موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - عُبُودِيَّةُ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 

الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الكلمات والمحاضرات / عُبُودِيَّةُ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى
عُبُودِيَّةُ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لـ الدكتور حمد بن عبد المحسن التويجري
 
  
 

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

إِنَّ الْحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَتُوبُ إِلَيْهِ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا، أَمَّا بَعْدُ؛

مَعاشِرَ الْإِخْوَةِ! مَوْضُوعُ هَذَا اللِّقَاءِ:

عُبُودِيَّةُ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى

هَذِهِ الْعُبُودِيَّةُ الَّتِي قَالَ عَنْهَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ، أَحْمَدُ بنُ عَبْدِ الْحَلِيمِ بنِ تَيْمِيَةَ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ: "مَنْ أَرَادَ السَّعَادَةَ الْأَبَدِيَّةَ فَلْيَلْزَمْ عَتَبَةَ الْعُبُودِيَّةِ". وَقَالَ رَحِمَهُ اللهُ: "أَسْعَدُ الْخَلْقِ أَعْظَمُهُمْ عُبُودِيَّةً للهِ". وَقَالَ أَيْضًا: "أَكْمَلُ الْخَلْقِ وَأَفْضَلُهُمْ وَأَعْلَاهُمْ وَأَقْرَبُهُمْ إِلَى اللهِ وَأَهْدَاهُمْ، أَتَمُّهُمْ عُبُودِيَّةً للهِ".

العُبُودِيَّةُ مَعَاشِرَ الْإِخْوَةِ قِسْمَانِ، لَا ثَالِثَ لَهُمَا: عُبُودِيَّةٌ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ فِيهَا اخْتِيَارٌ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُطْلَقَ عَلَيْهَا العُبُودِيَّةُ القَصْرِيَّةُ، هَذِهِ العُبُودِيَّةُ الَّتِي لَا يُمْكِنُ لِمَخْلُوقٍ ـ كَائِنًا مَنْ كَانَ ـ أَنْ يَتَجَرَّدَ عَنْهَا أَوْ يَتَمَرَّدَ عَلَيْهَا، إِنَّهَا عُبُودِيَّةُ القَهْرِ وَالمُلْكِ؛ فَالْكُلُّ تَحْتَ قَهْرِ اللهِ، وَالكُلُّ تَحْتَ مُلْكِ اللهِ، ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94) وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا(1). هَذِهِ العُبُودِيَّةُ تَشْمَلُ البَرَّ وَالفَاجِرَ، المُؤْمِنَ وَالكَافِرَ، المُطِيعَ وَالعَاصِيَ، شَاءَ الإِنْسَانُ أَمْ أَبَى، فَهُوَ عَبْدٌ للهِ عَزَّ وَجَلَّ بِهَذَا المَفْهُومِ، ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً(2) لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ اخْتِيَارٌ فِي هَذَا النَّوْعِ مِنْ أَنْوَاعِ العُبُودِيَّةِ، فَهَذَا الكَافِرُ الَّذِي تَمَرَّدَ عَلَى عِبَادَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، مَا هُوَ فِي الحَقِيقَةِ إِلَّا عَبْدٌ للهِ؛ لِأَنَّهُ تَحْتَ قَهْرِ اللهِ، وَتَحْتَ مُلْكِ اللهِ، وَتَحْتَ تَصَرُّفِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، يَفْعَلُ بِهِ كَيْفَ شَاءَ وَمَتَى شَاءَ، وَلَا كَلَامَ لَنَا مَعَ هَذَا النَّوْعِ مِنْ أَنْوَاعِ العُبُودِيَّةِ، إِنَّمَا الكَلَامُ حَوْلَ العُبُودِيَّةِ الاخْتِيَارِيَّةِ، تِلْكَ المَنْزِلَةُ الَّتِي شَمَّرَ لَهَا المُشَمِّرُونَ، وَتَسَابَقَ لَهَا المُتَسَابِقُونَ، مَنْزِلَةُ الأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ، إِنَّهَا الغَايَةُ الَّتِي خُلِقَ لِأَجْلِهَا الخَلْقُ، لِأَجْلِهَا أَنْزَلَ اللهُ الْكُتُبَ وَأَرْسَلَ الرُّسُلَ، لِأَجْلِهَا خَلَقَ اللهُ الجَنَّةَ وَالنَّارَ، لِأَجْلِهَا سُلَّتْ السُّيُوفُ وَشُرِعَ الجِهَادُ، لِأَجْلِهَا انْقَسَمَ النَّاسُ إِلَى سُعَدَاءَ وَأَشْقِيَاءَ، إِلَى أَبْرَارٍ وَفُجَّارٍ، إِلَى أَوْلِيَاءَ لِلرَّحْمَنِ وَأَوْلِيَاءَ لِلشَّيْطَانِ. إِنَّهَا غَايَةُ الغَايَاتِ، إِنَّهَا مَقْصِدُ الأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ، ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ(3)، هَذِهِ الغَايَةُ هِيَ الَّتِي خَلَقَ لِأَجْلِهَا الخَلْقَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ، مَا أُنْزِلَ آدَمُ مِنَ الجَنَّةِ إِلَى الأَرْضِ إِلَّا لِمَاذَا؟ إِلَّا لِتَحْقِيقِ هَذِهِ الغَايَةِ.

وَلِهَذَا، النَّاسُ قَاطِبَةً يَتَفَاوَتُونَ فِي قُرْبِهِمْ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي هَذَا المَعْنَى، العُبُودِيَّةِ؛ فَكُلَّمَا كَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ عُبُودِيَّةً للهِ، كُلَّمَا كَانَ أَقْرَبَ مِنْهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وَلِهَذَا، الوَصْفُ بِالعُبُودِيَّةِ بِهَذَا المَعْنَى وَصْفُ تَكْرِيمٍ؛ إِذَا أَرَادَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُشَرِّفَ الإِنْسَانَ، وَأَنْ يُكَرِّمَ هَذَا الإِنْسَانَ، وَفَّقَهُ لِهَذِهِ العُبُودِيَّةِ، وَلِهَذَا وَصَفَ أَحَبَّ وَأَكْرَمَ الخَلْقِ إِلَيْهِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، العُبُودِيَّةِ، فَوَصَفَ مَلَائِكَتَهُ بِذَلِكَ فَقَالَ: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ(4)، وَوَصَفَ أَنْبِيَاءَهُ وَرُسُلَهُ بِذَلِكَ فَقَالَ: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ(5) بَلْ وَصَفَ أَحَبَّ الخَلْقِ إِلَيْهِ قَاطِبَةً، المُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَقَالَ: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ(6) ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ(7) ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً(8)، بَلْ وَصَفَهُ فِي أَكْرَمِ وَأَعَزِّ مَوْقِفٍ يَتَشَرَّفُ وَيَفْتَخِرُ بِهِ المُصْطَفَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلى آلِهِ وَسَلَّمَ، فِي أَيِّ المَوَاقِفِ؟ لَيْلَةَ الإِسْرَاءِ، فَقَالَ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى(9).

