موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - مقدمة - شرح كتاب الفتن من صحيح الامام البخاري
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح كتاب الفتن من صحيح الامام البخاري لفضيلة الشيخ عبدالله بن عبدالعزيز العنقري
  
 
 شرح كتاب الفتن من صحيح الامام البخاري
 مقدمة
 كِتَابُ الفِتَن
 بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «سَتَرَوْنَ بَعْدِي أُمُورًا تُنْكِرُونَهَا»
 بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَلَاكُ أُمَّتِي عَلَى يَدَيْ أُغَيْلِمَةٍ سُفَهَاءَ»
 أسئلة
 بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ»
 بَابُ ظُهُورِ الفِتَنِ
 بَابٌ: لَا يَأْتِي زَمَانٌ إِلَّا الَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ
 بَابُ: قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا»
 أسئلة
 بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ
 بَابٌ: تَكُونُ فِتْنَةٌ القَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ القَائِمِ
 بَابٌ: إِذَا الْتَقَى المُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا
 بَابٌ: كَيْفَ الأَمْرُ إِذَا لَمْ تَكُنْ جَمَاعَةٌ
 أسئلة
 بَابٌ: مَنْ كَرِهَ أَنْ يُكَثِّرَ سَوَادَ الفِتَنِ وَالظُّلْمِ
 بَابٌ: إِذَا بَقِيَ فِي حُثَالَةٍ مِنَ النَّاسِ
 بَابُ التَّعَرُّبِ فِي الْفِتْنَةِ
 بَابُ التَّعَوُّذِ مِنَ الفِتَنِ
 بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْفِتْنَةُ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ»
 بَابُ الْفِتْنَةِ الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ الْبَحْرِ
 أسئلة
 تابع: بَابُ الْفِتْنَةِ الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ الْبَحْرِ
 بَابٌ: إِذَا أَنْزَلَ اللهُ بِقَوْمٍ عَذَابًا
 بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: «إِنَّ ابْنِي هَذَا لَسَيِّدٌ وَلَعَلَّ اللهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنْ المُسْلِمِيْنَ»
 بَابٌ: إِذَا قَالَ عِنْدَ قَوْمٍ شَيْئًا ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ بِخِلَافِهِ
 بَابٌ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُغْبَطَ أَهْلُ القُبُورِ
 بَابُ تَغَيُّرِ الزَّمَانِ حَتَّى تُعْبَدَ الأَوْثَانُ
 أسئلة
 تابع: بَابُ تَغَيُّرِ الزَّمَانِ حَتَّى تُعْبَدَ الأَوْثَانُ
 بَابُ خُرُوجِ النَّارِ
 الدَّجَّال
 بَابُ ذِكْرِ الدَّجَّالِ
 بَابٌ: لَا يَدْخُلُ الدَّجَّالُ المَدِينَةَ
 بَابُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ
 أسئلة
شرح كتاب الفتن من صحيح الامام البخاري - مقدمة

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحَمْدُ لِلهِ رَبِّ العَالَمِيْنَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِيْنَ.

أَمّا بَعْدُ.

فَإِنّ مَوْضُوْعَ الفِتَنِ -أَعَاذَنَا الله وَإِيَّاكُمْ مِنْهَا- مِنَ المَوْضُوْعَاتِ الَّتِي اعْتَنَى بِهَا عُلَمَاءُ الأُمَّةِ، وَاهْتَمَّ المُصَنِّفُونَ فِي السُّنَّةِ -رِضْوَانُ اللهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ- بِإِيرَادِ أَحَادِيثِهَا وَالتَّبْوِيبِ عَلَيْهَا وَبَيَانِ فِقْهِ هَذِهِ النُّصُوصِ.

وَصَنَّفَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ فِيهَا مُصَنَّفَاتٍ خَاصَّةً، كَمَا صَنَّفَ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى كِتَابًا مُفْرَدًا، وَصَنَّفَ غَيْرُهُ، وَإِنَّمَا صَنَّفَ هَؤُلَاءِ الأَئِمَّةُ فِي هَذَا النَّوْعِ مِنَ العِلْمِ؛ نَظَرًا لِشِدَّةِ الحَاجَةِ إِلَيْهَا وَلِكَثْرَةِ مَا أَبْدَى وَأَعَادَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شَأْنِهَا.

وَقَدْ أَخْبَرَ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ فِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي يَرْوِيهِ مُسْلِمٌ أَنَّ هَذِهِ الفِتَنَ أَعَاذَنَا اللهُ مِنْهَا تَكْثُرُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا رَوَى مُسْلِمٌ: «إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلِي إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ وَيُنْذِرُهُمْ شَرَّ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ، وَإِنَّ أُمَّتَكُمْ هَذِهِ جُعِلَ عَافِيَتُهَا فِي أَوَّلِهَا، وَسَيُصِيْبُ آخِرَهَا بَلَاءٌ وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا»(1).

