موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - الصيام وأحكامه

الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الكلمات والمحاضرات / الصيام وأحكامه
الصيام وأحكامه لـ الشيخ تركي العقيل
 
  
 

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

إِنَّ الحَمْدَ للهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرَهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسَنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهِ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلُ فَلَا هَادِي لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدُهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ، وَمَنْ سَارَ عَلَى نَهْجِهِ، وَاقْتَفَى أَثَرَهُ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ وَبَعْدُ.

مَزَايَا شَهْرِ رَمَضَانَ: فَلَا شَكٌّ أَنَّ مِنْ نِعَمِ الله تَعَالَى عَلَيْنَا: أَنْ جَعَلَ فِي الأَعْمَارِ وَفِي السِّنِينَ أَوْقَاتًا تُضَاعَفُ فِيهَا الأُجُورُ، تُقَالُ فِيهَا العَثَرَاتُ، وَتُجَابُ فِيهَا الدَّعَوَاتُ، كُلُّ ذَلِكَ هَذَا المَوْسِمُ، هَذَا الشَّهْرُ العَظِيمُ، هَذَا المَوْسِمُ الكَرِيمُ الَّذِي كَمَا وَصَفَهُ رَبُّنَا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾. فَرَضَ اللهُ تَعَالَى عَلَيْنَا فِي هَذَا الشَّهْرِ مِنْ كُلِّ سَنَةٍ صِيَامَ نَهَارِهِ، وَسَنَّ لَنَا نَبِيُّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِيَامَ لَيْلِهِ، فَهُوَ شَهْرُ العِبَادَةِ، وَشَهْرُ مُضَاعَفَةِ الجَهْدِ، وَبَذْلِ الأَمْوَالِ وَالابْتِهَالِ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ لِأَنَّهُ مَوْسِمُ لَا يَتَكَرَّرُ مِثْلَهُ فِي السَّنَةِ؛ وَلِأَنَّ فِيهِ فَضَائِلَ، وَمَزَايَا لَا تَكُونُ لِغَيْرِهِ، يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ(1). وَفِي هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الصِّيَامَ أَمْرُهُ مَيْسُورٌ؛ إِذْ إِنَّهُ أَيَّامٌ مَعْدُودَةٌ 29 يَوْمًا أَوْ 30، وَفِي هَذَا أَيْضًا إِشَارَةٌ إِلَى الحَثِّ عَلَى اغْتِنَامِ هَذِهِ الأَيَّامِ القَلِيلَةِ، فَإِنَّ رَمَضَانَ أَيَّامُهُ قَلِيلَةٌ بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِهَا، فَرَبُّنَا تَعَالَى يَحُثُّنَا وَيُرَغِّبُنَا فِي اغْتِنَامِ هَذِهِ الأَيَّامِ المُبَارَكَةِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ(2)، فَهَذَا غَرَضُ شَهْرُ رَمَضَانَ، الصِّيَامُ صِيَامُ نَهَارِهِ. وَأَمَّا قِيَامُ اللَّيْلِ فَهِيَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، سَنَّهَا لَنَا نَبِيُّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَتُسَنُّ جَمَاعَةً فِي المَسَاجِدِ كَمَا أَنَّ هَذَا الشَّهْرَ مِنْ مَزَايَاهُ مَا ثَبَتَ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، وَصُفِّدَتْ الشَّيَاطِينَ»(3).

هَلْ تَرَى يَا أَخِي الكَرِيمِ، هَذَا الفَضْلَ كَانَ لِغَيْرِ شَهْرِ رَمَضَانَ؟! لَمْ يَكُنْ هَذِهِ المِيزَةُ إِلَّا لِهَذَا الشَّهْرِ، الجَنَّةُ تُفْتَحُ أَبْوَابَهَا، وَالنَّارُ تُغْلَقُ أَبْوَابَهَا، وَالشَّيَاطِينَ مُصَفَّدَةٌ، وَلِهَذَا لَا يُوسْوِسُونَ إِلَى النَّاسِ كَمَا كَانُوا يَكِيدُونَ لَهُمْ وَيُزَيِّنُونَ لَهُمْ فِي غَيْرِ شَهْرِ رَمَضَانَ؛ وَلِهَذَا تَجِدُ النُّفُوسُ مُقْبِلَةً فِي هَذَا الشَّهْرِ، وَلَسْتُ أَعْنِي بِذَلِكَ بِلَادِنَا فَحَسْبُ، بَلْ سَائِرُ بِلَادِ المُسْلِمِينَ، بَلْ كَذَلِكَ بِلَادُ الكَفَرَةِ، إِذَا كَانَ فِيهَا جَالِيَاتٌ مِنَ المُسْلِمِينَ عَلَى مُسْتَوَى العَالَمِ، أَنَّ فِي هَذَا الشَّهْرِ يَكْثِرُ المُصَلُّونَ فِي المَسَاجِدِ، وَالمُتَصَدِّقُونَ بِأَمْوَالِهِمْ فِي هَذَا الشَّهْرِ، وَتَجِدُ المَعَاصِي فِيهِ قَلِيلَةً، وَتَجِدُ أَنَّ النَّاسَ يَكْثِرُونَ مِنْ قِرَاءَةِ القُرْآنِ، وَرُبَّمَا كَانُوا قِبْلَ ذَلِكَ لَا يَقْرَؤُونَهُ إِلَّا قليلًا، أَوْ لَا يَقْرَؤُونَهُ البَتَّةَ، بَيْنَمَا فِي هَذَا الشَّهْرِ تَجِدُ أَنَّ النَّفَسَ مُقْبِلَةٌ عَلَى طَاعَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فَحَسْبُكَ بِهَذَا، وَفَضَائِلُ رَمَضَانِ كَثِيرَةٌ، أَنْ تَعْلَمَ مَا تَمَيَّزَ فِي هَذَا الشَّهْرِ، ثُمَّ يَنْبَغِي لَنَا يَا إِخْوَانُ، أَنْ نُعْظِمَ شَهْرَ رَمَضَانَ؛ لِأَنَّهُ شَعِيرَةُ مِنْ شَعَائِرِ الإِسْلَامِ، وَتَعْظِيمُهُ يَدُلُّ عَلَى تَقْوًى القَلْبِ، وَخَوْفِ صَاحِبِهِ مِنَ اللهِ وَامْتِثَالِهِ لِأَمْرِ اللهِ، وَهَذَا المُعَظِّمُ لِشَهْرِ رَمَضَانَ لَا شَكَّ وَلَابُدَّ أَنَّهُ سَيَصُومُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاة اللهِ؛ لِأَنَّهُ عَظَّمَ أَمْرَ اللهِ تَعَالَى لَهُ بِصِيَامِ هَذَا الشَّهْرِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى القُلُوبِ(4). فَشَهْرُ رَمَضَانَ مَا زَالَ المُسْلِمُونَ يُعَظِّمُونَهُ وَيَخَصُّونَهُ بِالعِبَادَةِ، ثُمَّ لِنَعْلَمَ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْنَا الصِّيَامَ، وَأَنَّهُ لَيْسَ للهِ حَاجَةٌ فِي تَجْوِيعِنَا وَحِرْمَانِنَا مِنْ المَلَذَّاتِ: مِنْ طَعَامٍ، وَشَرَابٍ، وَنِكَاحٍ، وَمَا شَابَهَ ذَلِكَ لَيْسَ للهِ حَاجَةٌ فِي مَنْعِنَا مِنْ هَذِهِ المَلَذَّاتِ، وَإِنَّمَا الصِّيَامُ -عِبَادُ اللهِ- يَنْفَعُ العَبْدُ لَا يَنْفَعُ اللهَ شَيْئًا؛ لَوْ أَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ أَفْطَرُوا مَا صَامَ أَحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ وَغَيْرِهُمْ أَفْطَرُوا كُلَّهُمْ مَا صَامَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ لَمَا ضَرَّ ذَلِكَ رَبّنَا شَيْئًا، وَلَوْ أَنَّهُمْ صَامُوهُ جَمِيعًا لَمَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِ اللهِ شَيْئًا، فَالصِّيَامُ يَنْفَعُ العَبْدَ لَا يَنْفَعُ اللهَ، وَمِنْ ثَمَرَاتِهِ قَوْل اللهِ تَعَالَى فِي الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(5)، لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ، لَعَلَّكُمْ تَتُوبُونَ؛ لَعَلَّ الإِنْسَانَ يَا إِخَوَانُ، بَعَدُ شَهْرِ رَمَضَانَ أَنْ يَحْسُنَ حَالِهِ، وَأَنْ يُقْبِلَ عَلَى طَاعَةِ اللهِ، وَأَنْ يَصْحُو مِنَ الغَفْلَةِ، وَهَذَا يَحْصُلُ لِكَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ مِمَّنْ مَنَّ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ بِالهِدَايَةِ وَشَرَحَ صُدُورَهُمْ لِطَاعَتِهِ.

وَمِنْ فَضَائِلَ هَذَا الشَّهْرِ: أَنَّهُ أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾ أَيْ: القُرْآنُ، ﴿هُدًى﴾ مِنَ الضَّلَالَةِ، ﴿وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الهُدَى وَالفُرْقَانِ(6)، أَيْ: يُفَرِّقُ الإِنْسَانُ إِذَا عَرَفَ القُرْآنَ بَيْنَ الحَقِّ وَالبَاطِلِ، وَيَعْرِفُ طَرِيقَ اللهِ المُسْتَقِيمِ.

مَا يَتَعَلَّقُ بِالقُرْآنِ: وَقَدِ اجْتَمَعَ فِي ذَلِكَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالقُرْآنِ عِدَّة أُمُور:

أَنَّهُ نَزَلَ كَمَا سَمِعْتُمْ، يَعْنِي: ابْتَدَأَ نُزُولَهُ فِي أَشْرَفِ الأَزْمِنَةِ أَلَا وَهُوَ شَهْرُ رَمَضَانَ ثُمَّ إِنَّهُ نَزَلَ فِي أَشْرَفِ بُقْعَةٍ، وَهِيَ مَكَّةَ بَلَدِ اللهِ الحَرَامِ، ثُمَّ إِنَّهُ كَذَلِكَ نَزَلَ بِهِ جِبْرِيلُ، -وَيُقَالُ: اسْمُهُ جَبْرَائِيلُ-، أَشْرَفُ المَلَائِكَةِ عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَفْضَلُ المَلَائِكَةِ، ثُمَّ إِنَّهُ نَزَلَ بِهِ عَلَى أَشْرَفِ الخَلْقِ، وَهُوَ نَبِيِّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَاجْتَمَعَتْ فِي القُرْآنِ هَذِهِ الأُمُورُ.

وَمِنْهَا: أَنَّ نُزُولَهُ كَانَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَمِنْ هَذَا الأَمْرِ نَعْلَمُ سَبَبَ كَثْرَةِ مَا وَرَدَ عَنِ السَّلَفِ مِنْ قِرَاءَةِ القُرْآنِ فِي هَذَا الشَّهْرِ. وَسَيَأْتِي مَعَنَا إِنْ شَاءَ اللهُ ذِكْرُ بَعْضُ النَّمَاذِجِ لِأَحْوَالِهِمْ، وَلِكَثْرَةِ قِرَاءَتِهِمْ لِلْقُرْآنِ فِي هَذَا الشَّهْرِ دُونَ غَيْرِهِ، مَعَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَخْتِمُونَهُ كَثِيرًا فِي غَيْرِ رَمَضَانَ، وَلَكَنْ إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ زَادُوا مِنَ العَمَلِ.

أَمَّا الصِّيَامُ فَإِنَّهُ عِبَادَةٌ جَلِيلَةٌ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ»، حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ الرَّسُولَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ الحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي، لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ، وَلَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ المِسْكِ»(7)، رَائِحَةُ فَمِهِ، وَهِيَ مُسْتَقْذَرَةٌ عِنْدَ النَّاسِ؛ لِأَنَّهَا خَارِجَةٌ مِنَ المَعِدَةِ، وَالمَعِدَةُ لَيْسَ فِيهَا طَعَامٌ فَيَسْتَقْذِرُهَا النَّاسُ، وَلَكِنَّهَا عِنْدَ اللهِ أَطْيَبَ مِنْ رِيحِ المَسْكِ، وَإِذَا كَانَتْ كَذَلِكَ فَإِنَّ الجَزَاءَ الَّذِي يَنْتَظِرُ الصَّائِمِينَ جَزَاءٌ عَظِيمٌ فَقَالَ: «قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: إِلَّا الصَّوْمُ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ»، قَدْ وَعَدَ اللهُ سُبْحَانَهُ بِمُجَازَاةِ الصَّائِمِينَ، وَلَيْسَ هُنَاكَ أَيُّهَا الأَحِبَّةُ الكِرَامِ، أَغْلَى مِنْ رَبِّنَا، وَلَا أَجْوَدُ مَنْهُ، وَلَا أَكْرَمُ مِنْهُ وَهُوَ سُبْحَانَهُ الغَنِيُّ المُسْتَغْنِي عَنْ عِبَادِهِ، لَمْ يَخْلَقْ عِبَادَهُ لِيَسْتَغْنِي بِهِمْ مِنْ فَاقَةٍ، أَوْ لِيَسْتَقْوِيَ بِهِمْ مِنْ ضَعْفٍ، أَوْ لِيَسْتَكْثِرَ بِهِمْ مِنْ قِلَّةٍ. مُتَفَرِّدٌ بِصِفَاتِ الكَمَالِ، وَنُعُوتُ الجَلَالِ، وَخَزَائِنُهُ مَلْأَى لَا تَعُوزُهَا نَفَقَةً، وَهَذَا الحَدِيثُ القُدْسِيُّ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي «صَحِيحِهِ» مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: «يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ وَاحِدٍ مَسْأَلَتَهُ ....» (8).

