وَلَـمَّا أَخْبَرَنَا اللهُ تَعَالَى عَنْ قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَأَنَّهُ رَكِبَ مَعَهُ مَنْ رَكِبَ فِي السَّفِينَةِ، وَآمَنَ مَعَهُ مَنْ آمَنَ؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ(42) إِلاَّ قَلِيلٌ، وَأَخْبَرَ اللهُ جَلَّ وَعَلَا أَنَّ الَّذِينَ يَشْكُرُونَ اللهَ حَقَّ شُكْرِهِ هُمُ القَلِيلُ، قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ(43) وَلِهَذَا جَاءَ فِي «صَحِيحِ البُخَارِيِّ» أَنَّهُ فِي يَوْمِ القِيَامَةِ حِينَمَا يُحْشَرَ النَّاسُ يَأْتِي النَّبِيُّ وَمَعَهُ التِّسْعَةُ، وَيَأْتِي النَّبِيُّ وَمَعَهُ الخَمْسَةُ، وَيَأْتِي النَّبِيُّ وَمَعَهُ الثَّلَاثَةُ، وَيَأْتِي النَّبِيُّ وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ، فَالعِبْرَةُ لَيْسَتْ بِكَثْرَةِ النَّاسِ، العِبْرَةُ بِالِاتِّبَاعِ، العِبْرَةُ بِإِخْلَاصِ العِبَادَةِ للهِ جَلَّ وَعَلَا وَلَيْسَتْ بِالذَّكَاءِ، وَلَيْسَتْ بِالِاخْتِرَاعِ وَالِابْتِكَارِ، وَلَيْسَتْ بِقُوَّةِ العَقْلِ وَالفَهْمِ، لَكِنْ إِذَا وُظِّفَ هَذَا العَقْلُ وَالفَهْمُ -وُظِّفَ- تَبَعًا لِلشَّرِيعَةِ وَتَبَعًا لِلْوَحْيِ كَانَ خَيْرًا عَلَى خَيْرٍ، وَلِهَذَا لَا يَسْتَقِلُّ العَقْلُ بِالهِدَايَةِ لِوَحْدِهِ، هَذَا مَا أَرْشَدَ إِلَيْهِ الشَّيْخُ هُنَا.

ثُمَّ بَدَأَ بِالأَصْلِ الأَوَّلِ وَقَالَ: «إِخْلَاصُ الدِّينِ للهِ تَعَالَى وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ»؛ وَالإِخْلَاصُ: أَصْلُ الكَلِمَةِ ثَلَاثَةٌ: «خَلُصَ»، فَالخَاءُ وَاللَّامُ وَالصَّادُ أَصْلٌ يَدُلُّ عَلَى مَعْنًى صَحِيحٍ، وَهَذَا المَعْنَى هُوَ تَنْقِيَةُ الشَّيْءِ وَتَهْذِيبُهُ وَتَصْفِيَتُهُ، «إِخْلَاصُ الدِّينِ للهِ تَعَالَى» وَلِهَذَا يَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ أَنْ يُتَابِعَ عَمَلَهُ وَقَلْبَهُ فِي الإِخْلَاصِ للهِ جَلَّ وَعَلَا، وَيُنَقِّيَ قَلْبَهُ مِنْ كُلِّ شَوَائِبِ التَّعَلُّقِ بِغَيْرِ اللهِ جَلَّ وَعَلَا؛ حَتَّى يَكُونَ عَمَلُهُ خَالِصًا للهِ، وَيَدُلُّ عَلَى مَعْنَى الخُلُوصِ أَنَّهُ بِمَعْنَى التَّنْقِيَةِ وَالتَّصْفِيَةِ وَالتَّهْذِيبِ، خُلُوصُ الشَّيْءِ مَا جَاءَ فِي قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنَ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ(44) فَمِنْ قُدْرَةِ اللهِ جَلَّ وَعَلَا أَنْ أَخْرَجَ هَذَا اللَّبَنَ مِنْ هَذِهِ البَهَائِمِ صَافِيًا خَالِصًا مَعَ أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ الفَرْثِ وَالدَّمِ، وَلَكِنَّ اللهَ تَعَالَى بِقَدَرِهِ صَفَّاهُ وَخَلَّصَهُ مِنْ كُلِّ هَذِهِ الشَّوَائِبِ؛ فَخَرَجَ صَافِيًا خَالِصًا صَالِحًا لِلشُّرْبِ.

وَجَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ(45) جَاءَتْ فِيهَا قِرَاءَتَانِ: ﴿الْمُخْلَصِينَ﴾ وَ«المُخْلِصِينَ»، ﴿الْمُخْلَصِينَ﴾ بِالفَتْحِ وَهِيَ قِرَاءَةٌ سَبْعِيَّةٌ، ﴿الْمُخْلَصِينَ﴾ بِالفَتْحِ؛ الَّذِينَ أَخْلَصَهُمُ اللهُ تَعَالَى وَاصْطَفَاهُمْ وَاجْتَبَاهُمْ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الخَلْقِ، وَأَمَّا «المُخْلِصِينَ» بِقِرَاءَةِ الكَسْرِ -«المُخْلِصِينَ»- الَّذِينَ أَخْلَصُوا للهِ تَعَالَى فِي عِبَادَتِهِمْ، وَلِهَذَا سُمِّيَتْ سُورَةُ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ بِسُورَةِ الإِخْلَاصِ؛ لِأَمْرَيْنِ: لِأَنَّهَا خَالِصَةٌ فِي صِفَاتِ اللهِ جَلَّ وَعَلَا، وَالوَجْهُ الثَّانِي: لِأَنَّ القَارِئَ وَالتَّالِيَ لَهَا يُخْلِصُ للهِ تَعَالَى فِي صِفَاتِهِ، سُمِّيَتْ بِهَذَا الِاسْمِ -بِسُورَةِ الإِخْلَاصِ، وَحَقِيقَةُ الإِخْلَاصِ أَنْ يَتَبَرَّأَ الإِنْسَانُ مِنَ الشِّرْكِ وَأَسْبَابِهِ وَوَسَائِلِهِ وَأَنْوَاعِهِ، وَمِنْ صَغِيرِهِ وَكَبِيرِهِ، وَيَجْعَلَ عَمَلَهُ خَالِصًا للهِ تَعَالَى لَا يُخَالِطُهُ شَيْءٌ، حَقِيقَةُ الإِخْلَاصِ تَنْقِيَةُ القَلْبِ مِنْ كُلِّ الشَّوَائِبِ المُتَعَلِّقَةِ بِغَيْرِ اللهِ تَعَالَى، فَلَا يُصَلِّي إِلَّا للهِ، لَا يَصُومُ إِلَّا للهِ، وَلَا يَتَصَدَّقُ إِلَّا للهِ، وَلَا يَحُجُّ إِلَّا للهِ، وَالمُسْلِمُ بِحَاجَةٍ إِلَى مُتَابَعَةِ نَفْسِهِ دَائِمًا وَمُتَابَعَةِ هَذِهِ النِّيَّةِ المُتَقَلِّبَةِ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ تَتَقَلَّبُ عَلَى الإِنْسَانِ، كَمَا قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: أَشَدُّ مَا وَاجَهْتُ هُوَ نِيَّتِي؛ لِأَنَّهَا تَتَقَلَّبُ عَلَيَّ، فَالإِنْسَانُ يُتَابِعُ وَيَتَعَاهَدُ قَلْبَهُ وَيَتَعَاهَدُ نِيَّتَهُ وَأَعْمَالَهُ للهِ تَعَالَى، وَالأَعْمَالُ كُلُّهَا قَائِمَةٌ عَلَى أَمْرَيْنِ فِي قَبُولِهَا عِنْدَ اللهِ، كُلُّهَا قَائِمٌ عَلَى أَمْرَيْنِ: عَلَى الإِخْلَاصِ للهِ تَعَالَى؛ كَمَا قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ(46)، ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ(47) وَقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا(48) وَالآيَاتُ فِي هَذَا المَعْنَى كَثِيرَةٌ فِي تَقْرِيرِ الإِخْلَاصِ وَالدَّعْوَةِ إِلَيْهِ، هَذَا هُوَ الرُّكْنُ الأَوَّلُ.