وَتَوَارَدَتِ النُّصُوصُ كَثِيرًا أَيْضًا بِشِدَّةِ الحَالِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، وَرَأَى هَذَا بَعْضُ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا ثُمَّ رَأَيْنَاهُ أَشَدَّ مِمَّا رَآهُ مَنْ قَبْلَنَا وَسَيَرَاهُ مَنْ بَعْدَنَا أَشَدَّ مِمَّا رَأَيْنَاهُ؛ لِمَا سَيَأْتِي فِي أَوَائِلِ أَحَادِيثِ هَذَا الكِتَابِ مِنْ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «إِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا»(2).

فَالأُمُورُ تَخْتَلِفُ وَلَا شَكَّ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا فِي زَمَنَ النُّبُوَّةِ عَلَى حَالٍ مِنْ نُزُولِ السُّنَّةِ، ثُمَّ كَانُوا فِي صَدْرِ الإِسْلَامِ عَلَى حَالٍ أَقْرَبَ إِلَى الحَالِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ زَمَنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ كُلَّمَا امْتَدَّ الزَّمَنُ بِالنَّاسِ تَغَيَّرَتِ الأَحْوَالُ إِلَى حَدِّ أَنَّ بَعْضَهَا يَنْتَكِسُ انْتِكَاسًا، كَمَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: «كَيْفَ بِكُمْ إِذَا لَبِسَتْكُمْ فِتْنَةٌ يَرْبُو فِيْهَا الصَّغِيْرُ، وَيَهْرَمُ فِيْهَا الكَبِيْرُ، وَيُتَّخَذُ سُنَّةٌ فَإِنْ غُيِّرَتْ يَومًا قِيْلَ: هَذَا مُنْكَرٌ»؛ لِأَنَّ النَّاسَ أَلِفُوا هَذِهِ الفِتْنَةَ.

وَالنَّاظِرُ فِي أَمْرِ النَّاسِ وَوَاقِعِهِمْ يَجِدُ كَثْرَةَ التَّحَوُّلِ وَكَثْرَةَ التَّغَيُّرِ وَهَذَا التَّحَوُّلُ وَهَذَا التَّغَيُّرُ؛ مِنَ اسْتِحْسَانِ الأَمْرِ المُشِينِ، وَاسْتِقْبَاحِ الأَمْرِ الحَسَنِ، وَتَحْلِيلِ مَا كَانَ حَرَامًا، وَتَحْرِيمِ مَا كَانَ حَلَالًا، كُلُّ هَذَا مِنْ دَلَائِلِ الفِتْنَةِ -عِيَاذًا بِاللهِ-، وَلِهَذَا قَالَ حُذَيْفَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: «الضَّلَالَةُ حَقَّ الضَّلَالَةِ أَنْ تَعْرِفَ مَا كُنْتَ تُنْكِرُ، وَتُنْكِرَ مَا كُنْتَ تَعْرِفُ، إيَّاكَ وَالتَّلَوُّنَ فِي دِينِ اللهِ»؛ لِأَنَّ الحَقَّ فِي دِينِ اللهِ وَاحِدٌ هُوَ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِذَا دلَّتْ عَلَيْهِ النُّصُوصُ فَمِنَ المُحَالِ أَنْ يَتَغَيَّرَ هَذَا الحَقُّ، فَإِذَا تَغَيَّرَّ التَّوَجُّهُ عِنْدَ إِنْسَانٍ فَمَا ذَاكَ إِلَّا لِأَنَّهُ مَفْتُونٌ، أَمَّا الحَقُّ فَثَابِتٌ.

وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ وَأَرْضَاهُ: «فَعَلَيْكُمْ بِالعَتِيقِ»، العَتِيقُ يَعْنِي: الأَمْرَ القَدِيمَ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ رِضْوَانُ اللهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ.

فَالأَمْرُ أَيُّهَا الإِخْوَةُ جِدُّ خَطِيرٌ وَالأَحْوَالُ الَّتِي تَمُرُّ بِالنَّاسِ تَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنَ التَّحَوُّلَاتِ وَالتَّغَيُّرَاتِ الَّتِي صَارَ كَثِيرٌ مِن النَّاسِ يَتَرَنَّحُ تَرَنُّحًا -عِيَاذًا بِاللهِ مِنَ الفِتْنَةِ- يَتَرَنَّحُ فِي التَّقَلُّبِ، فَلَا يَثْبُتُ عَلَى حَالٍ وَاحِدٍ، فَتَجِدُهُ قَبْلَ سِنِينَ عَلَى حَالٍ، وَتَجِدُهُ بَعْدَهَا عَلَى حَالٍ، وَتَجِدُهُ الآنَ عَلَى حَالٍ، وَتَجِدُهُ بَعْدَ الآنِ عَلَى حَالٍ، هَذِهِ هِيَ الفِتْنَةُ -نَسْأَلُ اللهَ العَافِيَةَ-.