لَيْسَ هُنَاكَ وَصْفٌ أَكْرَمَ وَأَشْرَفَ مِنْ هَذَا الوَصْفِ، لَمْ يَقُلْ: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِرَسُولِهِ وَلَا بِنَبِيِّهِ، بَلْ ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ...﴾.

وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلى آلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِأَصْحَابِهِ وَلِأُمَّتِهِ: «لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ، فَقُولُوا: عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ» (10). وَوَصَفَ عِبَادَهُ المُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ فَقَالَ: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً(11) ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(12) ﴿يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ(13).

إِذًا فَالعُبُودِيَّةُ مَعَاشِرَ الْإِخْوَةِ صِفَةُ تَكْرِيمٍ، صِفَةُ تَشْرِيفٍ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، يُوَفَّقُ لَهَا مَنْ أَرَادَ اللهُ بِهِ خَيْرًا، وَلِهَذَا رَحِمَ اللهُ القَاضِي عِيَاضَ عِنْدَمَا قَالَ:

وَمِمَّا زَادَنـِي شَرَفـًا وَتِيـهًا *** وَكِدْتُ بِأَخْمُصِي أَطَأُ الثُّرَيَّا

دُخُولِي تَحْتَ قَوْلِكَ يَا عِبَادِي *** وَأَنْ صَيَّرْتَ أَحْمَـدَ لِي نَبِيَّا

نَعَمْ مَعَاشِرَ الْإِخْوَةِ،

وَالإِنْسَانُ مَهْمَا بَلَغَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَجَرَّدَ مِنْ رِقِّ العُبُودِيَّةِ، رِقُّ العُبُودِيَّة لَازِمٌ لِكُلِّ إِنْسَانٍ، كَائِنًا مَنْ كَانَ، مَرْئُوسًا كَانَ أَوْ رَئِيسًا، فَاخْتَرْ يَا عَبْدَ اللهِ: أَنْ تَكُونَ عَبْدًا لِجَبَّارِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، عَبْدًا لِمَنْ عُبُودِيَّتُهُ شَرَفٌ وَعِزٌّ وَرِفْعَةٌ؟ أَوْ تَكُونَ عَبْدًا لِهَوَاكَ، عَبْدًا لِشَيْطَانِكَ، عَبْدًا لِلْمَالِ، عَبْدًا لِلْمَنْصِبِ؟ لِأَنَّ العُبُودِيَّةَ، مَا هِيَ العُبُودِيَّةُ؟ اسْتِسْلَامُ هَذَا القَلْبِ، فَإِذَا انْقَدْتَ لِهَذِهِ الشَّهْوَةِ، فَأَنْتَ عَبْدٌ لِهَذِهِ الشَّهْوَةِ، انْقَدَتْ إِلَى هَذَا المَالِ، فَأَنْتَ عَبْدٌ لِهَذَا المَالِ، انْقَدْتَ إِلَى سَيِّدِكَ وَمَوْلَاكَ، فَأَنْتَ عَبْدٌ لِسَيِّدِكَ وَمَوْلَاكَ.

أَيُّهَا الْإِخْوَةُ! العُبُودِيَّةُ لَهَا مَفْهُومَانِ؛ مَفْهُومٌ عَامٌّ شَامِلٌ، وَمَفْهُومٌ خَاصٌّ؛ دَائِرَةٌ وَاسِعَةٌ، وَدَائِرَةٌ ضَيِّقَةٌ.

أَمَّا العُبُودِيَّةُ بِمَفْهُومِهَا العَامِّ الشَّامِلِ، فَهِيَ كَمَا عَرَّفَهَا شَيْخُ الإِسْلَامِ، وَحَفِظْنَا هَذَا التَّعْرِيفَ مُنْذُ الصِّغَرِ: اسْمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ مَا يُحِبُّهُ اللهُ وَيَرْضَاهُ، مِنَ الأَقْوَالِ وَالأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ وَالبَاطِنَةِ. فَالصَّلَاةُ عِبَادَةٌ، وَالحَجُّ عِبَادَةٌ، وَالجِهَادُ عِبَادَةٌ، وَالتَّوَكُّلُ عِبَادَةٌ، وَالاسْتِغْفَارُ عِبَادَةٌ، وَالاسْتِعَانَةُ عِبَادَةٌ، وَذِكْرُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ عِبَادَةٌ، وَإِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ عِبَادَةٌ. فَالعِبَادَةُ بَابٌ وَاسِعٌ، بَلْ إِنَّ كُلَّ مَا يَعْمَلُهُ الإِنْسَانُ، يَحْتَسِبُ بِهِ الأَجْرَ عَلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ هُوَ عِبَادَةٌ يُؤْجَرُ عَلَيْهَا.

اسْمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ مَا يُحِبُّهُ اللهُ وَيَرْضَى، فَيُمْكِنُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيُؤْجَرُ عَلَيْهَا وَيَكُونُ فِي عِبَادَةٍ، يَأْكُلُ فَيُؤْجَرُ عَلَى هَذَا الأَكْلِ وَيَكُونُ فِي عِبَادَةٍ، يَنَامُ وَيُؤْجَرُ عَلَى هَذَا النَّوْمِ وَيَكُونُ فِي عِبَادَةٍ، يَذْهَبُ وَيَخْرُجُ يَطْلُبُ الرِّزْقَ الحَلَالَ وَيَكُونُ فِي عِبَادَةٍ. وَهَذَا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ بِعِبَادِهِ المُؤْمِنِينَ؛ أَنْ لَمْ يُضَيِّقْ دَائِرَةَ العِبَادَاتِ، أَنْ لَمْ يَجْعَلْ العُبُودِيَّةَ مَحْصُورَةً عَلَى أَعْمَالٍ لَهَا هَيْئَاتٍ مَخْصُوصَةٍ وَتُؤَدَّى بِأَوْقَاتٍ مَخْصُوصَةٍ، لِأَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَحْسَبُ أَنَّ العُبُودِيَّةَ، هِيَ أَنْ تَسْتَسْلِمَ للهِ عَزَّ وَجَلَّ وَتَنْقَادَ لَهُ، بِالصَّلَاةِ أَوْ بِالحَجِّ أَوْ بِالإِمْسَاكِ عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ أَوْ بِالصَّدَقَةِ. لَا، العِبَادَةُ بَابُهَا وَاسِعٌ، وَلِهَذَا لَمَّا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ» تَعَجَّبَ الصَّحَابَةُ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! أَيَأْتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ بِهَا أَجْرٌ؟! هَذَا الأَمْرُ جِبِلِّيٌّ بِالنِّسْبَةِ لِلْإِنْسَانِ، مِنْ أَعْظَمِ مَا يَتَلَذَّذُ بِهِ الإِنْسَانُ، وَمَعَ ذَلِكَ يُؤْجَرُ عَلَيْهِ! قَالَ: «أَرَأَيْتَ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ» لَوْ وَضَعَ هَذِهِ النُّطْفَةَ فِي حَرَامٍ «أَكَانَ عَلَيْهِ وِزْرٌ؟ كَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي حَلَالٍ..» (14). وَفِي الحَدِيثِ الآخَرِ: «وَاللُّقْمَةُ تَضَعُهَا فِي فِيهِ زَوْجَتِكَ لَكَ بِهَا أَجْرٌ». كِنَايَةٌ عَنْ طَلَبِ الرِّزْقِ الحَلَالِ، وَلِهَذَا قَالَ العُلَمَاءُ: عَادَاتُ المُؤْمِنِ عِبَادَاتٌ، وَعِبَادَاتُ المُنَافِقِ عَادَاتٌ. المُنَافِقُ يُصَلِّي لِأَنَّهُ رَأَى النَّاسَ يُصَلُّونَ، يَصُومُ لِأَنَّهُ رَأَى وَالِدَيْهِ وَرَأَى المُجْتَمَعَ الَّذِي يَعِيشُ فِيهِ يُمْسِكُونَ عَنِ الطَّعَامِ، فَأَمْسَكَ عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، يَحُجُّ لِأَنَّهُ رَأَى النَّاسَ يَحُجُّونَ، وَلِئَلَّا يُقَالَ لَهُ إِنَّكَ مَا حَجَجْتَ، فَعِبَادَاتُهُ عَادَاتٌ. أَمَّا المُؤْمِنُ فَلَا؛ المُؤْمِنُ يِنَامُ وَيَتَعَبَّدُ للهِ عَزَّ وَجَلَّ بِهَذَا النَّوْمِ، يَأْكُلُ وَيَتَعَبَّدُهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهَذَا الأَكْلِ، يَخْرُجُ إِلَى الفُسْحَةِ وَالفُرْجَةِ وَيَتَعَبَّدُ للهِ عَزَّ وَجَلَّ بِهَذَا العَمَلِ، وَلِهَذَا لَاحِظُوا أَنَّ غَالِبَ أَعْمَالِ الإِنْسَانِ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ رُبِطَتْ بِمَاذَا؟ بِأَوْرَادٍ، بِأَذْكَارٍ، دُخُولُ المَنْزِلِ لَهُ وِرْدٌ، الخُرُوجُ مِنَ المَنْزِلِ، إِذَا أَرَادَ الإِنْسَانُ أَنْ يَنَامَ، إِذَا اسْتَيْقَظَ مِنَ النَّوْمِ، إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ، إِذَا انْتَهَى مِنَ الأَكْلِ، إِذَا أَرَادَ أَنْ يَشْرَبَ، إِذَا دَخَلَ السُّوقَ، إِذَا رَكِبَ دَابَّتَهُ، إِذَا لَبِسَ ثَوْبَهُ، إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ، إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ، أَعْمَالُهُ كُلُّهَا مُؤَطَّرَةً بِهَذَا الإِطَارِ، وَبِهَذَا سِرٌّ لَطِيفٌ: أَنْ يَرْبِطَ الإِنْسَانُ أَعْمَالَهُ كُلَّهَا بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ، أَنْ يَحْتَسِبَ أَعْمَالَهُ كُلَّهَا عَلَى اللهِ، فَيُؤْجَرَ عَلَيْهَا. هَذِهِ هِيَ العِبَادَةُ بِمَعْنَاهَا العَامِّ، وَمَفْهُومِهَا العَامِّ.

هُنَاكَ مَفْهُومٌ لِلْعُبُودِيَّةِ أَضْيَقُ وَأَدَقُّ مِنْ هَذَا المَفْهُومِ، وَهُوَ أَنَّ العِبَادَةَ هِيَ: "كُلُّ مَا أَمَرَ الشَّارِعُ بِهِ، مِنْ غَيْرِ اقْتِضَاءٍ عَقْلِيٍّ وَلَا مَفْهُومٍ عُرْفِيٍّ".

العِبَادَةُ الَّتِي تَتَحَقَّقُ بِهَا العُبُودِيَّةُ للهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ إِمَّا أَنْ تَتَحَقَّقَ بِالعِبَادَةِ الَّتِي بِمَفْهُومِهَا العَامِّ، أَوْ تَتَحَقَّقُ بِالعِبَادَةِ الَّتِي بِمَفْهُومِهَا الخَاصِّ.