وَالرُّكْنُ الثَّانِي فِي قَبُولِ الأَعْمَالِ هُوَ المُتَابَعَةُ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، وَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا(49) وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا(50) وَقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(51) وَالآيَاتُ فِي هَذَا المَعْنَى كَثِيرَةٌ، وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَنْ يَأْبَى؟! قَالَ: «مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى»(52)، فَإِذَا اخْتَلَّ هَذَانِ الرُّكْنَانِ لَمْ تَكُنِ العِبَادَةُ صَحِيحَةً، وَإِذَا غَابَ وَاحِدٌ لَمْ تَكُنِ العِبَادَةُ صَحِيحَةً، لَا تَتِمُّ صِحَّةُ الأَعْمَالِ وَالعِبَادَاتِ إِلَّا بِالإِخْلَاصِ للهِ وَبِالمُتَابَعَةِ لِرَسُولِ اللهِ، فَلَوْ أَنَّ إِنْسَانًا عَمِلَ عَمَلًا وَهُوَ مُخْلِصٌ للهِ تَعَالَى فِيهِ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَتَّبِعْ هَدْيَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فَعَمَلُهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ، وَإِذَا كَانَ يَعْمَلُ عَمَلًا مُتَّبِعًا فِيهِ هَدْيَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ لَيْسَ مُخْلِصًا فِيهِ فَعَمَلُهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ، «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»(53) كَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَلِهَذَا يَنْبَغِي التَّفْرِيقُ بَيْنَ حَقِّ اللهِ تَعَالَى، هُنَاكَ حَقٌّ خَاصٌّ للهِ، وَهُنَاكَ حَقٌّ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ اللهِ وَبَيْنَ رَسُولِهِ، حَقَّانِ: الحَقُّ الأَوَّلُ خَاصٌّ للهِ، وَالحَقُّ الثَّانِي مُشْتَرَكٌ بَيْنَ اللهِ وَبَيْنَ رَسُولِهِ، فَالحَقُّ المُشْتَرَكُ بَيْنَ اللهِ وَرَسُولِهِ هُوَ الطَّاعَةُ، ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ(54) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا(55) وَأَيْضًا مَنْ يَعْصِي الرَّسُولَ فَقَدْ عَصَى اللهَ، وَحَقُّ الرَّسُولِ أَلَّا يُعْصَى، وَحَقُّ اللهِ أَلَّا يُعْصَى، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا(56) وَيَنْبَغِي التَّفْرِيقُ فِي هَذَا الأَمْرِ؛ لِأَنَّهُ سَيَأْتِي الشَّيْخُ يُؤَكِّدُ عَلَى هَذَا فِي آخِرِ الكَلَامِ.

وَأَمَّا الحَقُّ الخَاصُّ للهِ فَهُوَ عِبَادَتُهُ وَحْدَهُ وَخَشْيَتُهُ وَالإِنَابَةُ إِلَيْهِ وَعِبَادَتُهُ عِبَادَةً كَامِلَةً، وَلِهَذَا جَمَعَ اللهُ تَعَالَى بَيْنَ الأَمْرَيْنِ وَفَرَّقَ فِي سُورَةِ النُّورِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ(57) فَالخَشْيَةُ وَالتَّقْوَى لِمَنْ؟ للهِ وَحْدَهُ، وَلَيْسَتْ لِلرَّسُولِ، أَمَّا حَقُّ الرَّسُولِ فَهِيَ الطَّاعَةُ، فَفِي هَذِهِ الآيَةِ جَمَعَ وَقَالَ تَعَالَى فِي آيَةٍ أُخْرَى مُبَيِّنًا أَنَّ الرَّسُولَ لَا يَمْلِكُ مِنَ الأَمْرِ شَيْئًا: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذَّبَهُمْ(58) لَيْسَ هَذَا حَقَّ الرَّسُولِ، وَمِنْ هَذَا البَابِ غَلَا مَنْ غَلَا فِي الصَّالِحِينَ، وَغَلَا مَنْ غَلَا فِي النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَحَقٌّ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ اللهِ وَرَسُولِهِ مَعْلُومٌ، وَحَقٌّ للهِ خَاصٌّ لَا يُشَارِكُهُ فِيهِ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ، لَا نَبِيٌّ وَلَا مَلَكٌ وَلَا أَيُّ بَشَرٍ، وَهُوَ العِبَادَةُ الخَالِصَةُ للهِ تَعَالَى، ﴿ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ(59).