 تَأْمُلُ يَا أَخِي الكَرِيمِ، البَشَرُ كُلَّهُمْ مِنْ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ، وَكَذَلِكَ الجِنُّ كُلَّهُمْ مِنْ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ كُلُّ وَاحِدٍ يَسْأَلُ اللهَ شَيْئًا؛ هَذَا يَسْأَلُ اللهَ أَمْوَالًا، وَهَذَا يَسْأَلُهُ حَلَالًا مِنَ البَهَائِمِ، وَهَذَا يَسْأَلُهُ مَتَاعًا دِنْيَوِيًّا، وَهَذَا يَسْأَلُهُ مَاءً وَكَلَأً وَعُشْبًا، وَمَا شَاكَلَ ذَلِكَ كُلُّ وَاحِدٍ لَهُ أُمْنِيَاتُهُ وَرَغَبَاتُهُ، فَلَوْ أَنَّهُمْ كُلُّهُمْ سَأَلُوا اللهَ قَالَ: «فَأَعْطَيْتُ كُلَّ وَاحِدٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ المَخِيطُ إِذَا أُدْخِلَ البَحْرَ» إِبْرَةٌ تَغْمِسُهَا فِي مَاءٍ، ثُمَّ إِذَا رَفْعْتَهَا كَمْ يَعْلَقُ فِيهَا مِنَ المَاءِ بِالنِّسْبَةِ لِلبَحْرِ؟! لَا شَيْءٌ، فَلَو أَنَّ الخَلْقَ كُلَّهُمْ كَانُوا كَذَلِكَ لَمَا نَقَصَ ذَلِكَ فِي مُلْكِ اللهِ شَيْئًا، وَاللهُ تَعَالَى اخْتَصَّ الصَّائِمِينَ بِمُجَازَاتِهِمْ عَلَى ذَلِكَ؛ إِذًا هَذَا الجَزَاءُ الَّذِي يَنْتَظِرُ الصَّائِمِينَ جَزَاءٌ عَظِيمٌ وَأَجْرٌ وَفِيرٌ، لَا تَتَصَوَّرُهُ العُقُولُ، وَلَا تُقَدِّرُهُ خَيَالَاتُ النَّاسِ. وَنَحْنُ نَنْتَظِرُ وَكُلُّ مُسْلِمٍ صَائِمٍ يَنْتَظِرُ مِنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ أُعْطِيَةً كَبِيرَةً، وَجَائِزَةً لَا يَتَصَوَّرُهَا إِذَا كَانَ مِنَ الصَّائِمِينَ «إِلَّا الصَّوْمُ فَإِنِّهُ لِي وَإِنَّمَا أَجْزِي بِهِ»(9)، وَكَمَا قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الصَّوْمَ جُنَّةٌ، فَإِذَا كَانَ صَوْم أَحَدُكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَفْسِقْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ»(10).

مَفَاسِدُ الصِّيَامِ:

تَعْرِيفُ الصِّيَامِ:

الصِّيَامَ هُوَ: الإِمْسَاكُ بِنِيَّةٍ عَنْ جَمِيعِ المُفْطَرَاتِ مِنْ طُلُوعِ الفَجْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَزَمَانُهُ بِالنَّهَارِ إِذَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ مِنْ هَاهُنَا، وَغَرَبَتْ مِنْ هَاهُنَا؛ فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ سَوَاءً أَكَلَ أَوْ لَمْ يَأْكُلْ، وَإِمْسَاكُ هَذَا لَابُدَّ أَنْ يَكُونَ بِنِيَّةٍ، يَعْنِي: بِنِيَّةِ احْتِسَابِ الأَجْرِ، بِنِيَّةِ العِبَادَةِ للهِ عَزَّ وَجَلَّ. أَمَّا لَوْ أَنَّهُ أَمْسَكَ بِدُونَ نِيَّةٍ؛ فَإِنَّ هَذَا لَا يَصِحُّ مِنْهُ لَابُدَّ أَنْ يَنْوِيَ بِهَذَا الإِمْسَاكِ أَنَّهُ عِبَادَةٌ، وَأَنَّهُ صَوْمٌ للهِ عَزَّ وَجَلَّ الَّذِي أَمَرَهُ بِذَلِكَ، يُمْسَكَ عَنْ مَاذَا؟ عَنِ الكَلَامِ أَوْ عَنِ الحَرَكَةِ، يُمْسَكُ عَنِ المُفْطِرَاتِ، وَهِي: الأَكْلُ، وَالشُّرْبُ، وَجِمْاعُ الرَّجُلِ لِزَوجَتِهِ، وَكَذَلِكَ إِخْرَاجُ الدَّمِ –الكَثِيرُ مِنْهُ- وَكَذَلِكَ التَّقَيُّؤُ عَمْدًا، وَكَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَرْأَةِ خُرُوجُ دَمِ الحَيْضِ وَالنِّفَاسُ؛ هَذَا مِنَ المُفْطَرَاتِ يَجِبُ أَنْ يُمْسَكَ عَنْهَا الصَّائِمُ، وَلَكِنَّهُ لَوْ نَسِيَ فَإِنَّهُ لَا حَرَجٌ عَلَيْهِ يُتِمُّ صَوْمَهُ، وَلَا إِثْمٌ عَلَيْهِ إِذَا أَكَلَ أَوْ شَرِبَ نَاسِيًا؛ لَقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ نَسِيَ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ»(11).

وَالأَكْلُ حَتَّى لَوْ أَكَلَ شَيْئًا قَلِيلًا أَوْ أَكَلَ شَيْئًا ضَارًا؛ فَإِنَّهُ يُفْطِرُ بِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ لَوْ شَرِبَ شَيْئًا ضَارًا أَوْ شَيْئًا مُحْرَّمًا كَالخَمْرِ؛ فَإِنَّهُ يُفْطِرُ بِذَلِكَ. وَيَدْخُلُ فِي الأَكْلِ وَالشُّرْبِ مَا كَانَ فِي مَعْنَاهُمَا مِمَّا يُعْطَى لِلْمَرِيضِ، وَهِيَ المُغَذِّيَاتُ الَّتِي تَقُومُ مَقَامَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ هَذِهِ تُفْطِرُ إِذَا تَعَاطَاهَا المَرِيضُ، وَأَمَّا إِذَا تَنَاوَل إِبَرًا لَا تَقُومُ مَقَامَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ؛ فَإِنَّهُ لَا يُفْطِرُ بِذَلِكَ.

يُفْطِرُ كَذَلِكَ إِذَا جَامَعَ زَوْجَتَهُ: وَالمُرَادُ بِالجِمَاعِ مَا يَكُونَ فِي القُبَلِ -فِي الفَرَجِ- إِذَا جَامَعَهَا سَوَاءً أَنْزَلَ أَوْ لَمْ يُنْزِلْ؛ فَإِنَّه يُفْطِرُ بِهَذَا، وَهَذَا حَرَامٌ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ حِينَئِذٍ التَّوْبَةُ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَيَأْتِي بِالكَفَّارَةِ المُغَلَّظَةِ وَهِيَ: عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ؛ وَفِي هَذَا الزَّمَانِ لَا تَكَادُ تُوجَدُ الرِّقَابُ بَلْ قَدْ يُقَالُ: إِنَّهَا غَيْرُ مَوْجُودَةٍ؛ لَأَنَّ الجِهَادَ قَدْ تَعَطَّلَ فِي هَذِهِ الأَزْمِنَةِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً -فَلَابُدَّ أَنْ تَكُونَ مُؤْمِنَةً- صَامَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ لَابُدَّ أَنْ يَكُونَ الشَّهْرَانِ مُتَتَابِعَانِ لَوْ أَنَّهُ مَثَلًا صَامَ 50 يَوْمًا أَوْ 53 يَوْمًا، ثُمَّ قَالَ: سَأَفْطِرُ بَعْدَهَا يَوْمًا لِأَرْتَاحَ قَلِيلًا؛ فَإِنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَأْنِفَ الكَفَّارَةَ مِنْ جَدِيدٍ يُعِيدُ الصِّيَامَ مِنْ جَدِيدٍ؛ لِأَنَّهً لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ لِغَيْرِ عُذْرٍ. وَمِنَ الأَعْذَارِ الَّتِي تُبِيحُ لَهُ الفِطْرُ لَوْ سَافَرَ وَحَصَلَتْ لَهُ مَشَقَّةً، وَكَذَلِكَ إِذَا صَادَفَ أَيَّامًا يَحْرُمُ صَوْمَهَا، مِثْلُ: عِيدُ الأَضْحَى وَثَلَاثَةُ أَيَّامٍ الَّتِي بَعْدُهَا أَيَّامُ التَّشْرِيقِ، فَإِنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ صَوْمَهَا، يُفْطِرُ ثُمَّ يُوَاصِلُ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ بَعَدُ هَذِهِ الأَيَّامِ الَّتِي يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يَصُومَهَا. وَلَكَنْ هَذَيْنِ الشَّهْرَيْنِ لَابُدَّ أَنْ يَكُونَا مُتَتَابِعَيْنِ، وَإِذَا قَالَ: إِنَّهُ يَشُقُّ عَلَيْهِ الصِّيَامُ مَثَلًا عِنْدِي عَمَلٌ، فَإِنَّ هَذَا لَا يَعْذُرُهُ عَنِ الإِتْيَانِ بِهَذِهِ الكَفَّارَةِ، أَعْنِي: بِكَفَّارَةِ الصِّيَامِ-؛ لَأَنَّ الصِّيَامَ مَظَنَّةٌ مَشَقَّةٌ. أَمَّا إِذَا كَانَ عَاجِزًا؛ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُ الصِّيَامُ، أَمَّا إِذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى الصِّيَامِ وَلَكِنَّهُ يَحْتَجُ بِالمَشَقَّةِ، فَلَيْسَ هَذَا بِمَسُوغٍ لَهُ فِي عَدَمِ إِتْيَانِهِ بِهَذِهِ الكَفَّارَةِ -صِيَامِ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ- فَلَوْ لَمْ يَسْتَطِعْ كَانَ عَاجِزًا أَوْ كَانَ مَرِيضًا مَرَضًا لَا يُرْجَى شِفَاءَهُ؛ فَإِنَّهُ يَنْتَقِلُ إِلَى إِطْعَامِ سِتِّينَ مِسْكِينًا، وَهَذَا الإِطْعَامُ كِيلُو وَنِصْفٌ مِنْ قُوتِ البَلَدِ -الأَرُزُّ أَوْ التَّمْرُ أَوْ مَا شَابَهَ ذَلِكَ- أَوْ مَثَلًا يُغَدِّيهِمْ يَكْفِي، أَوْ يُعَشِّيهِمْ هَذَا يَكْفِي، أَوْ يُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا؛ فَإِنْ كَانَ فَقِيرًا لَيْسَ عِنْدَهُ مَالٌ يُطْعِمُهُمْ بِهِ سَقَطَتْ عَنْهُ الكَفَّارَةُ كَمَا حَصَلَ لِلرَّجُلِ الَّذِي أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ لَمَّا بَيَّنَ لَهُ هَذِهِ الكَفَّارَةُ اعْتَذَرَ عَنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا، وَبَيَّنَ عُذْرَهُ، فَعَذَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِشَيْءٍ، وَلَكِنْ فِي هَذِهِ الكَفَّارَةِ المُغَلَّظَةِ بَيَانٌ وَتَحْذِيرٌ مِنْ إِتْيَانِ الزَّوْجَةِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، أَعْنِي: جِمَاعُهَا فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، وَأَمَّا تَقْبِيلُهَا وَمُبَاشَرَتِهَا بِدُونِ إِنْزَالٍ؛ فَإِنَّ هَذَا لَا شَيْءٌ فِيهِ؛ لَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُقَبِّلُ نِسَاءَهُ وَكَانَ يُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمًا، وَلَكِنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَمْلَكَ النَّاس لِأَرْبِهِ أَوْ يُقَالُ: لِإِرْبِهِ؛ وَلِهَذَا مَنْ خَشِيَ عَلَى نَفْسِهِ مِنَ الوُقُوعِ فِي الحَرَامِ سَوَاءٌ أَنْ يَصِلَ إِلَى حَدِّ الإِنْزَالِ أَوْ أَنْ يَصِلَ إِلَى جِمَاعِهَا فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، فَلَا يَفْعَلُ، وَالسَّلَامَة لَا يَعْدِلُهَا شَيْئًا. وَإِذَا كَانَتِ الزَّوْجَةُ مُطَاوِعَةً لِزَوْجِهَا فِي الجِمَاعِ؛ فَعَلَيْهَا هِيَ الأُخْرَى كَفَّارَةٌ ثَانِيَةٌ، عَلَى زَوْجِهَا كَفَّارَةٌ وَعَلَيْهَا كَفَّارَةٌ أُخْرَى. أَمَّا إِذَا كَانَت مُكْرَهَةً أَوْ نَائِمَةً أَوْ مَا شَابَهَ ذَلِكَ؛ فَلَا شَيْءٌ عَلَيْهَا، وَتَكُونُ الكَفَّارَةُ عَلَى زَوْجِهَا. إِذًا لَمْ يَكُنْ هَذَا بِاخْتِيَارِهَا، وَإِنَّمَا كَانَ بِإِجْبَارِ الزَّوْجِ لَهَا. وَقَدْ تَسْأَلُ بَعْضَ النِّسَاءِ، فَتَقُولُ: مَا هُوَ العَمَلُ، إِذَا دَعَاهَا زَوْجُهَا لِذَلِكَ إِلَى الجِمَاعِ فِي نَهَارِ رَمَضَانِ، وَهِيَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا حَرَامٌ، يُقَالُ: لَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تُطِيعُهُ فِي ذَلِكَ، وَعَلَيْهَا أَنْ تَمْتَنِعَ مِنْهُ بِقَدَرِ الإِمْكَانِ، فَإِذَا مَا أَجْبَرَهَا وَجَامَعَهَا؛ فَلَا شَيْءٌ عَلَيْهَا وَعَلَيْهِ هُوَ وَحْدُهُ الكَفَّارَةُ. وَإِذَا تَكَرَّرَ الجِمَاعُ فِي اليَوْمِ الوَاحِدِ تَكَرَّرَ مَثَلًا: ثَلَاثُ مَرَّاتٍ، جَامَعَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ؛ فَإِنَّ عَلَيْهِ كَفَّارَةً وَاحِدَةً؛ لَأَنَّهُ أَفْسَدَ يَوْمًا وَاحِدًا، وَأَمَّا إِذَا جَامَعَهَا عِدَّةَ أَيَّامٍ، جَامَعَهَا مَثَلًا فِي رَمَضَانَ فِي النَّهَارِ خَمْسَةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ، فَفِي كُلِّ يَوْمٍ كَفَّارَةٌ. وَبَعْضُ الجَهَلَةِ يَحْتَالُ عَلَى ذَلِكَ فَيُفْطِرُ، ثُمَّ يُجَامِعُ زَوْجَتَهُ؛ هَذَا عَلَيْهِ الكَفَّارَةُ. وَقَدْ جَمَعَ مَعَ جِمَاعِهِ فِطْرُهُ فِي نَهَارِ رَمَضَانِ، فَزَادَ إِثْمُهُ هَذَا لَا يَعْفِيهِ إِذَا أَفْطَرَ، ثُمَّ جَامَعَ زَوْجَتَهُ؛ عَلَيْهِ الكَفَّارَةُ المُغَلَّظَةُ، وَعَلَيْهِ التَّوْبَةُ إِلَى اللهِ مِنْ ذَلِكَ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَقْضِيَ هَذَا اليَوْمُ الَّذِي أَفْسَدَهُ بِالجِمَاعِ، وَحَتَّى لَوْ لَمْ يُفْطِرْ لَوْ جَامَعَ زَوْجَتَهُ، فَإِنَّهُ عَلَيْهِ التَّوْبَةُ وَعَلَيْهِ الكَفَّارَةُ، وَبَعْدُ الكَفَّارَةِ يَقْضِي هَذَا اليَوْمُ الَّذِي أَفْسَدَهُ بِالجِمَاعِ. وَقَدْ بَيَّنَ شَيْخُ الإِسْلَامُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ المَسْأَلَةُ، وَهِيَ: مَا لَوْ أَفْطَرَ ثُمَّ جَامَعَ، فَقَالَ رَحِمَهُ اللهُ مَعْنَى كَلَامِهِ: إِنَّهُ تَجِبُ عَلَيْهِ الكَفَّارَةُ، وَأَنَّهُ قَدْ جَمَعَ وَزْرَيْنِ، فِطْرَهُ وَجِمَاعَهُ لِزَوْجَتِهِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، ثُمَّ قَالَ مَعْنَى كَلَامِهِ أَيْضًا: وَلَوْ لَمْ نَقُلْ بِذَلِكَ لَمَا أَوْجَبْنَا عَلَى أَحَدٍ كَفَّارَةٌ، لَوْ لَمْ نَقُلْ بِذَلِكَ لَصَارَ كُلُّ وَاحِدٍ يُجَامِعُ زَوْجَتَهُ، وَقَبْلُ أَنْ يُجَامِعَهَا يُفْطِرُ ثُمَّ لَا تَكُونُ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ. فَالشَّاهِدُ: أَنَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ أَيْضًا الكَفَّارَةُ، وَيُفْسِدُ الصِّيَامَ.