"كُلُّ مَا أَمَرَ الشَّارِعُ بِهِ" أَمَرَكَ بِالصَّلَاةِ، هَذِهِ عِبَادَةٌ، أَمَرَكَ بِالحَجِّ، هَذِهِ عِبَادَةٌ، أَمَرَكَ بِالأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، هَذِهِ عِبَادَةٌ، أَمَرَكَ بِتَرْكِ الزِّنَا، بِتَرْكِ مَا حَرَّمَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ، هَذِهِ عِبَادَةٌ، كُلُّ مَا أَمَرَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ، إِمَّا بِفِعْلٍ أَوْ تَرْكٍ.

"مِنْ غَيْرِ اقْتِضَاءٍ عَقْلِيٍّ وَلَا مَفْهُومٍ عُرْفِيٍّ" بِمَعْنَى: أَنَّ هَذِهِ العِبَادَاتِ لَا تَخْضَعُ لِلْأَقْيِسَةِ العَقْلِيَّةِ؛ لَا يَأْتِي الإِنْسَانُ وَيَقُولُ: لِمَاذَا صَلَاةُ المَغْرِبِ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ؟ وَصَلَاةُ العِشَاءِ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ؟ لَا، هَذِهِ عِبَادَةُ اسْتِسْلَامٍ للهِ عَزَّ وَجَلَّ. لِمَاذَا الأَكْلُ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ بِدَقِيقَةٍ مُحَرَّمٌ، وَبَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ بِدَقِيقَةٍ جَائِزٌ؟ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ. وَلِهَذَا رَأَى الحَسَنُ البَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ رَجُلًا يَتَنَفَّلُ بَعْدَ صَلَاةِ الفَجْرِ، وَهَذَا الوَقْتُ وَقْتُ مَاذَا؟ وَقْتُ نَهْيٍ، لَا تُؤَدَّى فِيهِ صَلَاةٌ، إِلَّا ذَوَاتِ الأَسْبَابِ، فَنَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ الرَّجُلُ: يَرْحَمُكَ اللهُ! أَيُعَذِّبُنِي اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى فِعْلِ الصَّلَاةِ؟! لَاحِظُوا هَذَا الرَّجُلَ اسْتَخْدَمَ مَاذَا؟ اسْتَخْدَمَ عَقْلَهُ، كَيْفَ أَنَا أُصَلِّي، أَتَقَرَّبُ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ بِأَفْضَلِ أَنْوَاعِ القُرَبِ، الصَّلَاةُ أَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، أَيُمْكِنُ أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَسْأَلُنِي عَنْ فِعْلِ الصَّلَاةِ؟!! فَمَاذَا أَجَابَهُ الحَسَنُ؟ قَالَ: لَا، لَا يَسْأَلُكَ عَنْ فِعْلِ الصَّلَاةِ، وَلَكِنْ يُحَاسِبُكَ عَلَى مُخَالَفَتِكَ السُّنَّةَ. النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ نَهَاكَ أَنْ تُصَلِّيَ بِهَذَا الوَقْتِ، فَقُلْ: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا. وَلَمَّا رَأَى ابْنُ عَبَّاسٍ مُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا يَسْتَلِمُ أَرْكَانَ البَيْتِ الأَرْبَعَةَ، سَأَلَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: "لِمَاذَا تَسْتَلِمُ أَرْكَانَ البَيْتِ الأَرْبَعَةِ؟ ابْنُ عَبَّاسٍ ظَنَّ أَنَّ مُعَاوِيَةَ عِنْدَهُ أَثَارَةٌ مِنْ عِلْمٍ، عِنْدَهُ شَيْءٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ عَنْ هَذَا الأَمْرِ، فَمَاذَا قَالَ مُعَاوِيَةُ؟ لَوْ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ، أَوْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ، لَكَانَ الأَمْرُ جَمِيلًا وَفِي مَكَانِهِ، وَلَكِنْ مَاذَا قَالَ؟ قَالَ: "لَا أُحِبُّ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنَ البَيْتِ مَهْجُورًا." رَأَيْتُ أَلَّا نَقْتَصِرَ بِالاسْتِلَامِ فَقَطْ عَلَى الرُّكْنِ اليَمَانِيِّ وَالحَجَرِ الأَسْوَدِ، لَا أُرِيدُ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنَ البَيْتِ مَهْجُورًا. هُنَا مُعَاوِيَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ اسْتَخْدَمَ مَاذَا؟ عَقْلَهُ وَقِيَاسَهُ. فَمَاذَا قَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ؟ قَالَ: "أَمَّا أَنَا فَلَمْ أَرَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يَسْتَلِمُ إِلَّا هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ، فَلَا أَسْتَلِمُ غَيْرَهُمَا." اسْتِسْلَامٌ تَامٌّ للهِ عَزَّ وَجَلَّ، هَذِهِ هِيَ العِبَادَةُ، وَلِهَذَا لَمَّا وَقَفَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَمَامَ الحَجَرِ الأَسْوَدِ، مَاذَا قَالَ؟ قَالَ: "وَاللهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَنْفَعُ وَلَا تَضُرُّ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ أَبَدًا" إِنَّمَا أُقَبِّلُكَ لِأَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَبَّلَكَ. أَفْعَلُ هَذَا الأَمْرَ، لِأَنَّ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَعَلَهُ، فَأَنَا أَتَعَبَّدُ للهِ عَزَّ وَجَلَّ بِهَذَا الأَمْرِ، فَهَذِهِ هِيَ العِبَادَةُ الَّتِي يَتَحَقَّقُ بِهَا العُبُودِيَّةُ بِمَفْهُومِهَا الخَاصِّ.

وَهَذِهِ العِبَادَةُ مَعَاشِرَ الْإِخْوَةِ لَا يَصِحُّ أَنْ يُطْلَقَ عَلَيْهَا عِبَادَةٌ، إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَتَوَفَّرَ فِيهَا شَرْطَانِ:

الشَّرْطُ الأَوَّلُ: الإِخْلَاصُ. أَنْ تَكُونَ هَذِهِ العِبَادَةُ خَالِصَةً لِوَجْهِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً(15). يَقُولُ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: "العَمَلُ الصَّالِحُ الَّذِي تَوَفَّر فِيهِ الإِخْلَاصُ والمُتَابَعَةُ."