«إِخْلَاصُ الدِّين للهِ تَعَالَى وَحْدَهُ» يَقْصِدُ بِذَلِكَ الشَّيْخُ التَّأْكِيدَ عَلَى صِحَّةِ التَّوْحِيدِ وَسَلَامَتِهِ، وَتَحْقِيقَ مَعْنَى كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ»، أَنْ يَقُولَهَا العَبْدُ صَادِقًا مُخْلِصًا عَالِمًا مُتَّبِعًا لِهَذِهِ الكَلِمَةِ، وَلِهَذَا فَإِنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ العَظِيمَةَ هِيَ كَلِمَةُ التَّقْوَى، وَهِيَ كَلِمَةُ الدِّينِ، وَهِيَ كَلِمَةُ الإِسْلَامِ، وَهِيَ كَلِمَةُ الإِيمَانِ، هَذِهِ الكَلِمَةُ اشْتَمَلَتْ عَلَى نَفْيٍ وَإِثْبَاتٍ، نَفَتْ أَرْبَعَةَ أَنْوَاعٍ، وَأَثْبَتَتْ أَرْبَعَةَ أَنْوَاعٍ، هَذِهِ الكَلِمَةُ -كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ- تُثْبِتُ أَرْبَعَةَ أَنْوَاعٍ، وَتَنْفِي أَرْبَعَةَ أَنْوَاعٍ، تَنْفِي أَرْبَعَةَ أَنْوَاعٍ؛ وَهِيَ: الطَّوَاغِيتُ وَالأَرْبَابُ وَالآلِهَةُ وَالأَنْدَادُ، وَكُلُّ هَذِهِ جَاءَتْ فِي القُرْآنِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَجْعَلُواْ لِلَّهِ أَندَادًا(60) وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ(61) هَذَا دَلِيلُ الأَنْدَادِ، دَلِيلُ تَحْرِيمِ اتِّخَاذِ الأَنْدَادِ، وَدَلِيلُ تَحْرِيمِ اتِّخَاذِ الأَرْبَابِ، وَدَلِيلُ تَحْرِيمِ اتِّخَاذِ الطَّوَاغِيتِ - قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ(62) وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ(63) بَقِيَتِ الآلِهَةُ: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ(64) فَمَا دُونَ اللهِ لَيْسَ بِآلِهَةٍ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ(65).

فَنَفَتْ أَرْبَعَةَ أُمُورٍ، وَأَثْبَتَتْ أَرْبَعَةَ أُمُورٍ، مَاذَا أَثْبَتَتْ؟ أَثْبَتَتِ القَصْدَ وَالمَحَبَّةَ وَالتَّعْظِيمَ وَالخَوْفَ وَالرَّجَاءَ، المُرَادُ بِالقَصْدِ هُوَ إِخْلَاصُ الدِّينِ للهِ، فَلَا يَعْمَلُ عَمَلًا إِلَّا وَيُرِيدُ بِهِ وَجْهَ اللهِ، وَالتَّعْظِيمُ وَاضِحٌ وَبَيِّنٌ، وَهُوَ تَعْظِيمُ اللهِ جَلَّ وَعَلَا وَالثَّنَاءُ عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، وَمَحَبَّتُهُ وَاضِحَةٌ أَيْضًا، وَالخَوْفُ وَالرَّجَاءُ بَيِّنٌ، وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ القَيِّمِ: «أَرْكَانُ العِبَادَةِ ثَلَاثَةٌ: المَحَبَّةُ وَالخَوْفُ وَالرَّجَاءُ»، هَذِهِ أَرْكَانُ العِبَادَةِ، هَذِهِ جَمَعَهَا اللهُ تَعَالَى فِي آيَاتٍ فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ، يَقُولُ اللهُ سُبْحَانَهُ: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ(66)، ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ مَا هَذِهِ؟ هَذِهِ هِيَ المَحَبَّةُ، ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ﴾ الخَوْفُ، ﴿وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾، ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ(67) وَقَالَ تَعَالَى فِي آيَةٍ أُخْرَى مُبَيِّنًا أَرْكَانَ هَذِهِ العِبَادَةِ فِي سُورَةِ الإِسْرَاءِ: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ(68) وَالوَسِيلَةُ هِيَ العَمَلُ الصَّالِحُ، هَذَا هُوَ التَّفْسِيرُ الصَّحِيحُ لَهَا، الوَسِيلَةُ هِيَ الأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾، تُفْهَمُ هَذِهِ الأَرْكَانُ مِنَ الآيَاتِ وَلَيْسَ مِنْ كَلَامِ البَشَرِ، وَاضِحَةٌ وَبَيِّنَةٌ، يَفْهَمُهَا كُلُّ النَّاسِ، فَهَذِهِ أَرْكَانُ المَحَبَّةِ، أَرْكَانُ العِبَادَةِ للهِ جَلَّ وَعَلَا، وَلِهَذَا كَرَّرَهَا اللهُ تَعَالَى فِي أَكْثَرَ مِنْ مَوْضِعٍ، وَاللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بَعَثَ رُسُلَهُ لِتَقْرِيرِ هَذَا المَعْنَى العَظِيمِ، وَهُوَ إِخْلَاصُ العِبَادَةِ للهِ جَلَّ وَعَلَا، كُلُّ الرُّسُلِ لَمْ يُبْعَثُوا إِلَّا بِهَذَا الأَصْلِ العَظِيمِ، لَمْ يُبْعَثُوا إِلَّا لِتَقْرِيرِ هَذَا الأَصْلِ العَظِيمِ، كُلُّ الأَنْبِيَاءِ مِنْ لَدُنْ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، وَكُلُّ نَبِيٍّ يَقُولُ لِقَوْمِهِ: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ(69) وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ(70) وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ(71) وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ(72) وَلِهَذَا وَقَعَ الخِلَافُ الشَّدِيدُ وَالإِنْكَارُ العَظِيمُ وَالمُحَارَبَةُ وَالتَّصَدِّي لِلدَّعْوَةِ لِلْأَنْبِيَاءِ مِنْ أَقْوَامِهِمْ عَلَى هَذَا المَعْنَى العَظِيمِ؛ لِأَنَّ التَّوْحِيدَ كَمَا تَعْلَمُونَ هُوَ أَنْوَاعٌ ثَلَاثَةٌ:

تَوْحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ: وَهُوَ تَوْحِيدُ اللهِ تَعَالَى بِأَفْعَالِهِ.

وَتَوْحِيدُ الأُلُوهِيَّةِ: وَهُوَ تَوْحِيدُ اللهِ تَعَالَى بِأَفْعَالِ العِبَادِ.

وَتَوْحِيدُ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ.

فَتَوْحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ أَقَرَّ بِهِ جَمِيعُ المُشْرِكِينَ، أَقَرَّ بِهِ المُشْرِكُونَ، وَلَمْ يُقِيمُوا الحُجَجَ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ فِي ذَلِكَ، لَكِنَّ الأَمْرَ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الخِلَافُ بَيْنَ الأَنْبِيَاءِ وَبَيْنَ أَقْوَامِهِمْ هُوَ تَوْحِيدُ الأُلُوهِيَّةِ، تَوْحِيدُ العِبَادَةِ للهِ جَلَّ وَعَلَا، وَلِهَذَا حِينَمَا يُسْأَلُونَ: مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ؟ مَنْ خَلَقَكُمْ؟ لَيَقُولُنَّ: اللهُ. ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، يَعْتَرِفُونَ بِهَذَا، أَمَّا إِذَا قِيلَ لَهُمُ: اتْرُكُوا هَذِهِ الآلِهَةَ وَاتَّجِهُوا إِلَى اللهِ. احْتَجُّوا بِذَلِكَ، وَقَالُوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى(73) هَذِهِ الحُجَّةُ الإِبْلِيسِيَّةُ الشَّيْطَانِيَّةُ الَّتِي لَقَّنَهَا إِبْلِيسُ لِهَؤُلَاءِ المُشْرِكِينَ مِنَ البَشَرِ.