أَيْضًا بالنسبة لِلْرَّجُلِ إِنْزَالُ المَنِيِّ يَقَظَةٌ بِلَذَّةٍ بِاسْتِمْنَاءٍ مُحَرَّمٌ، أَوْ مُبَاشَرَةُ الزَّوْجَةِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ حَتَّى الإِنْزَالُ؛ وَهَذَا أَيْضًا مُحَرَّمٌ. أَصْلُ المُبَاشَرَةِ جَائِزٌ كَمَا عَرَفْنَا، وَلَكَن الإِنْزَالُ مُحَرَّمٌ؛ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ يَقَظَةً. أَمَّا الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَيْسَتْ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ، الكَفَّارَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالجِمَاعِ فَقَطْ، وَالجِمَاعُ عَرَفْنَا أَنَّهُ الَّذِي يَكُونُ فِي القُبَلِ، وَأَمَّا مَا سِوَى ذَلِكَ فَإِنَّ عَلَيْهِ التَّوْبَةَ إِلَى اللهِ، وأنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَقْضِيَ ذَلِكَ اليَوْمُ الَّذِي أَفْسَدَهُ بِإِنْزَالٍ، هَذَا المَاءُ مِنْهُ، أَمَّا إِذَا احْتَلَمَ -نَامَ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَوَجِدَ أَنَّهُ مُحْتَلِمٌ- فَصِيَامُهُ صَحِيحٌ وَلَا حَرَجٌ عَلَيْهِ.

وَيُفْسِدُ الصِّيَامُ أَيْضًا: أَنْ يَتَبَرَّعَ بِالدَّمِ الكَثِيرِ، أَوْ يَخْرُجُ مِنْهُ الدَّمُ الكَثِيرُ بِاخْتِيَارِهِ، مِثْلُ: الحِجَامَةُ، أَوْ مَثَلًا يَتَبَرَّعُ لِمَرِيضٍ بِدَمٍ كَثِيرٍ، فَإِنَّ هَذَا يُفْسِدُ الصِّيَامُ وَعَلَيْهِ أَنْ يَقْضِيَ هَذَا اليَوْمِ، وَأَمَّا إِذَا خَرَجَ مِنْهُ دَمٌ قَلِيلٌ لِلْتَحْرِيمِ أَوْ مَا شَابَهَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَا يُفْطِرُ إِنَّمَا يُفْطِرُ بِالدَّمِ الكَثِيرِ، وَكَذَلِكَ لَوْ احْتَاجَ لِخَلْعِ ضِرْسٍ فَخَلَعَهُ وَنَزِلَ مِنْهُ الدَّمُ لَا شَيْءٌ عَلَيْهِ وَصِيَامُهُ صَحِيحٌ. وَأَمَّا إِذَا خَرَجَ مِنْهُ الدَّمُ الكَثِيرُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ؛ فَإِنَّ صِيَامَهُ صَحِيحٌ، مِثْلُ: لَوْ أَصَابَهُ جَرْحٌ أَوْ حَادِث -لَا قَدَّرَ اللهُ- فَنَزَلَ مِنْهُ دَمٌ كَثِيرٌ، أَوْ نَزَلَ مَعَهُ مَثَلًا رُعَافٌ أَوْ مَا يَنْزِلُ مِنْ أَنْفِهِ؛ فَإِنَّ صِيَامَهُ صَحِيحٌ؛ لَأَنَّ هَذَا الدَّمَ خَرَجَ مِنْهُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ.

وَأَيْضًا يُفْسِدُ الصِّيَامُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَرْأَةِ: خُرُوجُ دَمُ الحَيْضِ وَالنِّفَاسِ، فَإِذَا خَرَجَ دَمُ الحَيْضِ وَالنِّفَاسِ مِنَ المَرْأَةِ فَقَدْ أَفْطَرَتْ، ثُمَّ إِنَّ الحَائِضَ وَالنُّفَسَاءَ لَا يَجُوزُ لَهُمَا الصِّيَامُ، يُحَرَّمُ عَلَيْهِمَا الصِّيَامُ؛ وَلَوْ صَامَتَا لَمْ يُجْزِئْهُمَا، وَكَذَلِكَ تُحَرَّمُ عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ، وَلَوْ صَلَّتَا لَمْ يُجْزِئْهُمَا فَإِنَّ عَلَيْهِمَا الفِطْرَ، وَهَذَا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ؛ لِأَنَّ فِي خُرُوجِ هَذَا الدَّمِ مِنَ المَرْأَةِ وَهْنًا وَضَعْفًا فِي بَدَنِهَا، فَلَوْ وَجَبَ عَلَيْهَا الصِّيَامُ لَكَانَ فِي ذَلِكَ مَشَقَّةٌ عَلَيْهَا، وَاللهُ تَعَالَى قَالَ: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ(12)، قَالَ: هَذَا فِي نَفْسِ آيَاتِ الصِّيَامِ، وَلِقَوْلِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا الثَّابِتُ فِي «الصَّحِيحِ»: «كُنَّا نُؤْمِرَ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ، وَلَا نُؤْمِرَ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ»(13)، وَنُقْصَانُ دِينُ المَرْأَةِ هُوَ فِي تَرْكِهَا لِلْصِّيَامِ، وَتَرْكِهَا لِلْصّلَاةِ إِذَا نَزَلَ مَعَهَا الدَّمُ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَيْسَ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهَا عِبَادَةٌ فِي وَقْتِ الحَيْضِ بَلْ إِنَّهَا تَتَعَبَّدُ للهِ كَمَا شَرَعَ، وَلَكِنْ لَا تُصَلِّي وَلَا تَصُومُ، لَوْ نَزَلَ الدَّمُ عَلَى المَرْأَةِ الحَائِضِ قَبْلَ الغُرُوبِ بِنِصْفِ سَاعَةٍ، المُهِمُّ أَنَّهُ نَزَلَ قِبْلَ الغُرُوبِ؛ فَإِنَّهَا تُفْطِرُ وَصِيَامِهَا لَهَذَا اليَوْمِ يَفْسُدُ، وَعَلَيْهَا أَنْ تَقْضِيَ هَذَا اليَوْمَ وَلَا تَجْزَعُ، تَقُولُ مَثَلًا: لِمَاذَا نَزَلَ مَعِي الدَّمُ وَأَنَا عَلَى وَشَكِّ الانْتِهَاءِ مِنْ هَذَا اليَوْمِ؟ فَنَقُولُ: للهِ تَعَالَى الحِكْمَةُ البَالِغَةُ فِي ذَلِكَ، ثُمَّ إِنَّ المَرْأَةَ مَأْجُورَةٌ بِامْتِثَالِهَا لَأَمْرِ اللهِ لَمَّا صَامَتْ هَذَا اليَوْمَ إِلَى أَنْ نَزَلَ مَعَهَا الدَّمُ، هِيَ مَأْجُورَةٌ عَلَى ذَلِكَ، أَمَّا لَوْ نَزَلَ مَعَهَا الدَّمُ بَعْدَ الغُرُوبِ فَصِيَامُهُا صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ اليَوْمَ قَدْ تَمَّ، وَأَفْطَرَتْ مِنْ غَيْرِ مُفْسِدٍ. وَالمُفْسِدُ جَاءَ بَعْدَ الإِفْطَارِ فَصِيَامُهُا لَهَذَا اليَوْمِ صَحِيحٌ. النُّفَسَاءُ لَوْ طَهُرَتْ قَبْلَ الأَرْبَعِينَ؛ فَإِنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهَا تَصُومُ، وَأَنَّهَا تُصَلِّي، وَأَنَّهَا تَحُلُّ لِزَوْجِهَا، وَلَوْ لَمْ تَتِمَّ مُدَّةَ الأَرْبَعِينَ، إِذَا طَهُرَتْ قَبْلَ ذَلِكَ فَإِنَّهَا تَصُومُ وَتُصَلِّي وَتَحُلُّ لِزَوْجِهَا، وَلَوْ رَجِعَ مَعَهَا الدَّمُ أَثْنَاءَ مُدَّة الأَرْبَعِينَ مَثَلًا لَوْ طَهُرَتْ بَعْدَ 35 يَوْمًا فَصَامَتْ وَصَلَّتْ، وَبَعْدُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ رَجَعَ مَعَهَا الدَّمُ فَإِذَا كَانَ فِي مُدَّةِ الأَرْبَعِينَ؛ فَإِنَّهَا تَعْتَبِرُهُ دَمَ نِفَاسٍ، وَيَكُونُ مَا مَضَى مِنْ صَلَاتِهَا وَصِيَامِهَا عَلَى طُهْرٍ يَكُونَ صَحِيحًا مُجْزِئًا. وَأَمَّا إِذَا اسْتَمَرَّ مَعَهَا الدَّمُ بَعْدَ الأَرْبَعِينَ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ دَمُ الفَسَادِ، يَعْنِي: مِثْلُ البَوْلُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْهَا لَا تَعْتَبِرُ بِهِ، وَإِنَّمَا تَتَطَهَّرَ مِنْهُ، وَتُصَلِّي وَتَصُومُ وَتَحُلُّ لِزَوْجِهَا؛ لَأَنَّ أَقْصَى مُدَّةٍ لِلْنِّفَاسِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَكُونُ فِي حُكْمِ دَمِ الفَسَادِ، يَعْنِي مِثْلُ مَا يُصِيبُ المُسْتَحَاضَةُ حُكْمُهَا حُكْمُ المُسْتَحَاضَةِ فِي هَذَا الأَمْرِ.

وَيُفْسِدُ الصِّيَامُ كَذَلِكَ: التَّقَيْؤُ عَمْدًا، أَمَّا إِذَا تَقَيْأَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ فَصِيَامُهُ صَحِيحٌ؛ لَقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ ذَرَعَهُ القَيْءُ فَلَا قَضَاءٌ عَلَيْهِ، وَمَنْ اسْتَقَاءَ فَعَلَيْهِ القَضَاءُ»(14).

وَيُفْسِدُ الصِّيَامُ أَيْضًا: لَوْ نَوَى الإِنْسَانُ الأَكْلَ لَكِنَّهُ ذَهَبَ إِلَى البَيْتِ وَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا يَأْكُلُهُ، فَإِنَّ هَذَا بَنَيَّتِهِ وَعَزْمِهِ عَلَى الفِطْرِ يَكُونَ قَدْ أَفْسَدَ يَوْمَهُ، عَلَيْهِ الإِمْسَاكُ فِيمَا بَقِيَ مِنْ هَذَا اليَوْمِ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَقْضِيَ هَذَا اليَوْمُ؛ لَأَنَّ نِيَّتَهُ فِي عَزْمِهِ عَلَى الإِفْطَارِ جَعَلَتْ هَذَا اليَوْمَ لَا تُسْتَكْمَلُ فِيهِ النِّيَةُ فِي جَمِيعِ أَوْقَاتِهِ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ يَجِبُ أَنْ تَسْتَوْعِبَ اليَوْمَ كُلَّهُ، فَإِذَا حَصَلَ فِي أَثْنَاءِ اليَوْمِ نَقْضٌ لَهَا فَعَلَيْهِ أَنْ يَقْضِيَ هَذَا اليَوْمُ بِخِلَافِ صَوْمِ النَّفْلِ، فَإِنَّهُ لَوْ صَامَ نَفْلًا وَنَوَى الإِفْطَارَ، ثُمَّ أَكْمَلَ يَوْمَهُ، فَإِتْمَامُهُ لِلْيَوْمِ يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّ هَذَا صَوْمَ نَفْلٌ، وَلَا يَشْتَرِطُ لَهُ مَا يَشْتَرِطُ مِنْ صَوْمِ الفَرْضِ مِنَ اسْتِيعَابِ النِّيَّةِ عَلَى جَمِيعِ اليَوْمِ، وَلِحَدِيثِ حَفْصَةِ: «مَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ فَلاَ صِيَامَ لَهُ»(15). إِذًا النِّيَّةُ لَابُدَّ مِنْهَا، وَأَنْ تَكُونَ فِي جَمِيعِ اليَوْمِ، وَهَذِهِ النِّيَّةُ لَيْسَ مَعْنَاهَا أَنْ يَتَلَفَّظَ الإِنْسَانُ بِلِسَانِهِ، هَذَا لَا يَجُوزُ؛ لَأَنَّ النِّيَّةَ مَحَلُّهَا القَلْبُ، وَيَكْفِي لِلْإِنْسَانُ تَسَحُّرُهُ وَنِيَّتُهُ مِنَ الآنَ أَنَّهُ إِذَا جَاءَ رَمَضَانَ صَامَ. فَأَفْعَالُ المُسْلِمِيْنَ تَدُلُّ عَلَى مَا فِي قُلُوبِهِمْ، وَلَا حَاجَةٌ لِلْإِنْسَانِ يُوَسْوِسُ كَثِيرًا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالنِّيَّةِ هَلْ نَوَيْتُ، أَوْ مَا نَوَيْتْ؟ نَقُولُ كَمَا قَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلَمْ: مَنْ نَوَى فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ أَنْ يَصُومَ كَفَى وَالحَمْدُ للهِ وَدِينُنَا لَيْسَ مَبْنِيًا عَلَى التَّعْسِيرِ بَلْ هُوَ عَلَى التَّيْسِيرِ.