وَيَقُولُ اللهُ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً(16) يَقُولُ الفُضَيْلُ: "أَحْسَنُهُ أَخْلَصُهُ وَأَصْوَبُهُ". فَلا بُدَّ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ العِبَادَةُ الَّتِي تَتَقَرَّبُ بِهَا إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَتَرْجُو أَنْ تَبْلُغَ بِهَا مَقَامَ العُبُودِيَّةِ، أَنْ تَكُونَ خَالِصَةً لِوَجْهِ اللهِ.

وَالإِخْلَاصُ ـ مَعَاشِرَ الْإِخْوَةِ ـ عَمَلٌ قَلْبِيٌّ، بَلْ هُوَ مِنْ أَفْضَلِ الأَعْمَالِ القَلْبِيَّةِ عِنْدَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ. الأَعْمَالُ تَتَفَاضَلُ عِنْدَ اللهِ لَا بِكَثْرَتِهَا، وَإِنَّمَا بِحُسْنِهَا. بِقَدْرِ مَا خَالَطَهَا مِنَ الإِخْلَاصِ تَعْظُمُ عِنْدَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلِهَذَا كَمْ مِنْ عَمَلٍ قَلِيلٍ خَالَطَهُ إِخْلَاصٌ عَظِيمٌ فَبَارَكَهُ وَكَثَّرَهُ، وَكَمْ مِنْ عَمَلٍ كَبِيرٍ تَجَرَّدَ مِنَ الإِخْلَاصِ فَأَكْلَفَهُ وَأَفْسَدَهُ. إِلَيْكُمْ مِثَالًا عَلَى ذَلِكَ: ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّ امْرَأَةً بَغِيًّا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ غَفَرَ اللهُ لَهَا، بِمَاذَا؟ سَقَتْ كَلْبًا. امْرَأَةٌ بَغِيٌّ!! مَا مَعْنَى بَغِيٍّ؟ زَانِيَةً؟ لَا، بَلْ اتَّخَذَتْ الزِّنَا حِرْفَةً، غَفَرَ اللهُ لَهَا! بِمَاذَا؟ سَقَتْ كَلْبًا! يَقُولُ ابْنُ القَيِّمِ: شَرْبَةُ مَاءٍ سَقَتْهُ مَاذَا؟ كَلبًا حَيَوَانًا، مِنْ أَخَسِّ الحَيَوَانَاتِ، لَمْ تَسْقِ آدَمِيًّا، وَمَعَ ذَلِكَ غَفَرَ اللهُ لَهَا هَذَا الذَّنْبَ العَظِيمَ، يَقُولُ شَيْخُ الإِسْلَامِ: "وَالسِّرُّ فِي ذَلِكَ لَا ذَات العَمَلِ، فَذَاتُ العَمَلِ حَقِيرٌ صَغِيرٌ بَسِيطٌ، وَإِنَّمَا الإِخْلَاصُ الَّذِي عَمَّرَ قَلْبَ هَذِهِ البَغِيَّةِ، كَانَ سَبَبًا لِمَغْفِرَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ". وَهَكَذَا الإِخْلَاصُ مَا خَالَطَ عَمَلًا قَلِيلًا إِلَّا بَارَكَهُ وَكَثَّرَهُ. فِي المُقَابِلِ، ثَبَتَ فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ، أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: "يَا رَسُولَ اللهِ! عَبْدُ اللهِ بْنُ جُدْعَانَ" ذَلِكَ الرَّجُلُ الشَّهْمُ فِي الجَاهِلِيَّةِ "كَانَ يُطْعِمُ الحُجَّاجَ" يَتَبَرَّعُ لِجَمِيعِ الحُجَّاجِ بِأَنْ يُطْعِمَهُمْ، يَتَكَفَّلُ بِإِطْعَامِ جَمِيعِ الحُجَّاجِ، وَلِهَذَا ذَكَرَ المُؤَرِّخُونَ، أَنَّ القُدُورَ الَّتِي كَانَ يُطْبَخُ فِيهَا الطَّعَامُ، القِدْرُ الوَاحِدُ لَا يَحْمِلُهُ إِلَّا العُصْبَةُ مِنَ الرِّجَالِ، "هَلْ يَنْفعُهُ ذَلِكَ؟" تَسْأَلُ عَائِشَةَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ. قَالَ: «لَا يَنْفَعُهُ إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا: رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ» (17) لِأَنَّهُ مَا عَمِلَ هَذِهِ الأَعْمَالَ لِوَجْهِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَلَمْ يَنْتَفِعْ بِهَا. قَالَ: "وَبَيْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ جُدْعَانَ وَبَيْنَ هَذِهِ المَرْأَةِ الَّتِي سَقَتْ كَلْبًا، هَذَا يُطْعِمُ كُلَّ الحُجَّاجِ، وَتِلْكَ المَرْأَةُ سَقَتْ كَلْبًا شَرْبَةَ مَاءٍ".

مِثَالٌ آخَرُ: مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ الَّذِينَ قَدَّمُوا خِدْمَةً لِلْإِسْلَامِ، أَبُو طَالِبٍ عَمُّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ذَاكَ الرَّجُلُ الَّذِي ضَحَّى بِكُلِّ مَا يَمْلِكُ فِي سَبِيلِ هَذِهِ الدَّعْوَةِ، صَبَرَ فِي أَشَدِّ المَوَاقِفِ، وَفِي أَحْلَكِ الظُّرُوفِ، لِأَجْلِ مَاذَا؟ لِأَجْلِ أَنْ يُبَلِّغَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ دَعْوَةَ رَبِّهِ. حُوصِرَ فِي الشِّعْبِ مَعَ بَنِي هَاشِمٍ ثَلَاثَ سَنَوَاتٍ، مُقَاطَعَةٌ تَامَّةٌ؛ لَا يُبَايَعُونَ، وَلَا يُشْتَرَى مِنْهُمْ، وَلَا يُزَوَّجُونَ، وَلَا يُتَزَوَّجُ مِنْهُمْ، وَلَا يُكَلَّمُونَ، حَتَّى أَكَلُوا جُلُودَ المَيْتَةِ وَأَوْرَاقَ الشَّجَرِ. أَهْلُ الشِّرْكِ رَقُّوا عَلَيْهِمْ وَرَحَمُوهُمْ، وَمَعَ ذَلِكَ صَبَرَ، فَهَلْ انْتَفَعَ بِهَذَا العَمَلِ؟ الجَوَابُ: لَا، عَمَلٌ عَظِيمٌ، لَكِنْ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ، لِمَاذَا؟ لِأَنَّهُ مَا عَمِلَهُ للهِ، ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا(18).