ثُمَّ إِنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ أَقَامَ عَلَيْهِمُ الحُجَّةَ فِي الجَمْعِ بَيْنَ تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ وَتَوْحِيدِ الأُلُوهِيَّةِ فِي آيَةٍ وَاحِدَةٍ، أَقَامَ عَلَيْهِمُ الحُجَّةَ حِينَمَا اعْتَرَفُوا، قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الزُّمرِ: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ(74) جَمَعَ اللهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الآيَةِ بَيْنَ تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ وَتَوْحِيدِ الأُلُوهِيَّةِ لِإِقَامَةِ الحُجَّةِ عَلَى مَنْ لَمْ يَلْتَزِمْ بِتَوْحِيدِ الأُلُوهِيَّةِ، وَلِهَذَا فَإِنَّ مَنْ يُقِرُّ بِتَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ يَسْتَلْزِمُهُ أَوْ يَلْزَمُهُ أَنْ يُقِرَّ بِتَوْحِيدِ الأُلُوهِيَّةِ؛ لِأَنَّ التَّوْحِيدَيْنِ مُتَلَازِمَانِ، فَالَّذِي خَلَقَ وَدَبَّرَ هَذَا الكَوْنَ وَصَرَّفَهُ وَأَحْيَا وَأَمَاتَ هُوَ المُسْتَحِقُّ لِلْعِبَادَةِ، أَمَّا الَّذِي لَا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا فَلَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعْبَدَ، وَالنَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ سَارَ عَلَى مَا سَارَ عَلَيْهِ إِخْوَانُهُ مِنَ الأَنْبِيَاءِ؛ فَكَانَتْ دَعْوَتُهُ فِي أَوَّلِ أَمْرِهَا عَلَى التَّوْحِيدِ الخَالِصِ للهِ، فَمَكَثَ فِي مَكَّةَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ عَامًا يَدْعُو فِيهَا إِلَى التَّوْحِيدِ الخَالِصِ للهِ، وَتَقَرَّرَتْ أَحْكَامُ الإِسْلَامِ فِي أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، فِي عَشْرِ سَنَوَاتٍ بَعْدَ الهِجْرَةِ فِي المَدِينَةِ، فَأَمْرُ التَّوْحِيدِ عَظِيمٌ، وَالشَّيْخُ هُنَا يُقَرِّرُ هَذِهِ الأُصُولَ العَظِيمَةَ فِي هَذِهِ الأُصُولِ السِّتَّةِ، ثُمَّ أَيْضًا عَطَفَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى إِلَى بَيَانِ ضِدِّ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَبَيَّنُ هَذَا الأَمْرُ وَلَا تَظْهَرُ مَكَانَةُ هَذَا الأَمْرِ العَظِيمِ إِلَّا بِالتَّحْذِيرِ مِنْ ضِدِّهِ، وَهُوَ الشِّرْكُ بِاللهِ جَلَّ وَعَلَا، إِخْلَاصُ الدِّينِ للهِ تَعَالَى وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، بِتَرْكِ الشِّرْكِ صَغِيرِهِ وَكَبِيرِهِ، ظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ، فَالشِّرْكُ أَنْوَاعٌ، وَلَيْسَ هَذَا مَقَامَ بَسْطٍ فِي تَعْرِيفِ الشِّرْكِ وَأَنْوَاعِهِ، وَلَكِنَّ ظَاهِرَ الشِّرْكِ هُوَ شِرْكُ الطَّاعَةِ، وَشِرْكُ المَحَبَّةِ وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَأَمَّا الشِّرْكُ الخَفِيُّ الَّذِي هُوَ الخُضُوعُ وَالمَحَبَّةُ هَذَا شِرْكٌ فِي القَلْبِ غَيْرُ ظَاهِرٍ، وَلَيْسَ هُوَ النَّوْعَ مِنْ أَنْوَاعِ الشِّرْكِ الخَفِيِّ، فَالشِّرْكُ أَنْوَاعٌ: شِرْكٌ أَصْغَرُ وَشِرْكٌ أَكْبَرُ وَشِرْكٌ خَفِيٌّ، فَكُلُّ هَذِهِ الأَنْوَاعِ مِنَ الشِّرْكِ يَجْتَنِبُهَا المُسْلِمُ، وَإِذَا تَعَلَّمَهَا فَإِنَّهُ لَا يَتَعَلَّمُهَا إِلَّا لِعَدَمِ الوُقُوعِ فِيهَا وَالحَذَرِ مِنْهَا، وَلِهَذَا قَدَّمَ اللهُ تَعَالَى الكُفْرَ بِالطَّاغُوتِ عَلَى الإِيمَانِ.

قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ(75) فَالقَلْبُ يَحْتَاجُ إِلَى تَصْفِيَةٍ وَتَخْلِيَةٍ وَتَحْلِيَةٍ مِنْ كُلِّ الشَّوَائِبِ الَّتِي تُؤَثِّرُ فِيهِ، فَلَا يَجْتَمِعُ التَّوْحِيدُ وَالشِّرْكُ، فَهُمَا ضِدَّانِ، فَالتَّوْحِيدُ إِذَا دَخَلَ فِي القَلْبِ لَا يَصِحُّ أَنْ يَدْخُلَهُ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الشِّرْكِ عَلَى الإِطْلَاقِ، فَالإِنْسَانُ فِي مِثْلِ هَذَا الإِنَاءِ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَشْرَبَ مَاءً فِيهِ تَلَوُّثٌ أَوْ فِيهِ تُرَابٌ، بَلْ هُوَ يُنَظِّفُ هَذَا الإِنَاءَ حَتَّى يَكُونَ نَظِيفًا تَمَامَ النَّظَافَةِ، ثُمَّ يَسْكُبُ المَاءَ وَيَشْرَبُ، وَلَا يَصِحُّ عَقْلًا أَنْ يَشْرَبَ فِي مَاءٍ مُلَوَّثٍ، لَا يَصِحُّ هَذَا، إِذَنْ لَا يَجُوزُ شَرْعًا أَنْ يَدْخُلَ فِي هَذَا القَلْبِ تَوْحِيدٌ وَشِرْكٌ، لَا بُدَّ أَنْ يُصَفَّى مِنْ كُلِّ هَذِهِ الأَنْوَاعِ، إِخْلَاصُ التَّوْحِيدِ يَعْنِي تَصْفِيَةَ هَذَا القَلْبِ مِنَ الشِّرْكِ بِاللهِ جَلَّ وَعَلَا، وَلِهَذَا جَاءَ التَّذْكِيرُ لِأَنْبِيَاءِ اللهِ، التَّذْكِيرُ جَاءَ لِلْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي بَيَانِ أَنَّ الشِّرْكَ مُحْبِطٌ لِلْأَعْمَالِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ(76) وَقَالَ سُبْحَانَهُ فِي قَصَصِ الأَنْبِيَاءِ: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ(77) هَذَا مِنْ بَابِ التَّذْكِيرِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنَ الشَّرْطِ وُقُوعُ المَشْرُوطِ كَمَا قَالَ أَهْلُ العِلْمِ، ﴿وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم﴾، ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ لَا يَلْزَمُ مِنَ الشَّرْطِ وُقُوعُ المَشْرُوطِ، هَذِهِ قَاعِدَةٌ، فَهَذِهِ مِنْ أَهَمِّ القَضَايَا الَّتِي ابْتَدَأَ بِهَا الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى هَذَا الأَصْلَ.