رَخْصِةُ الفِطْرِ: يَجُوزُ لِلْصَّائِمِ إِذَا سَافَرَ أَنْ يُفْطِرَ، سَوَاءً سَافَرَ بِالطَّائِرَةِ أَوِ السَّيَّارَةِ، سَوَاءً كَانَ السَّفَرُ فِيهِ مَشَقَّةً أَوْ لَيْسَ فِيهِ مَشَقَّةً، فَإِنَّ الأَمْرَ وَاسِعٌ فِي حَقِّهِ وَاللهُ تَعَالَى قَالَ: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ(16)، وَقَدْ رَأَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا اجْتَمَعَ النَّاسُ إِلَيْهِ، وَقَدْ أُغْشِيَ عَلَيْهِ -صَامَ فِي السَّفَرِ ثُمَّ أُغْمَى عَلَيْهِ- فَنَهَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ وَأَمَرَهُ بِالفِطْرِ وَقَالَ: «لَيْسَ مِنَ البَرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ»(17). وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلَمِ: إِنَّ الفِطْرَ فِي السَّفَرِ أَفْضَلُ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَتْ فِيهِ مَشَقَّةٌ أَوْ لَا؛ لَأَنَّ هَذِهِ رُخْصَةٌ، وَيَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَأْخُذَ وَيَسْتَرْخَصُ بِمَا أَبَاحَهُ اللهُ تَعَالَى لَهُ، وَاللهُ تَعَالَى يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ، وَيَجُوزُ لِلْحَامِلِ وَالمُرْضِعِ أَنْ تُفْطِرَا سَوَاءً خَافَتَا عَلَى نَفْسِيهِمَا أَوْ عَلَى وَلَدِيهِمَا. وَالمَشْهُورُ فِي مَذْهَبِ الحَنَابِلَةِ: أَنَّهُمَا إِذَا خَافَتَا عَلَى نَفْسِيهِمَا؛ فَإِنَّهُمَا يُفْطِرَانِ وَلَيْسَ عَلَيْهِمَا إِلَّا القَضَاءُ، وَأَمَّا إِذَا خَافَتَا عَلَى وَلَدِيهِمَا فَعَلَيْهِمَا القَضَاءُ وَعَلَيْهِمَا الكَفَّارَةُ، وَالكَفَّارَةُ إِطْعَامُ مِسْكِينٌ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ إِذَا خَافَتَا عَلَى وَلَدَيهِمَا. فَالحَاصِلُ أَنَّ الحَامِلَ وَالمُرْضِعَ يَجُوزُ لَهُمَا أَنْ تَفْطِرَا، وَهَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى سِعَةِ الشَّرِيعَةِ وَتَيْسِيرُهَا، وَمَنْ كَانَ عَاجِزًا عَنِ الصِّيَامِ -كَبِيرًا فِي السِّنِّ أَوْ مَرِيضًا- فَإِنَّهُ يُفْطِرُ وَلَا صِيَامُ عَلَيْهِ إِنَّمَا عَلَيْهِ الإِطْعَامُ فَقَطْ هَذَا الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى الصِّيَامِ أَبَدًا، مَرِيضٌ مَرَضًا مُسْتَمِرًّا مَعَهُ، عَاجِزٌ عَنِ الصِّيَامِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ صِيَامٌ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ الإِطْعَامُ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا وَلَوْ أَنَّهُ أَخْرَجَ الكَفَّارَةَ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ لَكَفَى. إِذَا أَخْرَجَهَا فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ عَنْ 30 يَوْمًا، فَإِنَّهُ يَكْفِي، أَوْ عَنْ 10 أَيَّامٍ، ثُمَّ يَخْرُجُ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ 10 أَيَّامٍ، ثُمَّ عَنْ 10 فَإِنَّ هَذَا يَكْفِي. المُهِمُّ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى العَاجِزِ عَنِ الصِّيَامِ، أَوْ المَرِيضِ إِلَّا الإِطْعَامُ لَيْسَ عَلَيْهِمَا صِيَامٌ، وَأَمَّا الَّذِي مَرَضَهُ عَارِضٌ فَإِنَّهُ يُفْطِرُ وَيَنْتَظِرُ حَتَّى يُشْفَى، ثُمَّ يَقْضِي مَا عَلَيْهِ حَتَّى لَوْ تَأَخَّرَ قَضَاءهُ فَلَا شَيْءٌ عَلَيْهِ؛ لَأَنَّهُ أَخَّرَهُ لِعُذْرٍ، أَعْنِي إِذَا أَخَّرَهُ لِعُذْرٍ فَلَا شَيْءٌ عَلَيْهِ، أَمَّا لَوْ أَخَّرَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ حَتَّى جَاءَ رَمَضَانُ التَّالِي فَإِنَّ هَذَا لَا يَجُوزُ لَهُ وَعَلَيْهِ أَنْ يَصُومَ رَمَضَانَ التَّالِي، ثُمَّ يَقْضِي مَا عَلَيْهِ مِنْ رَمَضَانَ الأُوَّلِ، وَيُطْعِمُ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا جَزَاءَ تَأْخِيرِهِ الصِّيَامِ بِغَيْرِ عُذْرٍ، وَيُلَاحِظُ عَلَى بَعْضِ النِّسَاءِ فِي هَذَا البَابِ تَأْخِيرُهُنَّ لِصِيَامِ القَضَاءِ حَتَّى يَأْتِيَ رَمَضَانُ الثَّانِي، ثُمَّ بَعْدُ ذَلِكَ يَدْخُلُ رَمَضَانُ الثَّانِي وَقَدْ بَقِيَ عَلَيْهَا أَيَّامٌ مِنْ رَمَضَانَ الأُوَّلِ، وَفِي هَذِهِ الحَالَةِ: عَلَيْهَا التَّوْبَةُ إِلَى اللهِ؛ لَأَنَّ تَأْخِيرَهَا لِلْقَضَاءِ لِغَيْرِ عُذْرٍ لَا يَجُوزُ، ثُمَّ إِذَا قَضَتْ مَا عَلَيْهَا مِنْ رَمَضَانَ الأُوَّلِ، فَتَقْضِي وَتُطْعِمُ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا كَفَّارَةً لِتَأْخِيرِهَا الصِّيَامِ لِغَيْرِ عُذْرٍ أَمَّا إِذَا أَخَّرَتْهُ لِعُذْرٍ فَلَا شَيْءٌ عَلَيْهَا مِثْلُ المَرِيضُ الَّذِي اسْتَمَرَّ مَعَهُ المَرَضُ حَتَّى جَاءَ رَمَضَانُ الثَّانِي فَمَنْ أَخَّرَ القَضَاءَ لِعُذْرٍ فَلَا شَيْءٌ عَلَيْهِ، وَأَمَّا مَنْ أَخَّرَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ فَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ التَّوْبَةُ إِلَى اللهِ، وَأَنْ يَقْضِيَ مَا عَلَيْهِ، وَأَنْ يُطْعِمَ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا هَذَا إِذَا كَانَ مَرِيضًا مَرَضَهُ عَارَضٌ، وَأَمَّا العَاجِزُ وَمَنْ مَرَضَهُ مُسْتَمِرٌّ فَلَيْسَ عَلَيْهِمَا صِيَامٌ، إِنَّمَا عَلَيْهِمَا الإِطْعَامُ فَقَطْ.

هَدْيُ السَّلَفِ فِي رَمَضَانَ:

أَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِهَدْيِ السَّلَفِ فِي رَمَضَانَ قَبْلُ أَنْ نَشْرَعَ فِي بَعْضِ أَحْكَامِ صَلَاةِ اللَّيْلِ: فَإِنَّ سَلَفَنَا الصَّالِحِ رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى كَانُوا يَفْرَحُونَ أَوَّلًا بِقَدُومِ شَهْرِ رَمَضَانَ كَمَا يَفْرَحُ بَعْضُنَا بِدُنْيَاهُ. كَانَ سَلَفُنَا يَفْرَحُونَ بِشَهْرِ رَمَضَانَ أَشَدَّ مِنْ فَرَحِ بَعْضِ النَّاسِ بِدُنْيَاهُ وَأَمْوَالِهِ وَمَكَاسِبِهِ وَمَتَاعِهِ وَمَلَذَّاتِهِ، وَكَانُوا إِذَا دَخَلَ هَذَا الشَّهْرُ تَغَيَّرَتْ أَحْوَالُهُمْ فِي العِبَادَةِ إِلَى الأَفْضَلِ إِلَى أَكْثَرِ مِمَّا كَانُوا عَلَيْهِ، مَعَ أَنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ دُخُولِ شَهْرِ رَمَضَانَ فِي عِبَادَةٍ، وَلَكِنْ إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ زَادُوا فِي ذَلِكَ وَعَلَى رَأْسِهِمْ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا -وَهَذَا مَخْرّجٌ فِي «الصَّحِيحِ»-: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ»(18)، فَالرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ، هَكَذَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يُكْثِرُ مِنْ طَاعَةِ اللهِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، يُكْثِرُ مِنَ الصَّدَقَةِ، وَالإِحْسَانِ، وَتِلَاوَةِ، القُرْآنِ، وَالصَّلَاةِ، وَالذِّكْرِ، وَالاعْتِكَافِ، فَهُوَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَجْوَدُ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي هَذَا الشَّهْرِ، ثُمَّ فِي مُدَارَسَةِ جِبْرِيلِ لِلْنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ القُرْآنِ إِشَارَةً إِلَى اخْتِصَاصِ هَذَا الشَّهْرِ بِالقُرْآنِ، كَمَا تَقَدَّمَ مَعَنَا دِارَسَةُ القُرْآنِ، وأُنْزِلَ القُرْآنُ فِيهِ.