وَتَعْرِفُونَ قِصَّةَ عُمَرَ لَمَّا مَرَّ بِالرَّاهِبِ وَبَكَى وَهُوَ فِي طَرِيقِهِ إِلَى الشَّامِ، قَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ! رَاهِبٌ يَتَعَبَّدُ فِي صَوْمَعَتِهِ، عَابِدٌ مِنْ عُبَادِ النَّصَارَى؟! فَقَالَ: تَذَكَّرْتُ قَوْلَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (2) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ(19) النتيجة ﴿تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً(20) لِمَاذَا؟ لِأَنَّ هَذِهِ الأَعْمَالَ لَيْسَتْ خَالِصَةً لِوَجْهِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ. ذَاكَ الرَّجُلُ يَأْتِي وَيُسَلِّمُ عَلَى يَدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، وَيَدْخُلُ المَعْرَكَةَ، وَيُقَاتِلُ وَيُقْتَلُ، مَا سَجَدَ للهِ سَجْدَةً، فَيَدْخُلُ الجَنَّةَ! لِمَاذَا؟ الإِخْلَاصُ. وَلِهَذَا مَعَاشِرَ الْإِخْوَةِ، نُلَاحِظُ أَنَّ هُنَاكَ أَعْمَالًا بَسِيطَةً، مِنْ أُنَاسٍ بُسَطَاءَ، إِمْكَانَاتُهُمْ مَحْدُودَةٌ، لَكِنْ يُبَارِكُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي أَعْمَالِهِمْ، وَفِي جُهُودِهِمْ، وَفِي دَعْوَتِهِمْ، وَلَعَلَّ ذَلِكَ بِبَرَكَةِ الإِخْلَاصِ الَّذِي صَاحَبَ هَذِهِ الأَعْمَالَ.

يُمَثِّلُ العُلَمَاءُ كَثِيرًا بِالإِمَامِ النَّوَوِيِّ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ، ذَاكَ الإِمَامُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِي مُقْتَبَلِ عُمُرِهِ، تُوُفِّيَ وَلَمْ يَبْلُغْ الأَرْبَعِينَ مِنْ عُمُرِهِ، لَكِنْ كَتَبَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لِمُؤَلَّفَاتِهِ مِنَ القَبُولِ، الشَّيْءَ الَّذِي لَا يَخْطُرُ عَلَى بَالٍ. مَا ظَنُّكُمْ بِهَذَا الكِتَابِ (رِيَاضُ الصَّالحِينَ) كَمْ طُبِعَ مِنْهُ؟ مَشَائِخُنَا يَقُولُونَ: مُنْذُ أَنْ أَدْرَكْنَا أَنْفُسَنَا، وَالنَّاسُ لَا يَقْرَؤُونَ بَعْدَ صَلَاةِ العَصْرِ إِلَّا رِيَاضَ الصَّالِحِينَ، وَكُلُّ مَنْ قَرَأَ قَالَ: المُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللهُ. أُلِّفَ عَلَى مِنْوَالِ هَذَا الكِتَابِ عَشَرَاتُ الكُتُبِ، وَلَكِنْ لَمْ يُكْتَبْ لَهَا مِنَ القَبُولِ مِثْلُ مَا كَتَبَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لِهَذَا الكِتَابِ. (الأَرْبَعِين) غَالِبُ العُلَمَاءِ أَلَّفُوا فِي الأَرْبَعِينَ، لَكِنْ، انْتَهَى الأَمْرُ، الآنَ، ارْتَبَطَ اسْمُ الأَرْبَعِينَ بِاسْمِ الإِمَامِ النَّوَوِيِّ. (شَرْحُ مُسْلِمٍ) شَرَحَهُ أَئِمَّةٌ كُثُرٌ، لَكِنْ لَمْ يَكْتُبِ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ القَبُولَ فِي مِثْلِ هَذَا الكِتَابِ. قَالُوا: لَعَلَّهُ صَادَفَ إِخْلَاصًا مِنْ هَذَا الرَّجُلِ.

الإِمَامُ البُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللهُ عِنْدَمَا كَتَبَ كِتَابَهُ الصَّحِيحَ، هَلْ كَانَ يَدُورُ فِي ذِهْنِهِ أَنْ يَبْلُغَ هَذَا الكِتَابُ هَذِهِ المَنْزِلَةَ؟ يَا إِخْوَانُ! كَتَبَهُ بِمَشُورَةٍ لِشَيْخِهِ عَلَيِّ بْنِ المَدِينِيِّ، قَالَ مَرَّةً عَلِيٌّ: لَوْ كَتَبْتُمْ كِتَابًا أَوْ أَلَّفْتُمْ كِتَابًا فِي صَحِيحِ سُنَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ. فَأَخَذَ هَذَا الرَّجُلُ وَكَتَبَ كِتَابَهُ الخَالِدَ، الَّذِي أَصْبَحَ أَصَحَّ كِتَابٍ بَعْدَ كِتَابِ اللهِ، إِذَا قِيلَ هَذَا الحَدِيثُ رَوَاهُ البُخَارِيُّ، لَا تَنْظُرْ فِي السَّنَدِ، تَجَاوَزْ الأَمْرَ، وَغَيْرُهُ كَثِيرٌ وَكَثِيرٌ.