 «وَبَيَانُ ضِدِّهِ الَّذِي هُوَ الشِّرْكُ بِاللهِ» فَالإِنْسَانُ لَا يَعْرِفُ خُطُورَةَ الشِّرْكِ إِلَّا إِذَا عَلِمَ الأَدِلَّةَ القَائِمَةَ عَلَى بُطْلَانِهِ، وَلَا يَعْلَمُ فَضْلَ التَّوْحِيدِ إِلَّا إِذَا عَلِمَ الأَدِلَّةَ القَائِمَةَ عَلَى فَضْلِهِ وَشَرَفِهِ، وَالقُرْآنُ كُلُّهُ قَائِمٌ عَلَى هَذَا، عَلَى أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ؛ هِيَ: إِمَّا إِخْبَارٌ عَنِ التَّوْحِيدِ وَمَا للهِ تَعَالَى مِنَ الصِّفَاتِ العُلْيَا -العُلَا- وَالأَسْمَاءِ الحُسْنَى، وَمَا لَهُ مِنَ الحُقُوقِ وَمَا لَهُ مِنَ العِبَادَةِ الحَقَّةِ، هَذَا القُرْآنُ قَائِمٌ عَلَى هَذَا، أَوْ قَائِمٌ عَلَى بَيَانِ مَا لِأَهْلِ التَّوْحِيدِ الخَالِصِ مِنَ الثَّوَابِ وَالنَّعِيمِ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى فِي الآخِرَةِ، مَعَ مَا يَنَالُهُمْ مِنَ السَّعَادَةِ وَالفَضْلِ فِي الدُّنْيَا، وَبَيَانٍ -أَيْضًا دَاخِلٌ فِي الثَّانِي- وَبَيَانٍ أَيْضًا لِحَالِ المُشْرِكِينَ وَمَا يَنَالُهُمْ مِنَ العِقَابِ الأَلِيمِ فِي الآخِرَةِ، مَعَ بَيَانِ سُوءِ حَالِهِمْ فِي الدُّنْيَا، وَسُوءِ المُنْقَلَبِ لَهُمْ فِيهَا، الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ القُرْآنُ فِيهِ بَيَانٌ وَإِخْبَارٌ عَنِ الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ مِنَ الحَلَالِ وَالحَرَامِ، وَبَيَانُ كَمَالِ الشَّرِيعَةِ الإِسْلَامِيَّةِ، عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلاَمَ دِينًا(78).

فَالقُرْآنُ لَا يَخْلُو مِنْ هَذِهِ الأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ، قَالَ: «وَكَوْنُ أَكْثَرِ القُرْآنِ فِي بَيَانِ هَذَا الأَصْلِ مِنْ وُجُوهٍ شَتَّى» هِيَ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا، القُرْآنُ فِيهِ تَقْرِيرٌ لِلتَّوْحِيدِ، حَتَّى فِي قَصَصِ الأَنْبِيَاءِ، وَفِي آيَاتِ النِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ، فِيهَا تَقْرِيرٌ لِلتَّوْحِيدِ، وَبَيَانٌ لِأَهْلِ التَّوْحِيدِ، وَمَنْ قَرَأَ القُرْآنَ وَجَدَ ذَلِكَ، فِي آيَاتِ الطَّلَاقِ يَقُولُ اللهُ تَعَالَى فِي بَعْضِ الآيَاتِ عِنْدَمَا قَالَ: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النَّسَاءَ(79) قَالَ بَعْدَهَا: ﴿وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ(80)، وَيَخْتِمُ الآيَاتِ فِي الطَّلَاقِ بِأَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ شَدِيدُ العِقَابِ، خَوَاتِيمُ الآيَاتِ تَدُلُّ عَلَى تَقْرِيرِ التَّوْحِيدِ، حَتَّى فِي الآيَاتِ الَّتِي فِيهَا أَخْبَارٌ عَنِ النِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ، بَلْ حَتَّى فِي الآيَاتِ الَّتِي فِيهَا الدَّعْوَةُ إِلَى الأَخْلَاقِ فِيهَا تَقْرِيرٌ لِلتَّوْحِيدِ، فَلَا تَجِدُ خُلُقًا مِنْ أَخْلَاقِ الإِسْلَامِ دَعَا إِلَيْهِ رَبُّنَا جَلَّ وَعَلَا إِلَّا وَهُوَ مُصَدَّرٌ بِالإِيمَانِ، وَالأَدِلَّةُ عَلَى ذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى، وَلَكِنَّ أَجْمَعَ آيَةٍ فِي هَذَا هِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ(81) عَدَّدَ الأَخْلَاقَ، أَتَى بِالعَقِيدَةِ وَأَتَى بِالعِبَادَةِ وَأَتَى بِالأَخْلَاقِ، يُقَرِّرُ الأَخْلَاقَ انْطِلَاقًا مِنَ العَقِيدَةِ، فَالإِسْلَامُ قَائِمٌ عَلَى عَقِيدَةٍ صَحِيحَةٍ وَاضِحَةٍ، وَهِيَ عِبَادَةُ اللهِ تَعَالَى، وَهَذِهِ العَقِيدَةُ تُثْمِرُ العِبَادَةَ، وَالعِبَادَةُ وَالعَقِيدَةُ تُثْمِرُ الأَخْلَاقَ، وَالعَقِيدَةُ وَالعِبَادَةُ وَالأَخْلَاقُ تُثْمِرُ الِاجْتِمَاعَ وَالِائْتِلَافَ بَيْنَ النَّاسِ وَهَكَذَا، هَذَا فِي التَّأَمُّلِ فِي آيَاتِ القُرْآنِ الكَرِيمِ.