إِذًا هَذَا الشَّهْرُ لَهُ خُصُوصِيَّةٌ بِالقُرْآنِ وَالَّذِي يَنْبَغِي عِبَادَ اللهِ أَنْ يُكْثِرَ الإِنْسَانُ كَثِيرًا مِنْ قِرَاءَةِ القُرْآنِ فِي هَذَا الشَّهْرِ، وَأَنْ يَحْرِصُ عَلَى تَدَبُّرِهِ وَعَلَى تَحْسِينِ الصَّوْتِ بِهِ، وَعَلَى أَنْ يَقْرَأَهُ فِي صَلَاتِهِ فِي نَافِلَتِهِ، فَسَلَفُنَا الصَّالِحِ كَانُوا كَذَلِكَ: الإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى كَانَ يَخْتِمُ القُرْآنَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ. وَكَانَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ أَبُو عَبْدِ اللهِ رَحِمَهُ اللهُ إِمَامُ دَارِ الهِجْرَةِ، إِمَامُ المَدِينَةِ كَانَ إِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ تَرَكَ قِرَاءَةَ الحَدِيثِ وَمَجَالِسَ العِلْمِ، وَأَقْبَلَ عَلَى قِرَاءَةِ القُرْآنِ الكَرِيمِ مِنَ المُصْحَفِ. وَكَذَلِكَ كَانَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ يَتْرُكُ مَجَالِسَ العِلْمِ وَيَقْبِلُ عَلَى قِرَاءَةِ القُرْآنِ مِنَ المُصْحَفِ. وَكَانَ قَتَادَةُ بْنُ دِعَامَةَ السَّدُوسِيُّ مِنْ كِبَارِ تَلَامِذَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَانَ إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ هُوَ فِي الأَصْلِ قَبْلُ رَمَضَانِ يَخْتِمُ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ فِي جَمِيعِ السَّنَةِ، لَكِنْ إِذَا دَخَل رَمَضَانُ، فَإِنَّهُ يَخْتِمُ القُرْآنَ فِي كُلِّ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَإِذَا دَخَلَتْ العَشْرُ الأَوَاخِرُ فَفِي كُلِّ يَوْمٍ يَخْتِمُ القُرْآنَ مَرَّةً. وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ كَذَلِك َيَخْتِمُ القُرْآنَ فِي رَمَضَانَ فِي كُلِّ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَفِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ فِي كُلِّ يَوْمَيْنِ. وَكَانَ الأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ النَّخَعِيُّ، وَهَذَيْنِ كِلَاهُمَا مِنْ تَلَامِذَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعَودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، كَانَ الأَسْوَدُ يَخْتِمُ القُرْآنَ فِي رَمَضَانَ فِي كُلِّ يَوْمَيْنِ. وَكَانَ عُثَمَانُ بْنُ عَفَّانَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ المَشْهُورُ بِالإِكْثَارِ مِنْ قِرَاءَةِ القُرْآنِ، وَالَّذِي كَمَا ذُكِرَ عَنْهُ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ: كَانَ يَخْتِمُ القُرْآنَ فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ، بَلْ كَانَ يَسْهَرُ لَيْلَهُ فِي رَكْعَةِ وِتْرٍ فَيُكَمِّلُ خَتْمَةَ القُرْآنِ، كَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَجْلِسُ فِي المَسْجِدِ -عُثَمَانُ بْنُ عَفَّانَ- فَيَقْرَأُ القُرْآنَ كَثِيرًا حَتَّى تَمْضِي عَلَيْهِ السَّاعَاتُ مِنَ النَّهَارِ، وَهُوَ فِي المَسْجِدِ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ النَّاسِ: إِنَّكَ تَشُقُّ عَلَى نَفْسِكِ، فَقَالَ: لَوْ شُفِيتْ قُلُوبُنَا مَا شَبِعَتْ مِنَ القُرْآنِ، ذُكِرَ عَنْهُ: أَنَّهُ كَانَ يَخْتِمُ القُرْآنَ فِي رَمَضَانَ كُلِّهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّةً. هَذِهِ نَمَاذِجُ وَالأَمْثِلَةُ كَثِيرَةٌ عَلَى حِرْصِ السَّلَفِ عَلَى قِرَاءَةِ القُرْآنِ، وَالَّذِي يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَتَأَسَّى بِهِمْ، وَأَنْ يُقْبِلَ عَلَى القُرْآنِ بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ، وَأَنْ يَحْسُنَ قِرَاءَتَهُ كَمْ مِنَ المُسْلِمِيْنَ مَنْ لَا يَعْرِفُ قِرَاءَةُ القُرْآنِ قِرَاءَةً صَحِيحَةً؟! وَكَمْ وَكَمْ مَنْ لَا يَعْرِفُ كَثِيرًا مِنَ الآيَاتِ وَمَعَانِيهَا الغَزِيرَةِ؟! وَلَكِنْ يَرَى نَفْسَهُ أَنْ يَعُودَ إِلَى مَا كَتَبَهُ أَهْلُ العِلْمِ فِي التَّفَاسِيرِ المَوْثُوقَةِ، ثُمَّ يَطَّلِعُ عَلَى مَا فِي كِتَابِ اللهِ مِنَ الأَسْرَارِ وَالمَعَانِي وَالأَحْكَامِ وَالمَنَاهِي، فَهَذِهِ فُرْصَةٌ. وَكَذَلِكَ شَهْرُ رَمَضَانَ فُرْصَةٌ لِحَفَظَةِ كِتَابِ اللهِ؛ أَوَّلًا: لِلازْدِيَادِ مِنَ الحِفْظِ، فَإِنَّ الَّذِي يُكَرِّرُ مَا لَمْ يَحْفَظْهُ لِيَحْفَظَهُ هَذَا لَعَلَّهُ أَفْضَلُ مِمَّنْ يَحْرِصُ عَلَى قِرَاءَتِهِ نَظَرًا، وَيَخْتِمُهُ كَثِيرًا. نَقُولُ لِيَكْتَفِيَ هَذَا بِخَتْمِهِ فِي الشَّهْرِ مَرَّةً، وَيُوفَّرُ بَاقِي الوَقْتِ فِي حِفِْظِ كِتَابِ اللهِ لَعَلَّهُ أَنْ يَخْرُجَ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ بِأَجْزَاءٍ لَا بِأَقُولٍ، بِجُزْءٍ وَاحِدٍ أَوْ جُزْأَيْنِ لَعَلَّهُ بِأَجْزَاءٍ كَثِيرَةٍ مِنَ القُرْآنِ الكَرِيمِ؛ لَأَنَّهُ يَقْرَأَهُ وَيَسْمَعُهُ فِي اللَّيْلِ، وَيَسْمَعُهُ كَذَلِكَ فِي بَقِيَّةِ الأَوْقَاتِ، وَقَدْ أَخْبَرَ اللهُ تَعَالَى أَنَّ هَذَا القُرْآنَ يَسِيرُ: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ(19) فِي زَمَانِنَا هَذَا لَمَّا كَثُرَتْ دَوْرُ النِّسَاءِ الخَيْرِيَّةِ الَّتِي تُعَلِّمُ النِّسَاءَ القُرْآنَ تِلَاوَةً وَحِفْظًا صَارَ وَللهِ الحَمْدِ مِنْ نِسَائِنَا مَنْ هُنَّ جَدَّاتٌ لَهُنَّ أَحْفَادٍ، وَمَعَ ذَلِكَ يَحْفَظْنَ أَجْزَاءً مِنَ القُرْآنِ الكَرِيمِ، وَقَدْ كُنَّ قَبْلَ ذَلِكَ لَا يَعْرَفْنَ قِرَاءَتَهُ أُمِّيَاتِ، وَلَكِنَ اللهُ تَعَالَى مَنَّ عَلَيْهِنَّ بِذَلِكَ. إذًا القُرْآنُ يَسِيرٌ، وَأَمَّا مَنْ مَنَّ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ بِالحِفْظِ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَّقِي اللهَ، وَأَنْ يَتَعَاهَدَ القُرْآنَ فَإِنَّهُ أَشَدُّ تَفَلُّتًا مِنَ الإِبِلِ فِي عَقْلِهَا؛ وَلِأَنَّهُ إِذَا حَفِظَهُ وَأَتْقَنَهُ وَأَحْسَنَ تِلَاوَتِهِ فَإِنَّهُ مَعَ السَّفَرَةِ الكِرَامِ البَرَرَةِ كَمَا أَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَيُقَالُ لِقَارِئِ القُرْآنِ: (اقْرَأْ وَارْتَقِي، فَإِنَّ مَنْزِلَتَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَؤُهَا)، وَيَكُونَ القُرْآنُ شَفِيعًا لَهُ، وَلَيْسَ هُنَاكَ يَا عِبَادَ اللهِ أَحْسَنَ مِنْ كَلَامٍ وَلَا أَصْدَقَ مِنَ القُرْآنِ، وَلَا أَطْيَبَ حَدِيثًا مِنْهُ، وَلَا أَفْضَلَ مِنْهُ، هُوَ كَلَامُ اللهِ مُنَزَّلُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ يَتَعَبَّدُ بِتِلَاوَتِهِ، هُوَ حَبْلُ اللهِ المَتِينِ، وَهُوَ الذِّكْرُ الحَكِيمُ، وَهُوَ الصِّرَاطُ المُسْتَقِيمُ، وَهُوَ الَّذِي لَا تَزِيغُ بِهِ الأَهْوَاءُ، وَلَا تَلْتَبِسُ بِهِ الالسُنُ، وَلَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ، وَلَا يُخْلَقُ مِنْ كِثْرَةِ الرَّدِّ، مَنْ قَالَ بِهِ صَدَقَ، وَمَنْ حَكَمَ بِهِ عَدَلَ، وَمَنْ دَعَا إِلَيْهِ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، وَهُوَ القَوْلُ الفَصْلُ لَيْسَ بِالهَزْلِ، مَنْ تَرَكَهُ مِنْ جَبَّارٍ قَسَمَهُ اللهُ، وَمَنِ ابْتَغَ الهُدَى فِي غَيْرِهِ أَضَلَّهُ اللهُ يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ(20).

وَهَذَا الجُودُ الَّذِي ذُكِرَ عَنْ نَبِيِّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَشْمَلُ الجُودَ كُلَّهُ فِيمَا يَكُونُ فِي مَرْضَاةِ اللهِ، يَشْمَلُ الجُودَ بِالنَّفْسِ، وَيَشْمَلُ الجُودَ بِالمَالِ، وَيَشْمَلُ الجُودَ بِالعِلْمِ، وَيَشْمَلُ الجُودَ بِالأَخْلَاقِ وَبِكُلِّ مَا يُرْضِيَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ، يَشْمَلُ الجُودَ بِكُلِّ مَا هُوَ حَسَنَةٍ وَقُرْبَةٍ إِلَى المُوَلَّى سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هَذَا شَهْرُ الجُودُ وَالكَرَمُ وَالبَذْلُ وَالسّخَى، انْفِقُوا عِبَادَ اللهِ، تَصَدَّقُوا تَفَقَّدُوا المَحَاوِيجَ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ فَضْلُ مَالٍ فَلَا يَنْسَى إِخْوَانًا لَهُ، لَا يَنْسَى فُقَرَاءً مَحْرُومِينَ بِهِمْ مِنَ الضَّنْكِ وَالشَّظْفِ وَالعِيلَةِ مَا لَا يَعْلَمَهُ إِلَّا اللهُ، ثُمَّ لِنَتَأَمَّلَ قَوْلُ اللهِ تَعَالَى فِي وَصْفِ المُتَّقِينَ: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالمَحْرُومِ(21)، بَعْضُ النَّاسِ لَا يَعْطِي إِلَّا لِلْسَّائِلِ الَّذِي يَأْتِي وَيَسْأَلُ، أَمَّا المَحْرُومُ الَّذِي يَسْتَحِي مِنْ سُؤَالِ النَّاسِ، لَوْ قَطَّعَ لَو تَلَوَّى جُوعًا فِي بَيْتِهِ مَا قَالَ لِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ: أَعْطَوْنِي أَوْ تَصَدَّقُوا عَلَيَّ قَدْ مَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ الحَيَاءُ، وَالحَيَاءُ لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ، وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالمَحْرُومِ﴾ تَنْبِيهٌ إِلَى أَنْ نَبْحَثَ عَنْ هَؤُلَاءِ كَيْفَ نَعْرِفُ المَحْرُومِينَ؟ إِلَّا إِذَا بَحَثْنَا عَنْهُمْ؛ وَلِهَذَا يَقُولُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا ثَبَتَ فِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «السَّاعِي عَلَى الأَرْمَلَةِ وَالمِسْكِينِ كَالمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللهِ»، وَأَحْسَبُهُ قَالَ: «كَالقَائِمِ الَّذِي لَا يَفْتُرُ، وَالصَّائِمِ الَّذِي لَا يَفْطِرُ»(22)، (السَّاعِي) الَّذِي يَتَفَقَّدُ هَؤُلَاءِ، وَسَلَفُنَا كَانُوا كَذَلِكَ مِنْهُمْ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ وَعَنْ أَبِيهِ، وَهُوَ سَيِّدُ شَبَابُ الجَنَّةِ، وَمَعَ ذَلِكَ ذُكِرَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَطُوفُ عَلَى بُيُوتِ الفُقَرَاءِ فِي اللَّيْلِ وَمَعَهُ الطَّعَامُ يَحْمِلُهُ عَلَى ظَهْرِهِ، وَكَانَ يَمْشِي عَلَى بُيُوتِهِمْ، وَيَطْرِقُ البَابَ، وَهُوَ مُسْتَخَفٌّ عَنْهُمْ لَا يَعْرِفُونَهُ، ثُمَّ يَدْفَعُ لَهُمْ الطَّعَامُ، وَيَمْشِي إِلَى غَيْرِهِمْ، وَكَانَ الفُقَرَاءُ لَا يَعْرِفُونَهُ لَا يَدْرُونَ مَنْ هَذَا الَّذِي يَأْتِيَهُمْ بِالصَّدَقَةِ فِي اللَّيْلِ، فَلَمَّا مَاتَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ افْتَقَدَ الفُقَرَاءُ هَذِهِ الصَّدَقَةَ، افْتَقَدُوا مَنْ كَانَ يَأْتِيَهُمْ بِالطَّعَامِ فِي اللَّيْلِ.

زَّكَاةُ الفِطْرِ:

مَا يَخْرُجُ مَنِ الزَّكَاةِ فِي هَذَا الشَّهْرِ: زَكَاةُ عُرُوضِ التِّجَارَةِ، وَزَكَاةُ سَائِمَةِ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ إِذَا حَلَّتْ فِي هَذَا الشَّهْرِ، وَزَكَاةُ الحُبُوبِ وَالثِّمَارِ. لَكِنْ أَكْثَرُ مَا يَخْرُجُ مِنْ الزَّكَاةِ فِي هَذَا الشَّهْرِ هِيَ زَكَاةُ النُّقُودِ، وَزَكَاةُ عُرُوضِ التِّجَارَةِ السِّلَعُ الَّتِي تُعَدُّ لِلْبَيْعِ يَجِبُ عَلَى المُسْلِمِ وَعَلَى المُسْلِمَةِ إِذَا كَانَ عِنْدَهَا ذَهَبٌ أَنْ تُؤَدِّي زَكَاتَهُ سَوَاءً كَانَتْ تَلْبِسَهُ أَوْ تَقْتَنِيهِ، فَإِنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ هَذَا مَالٌ، وَأَنَّ عَلَيْهَا زَكَاتَهُ، وَلَوْ كَانَتْ تَلْبَسَهُ فِي عُمْرِهَا كُلِّهِ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ لَوْ ذَهَبَتْ بِهِ إِلَى البَاعَةِ لَاشْتَرُوهُ مِنْهَا، وَدَفْعُوا لَهَا مَالًا وَنِصَابَ الذَّهَبِ بِالوَزْنِ 85 جِرَامًا إِذَا وَصَلَ الذَّهَبُ وَزْنُهُ إِلَى 85 جِرَامًا فَقَدْ بَلَغَ النِّصَابُ، وَنِصَابُ الفِضَّةِ فِي الوَزْنِ 595 جِرَامًا، أَوْ إِذَا كَانَ عِنْدَ الشَّخْصِ رِيَالَاتٌ عَرَبِيَّةٌ فِضِيَّةٌ فَعَدَدَهَا 56 رِيَالًا إِذَا بَلَغَ 56 رِيَالًا، فَإِنَّ هَذَا المَالَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُزَكِّيهُ. وَزَكَاةُ المَالِ رُبْعُ العُشْرِ، وَهَكَذَا الفُلُوسُ -الأَوْرَاقُ النَّقْدِيَّةُ- نَقْدٌ قَائِمٌ بِذَاتِهِ، وَعَلَى ذَلِكَ إِجْمَاعُ أَهْلِ العِلْمِ قَاطِبَةً فِي هَذِهِ الأَزْمِنَةِ المُتَأَخِّرَةِ؛ لَأَنَّ هَذِهِ النُّقُودَ سَدَّتْ مَا سَدَّ الذَّهَبُ وَالفِضَّةُ، فَهِيَ نَقْدٌ قَائِمٌ بِذَاتِهِ إِذَا بَلَغَ نِصَابَ الذَّهَبِ أَوْ نِصَابَ الفِضَّةِ وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ رُبْعُ العُشْرِ 2.5 فِي المِائَةِ، فِي الأَلْفِ 25، وَفِي عشرة آلاف 250، وَفِي المِائَةِ أَلِفٍ 2500، وَهَكَذَا عَلَى الإِنْسَانِ أَنْ يُؤَدِّي الزَّكَاةَ سَوَاءٌ جَمَعَ المَالَ لِبَيْتٍ يَشْتَرِيهِ، أَوْ جَمَعَ المَالَ لِيَتَزَوَّجَ بِهِ، أَو جَمَعَ المَالَ لِيَشْتَرِيَ بِهِ سَيَّارَةٌ. المُهِمُّ أَنَّ هَذَا المَالَ عِنْدَهُ وَدَارَتْ عَلَيْهِ سَنَةٌ، وَهُوَ عِنْدَهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ زَكَاتَهُ، أَمَّا إِذَا كَانَ هَذَا المَالُ يَأْتِي وَيَذْهَبُ فَلَيْسَ فِيهِ زَكَاةٌ، الزَّكَاةُ فِي المَالِ الَّذِي دَارَتْ عَلَيْهِ سَنَةٌ، وَهُوَ بَيْنَ يَدَيْكَ، ثُمَّ عَلَيْنَا أَنْ نُخَرِّجُ الزَّكَاةَ إِلَى مُسْتَحَقِّيهَا إِلَى الفُقَرَاءِ إِلَى المَسَاكِينَ إِلَى مَنْ يَسْتَحُقُّهَا، وَهُمْ الأَصْنَافُ الثَّمَانِيَةُ الَّذِين ذَكَرَهُمُ اللهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِينِ ...(23) إِلَى آخِرِ الآيَةِ، وَلِنُحَذِّرَ كُلَّ الحَذَرِ مِنْ عَدَمِ إِخْرَاجِ الزَّكَاةِ؛ لَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي «صَحِيحِهِ»: «مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ لَا يُؤَدِّي حَقَّهَا إِلَّا كَانَ يَوْمَ القِيَامَةِ صُفِحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ، فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمِ، فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ، كُلَّمَا رُدَّتْ أُعِيدَتْ لَهُ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ الفَ سَنَةٍ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ العِبَادِ، فَيُرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ»(24)، وَرَوَى البُخَارِيُّ أَيْضًا فِي «صَحِيحِهِ»: مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ الرَّسُولَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مُثِّلَ لَهُ مَالُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ لَهُ زَبِيبَتَانِ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ -يَعْنِي: بِشِدْقَيْهِ-، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا كَنْزُكَ، أَنَا مَالُكَ»(25)، ثُمَّ تَلَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ(26) أَتَدْرُونَ مَنِ الشُّجَاعِ الأَقْرَعِ؟ هِيَ الحَيَّةُ العَظِيمَةُ، الشُّجَاعُ الأَقْرَعُ حَيَّةٌ عَظِيمَةٌ قَرْعَةٌ لَا شَعْرٌ عَلَيْهَا مِنْ كِبَرِهَا وَعِظَمِ رَأْسِهَا تُطَوُّقُهُ تَلْتَفُ بِهِ، وَتَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ -يَعْنِي: بِفَمَيْهِ، وَبِشَدْقَيْهِ: بِخَدَّيهِ- وَتَقُولُ: أَنَا كَنْزُكَ أَنَا مَالُكَ -نَعُوذُ بِاللهِ مِنْ ذَلِكَ-، هَذَا جَزَاءُ مَنْ لَمْ يَخْرِّجْ زَكَاتَهُ، فَهِيَ كَبِيرَةٌ مِنَ الكَبَائِرِ.