وَالفِتَنُ تَارَّةً تَكُونُ فِي الدِّينِ، وَهِيَ أَخْطَرُهَا وَأَشَدُّهَا وَأَفْظَعُهَا أَنْ يُفْتَنَ الإِنْسَانُ فِي دِينِهِ عِيَاذًا بِاللهِ، وَتَارَّةً تَكُونُ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا؛ بَكَثْرَةِ سَفْكِ الدِّمَاءِ، وَاسْتِسْهَالِ الأُمُورِ العِظَامِ الصِّعَابِ الَّتِي عَظَّمَ اللهُ مِنْ شَأْنِهَا مِنْ حُقُوقِ المُسْلِمِينَ فِيمَا بَيْنَهُمْ أَنْ يَسْتَسْهِلَ النَّاسُ الجُرْأَةَ عَلَيْهَا، وَيَتَنَادَوْنَ فِيمَا بَيْنَهُمْ إِلَى تَغْيِيرِ النَّظْرَةِ بِشَأْنِهَا، وَتَسْمَعُ وَسَتَظَلُّ تَسْمَعُ إِلَى أَنْ تَلْقَى اللهَ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «إِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا»، الَّذِي لَنْ يَرَى الِاخْتِلَافَ هُوَ الَّذِي يَمُوتُ، أَمَّا مَنْ يَتَقَدَّمُ بِهِ العُمُرُ لَا بُدَّ أَنْ يَرَى هَذَا الِاخْتِلَافَ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ.

وَلَيْسَ المَقْصُودُ -أيُّها الإِخْوَةُ- مِنَ الكَلَامِ عَلَى الفِتَنِ أَنْ نُعَدِّدَهَا وَأَنْ نَقُولَ: الفِتْنَةُ هِيَ كَذَا وَكَذَا وَكَذَا وَكَذَا، لَكِنَّ المَقْصُودَ فِي الأَعْظَمَ فِي وُرُودِهَا فِي النُّصُوصِ وَعِنَايَةِ أَهْلِ العِلْمِ بِهَا، المَقْصُودُ بَعْدَ العِلْمِ بِهَا: النَّجَاةُ مِنْهَا وَالْتِمَاسُ الوَسَائِلِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي تُخَلِّصُ بِحَوْلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْهَا، وَهَذَا لَعَلَّهُ بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى أَنْ يَأْتِيَ تِبَاعًا فِي هَذِهِ الأَيَّامِ، وَسَنَشْرَحُ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى هَذَا الكِتَابَ بِعَوْنِ اللهِ تَعَالَى، وَسَأُزَوِّدُهُ بِجُمْلَةٍ مِنْ تَعْلِيقَاتِ سَمَاحَةِ شَيْخِنَا الشَّيْخِ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ بَازٍ -رَحْمَةُ اللهِ تَعَالَى عَلَيْهِ- مِمَّا سَجَّلْنَاهُ مَعَهُ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى فِي كِتَابِ الفِتَنِ، فَإِنَّ لَهُ جُمْلَةً مِنَ التَّعْلِيقَاتِ النَّفِيسَةِ عَلَيْهِ رَحْمَةُ اللهِ وَمَغْفِرَتُهُ، سَنُزَوِّدُ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى بِهَا فِي مَوْضِعِهَا.

وَسَتَكُونُ طَرِيقَةُ الشَّرْحِ فِيهَا طَرِيقَةً فِيهَا إِسْهَابٌ؛ لِأَنَّ الأَحَادِيثَ نَحْوًا مِنْ تِسْعِينَ حَدِيثًا، فَإِذَا أَخَذْنَا فِي كُلِّ يَوْمٍ ثَلَاثَةَ عَشَرَ حَدِيثًا أَوْ أَقَلَّ فِي بَعْضِ الأَيَّامِ أَوْ أَكْثَرَ فِي بَعْضِ الأَيَّامِ فَإِنَّنَا نَنْتَهِي بِإِذْنِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي المُدَّةِ المُحَدَّدَةِ بِعَوْنِهِ تَعَالَى، وَلِهَذَا سَنَعْرِضُ بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى هَذَا الكِتَابَ عَلَى طَرِيقِ الإِسْهَابِ كَمَا قُلْنَا وَالتَّوَسُّعِ فِي شَرْحِهِ، نَسْأَلُ اللهَ السَّدَادَ وَأَنْ يُعِيذَنَا مِنَ الفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ.