قَالَ: «بِكَلَامٍ يَفْهَمُهُ أَبْلَدُ العَامَّةِ» يَعْنِي أَنَّ مِنَ النَّاسِ -كَأَنَّ الشَّيْخَ يُشِيرُ إِلَى أَنَّ مِنَ النَّاسِ- مَنْ وَقَعَ فِي الشِّرْكِ وَهُوَ يَعُدُّ نَفْسَهُ مِنَ العُلَمَاءِ، وَلَمْ يَفْهَمْ هَذِهِ الآيَاتِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى التَّوْحِيدِ الخَالِصِ للهِ تَعَالَى، فَكَانَ العَامِّيُّ الَّذِي لَمْ يَتَعَلَّمْ هُوَ خَيْرًا مِنْهُ فِي هَذَا المَجَالِ، بِكَلَامٍ يَفْهَمُهُ أَبْلَدُ العَامَّةِ، فَإِذَا سَأَلْتَ العَامِّيَّ: مَنْ تَعْبُدُ؟ قَالَ: أَعْبُدُ اللهَ وَحْدَهُ. هَل تَعْبُدُ مَعَهُ غَيْرَهُ؟ قَالَ: لَا. هَذَا العَامِّيُّ يَقُولُ كَذَلِكَ، وَلِهَذَا الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ لَمَّا ذَهَبَ إِلَى بَعْضِ العَوَامِّ فِي بَعْضِ المَنَاطِقِ ذَهَبَ إِلَيْهِمْ، قَالُوا: جَاءَنَا رَجُلٌ وَقَالَ لَنَا كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَقَالَ إِنَّ هَذِهِ كَلِمَةٌ رَدِّدُوهَا وَلَيْسَ لَهَا مَعْنًى، وَمَا فَهِمْنَا مِنْهَا شَيْئًا، وَهُمْ عَوَامٌّ، فَشَرَحَ لَهُمُ الشَّيْخُ، قَالَ: إِنْسَانٌ صَلَّى صَلَاةً ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى القَبْرِ يَدْعُو وَيُصَلِّي عِنْدَ القَبْرِ، قَالَ لَهُمُ الشَّيْخُ: هَذَا صَلَّى لِمَنْ؟ قَالُوا: صَلَّى للهِ، قَالَ لَهُمْ: هَذَا صَلَّى لِمَنْ؟ قَالُوا: صَلَّى لِلْقَبْرِ، قَالَ: هَذَا الدِّينُ، وَهَذَا الشِّرْكُ، وَضَّحَ لَهُمْ بِأَشْيَاءَ وَاضِحَةٍ بَيِّنَةٍ، وَهَكَذَا، وَكَذَلِكَ فِي الذَّبْحِ، عِنْدَمَا قَالَ: ذَبَحَ وَاحِدٌ للهِ، وَذَبَحَ وَاحِدٌ لِلْقَبْرِ، قَالَ: هَذَا لِمَنْ ذَبَحَ؟ قَالُوا: ذَبَحَ للهِ، قَالَ: وَهَذَا لِمَنْ ذَبَحَ؟ قَالُوا: ذَبَحَ لِلْقَبْرِ، قَالَ: هَذَا هُوَ التَّوْحِيدُ، وَهَذَا هُوَ الشِّرْكُ، فَعَرَفُوا الكَلِمَةَ، وَعَرَفُوا مَعْنَاهَا، فَهِيَ كَلِمَةٌ مُيَسَّرَةٌ وَسَهْلَةٌ وَوَاضِحَةٌ وَبَيِّنَةٌ، يَفْهَمُهَا العَامِّيُّ، فَكَيْفَ بِالعَالِمِ الَّذِي قَرَأَ وَاطَّلَعَ وَلَا يُقَرِّرُ هَذَا التَّوْحِيدَ لِلنَّاسِ؟!

ثُمَّ قَالَ الشَّيْخُ: «ثُمَّ لَمَّا صَارَ عَلَى أَكْثَرِ الأُمَّةِ مَا صَارَ» يَعْنِي لَمَّا ظَهَرَتْ عَلَيْهِمُ البِدَعُ، بَعْدَ القُرُونِ المُفَضَّلَةِ ظَهَرَتْ فِيهِمُ البِدَعُ، وَكَثُرَ فِيهِمُ الدَّاعُونَ إِلَى البِدَعِ، وَإِلَى التَّعَلُّقِ بِالأَمْوَاتِ وَالأَضْرِحَةِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَيْسُوا عَلَى التَّوْحِيدِ الخَالِصِ، ثُمَّ لَمَّا صَارَ عَلَى أَكْثَرِ الأُمَّةِ مَا صَارَ، صَارَ عَلَيْهِمْ مِنْ ضَعْفِ جَانِبِ التَّوْحِيدِ فِي قُلُوبِهِمْ، وَتَعَلُّقِهِمْ بِغَيْرِ اللهِ جَلَّ وَعَلَا، مَاذَا صَارَ لَهُمْ؟

قَالَ الشَّيْخُ: «أَظْهَرَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ الإِخْلَاصَ فِي صُورَةِ تَنَقُّصِ الصَّالِحِينَ وَالتَّقْصِيرِ فِي حُقُوقِهِمْ».