وَالزَّكَاةُ عِبَادَ اللهِ، قَرِينَةُ الصَّلَاةِ فِي سَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ مَوْضِعًا يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى بِهَا، فَعَلَى المُسْلِمَ أَنْ يُؤَدِّيَهَا إِلَى مُسْتَحَقِّيهَا، لَوْ دَفَعَهَا إِلَى غَيْرِ مُسْتَحِقِّيهَا لَمْ تَجِزْهُ، وَعَلَيْهِ أَنْ يُخْرِجُهَا مَرَّةً أُخْرَى، وَيَدْفَعُهَا إِلَى مَنْ يَسْتَحِقُّهَا مِنَ الفُقَرَاءِ وَالمُحْتَاجِينَ، وَعَلَيْهِ أَنْ يُخْرِجُهَا طَيْبَةً بِهَا نَفْسَه؛ لِأَنَّهَا زَكَاةٌ تُزَكِّيكَ تُطَهِّرُكَ مِنَ الآثَامِ، وَتُزَكِّي مَالَكَ تَحْفَظُهُ مِنَ الآفَاتِ وَتُنَمَيِّهِ وَتُزِيدُهُ: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ(27)، قَالَ تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا(28) أَيْ: بِطَاعَةُ اللهِ، فَهَذَا بَيَانٌ أَنَّ الزَّكَاةَ فِيهَا تَطْهِيرٌ، وَفِيهَا نَمَى، وَفِيهَا حِفْظٌ، وَفِيهَا رِعَايَةٌ لِهَذَا المَالِ، ثُمَّ إِنَّ الَّذِي عِنْدَهُ زَكَاةٌ لِيَعْلَمَ أَنَّهُ غَنِيٌّ -أَنَّهُ مِنَ الأَغْنِيَاءِ-؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ مُعَاذٍ لَمَّا بَعَثَهُ إِلَى اليَمَنِ: أَمَرَهُ أَنْ يَدْعُوهُمْ إِلَى التَّوْحِيدِ، ثُمَّ إِلَى الصَّلَاةِ، ثُمَّ قَالَ: «فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوكَ لِذَلِكَ» -يَعْنِي: الصَّلَاةُ- «فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ»(29) إِذًا مَنْ كَانَ عِنْدَهُ زَكَاةٌ فَهُوَ غَنِيٌّ فَلْيَحْمَدُ اللهَ كَثِيرًا، هَذَا مَالُ اللهِ، وَيُؤَدِّي زَكَاتَهُ، طَيْبَةٌ بِهَا نَفْسُهُ، وَلَا يَبْخَلُ فَإِنَّهُ مَنْ يَبْخَلُ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا إِذَا بَخِلَ، فَقَدْ وَقَعَ فِي شُحِّ النَّفْسِ، وَحِينَئِذٍ لَا يَكُونَ مِنَ المُفْلِحِينَ، وَقَدْ اسْتَعَاذَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ البُخْلِ، وَاسْتَعَاذَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ كَثِيرًا مِنَ الشُّحِّ حَتَّى كَانَ يَطُوفُ بِالكَعْبَةِ، وَيَقُولُ رَبِّي قِنِي شُحَّ نَفْسِي، فَلَمَّا قِيلَ لَهُ: لِمَاذَا تَكْثُرُ مِنْ هَذَا الدُّعَاءِ؟ قَالَ: أَلَمْ يَقُلْ اللهُ: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ(30) مَنْ وَقَاهُ اللهُ شُحَّ نَفْسِهِ، فَإِنَّهُ مِنَ المُفْلِحِينَ.

صَلَاةُ القِيَامِ:

أَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِسُنَّةِ القِيَامِ: فَإِنَّنَا نُوصِي الجَمِيعَ بِالمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا، وَهِيَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ سَنَّهَا لَنَا نَبِيُّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاسْتَمَرَّ عَلَى ذَلِكَ أَصْحَابُهُ مِنْ بَعْدِهِ، وَكَانَ فِي عَهْدِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ النَّاسُ يُصَلُّونَ فُرَادَى وَجَمَاعَاتٍ -يَعْنِي: جَمَاعَةٌ قَلِيلَةٌ، وَجَمَاعَةٌ أَقُلُّ- وَأُنَاسٌ لِوَحْدِهِمْ؛ فَرَأَى أَنْ يَجْمَعَهُمْ فِي صَلَاةٍ وَاحِدَةٍٍ، فَيَسْتَمِعُوا؛ لِأَنَّ الاسْتِمَاعَ لَا يَأتِي مِنْهُ إِلَّا خَيْرٌ فَجَمَعَهُمْ عَلَى قَارِئٍ، فَكَانَ الَّذِي يُصَلِّي بِهِمْ تَمِيمُ الدَّارِيُّ، وَأُبَيُّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، وَكَانَا يَقْرَآنِ كَثِيرًا وَيُطِيلَانِ القِرَاءَةَ. فَالسُّنَّةُ إِطَالَةُ القِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ التَّرَاوِيحِ إِذَا تَيَسَّرُ ذَلِكَ، وَإِذَا لَم يَتَيَسَّرْ الإِطَالَةُ الكَامِلَةُ فَلْتَكُنِ الحَدُّ الأَدْنَى الَّذِي يُوَافِقُ السُّنَّةَ هُوَ أَنْ يَخْتِمَ فِي الشَّهْرِ فِي آخِرِ الشَّهْرِ، فَإِذَا قَرَأَ قِرَاءَةً يَخْتِمُ بِهَا فِي آخِرِ الشَّهْرِ، فَهَذَا هُوَ الحَدُّ الأَدْنَى فِي القِرَاءَةِ فِي رَمَضَانَ. وَلَا يَنْبَغِي فِي الحَقِيقَةِ أَنْ يَقْصُرَ الأَئِمَّةِ فِي قِرَاءَةِ القُرْآنِ حَتَّى سَمِعْنَا مِنْ بَعْضِ النَّاسِ أَنَّهُ يَقْرَأُ آيَتَيْنِ، وَأَنَّهُ يُصَلِّي التَّرَاوِيحَ مَعَ الوِتْرِ فِي نِصْفِ سَاعَةٍ أَوْ أَقَلِّ، هَذَا لَا يَنْبَغِي هَذَا يُعَوِّدُ النَّاسَ عَلَى تَرْكِ السُّنَّةِ، وَعَلَيْنَا أَنْ نَتَأَسَّى بِسَلَفِنَا الصَّالِحِ، وَفِي ذَلِكَ خَيْرًا كَثِيرًا إِنْ شَاءَ اللهُ.

وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُحَافِظَ عَلَى هَذِهِ الصَّلَاةِ -صَلَاةِ التَّرَاوِيحِ-، وَلَا يَقُلْ: إِنَّهَا سُنَّةٌ كَمَا يَقُولُهُ بَعْضُ النَّاسِ، ثُمَّ يُفَرِّطُونَ فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ، أَوْ يُصَلِّي مَثَلًا تَسْلِيمَتَانِ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ هَذَا لَا يَنْبَغِي يَا إِخْوَانُ، بَلْ عَلَى الإِنْسَانِ أَنْ يُصَبِّرَ نَفْسَهُ، وَيُحَافِظُ عَلَى هَذِهِ الصَّلَاةِ؛ لَأَنَّ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»(31) إِيمَانًا بِأَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْنَا الصِّيَامُ، وَشَرَعَ لَنَا القِيَامُ، (وَاحْتِسَابًا) أَيْ: لِلْأَجْرِ فَلِمَاذَا لَا نَحْرِصُ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ إِنَّ الَّذِي يَقُومُ مَعَ الإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ تُكْتَبُ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَامَ مَعَ الإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ»(32)، يَعْنِي: يَنْصَرِفُ مِنَ الصَّلَاةِ يَنْتَهِي مِنْ صَلَاةِ الوِتْرِ، فَإِذَا وَاظَبُ الإِنْسَانُ عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ بِشَهْرٍ عَبَدَ اللهُ فِيهِ كُلُّهُ فِي النَّهَارِ صَائِمٌ، وَفِي اللَّيْلِ قَائِمٌ، وَذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ، وَمَا أَحْرَى مَنْ كَانَ كَذَلِكَ بِالقُبُولِ وَالمَغْفِرَةِ وَالعِتْقِ مِنَ النَّارِ، وَقَدْ ذُكِرَ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَنَّ قَوْمًا يَقُولُونَ: إِنَّ قِيَامَ اللَّيْلِ سُنَّةٌ -يَعْنِي: لَيْسَ بِلَازِمٍ- أَنْ نُصَلِّي فَلَمَّا ذُكِرَ لَهَا ذَلِكَ أَنْكَرَتْ عَلَيْهِمْ وَقَالَتْ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: «وَاللهِ مَا أَنْتُمْ إِلَّا مِنْ نَبِيِّكُمْ، وَمَا نَبِيُّكُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا مِنْكُمْ وَاللهِ مَا تَرَكَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِيَامَ اللَّيْلِ».

نَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى أَنْ يُبَلِّغَنَا هَذَا الشَّهْرَ، وَأَنْ يَجْعَلَنَا مِمَّنْ يَصُومُونَهُ، وَمِمَّنْ يَقُومُونَهُ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، وَأَنْ يَجْعَلَنَا مِنَ المَقْبُولِينَ، وَأَنْ يَمُنَّ عَلَيْنَا بِالعِتْقِ مِنَ النَّارِ، اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى الصِّيَامِ، وَأَعِنَّا عَلَى القِيَامِ، وَاشْرَحْ صُدُورَنَا لِذَلِكَ، وَاجْعَلْنَا يَا رَبُّنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ غَيْرَ ضَالِّينَ وَلَا مُضِلِّينَ إِنَّكَ وُلِّي ذَلِكَ وَالقَادِرُ عَلَيْهِ، وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ.

الأَسْئِلَةُ

السُّؤَالُ: أَفْطَرْتُ العَامَ المَاضِي فِي نِهَايَةِ رَمَضَانَ عَمْدًا، وَلَمْ أَقْضِ هَذَا اليَوْمَ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا فَمَاذَا عَلَيَّ؟

الجَوَابُ: عَلَيْكَ القَضَاءُ وَالتَّوْبَةُ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَإِنَّ هَذَا العَمَلَ مُحَرَّمٌ عَلَى الإِنْسَانِ الَّذِي فَعَلَ ذَلِكَ أَنْ يَقْضِيَ حَتَّى لَو أَفْطَرَ مَثَلًا أَيَّامٌ كَثِيرَةٌ مِنْ رَمَضَانَاتٍ سَابِقَةٍ، يُكْثِرُ مِثْلُ هَذَا السُّؤَالُ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ: أَنَّهُ كَانَ مُسْرِفًا عَلَى نَفْسِهِ، وَكَانَ يُفْطِرُ فِي نِهَايَةِ رَمَضَانَ، وَيَقُولُ: أَنَا عَلَيَّ رَمَضَانَاتٍ كَثِيرَةٍ مَا صُمْتُهَا، فَنَقُولُ: عَلَيْكَ الآنَ أَنْ تَصُومَهَا تَقْضِي مَا عَلَيْكَ الآنَ، أَيْ: تَصُومُهَا تَقْضِي ما عَلَيْكَ كُلَّه، وَإِنْ كَانَ يَقُولُ: لَا أَدْرِي مَا عَلَيَّ، نَقُولُ: قَدِّرْ وَاحْتَطَّ فِي ذَلِكَ، وَعَلَيْكَ مَعَ القَضَاءِ التَّوْبَةِ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ.