قَالَ الإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ البُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي «صَحِيحِهِ» فِي: «كِتَابُ الفِتَنِ».

البُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى قَسَمَ هَذَا الصَّحِيحَ إِلَى سَبْعَةٍ وَتِسْعِينَ قِسْمًا، جَعَلَ كُلَّ قِسْمٍ بِاسْمِ كِتَابٍ، فَالصَّلَاةُ يُطْلَقُ عَلَيْهَا اسْمَ الكِتَابِ، وَالوُضُوءُ يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمَ الكِتَابِ، وَالعِلْمُ يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمَ الكِتَابِ، وَالرِّقَاقُ يُطْلَقُ عَلَيْهَا اسْمَ الكِتَابِ، وَهَكَذَا، فَالصَّحِيحُ «صَحِيحُ البُخَارِيِّ» مَجْمُوعَةٌ مِنْ كُتُبٍ تُعَادِلُ عِنْدَنَا فِي إِطْلَاقَاتِنَا الآنَ: كَلِمَةَ الأَقْسَامِ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: القِسْمُ الأَوَّلُ، القِسْمُ الثَّانِي، وَهَكَذَا.

«كِتَابُ الفِتَنِ»: الفِتْنَةُ أُطْلِقَتْ عِدَّةَ إِطْلَاقَاتٍ، جَاءَتْ فِي القُرْآنِ بِإِطْلَاقَاتٍ عِدَّةٍ ذَكَرَ مِنْهَا العَلَّامَةُ الشِّنْقِيطِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي «العَذْبِ النَمِيرِ» -وَهُوَ مَجْمُوعُ مَا فُرِّغَ مِنْ أَشْرِطَةِ كُتُبِهِ فِي التَّفْسِيرِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-، وَهُوَ كِتَابٌ نَفِيسٌ لِلْغَايَةِ فِي التَّفْسِيرِ، ذَكَرَ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى أَنَّ الفِتْنَةَ أُطْلِقَتْ أَرْبَعَةَ إِطْلَاقَاتٍ:

الإِطْلَاقُ الأَوَّلُ: هُوَ الأَشْهَرُ، إِطْلَاقُ الفِتْنَةِ عَلَى الِاخْتِبَارِ، كَمَا قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا(16)لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ(3).

وَالإِطْلَاقُ الثَّانِي: إِطْلَاقُهَا عَلَى الإِحْرَاقِ بِالنَّارِ، كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ(4) أَيْ: يُحْرَقُونَ فِي جَهَنَّمَ عِيَاذًا بِاللهِ.

وَالإِطْلَاقُ الثَّالِثُ: نَتِيجَةُ الِاخْتِبَارِ إِذَا كَانَتْ سَيِّئَةً خَاصَّةً، نَتِيجَةُ الِاخْتِبَارِ لَا كُلُّ نَتِيْجَة، وَإِنَّمَا النَّتِيجَةُ السَّيِّئَةُ خَاصَّةً؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَة(5) مَا المُرَادُ بِالفِتْنَةِ هُنَا؟ المُرَادُ بِهَا: الشِّرْكُ، كَمَا فَسَّرَهَا عُلَمَاءُ السَّلَفِ رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى، هَذِهِ الإِطْلَاقَاتُ الثَّلَاثَةُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا.

الإِطْلَاقُ الرَّابِعُ: ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَن قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ(6)، قَالُوا: إِنَّ المُرَادَ بِالفِتْنَةِ هُنَا الحُجَّةُ، ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ﴾ أَيْ: لَمْ تَكُنْ حُجَّتُهُمْ، وَكَمَا قُلْنَا فِي أَوَّلِ الكَلَامِ: إِنَّ أَشْهَرَ إِطْلَاقَاتِ الفِتْنَةِ إِطْلَاقُهَا عَلَى الِاخْتِبَارِ.


(1) أخرجه مسلم في كتاب الإمارة- باب وجوب الوفاء ببيعة الحلفاء (1844).
(2) أخرجه أحمد في «مسنده» (4/126)، وأبو داود في كتاب السنة- باب في لزوم السنة (4607)، والترمذي في كتاب العلم- باب ما جاء في الآخذ بالسنة واجتناب البدع (2676)، وابن ماجه في كتاب المقدمة- باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين (44)، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (2549).
(3) سورة الجن، الآيتان: 16، 17.
(4) سورة الذاريات: 13.
(5) سورة البقرة: 193.
(6) سورة الأنعام: 23.