 «أَظْهَرَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ» بَعْدَ أَنْ تَمَكَّنَتِ البِدْعَةُ مِنْ قُلُوبِهِمْ وَأُشْرِبُوا بِهَا وَانْتَشَرَ الدَّاعُونَ إِلَى البِدْعَةِ؛ تَمَكَّنَ مِنْ قُلُوبِهِمُ الشَّيْطَانُ أَيْضًا وَدَلَّهُمْ عَلَى طَرِيقٍ فِي الإِخْلَاصِ لِلصَّالِحِينَ، وَهَذَا الطَّرِيقُ الَّذِي دَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ عَلَيْهِ أَنَّهُ أَوْحَى فِي قُلُوبِهِمْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَكُمْ أَنْ تَتَنَقَّصُوا النَّاسَ، فَهُمْ كَانُوا عُبَّادًا وَكَانَتْ لَهُمْ مَكَانَةٌ، وَكَانَ لَهُمْ قَدْرٌ عَظِيمٌ، كَيْفَ تَتَنَقَّصُونَهُمْ وَتَقُولُونَ إِنَّهُمْ لَا يُزَارُونَ وَلَا يُتَقَرَّبُ إِلَيْهِمْ وَلَا يُطْلَبُ مِنْهُمْ؟! وَهَذَا الفِعْلُ هُوَ الَّذِي وَقَعَ فِي قَوْمِ نُوحٍ كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، لَمَّا قَالَ: كَانَ بَيْنَ آدَمَ وَنُوحٍ عَشَرَةُ قُرُونٍ كُلُّهُمْ عَلَى التَّوْحِيدِ، فَبَعَثَ اللهُ الرُّسُلَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ، وَكَانَ لَهُمْ نَاسٌ صَالِحُونَ -لِقَوْمِ نُوحٍ- لَهُمْ نَاسٌ صَالِحُونَ، فَجَاءَهُمُ الشَّيْطَانُ وَقَالَ لَهُمْ: لَوْ جَعَلْتُمْ لَهُمْ أَمَاكِنَ تَتَذَكَّرُونَهُمْ فِيهَا وَتَتَرَحَّمُونَ عَلَيْهِمْ وَتَزُورُونَهُمْ وَتَعْرِفُونَ قَدْرَهُمْ وَمَكَانَهُمْ، فَسَوَّلَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا سَوَّلَ، وَأَقَامُوا لَهُمْ تِلْكَ الأَمَاكِنَ وَبَدَؤُوا يُعَظِّمُونَهَا، فَجَاءَ مِنْ بَعْدِهِمْ أُنَاسٌ وَعَظَّمُوهَا، وَهَكَذَا، فَعَبَدُوا الصَّالِحِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ فِي عَهْدِ نُوحٍ، ثُمَّ تَبِعَهُمْ مَنْ تَبِعَهُمْ إِلَى أَنْ تَمَكَّنَتْ هَذِهِ البِدْعَةُ مِنْ قُلُوبِ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ، وَسَوَّلَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَنَّ الَّذِي يَتَنَقَّصُ أَحَدًا مِنْ هَؤُلَاءِ الصَّالِحِينَ فَهُوَ لَيْسَ مِنَ المُخْلِصِينَ للهِ، فَظَنُّوا أَنَّ طَرِيقَ الإِخْلَاصِ للهِ تَعَالَى هُوَ تَعْظِيمُ هَؤُلَاءِ الأَمْوَاتِ، وَمَعْرِفَةُ حُقُوقِهِمْ كَمَا كَانُوا أَحْيَاءً، وَلَا يَجُوزُ التَّنَقُّصُ لَهُمْ، نَعَمِ الصَّالِحُونَ أَخْيَارٌ وَيُتَرَحَّمُ عَلَيْهِمْ، وَلَكِنَّهُمْ غَادَرُوا هَذِهِ الدُّنْيَا، وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا، وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ التَّعَلُّقُ بِهِمْ وَلَا دُعَاؤُهُمْ وَلَا الِاسْتِغَاثَةُ بِهِمْ، وَأَكْثَرُ أَنْوَاعِ الشِّرْكِ المُنْتَشِرِ بَيْنَ الأُمَمِ مِنْ لَدُنْ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَإِلَى زَمَانِنَا هَذَا هُوَ شِرْكُ الدُّعَاءِ، وَلِهَذَا أَشَارَ اللهُ تَعَالَى وَأَعَادَ فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ عَنِ النَّكِيلِ العَظِيمِ عَلَى مَنْ يَدْعُو غَيْرَ اللهِ جَلَّ وَعَلَا، ﴿قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا(82) وَقَالَ تَعَالَى فِي آخِرِ سُورَةِ الأَعْرَافِ لَمَّا ذَكَرَ اللهُ قِصَّةَ خَلْقِ سُلَالَةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ(83)، حُجَجٌ عَظِيمَةٌ، وَقَامَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا حَطَّمَ الأَصْنَامَ وَجَعَلَهَا جُذَاذًا تَرَكَ وَاحِدًا مِنْهُمْ -وَهُوَ أَكْبَرُهُمْ- وَعَلَّقَ عَلَيْهِ الفَأْسَ، وَلَـمَّا جَاءُوا ﴿قَالُوا أَأَنتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ إِلَى أَنْ قَالَ: ﴿فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ (63) فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ(84) فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ عَلِمُوا خُسْرَانَهُمْ حِينَئِذٍ وَلَمْ يُجَاوِبْهُمْ أَحَدٌ، وَجَاءَتْ آيَاتٌ أُخَرُ تُبَيِّنُ أَيْضًا أَنَّ أَكْثَرَ مَا وَقَعَ فِيهِ بَنُو آدَمَ هُوَ الدُّعَاءُ لِغَيْرِ اللهِ تَعَالَى، فَالمُسْلِمُ يَحْذَرُ هَذَا كُلَّ الحَذَرِ، وَلَا يُسَوِّلُ لَهُ الشَّيْطَانُ هَذِهِ التَّسَاوِيلَ، حِينَمَا سَوَّلَ لِهَؤُلَاءِ -ضُعَفَاءِ العُقُولِ وَضُعَفَاءِ الدِّينِ- فَوَقَعُوا فِي هَذِهِ البِدَعِ العَظِيمَةِ، ثُمَّ أَظْهَرَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ الشِّرْكَ بِاللهِ فِي صُورَةِ مَحَبَّةِ الصَّالِحِينَ وَاتِّبَاعِهِمْ، فَكَأَنَّ المَحَبَّةَ وَالإِخْلَاصَ للهِ تَعَالَى هُوَ يَكُونُ فِي التَّعَلُّقِ بِهَؤُلاَءِ الأَمْوَاتِ، وَفِي الأَزْمِنَةِ المُتَأَخِّرَةِ اشْتَدَّ شِرْكُ بَعْضِ النَّاسِ أَكْثَرَ مِمَّا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الزَّمَنِ الأَوَّلِ؛ لِأَنَّ المُشْرِكِينَ فِي الزَّمَنِ الأَوَّلِ كَانُوا لَا يَلْجَأُونَ إِلَى آلِهَتِهِمْ وَأَصْنَامِهِمْ إِلَّا فِي حَالِ الرَّخَاءِ، أَمَّا فِي حَالِ الشِّدَّةِ وَالضِّيقِ فَيَلْجَأُونَ إِلَى رَبِّهِمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ الإِلَهُ الحَقُّ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ دَعَوُا اللهَ يَخْشَوْنَ مِنَ الغَرَقِ، ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ(85) وَأَمَّا مُشْرِكُو هَذَا الزَّمَانِ فَإِنَّهُمْ جَمَعُوا بَيْنَ الخَطِيئَتَيْنِ، بَيْنَ الشِّرْكِ بِاللهِ فِي الشِّدَّةِ وَفِي الرَّخَاءِ، وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ: لَا تَفْعَلُوا ذَلِكَ. قَالُوا: نَحْنُ لَمْ نَعْبُدْ مَا عَبَدَ المُشْرِكُونَ، نَحْنُ لَمْ نَعْبُدْ أَصْنَامًا، إِنَّمَا نَتَقَرَّبُ إِلَى صَالِحِينَ وَإِلَى أَنْبِيَاءَ وَإِلَى مَلَائِكَةٍ وَإِلَى أُنَاسٍ مُقَرَّبِينَ عِنْدَ اللهِ.