السُّؤَالُ: مَا هُوَ دَوْرِي فِي أُسْرَتِي فِي رَمَضَانَ عِلْمًا بِأَنَّ لَدَيْنَا دِشًّا أَعَاذَنَا اللهُ مِنْهُ؟ عِلْمًا بِأَنَّنِي وَللهِ الحَمْدُ لَا أَجْلَسُ عِنْدَهُ؟

الجَوَابُ: هَذَا لَا شَكَّ مِمَّا يُنَافِي حُرْمَةَ الشَّهْرِ أَنْ نَجِدَ مَعَ الأَسَفِ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ وَسَائِلَ الإِعْلَامِ تَتَفَنَّنُ وَتَأْتِي بِالمُنْكَرَاتِ العَظِيمَةِ مِنْ مُسَلْسَلَاتٍ مَاجِنَةٍ، وَفُكَاهِيَاتٍ مَكْذُوبَةٍ، مُصَاحِبَةٌ فِي ذَلِكَ مَعَ المُوسِيقَى وَالأَغَانِي، وَكَأَنَّ هَذَا الشَّهْرَ مُوسِمًا لِلْضِّحْكِ، وَالنُّكَتِ، وَضَيَاعُ الأَوْقَاتِ هَذَا مِنَ المَفَاهِيمِ الخَاطِئَةِ فِي هَذَا الشَّهْرِ، وَهَذَا لَا شَكٌّ يُنَافِي حُرْمَةَ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَلَيْس شَهْرُ المَهْرَجَانَاتِ الَّتِي تُقَامُ فِي الأَسْوَاقِ، وَيَحْصُلُ فِيهَا مَا يَحْصُلُ مِمَّا حَرَّمَ اللهُ مِنْ تَبَرُّجِ النِّسَاءِ، وَاخْتِلَاطِهِمْ بِالرِّجَالِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ المَفَاسِدِ، كُلُّ هَذَا يَا إِخْوَانِي الكِرَامِ مَفَاهِيمُ خَاطِئَةٌ، وَمَعَ الأَسَفِ لَا زَالَتْ عِنْدَ بَعْضِ النَّاسِ، فَإِلَى مَتَى يَبْقَى هَؤُلَاءِ عَلَى غَفْلَتِهِمْ، وَعَلَى إِعْرَاضِهِمْ، وَعَلَى انْكِبَابِهِمْ عَلَى الفُجُورِ حَتَّى فِي شَهْرِ المَغْفِرَةِ وَحَتَّى فِي شَهْر الرَّحْمَة وَحَتَّى فِي شَهْرِ العِبَادَةِ. وَأَمَّا هَذَا الجِهَازُ المُسَمَّى بِالدُّشُوشِ -الَّتِي مَعَ الأَسَفِ اكْتَسَحَتْ كَثِيرًا مِنْ بُيُوتِ المُسْلِمِيْنَ- فَإِنَّهَا كَمَا يَعْلَمُ الجَمِيعُ لَا تَخْلُو مِمَّا حَرَّمَ اللهُ تَعَالَى، وَلَا تَخْلُو مِنْ دُعَاةٍ إِلَى الفَسَادِ، وَإِلَى صُورِ شِبْه عَارِيَةٍ، وَقَدْ تَكُونُ عَارِيَةً فِي بَعْضِ القَنَوَاتِ، وَإِلَى خَدْشٍ لِمَشَاعِرِ المُسْلِمِيْنَ، وَإِفْسَادٍ لِلْبُيُوتِ عَبْرُ هَذِهِ المَنَاظِرِ القَذَرَةِ الَّتِي تُعْرَضُ فِيهَا. وَالَّذِي يَقُولُ: إِنَّهُ وَضَعَهَا يَجْرِي كَذَا وَكَذَا كَمَا يُقَالُ؛ لِأَجَلِ مَعْرَفَةِ الأَحْوَالِ وَالأَخْبَارِ، فَإِنَّ هَذِهِ مِنْ أَسَالِيبِ الشَّيْطَانِ الَّتِي كَادَ بِهَا أَمْثَالُ هَؤُلَاءِ، وَإِلَّا فَإِنَّ نَفْسَ هَذِهِ الأَخْبَارِ الَّتِي تُعْرَضُ فِيهَا لَيْسَتْ مُنَزَّهَةً، فِيهَا المُوسِيقَى، وَفِيهَا النِّسَاءُ، وَفِيهَا مَا حَرَّمَ اللهُ وَيَسْتَطِيعُ الإِنْسَانُ إِنْ كَانَ وَلَابُدَّ مَعْرَفَةِ هَذِهِ الأَخْبَارِ عَنْ طَرِيقِ أَشْيَاءٍ أُخْرَى، وَلَوْ أَنَّ الإِنْسَانَ مَاتَ وَلَمْ يَعْرِفْ شَيْئًا مِنْ حَالِ النَّاسِ، وَحَالِ العَالَمِ لَمَا كَانَ عَلَيْهِ إِثْمٌ، وَلَكِنْ أَنْ يَسْتَغْنَى كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ بِمَا لَا يَعْنِيهِ، وَأَنَّهُ فِي سَبِيلِ ذَلِكَ يَقَعُ فِي الحَرَامِ، أَذْكُرَ فِي هَذِهِ المُنَاسَبَةِ بِمَا أَفْتَاهُ فَضِيلَةُ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ العُثَيْمِينَ -حَفِظَهُ اللهُ وَشَفَاهُ- عَاجِلٌ وَغَيْرُ عَاجِلٌ فِي شَأْنِ مَنْ وَضَعَ هَذَا الجِهَازِ عَلَى بَيْتِهِ فَقَدْ ذَكَرَ حَفِظَهُ اللهُ أَنَّ هَذَا مِنَ الغِشِّ بِالأَوْلَادِ، وَلَا شَكٌ أَنَّ هَذَا مِنَ الغِشِّ لِلْرَّعِيةِ، وَلَوْ أَنَّهُ أَتَى بِفَاكِهَةٍ فَاسِدَةٍ أَوْ مُعَلَّبَاتٍ قَدْ انْتَهَتْ مُدَّتَهَا، ثُمَّ أَطْعَمَهُمْ إِيَّاهَا إِمَّا مُتَعَمِّدًَا أَوْ جَاهِلًا، ثُمَّ أَصَابَهُمْ مَا أَصَابَهُمْ مِنَ التَّسَمُّمِ وَنُقِلُوا لِلْمُسْتَشْفَى، وَأَوْشَكَ بَعْضُهُمْ عَلَى الهَلَاكِ، وَكَانَ كُلِّ هَذَا الَّذِي حَصِلَ مِنْهُ فِي إِفْسَادِهِ لِطَعَامِهِمْ أَهْوَنَ بِكَثِيرٍ مِنْ أَنْ يَأْتِي بِالمُنْكَرِ إِلَى بِيْتِهِ، مِثْلُ هَذَا الجِهَازُ الخَبِيثُ، ثُمَّ قَالَ الشَّيْخُ بَعْدَ ذَلِكَ: إِنَّ الَّذِي يَغْشُ رَعِيَّتَهُ يَدْخُلُ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المُتَّفَقُ عَلَيْهِ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللهُ رَعيَّةً، يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ غَاشًّا لِرَعِيَّتِهِ إِلا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ»(33) قَالَ الشَّيْخُ: مَنْ أَدْخَلَ الدِّشَّ فِي بَيْتِهِ دَخَلَ فِي هَذَا الحَدِيثِ «غَاشًّا لرَعِيَّتِهِ» وَيَخْشَى عَلَيْهِ أَنْ يُحْرَمَ مِنَ الجَنَّةِ -نَعُوذُ بِاللهِ مِنْ ذَلِكَ- وَعَلَى هَذَا السَّائِلِ أَنْ يَحْرِصَ عَلَى الأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ، وَالدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ بِالَّتِي أَحْسَنَ، وَيُبَيِّنَ لِأَهْلِهِ خَطَرَ هَذَا الجِهَازِ، وَأَنْ يَصْطَحِبَ مَعَ ذَلِكَ بِبَعْضِ الأَشْرِطَةِ الَّتِي تُبَيِّنُ عُيُوبَ هَذَا الجَهَازِ، وَكَذَلِكَ فَتَاوَى أَهْلِ العِلْمِ، وَبَعْضُ مَنْ كَتَبُوا فِي بَيَانِ مَفَاسِدِهِ، وَيَعِظَهُمْ وَيُذَكِّرُهُمْ لَعَلَّهُمْ أَنْ يَسْتَجِيبُوا لِقَوْلِهِ.

السُّؤَالُ: كُنْتُ أُرِيدُ صِيَامَ يَوْمِ الخَمِيسِ فَعِنْدَ أَذَانِ الفَجْرِ شَرِبْتُ مَاءً، فَهَلْ يَجُوزُ الصِّيَامُ أَمْ لَا؟

الجَوَابُ: إِذًا كَانَ هَذَا قَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ فَإِنَّ الصِّيَامَ صَحِيحٌ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ بَعْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ فَصِيَامُكَ لِهَذَا اليَوْمِ، وَأَنْتَ تَعْلَمُ بِأَنَّكَ تُرِيدُ الصِّيَامَ وَتَشْرَبُ يَكُونَ قَدْ أَفْطَرْتَهُ وَلَا يَصِحُّ مِنْكَ. فَالأَمْرُ مُتَعَلِّق عَلَى دُخُولِ الفَجْرِ أَوْ عَدَمِ دُخُولِهِ، فَإِذَا كَانَ هَذَا المُؤَذِّنُ يُبَكِّرُ فِي الأَذَانِ لَيْسَ بِدَقِيقٍ فِي أَذَانِهِ، فَلَو أَنَّ الإِنْسَانَ أَكَلَ مَعَ أَذَانِهِ فَصِيَامُهُ صَحِيحٌ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ هَذَا المُؤَذِّنُ يَتَحَرَّى الوَقْتَ فَلَا يَأْكُلُ الإِنْسَانُ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَأْكُلُ فِي أَثْنَاءِ الأَذَانِ، وَلَا فِي آخِرِهِ مُذْ أَنْ بَدَأَ فِي الأَذَانِ يُمْسَكُ عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ.

السُّؤَالُ: قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أُعْطِيَتْ أُمَّتِي فِي رَمَضَانَ خَمْسَ خِصَالٍ: إِذَا كَانَتْ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْهُ نَظَرَ اللهُ إِلَيْهِمْ، وَمَنْ نَظَرَ اللهُ إِلَيْهِ لَا يُعَذِّبُهُ أَبَدًا»(34)، يَقُولُ: نَرْجُو تَوْضِيحُ صِحَّةُ هَذَا الحَدِيثِ، وَإِذَا كَانَ صَحِيحًا فَمَا تَكْوِينَتِهِ.

الجَوَابُ: لَيْسَ هَذَا الحَدِيثُ بِصَحِيحٍ هَذَا مِنَ الأَحَادِيثِ الَّتِي تُرْوَى فِي فَضَائِلِ الأَعْمَالِ، وَمِثْلَهُ فِي حَدِيثِ سَلْمَانَ فِي بَيَانِ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَذُكِرَ فِيهِ: أَنْ يُقَالَ لِبَاغِي الخَيْرِ: أَقْبِلْ، وَلِبَاغِي الشَّرِّ أَقْصِرْ، وَأَنَّ فِيهِ لَيْلَةً مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ الخَيْرَ كُلَّهُ، وَهُوَ حَدِيثٌ طَوِيلٌ ضَعِيفٌ أَيْضًا، وَكَذَلِكَ حَدِيثُ: «رَمَضَانَ أَوَّلُهُ مَغْفِرَةٌ، وَأَوْسَطُهُ رَحْمَةٌ، وَآخِرُهُ عِتْقٌ مِنَ النَّارِ»(35) أَيْضًا حَدِيثٌ ضَعِيفٌ، وَلَا يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَنْسِبَ مِثْلَ هَذِهِ الأَحَادِيث إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِنَّمَا يَأْتِي بِهِ بِصِيغَة: يُرْوَى أَوْ رَوَى فُلَانٌ كَذَا وَكَذَا، وَلِنَتَنَبَّهَ لِمِثْلِ هَذِهِ الأَحَادِيثِ، فَإِنَّ الحَدِيثَ الضَّعِيفَ لَا يَجُوزُ التَّعَبُّدُ للهِ به، وَرَخَّصَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الحَدِيثَ إِذَا جَاءَ فِي فَضَائِلِ الأَعْمَالِ يَجُوزُ العَمَلُ بِهِ لَكِنْ بِشَرْطٍ أَلَّا يَكُونُ ضَعْفَهُ شَدِيدًا، وَأَنْ تَكُونَ لَهُ قَرَائِنَ، وَأَنْ يَكُونَ أَصْلُ العَمَلِ مَشْرُوعًا. وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّنَا نَقُولُ: إِنَّ صَحِيحَ السُّنَّةِ يُغْنِي عَنْ سَقِيمِهَا، وَالحَمْدُ للهِ أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَكْمَلَ لَنَا الدِّينَ، وَلَا حَاجَةٌ لِلاسْتِدْلَالِ، وَالعَوْدَةُ لِمِثْلِ هَذِهِ الأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ الَّتِي لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ، وَلَا يَجُوزُ نِسْبَتَهَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهَا ضَعِيفَةٌ.

السُّؤَالُ: نَوَيْتُ الصِّيَامَ نَافِلَةً، ثُمَّ بَدَا لِي الفِطْرَ خِلَالَ النَّهَارِ فَهَلْ عَلَيَّ إِثْمٌ، وَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -إِنْ صَحَّتْ النِّسْبَةُ-: (المُتَنَفَلُّ أَمِيرُ نَفْسِهِ)؟

الجَوَابُ: هُوَ لَيْسَ بِحَدِيثٍ (المُتَنَفَلُّ أَمِيرُ نَفْسِهِ)، وَلَكِنْ هَذَا فِي صِيَامِ النَّفَلِ كَمَا قُلْنَا: جَائِزٌ لَوْ أَنَّهُ نَوَى، ثُمَّ بَدَا لَهُ أَلَّا يُفْطِرُ يُكَمِّلُ صِيَامَ اليَوْمِ، وَصِيَامُهُ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ صِيَامَ النَّفَلِ لَا يَشْتَرِطُ فِيهِ النِّيَّةُ لَوْ أَنَّهُ نَوَى أَثْنَاءَ النَّهَارِ أَجْزَأَهُ لَوْ نَوَى آخِرَ النَّهَارِ، قِيلَ: إِنَّهُ لَا يُجْزِؤُهُ، وَقِيلَ: يُجْزِؤُهُ؛ لِأَنَّ مُعْظَمَ النَّهَارِ قَدْ فَاتَ لَكِنْ صِيَامَ الفَرْضِ لَابُدَّ فِيهِ مِنَ النِّيَّةِ الَّتِي تَكُونُ قَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ، قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِ الإِمْسَاكِ.

السُّؤَالُ: إِذَا أَفْطَرَتْ المَرْأَةُ الحَامِلُ، فَهَلْ عَلَيْهَا القَضَاءُ فَقَطْ أَمِ القَضَاءُ وَالكَفَّارَةُ؟

الجَوَابُ: قُلْنَا: إِذَا كَانَ كَمَا هُوَ المَشْهُورُ فِي مَذْهَبِ الإِمَامِ أَحْمَدَ: أَنَّهَا إِذَا خَافَتْ عَلَى نَفْسِهَا فَقَطْ جَنِينَهَا لَيْسَ عَلَيْهِ حَرَجٌ فِيمَا يَذْكُرُ الأَطِبَّاءُ لَهَا أَنَّ الجَنِينَ فِي صِحَّةٍ وَصِيَامُكِ لَا يَضُرُّهُ فَخَافَتْ عَلَى نَفْسِهَا، فَإِنَّهَا تَقْضِي -تُفْطِرُ وَتَقْضِي فَقَطْ- وَلَيْسَ عَلَيْهَا إِطْعَامٌ، وَأَمَّا إِذَا خَافَتْ عَلَى وَلَدِهَا دُونَ نَفْسِهَا فَإِنَّهَا تُفْطِرُ، وَتَقْضِي، وَتُطْعِمُ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا؛ لِأَنَّهَا خَافَتْ عَلَى غَيْرِهَا.