فَيُقَالُ لَهُمْ: إِنَّ اللهَ جَلَّ وَعَلَا قَدْ حَرَّمَ ذَلِكَ وَأَنْكَرَهُ عَلَى مَنْ يَفْعَلُه. أَلَمْ تَقْرَؤُوا قَوْلَ اللهِ تَعَالَى فِي عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿وَإِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ(86)؟! أَلَمْ تَقْرَؤُوا قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (40) قَالُوا سُبْحَانَكَ(87)؟! أَلَمْ تَقْرَؤُوا آيَاتٍ كَثِيرَةً فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ يُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى فِيهَا أَنَّهُ بَيَّنَ أَنَّ هُنَاكَ أُنَاسًا يَعْبُدُونَ الأَنْبِيَاءَ وَيَعْبُدُونَ المَلَائِكَةَ وَيَعْبُدُونَ الجِنَّ وَيَعْبُدُونَ الشَّجَرَ وَالحَجَرَ؟! فَلِذَلِكَ أَنْكَرَ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ، فَهُنَا تُقَامُ عَلَيْهِمُ الحُجَّةُ فِي هَذَا.

فَهَذِهِ مِنْ أَهَمِّ المَسَائِلِ وَأَدَقِّهَا الَّتِي ذَكَرَهَا الشَّيْخُ فِي هَذَا الأَصْلِ العَظِيمِ، وَهُوَ الأَصْلُ الأَوَّلُ، نَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى أَنْ يَمُنَّ عَلَيْنَا بِالفَضْلِ وَالإِحْسَانِ، وَأَنْ يَجْعَلَنَا مِنْ عِبَادِهِ المُخْلِصِينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ.


(1) سورة التوبة: 32.

(2) سورة إبراهيم: 24

(3) أخرجه الترمذي في كتاب العلم- باب ما جاء في الحث على تبليغ السماع (2658)، وصححه الألباني في «صحيح الترمذي».

(4) أخرجه البخاري في كتاب الوصايا- باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ (2767)، ومسلم في كتاب الإيمان- باب بيان الكبائر وأكبرها (89).

(5) سورة الفاتحة: 1، 2.

(6) أخرجه أحمد في «مسنده» (2/359)، وأبو داود في كتاب الأدب- باب الهدي في الكلام (4840)، والنسائي في «سننه الكبرى» (10328)، وابن ماجه في كتاب النكاح- باب خطبة النكاح (1894)، والدارقطني في «سننه» (1/229)، وابن حبان في «صحيحه» (1)، (2)، والخرائطي في «فضيلة الشكر» (17)، وابن الأعرابي في «الزهد وصفة الزاهدين» (1)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (3/208)، وفي «شعب الإيمان» (4/90)، جميعًا من طريق: قرة، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه. قال أبو داود: «رواه يونس وعقيل وشعيب وسعيد بن عبد العزيز، عن الزهري عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلًا». فقد خالف قرة بن عبد الرحمن- وهو صدوق له أوهام- هؤلاء الأثبات، فرواه موصولًا، وهو مرسلٌ كما أخرجه النسائي في «سننه الكبرى» (10331)، عن الزهري مرسلًا، والحديث ضعفه الألباني في «ضعيف الجامع» (4218)، و قال: «ضعيف».

(7) سورة هود: 41.

(8) سورة الإسراء: 110.

(9) سورة النمل: 30.

(10) سورة هود: 41.

(11) سورة العلق: 1.

(12) أخرجه مسلم في كتاب الصلاة- باب ما يقال في الركوع والسجود (486)، من حديث عائشة رضي الله عنها.

(13) سورة الأحزاب: 43.

(14) سورة التوبة: 128.

(15) سورة هود: 71- 73.

(16) سورة ص: 5.

(17) سورة الرعد: 5.

(18) أخرجه مسلم في كتاب الزهد والرقائق- باب المؤمن أمره كله خير (2999)، من حديث صهيب بن سنان الرومي .

(19) سورة البقرة: 248.

(20) سورة الروم: 22.

(21) سورة الزمر: 5.

(22) سورة الشورى: 52.

(23) سورة الشعراء: 193- 195.

(24) سورة المجادلة: 21.

(25) سورة الصافات: 173.

(26) سورة الأنعام: 95.

(27) سورة الأنعام: 96.

(28) سورة الأنعام: 98.

(29) سورة الأنعام: 99.

(30) سورة الأنعام: 100.

(31) سورة الأنعام: 102.

(32) سورة الروم: 18- 20.

(33) سورة الروم: 27.

(34) سورة القمر: 17.

(35) سورة محمد: 19.

(36) سورة البقرة: 21، 22.

(37) سورة البقرة: 22.

(38) سورة الكهف: 5.

(39) سورة الشورى: 52.

(40) سورة الشعراء: 8.

(41) سورة يوسف: 103.

(42) سورة هود: 40.

(43) سورة سبأ: 13.

(44) سورة النحل: 66.

(45) سورة ص: 83.

(46) سورة الزمر: 11.

(47) سورة الأنعام: 162، 163.

(48) سورة الكهف: 110.

(49) سورة الحشر: 7.

(50) سورة الأحزاب: 21.

(51) سورة آل عمران: 31.

(52) أخرجه البخاري في كتاب الأحكام- باب قول الله تعالى: ﴿وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول﴾ (7137)، ومسلم في كتاب الإمارة- باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية (1835).

(53) أخرجه البخاري في كتاب الصلح- باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود (2697)، ومسلم في كتاب الأقضية- باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور (1718).

(54) سورة النساء: 80.

(55) سورة الأحزاب: 70، 71.

(56) سورة الأحزاب: 36.

(57) سورة النور: 52.

(58) سورة آل عمران: 128.

(59) سورة الأنعام: 102.

(60) سورة البقرة: 22.

(61) سورة يوسف: 39.

(62) سورة البقرة: 256.

(63) سورة النحل: 36.

(64) سورة محمد: 19.

(65) سورة الحج: 62.

(66) سورة الزمر: 9.

(67) سورة الزمر: 9.

(68) سورة الإسراء: 57.

(69) سورة المؤمنون: 23.

(70) سورة النحل: 36.

(71) سورة الأنبياء: 25.

(72) سورة محمد: 19.

(73) سورة الزمر: 3.

(74) سورة الزمر: 38.

(75) سورة البقرة: 256.

(76) سورة الزمر: 65.

(77) سورة الأنعام: 88.

(78) سورة المائدة: 3.

(79) سورة البقرة: 231.

(80) سورة البقرة: 231.

(81) سورة البقرة: 177.

(82) سورة الإسراء: 56.

(83) سورة الأعراف: 194.

(84) سورة الأنبياء: 63 - 64.

(85) سورة العنكبوت: 65.

(86) سورة المائدة: 116.

(87) سورة سبأ: 40، 41.