السُّؤَالُ: وَهَذِهِ أَسْئِلَةٌ ثَلَاثَةٌ أُجْمِعَتْ: عَلَى الرَّجَاءِ مِنَ الشَّيْخِ أَنْ يَتَكَلَّمَ عَلَى بَعْضِ البَرَامِجِ الَّتِي تُطْرَحُ فِي التِّلِفَازِ بَعْدَ صَلَاةِ المَغْرِبِ، وَبَعْضُ التَّمْثِيلِيَاتِ المَشْهُورَةِ أَوَدُ مِنَ الشَّيْخِ التَّنْبِيهُ عَلَيْهَا، وَذِكْرُ خَطَرُهَا لِلْنَّاسِ؟

الجَوَابُ: هَذِهِ البَرَامِجُ الَّتِي تَشْتَمِلُ عَلَى فُكَاهِيَاتٍ، وَعَلَى سُخْرِيَةٍ بِالمُسْلِمِينَ، وَاحْتِقَارًا لَهُمْ، وَإِيصَالُ الأَذَى إِلَيْهِمْ عَبْرَ مَشَاهِدِ يُسْخَرُ بِهَا بِالمُسْلِمِينَ، وَيُكْثَرُ فِيهَا بِأَشْيَاءٍ لَا صِحَّة لَهَا. فَأَوَّلًا: هَذِهِ الأُمُورُ تُنَافِي حُرْمَةَ شَهْرِ رَمَضَانَ، كَانَ النَّاسُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ لَا هَمَّ لَهُمْ إِلَّا الضَّحِكُ، وَسِعَةُ الصَّدَرِ، وَالإِقْبَالِ عَلَى المَلْهِيَاتِ وَالمَلَذَّاتِ، وَسَلَفُنَا الصَّالِحِ يَبْكُونَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، وَالنَّاسُ فِي زَمَانِنَا يَضْحَكُونَ فَشَتَّانَ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا، وَاخْتِيَارُ بَعْضُ الأَوْقَاتِ، وَخُصُوصًا بَعْدَ صَلَاةِ المَغْرِبِ؛ لَأَنَّ النَّاسَ فِي هَذَا الوَقْتِ بِالذَّاتِ كُلُّهُمْ فِي بُيُوتِهِمْ سَوَى مَنْ كَانَ مَدْعُوًا لِلْطَّعَامِ فِي مَكَانٍ آخَر، وَلَكِنِ الجَمِيعُ يَتَنَاوَلُونَ الطَّعَامَ؛ لِأَنَّهُمْ فِي النَّهَارِ كُلِّهِ لَمْ يَأْكُلُوا شَيْئًا، فَاخْتَارَ بَعْضُ النُّفُوسِ المَرِيضَةِ أَنْ يُسْتَغَلَّ بَقَاءُ النَّاسِ وَنَظَرَهُمْ، ثُمَّ يَعْرِضُ مِثْلَ هَذِهِ البَرَامِجِ الَّتِي هِيَ مَعْرُوفَةٌ، وَأُنَزِّهُ هَذِهِ البُقْعَةَ الطَّاهِرَةَ، وَمَسَامِعُ إِخْوَانِي الكِرَامِ مِنْ ذِكْرِ أَسْمَائِهَا فَضْلًا عَمَّا يَحْدُثُ فِيهَا مِنْ أَشْيَاءٍ لَا تَلِيقُ بِالمُسْلِمِينَ جَمِيعًا، وَلَقَدْ وَصَلَ الحَالُ إِلَى انْتِقَاصِ المُسْلِمِينَ، وَإِلَى عَدَمِ إِلْقَاءِ المُبَالَاةِ لَهُمْ، وَكَأَنَّهُمِ أَنْعَامٌ لَا أَحَاسِيسٌ لَهُمْ، وَلَا قَصْدٌ لَهُمْ، وَلَا عُقُولٌ لَهُمْ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «كَفَى بِالمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ المُسْلِمَ»(36). فَهَذَا الفِعْلُ لَا يَجُوزُ أَبَدًا لَا يَجُوزُ أَنْ يَسْخَرَ بِالمُسْلِمِينَ، ثُمَّ إِنَّ هَذِهِ لَا تَخْلُو مِنَ الغِنَاءِ وَالمُوسِيقَى المُحَرَّمَةِ، وَحَتَّى فِي شَهْرِ رَمَضَانَ -عِبَادَ اللهِ- لَا نَمْتَنِعُ عَنِ المَعَازِفِ المُحَرَّمَةِ الخَبِيثَةِ، وَهَذَا شَهْرُ العِبَادَةِ وَالِاجْتِهَادِ فِي طَاعَةِ اللهِ. كُلُّ هَذَا يَا إِخْوَانِي الكِرَامِ، مِنْ أَسْالِيبِ أَتْبَاعِ الشَّيْطَانِ مِنْ شَيَاطِينَ الإِنْسِ الَّذِينَ زَيَّنَ لَهُمْ إِبْلِيسُ ذَلِكَ، وَنُحَذِّرُ كُلَّ مُسْلِمٍ مِنْ أَنْ يُلْقِي بَالَهُ، أَوْ يُتَابَعُ مِثْلَ هَذِهِ البَرَامِجِ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَتَّقِي اللهَ، وَأَنْ يُجَاهِدَ نَفْسَهُ، فَإِنَّهُ مَسْئُولٌ عَنْ هَذَا الزَّمَنِ الَّذِي يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ لَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا إِذَا تَابَ، وَفِي هَذِهِ الأُمُورِ وَيَأْتِي بَعْدُ ذَلِكَ يُقَلِّدُهُمْ فِي سُخْرِيتِهِمْ بِالنَّاسِ أَوْ يَكِنُ فِي صَدْرِهِ تَأَثُّرًا وَحِقْدًا عَلَى مَنِ انْتَقَصُوهُ فِي هَذِهِ البَرَامِجِ، ثُمَّ إِنَّنَا يَجِبُ عَلَيْنَا كَمَا ذَكَرْتُ أَنْ نُعَظِّمَ هَذَا الشَّهْرَ، وَمِنْ تَعْظِيمِنَا لَهُ أَنْ نَبْتَعِدَ عَنْ المَعَاصِي، وَمِنَ المَعَاصِي أَنْ يُتَابِعَ الإِنْسَانُ مِثْلَ هَذِهِ البَرَامِجِ التَّافِهَةِ الحَقِيرَةِ الَّتِي لَا شَأْنٌ لَهَا إِلَّا بِالتَّسَلُّطِ عَلَى المُسْلِمِينَ، وَنَبْذِهِمْ، وَاحْتِقَارِهِمْ، وَانْتِقَاصِهِمْ، وَالكَذِبِ عَلَيْهِمْ. وَلَقَدْ أَفْتَى الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ البَرَّاكُ حَفِظَهُ اللهُ بِحُرْمَةِ النَّظَرِ إِلَى هَذَا المُسَلْسَلِ المَاجِنِ المَعْرُوفِ الَّذِي يُعْرَضُ فِي هَذَا الوَقْتِ بِالذَّاتِ بَعْدُ الإِفْطَارِ، أَفْتَى الشَّيْخُ قَبْلَ مَا يُقَارِبُ خَمْسَةَ عَشْرَ يَوْمًا فِي هَذَا البَرْنَامِجِ بِالذَّاتِ بِأَنَّهُ مُحَرَّمٌ لَمْ يَشْتَمِلْ عَلَيْهِ مِنَ الأَشْيَاءِ المُحَرَّمَةِ، وَالفَتْوَى يَظْهَرُ أَنَّهَا مُنْتَشِرَةٌ مُشْتَهِرَةٌ وَعَلَى كُلِّ حَالٍ، فَالمَفْهُومُ الصَّحِيحُ فِي هَذَا المَوْسِمِ: أَنْ نَعْلَمَ أَنَّهُ عِبَادَةٌ فَلِنَنْظُرْ بِمَ نَتَعَبَّدُ للهِ بِهِ؟ وَبِمَ نَجْتَهِدُ فِيهِ إِنْ كُنَّا حَقًّا صَادِقَينَ مُتَأَسِّينَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِلَّا فَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ أَنْ نَكُونَ كَحَالِ مَنْ آثَرَ الدُّنْيَا عَلَى الدَّيْنِ فَأَصْبَحَ فِي يَوِمِ القِيَامَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ، وَبَعْدَ مَمَاتِهِ مِنَ النَّادِمِينَ، وَلَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ وَاللهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (16) وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى(37)، فَلَابُدَّ لَنَا يَا إِخْوَانِي الكِرَامِ، مِنْ جِهَادِ أَنْفُسِنَا حَتَّى وَإِنْ كَانَ فِي مِثْلِ هَذِهِ العُرُوضِ أَشْيَاءٌ تُوَافِقُ النَّفْسَ، لَكِنْ نُفَسِّرُ ذَلِكَ بِأَنَّ هَذِهِ فِتْنَةٌ، وَلَيْسَ كُلِّ فِتْنَةٍ يَتَّبَعُهَا الإِنْسَانُ بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يُجَاهِدَ نَفْسَهُ، وَيَبْتَعِدُ عَنْهَا قَدْرُ الإِمْكَانِ حَتَّى يُسْلَمَ، وَحَتَّى يَنْجُو بِنَفْسِهِ فَالسَّلَامَةُ لَا يَعْدُلُهَا شَيْءٌ.

نَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى أَنْ يَعْصِمَنَا وَإِيَّاكُمْ مِنَ الفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.


(1) سورة البقرة: 183، 184.

(2) سورة البقرة: 185.

(3) أخرجه البخاري في كتاب الصوم- باب هل يقال رمضان أو شهر رمضان (1799) ، ومسلم في كتاب الصيام- باب فضل شهر رمضان (1079).

(4) سورة الحج: 32.

(5) سورة البقرة: 183.

(6) سورة البقرة: 185.

(7) أخرجه البخاري في كتاب الصوم- باب هل يقول إني صائم إذا شتم (1904)، ومسلم في كتاب الصيام- باب فضل الصيام (1151).

(8) أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب- باب تحريم الظلم (2577).

(9) تقدم تخريجه.

(10) تقدم تخريجه.

(11) أخرجه البخاري في كتاب الصوم- باب الصائم إذا أكل أو شرب ناسيًا (1933)، ومسلم في كتاب الصيام- باب أكل الناسي وشربه وجماعه لا يفطر (1155).

(12) سورة البقرة: 185.

(13) أخرجه البخاري في كتاب الصوم- باب الصائم إذا أكل أو شرب ناسيًا (1933)، ومسلم في كتاب الحيض- باب وجوب قضاء الصوم على الحائض دون الصلاة (335).

(14) أخرجه أبو داود في كتاب الصوم- باب الصائم يستقيء عمدًا (2380)، والترمذي في كتاب الصوم- باب ما جاء فيمن استقاء عمدًا (720)، وابن ماجه في كتاب الصيام- باب ما جاء في الصائم يقيء (1676)، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (923).

(15) أخرجه أبو داود في كتاب الصوم- باب النية في الصيام (2454)، والترمذي في كتاب الصوم- باب ما جاء لا صيام لمن لم يعزم من الليل (730)، والنسائي في كتاب الصيام- باب ذكر اختلاف الناقلين لخبر حفصة في ذلك (2331)، وصححه الألباني في «مشكاة المصابيح» (1987).

(16) سورة البقرة: 184.

(17) أخرجه البخاري في كتاب الصوم- باب قول النبي صلى الله عليه وسلم لمن ظلل عليه واشتد الحر: «ليس من البر الصوم في السفر» (1946)، ومسلم في كتاب الصيام- باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر (1115).

(18) أخرجه البخاري في كتاب المناقب- باب في صفة النبي صلى الله عليه وسلم (3554)، ومسلم في كتاب الفضائل- باب كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس (2308).

(19) سورة القمر: 17.

(20) سورة النحل: 89.

(21) سورة الذاريات: 19.

(22) أخرجه البخاري في كتاب النفقات- باب فضل النفقة على الأهل (5353)، ومسلم في كتاب الزهد والرقائق- باب الإحسان إلى الأرملة والمسكين واليتيم (2982).

(23) سورة التوبة: 60.

(24) أخرجه البخاري في كتاب الزكاة- باب إثم مانع الزكاة (1402)، ومسلم في كتاب الزكاة- باب إثم مانع الزكاة (987)، واللفظ له.

(25) أخرجه البخاري في كتاب الزكاة- باب إثم مانع الزكاة (1402)، واللفظ له، ومسلم في كتاب الزكاة- باب إثم مانع الزكاة (987).

(26) سورة آل عمران: 180.

(27) سورة التوبة: 103.

(28) سورة الشمس: 9.

(29) أخرجه البخاري في كتاب الزكاة- باب وجوب الزكاة (1395)، ومسلم في كتاب الإيمان- باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام (19).

(30) سورة الحشر: 9.

(31) أخرجه البخاري في الإيمان- باب تطوع قيام رمضان من الإيمان (38)، ومسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها- باب الترغيب في قيام رمضان وهو التراويح (760).

(32) أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة- باب في قيام شهر رمضان (1375)، والترمذي في كتاب الصوم- باب ما جاء في قيام شهر رمضان (806)، والنسائي في كتاب السهو- باب ثواب من صلى مع الإمام ثم انصرف (1364)، وابن ماجه في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها- باب ما جاء في قيام شهر رمضان (1327)، وصححه الألباني في «صحيح الترمذي».

(33) أخرجه البخاري في كتاب التوحيد- باب قول الله تعالى ﴿ونضع الموازين القسط﴾ (6731) ، ومسلم في كتاب الإمارة- باب فضيلة الإمام العادل وعقوبة الجائر والحث على الرفق بالرعية والنهي عن إدخال المشقة عليهم (142) ، من حديث معقل بن يسار رضي الله عنه.

(34) أخرجه أحمد في «مسنده» (2/292)، والبزار في «مسنده» (8571)، وضعفه الألباني في «ضعيف الترغيب والترهيب» (586)، وقال: «ضعيف جدًّا».

(35) أخرجه الديلمى في «مسنده» (79)، والخطيب في «موضح أوهام الجمع والتفريق» (2/149)، وابن عساكر (27/19)، وضعفه الألباني في «السلسلة الضعيفة» (1569)، وقال: «منكر».

(36) أخرجه البخاري في كتاب الأدب- باب ما ينهى عن التحاسد والتدابر (6065)، ومسلم في كتاب البر والصلة والآداب- باب تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره (2564)، واللفظ له.

(37) سورة الأعلى: 16، 17.