مَا نَذْهَبُ بَعِيدًا، الشَّيْخُ عَبْدُ اللهِ بْنُ دَرْعَاوِي رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ، رَجُلٌ، الَّذِينَ عَاصَرُوهُ يَقُولُونَ: بَسِيطٌ فِي عَمَلِهِ، فِي إِمْكَانَاتِهِ، فِي الأَسَالِيبِ الَّتِي كَانَ يَسْتَخْدِمُهَا، وَمَعَ ذَلِكَ أَحْيَا اللهُ عَلَى يَدِ هَذَا الرَّجُلِ أُمَمًا مِنَ النَّاسِ، نَقَلَهُمْ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الشِّرْكِ إِلَى التَّوْحِيدِ، وَمِنَ الظَّلَامِ إِلَى النُّورِ، بِفَضْلِ دَعْوَتِهِ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ فِي جَنُوبِ الجَزِيرَةِ، هُوَ إِنْسَانٌ بَسِيطُ الإِمْكَانَاتِ، لَكِنْ لَعَلَّ هُنَاكَ إِخْلَاصًا صَاحَبَ هَذِهِ الأَعْمَالَ البَسِيطَةَ، فَبَارَكَهَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَلِهَذَا يَقُولُ أَحَدُ الصَّحَابَةِ فِي أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: وَاللهِ مَا سَبَقَهُمْ بِكَثِيرِ صَلَاةٍ وَلَا صِيَامٍ. أَبُو بَكْرٍ!! ذَاكَ الَّذِي مَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ وَلَا غَرَبَتْ بَعْدَ النَّبِيِّينَ عَلَى رَجُلٍ أَفْضَلِ مِنْهُ، بِشَهَادَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، مَا سَبَقَ الصَّحَابَةَ بِأَنَّهُ يَصُومُ أَكْثَرَ مِنْهُمْ، وَلَا يُصَلِّي أَكْثَرَ مِنْهُمْ، وَلَا يَتَصَدَّقُ أَكْثَرَ مِنْهُمْ، إِذًا بِمَاذَا سَبَقَهُمْ؟ يَقُولُ: بِشَيْءٍ وَقَرَ فِي صَدْرِهِ. الإِخْلَاصُ الَّذِي عَمَّرَ هَذَا القَلْبَ، جَعَلَهُ يَبْلُغُ هَذِهِ المَنْزِلَةَ الرَّفِيعَةَ.

الشَّرْطُ الثَّانِي مِنْ شُرُوطِ العِبَادَةِ الَّتِي تَتَحَقَّقُ بِهَا العُبُودِيَّةُ: المُتَابَعَةُ، مُتَابَعَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، بِأَلَّا يَتَعَبَّدَ الإِنْسَانُ رَبَّهُ بِمَا شَاءَ كَيْفَمَا شَاءَ، لَا، أَنْتَ مَحْكُومٌ فِي هَذَا البَابِ، لِمَا ثَبَتَ عَنِ المُصْطَفَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، فَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ أَحْدَثَ بِأَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» وَفِي رِوَايَةٍ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (21) فَيَنْبَغِي إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَتَعَبَّدَ للهِ عَزَّ وَجَلَّ، أَنْ تَتَعَبَّدَهُ بِمَا شَرَعَ؛ كَيْفَ صَلَّى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَتُصَلِّي كَمَا صَلَّى، تَصُومُ كَمَا صَامَ، تَحُجُّ كَمَا حَجَّ، تَقْتَفِي أَثَرَهُ فِي الدَّقِيقَةِ وَالجَلِيلِ، وَلِهَذَا يَقُولُ الخَطِيبُ البَغْدَادِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ عِنْدَمَا شَرَعَ الذِّكْرَ بَعْدَ الصَّلَاةِ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، كَانَ بِاسْتِطَاعَتِهِ أَنْ يَقُولَ سَبِّحُوا اللهَ ثَلَاثِينَ، أَوْ يَقُولَ أَرْبَعِينَ، فَاخْتِيَارُ هَذَا العَدَدِ لَهُ مَعْنَى عِنْدَ الشَّارِعِ الحَكِيمِ، فَلَا يَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ هُوَ. لِهَذَا، الاقِتِصَادُ فِي السُّنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الاجْتِهَادِ فِي البِدْعَةِ، لَوْ جَاءَنَا إِنْسَانٌ يُسَبِّحُ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ بَعْدَ الصَّلَاةِ خَمْسِينَ، وَشَخْصٌ آخَرُ يُسَبِّحُ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، أَيُّهُمَا أَكْبَرُ؟ الَّذِي يُسَبِّحُ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ خَمْسِينَ. وَأَيُّهُمَا أَفْضَلُ؟ صَاحِبُ الثَّلَاثِ وَثَلَاثِينَ. لِمَاذَا؟ لِأَنَّ هَذَا اقْتَفَى أَثَرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ(22) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ(23). فَالمَسْأَلَةُ قَائِمَةٌ عَلَى الاسْتِسْلَامِ للهِ عَزَّ وَجَلَّ، لَا خِيَارَ لِلْإِنْسَانِ، لَا اجْتِهَادَ، لَا قِيَاسَ. كَيْفَ فَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَافْعَلْ. وَلِهَذَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ، أَنَّ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ جَاءُوا إِلَى عَائِشَةَ يَسْأَلُونَهَا عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَأَخْبَرَتْهُمْ بِعِبَادَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَكَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا، فَنَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا: رَسُولُ اللهِ رَجُلٌ غَفَرَ اللهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، لَكِنْ أَنْتُمْ لَسْتُمْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ. فَقَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَأَصُومُ وَلَا أُفْطِرُ. وَقَالَ الآخَرُ: أَمَّا أَنَا فَأَقُومُ وَلَا أَنَامُ. بِمَعْنَى أَقُومُ اللَّيْلَ كُلَّهُ، وَقَالَ الثَّالِثُ: أَمَّا أَنَا فَأَعْتَزِلُ النِّسَاءَ. أَتْرُكُ الزَّوَاجَ بِالنِّسَاءِ عِبَادَةً للهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَجَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، فَأَخْبَرَتْهُ عَائِشَةُ بِالخَبَرِ، فَقَامَ وَخَطَبَ النَّاسَ وَقَالَ: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَقُولُونَ كَذَا وَكَذَا، أَمَا وَاللهِ إِنِّي لَأَخْشَاهُمْ للهِ وَأَتْقَاهُمْ للهِ وَأَعْلَمُهُمْ بِاللهِ، وَإِنِّي لَأَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَنَامُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» (24) لَيْسَتْ العِبْرَةُ بِكَثْرَةِ العَمَلِ، وَإِنَّمَا العِبْرَةُ بِحُسْنِ العَمَلِ.

أَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِأُصُولِ العِبَادَةِ الَّتِي تَتَحَقَّقُ بِهَا العُبُودِيَّةُ، فَإِنَّ الإِنْسَانَ فِي عُبُودِيَّتِهِ للهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَفِي مَسِيرِهِ إِلَى اللهِ وَالدَّارِ الآخِرَةِ، لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الخَوْفِ وَالرَّجَاءِ، هَذِهِ أُصُولٌ لَا بُدَّ أَنْ يَسْتَصْحِبَهَا كُلُّ عَابِدٍ للهِ، العُبُودِيَّةُ الحَقَّةُ لَا تَتَحَقَّقُ إِلَّا بِهَذِهِ الأُصُولِ؛ الرَّجَاءُ وَالخَوْفُ.

وَصَفَ اللهُ أَنْبِيَاءَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا(25) خَوْفًا وَرَجَاءً، ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا(26) ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (56) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ(27) وَهَكَذَا المُؤْمِنُ بَيْنَ الخَوْفِ وَالرَّجَاءِ، يَقُولُ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ: "وَالمُؤْمِنُ بَيْنَ الخَوْفِ وَالرَّجَاءِ كَالقَافِلَةِ، بِحَاجَةٍ إِلَى حَابِي يَحْبُو بِهَا، وَإِلَى سَائِقٍ يَسُوقُهَا، فَإِذَا طَابَ لَهَا المَمْشَى سَهُلَ لَهَا الطَّرِيقُ" لَا بُدَّ لَهَا مِنْ حَابِي، الَّذِي يُنْشِدُ، لِأَجْلِ مَاذَا؟ أَلَّا تَعْبَأَ بِعَنَاءِ السَّفَرِ، فَإِذَا تَكَاسَلَتْ كَلَّتْ. لَا بُدَّ مِنْ سَائِقٍ يَسُوقُهَا، كَذَلِكَ المُؤْمِنُ، المُؤْمِنُ فِي مَسِيرِهِ إِلَى اللهِ، أَحْيَانًا يَحْتَاجُ إِلَى الرَّجَاءِ، وَأَحْيَانًا إِلَى الخَوْفِ، فَإِذَا كَلَّتْ نَفَسُهُ مِنَ العِبَادَةِ، بِمَعْنَى: وَاجَهَ فِي عِبَادَتِهِ شَيْئًا مِنَ الصُّعُوبَاتِ، مَثَلًا فِي الحَجِّ، رَأَى مِنْ كَثْرَةِ النَّاسِ وَالأَنْفَاسِ الحَرَّ هُنَا، لَا بُدَّ أَنْ يَسْتَصْحِبَ مَاذَا؟ الرَّجَاءَ، لِيُهَوِّنَ هَذَا الأَمْرَ عَلَى النَّفْسِ، يُذَكِّرُهَا بِمَا أَعَدَّهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لِعِبَادِهِ المُتَّقِينَ، يُذَكِّرُهَا أَنَّ الحَجَّ المَبْرُورَ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الجَنَّةِ، يُذَكِّرُهَا أَنَّ الإِنْسَانَ إِذَا رَجَعَ مِنْ هَذَا الحَجِّ، رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ، عِنْدَ ذَلِكَ لَا تُبَالِي بِهَذَا التَّعَبِ، وَلِهَذَا، عُمَيْرُ بْنُ الحَمَامِ، لَمَّا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ: «قُومُوا إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ» قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ؟! قَالَ: «نَعَمْ». قَالَ: مَا بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ؟ قَالَ: «أَنْ تَدْخُلَ فَتُقْتَلَ» وَكَانَ يَأْكُلُ تَمْرًا فَقَالَ: بَخٍ بَخٍ! إِنْ بَقِيتُ إِلَى أَكْلِ هَذِهِ التَّمَرَاتِ، إِنَّهَا لَحَيَاةٌ طَوِيلَةٌ. فَرَمَى بِالتَّمَرَاتِ فَدَخَلَ فَقَاتَلَ فَقُتِلَ (28). اسْتَسْهَلَ القَتْلَ، إِزْهَاقَ النَّفْسِ، تَقْدِيمَ أَغْلَى مَا يَمْلِكُ للهِ عَزَّ وَجَلَّ، لِمَاذَا؟ لِأَنَّهُ نَظَرَ إِلَى النَّتِيجَةِ، وَهِيَ جَنَّةٌ عَرْضُهَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ. هَكَذَا، إِذَا سَمِعَ مُنَادِيَ الفَجْرِ يُنَادِي: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الفَلَاحِ، وَدَعَتْهُ نَفْسُهُ إِلَى الرَّاحَةِ، وَرَأَى أَنَّ هُنَاكَ نَصَبًا وَتَعَبًا أَنْ يَهْجُرَ هَذَا الفِرَاشَ، فَلْيُذَكِّرْهَا بِالرَّجَاءِ بِمَا أَعَدَّهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِالمَشَّائِينَ فِي الظُّلُمَاتِ، بِالنُّورِ المُبِينِ يَوْمَ القِيَامَةِ.

وَإِذَا دَعَتْهُ نَفْسُهُ لِلوُقُوعِ فِي المُحَرَّمِ، أَوْ تَرْكِ طَاعَةٍ، جَاءَ هُنَا مَاذَا؟ الخَوْفُ، يُخَوِّفُهَا بِاللهِ، يُذَكِّرُهَا بِالنَّارِ، يُذَكِّرُهَا بِغَضَبِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَيَكُونُ بَيْنَ الخَوْفِ وَالرَّجَاءِ كَالطَّائِرِ، جَنَاحَا الطَّائِرِ يَحْكُمَانِ طَيَرَانَهُ، كَذَلِكَ الخَوْفُ وَالرَّجَاءُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُؤْمِنِ. لَكِنْ، قَالَ العُلَمَاءُ: يَنْبَغِي أَنْ يُغَلِّبَ جَانِبَ الخَوْفِ فِي حَالِ الصِّحَّةِ. حَالَ الحَيَاةِ وَالصِّحَّةِ، لَا بُدَ أَنْ يُغَلِّبَ جَانِبَ الخَوْفِ، لِمَاذَا؟ لِيَكُونَ أَدْعَى بِالاسْتِفَادَةِ مِنَ الأَعْمَالِ، وَأَدْعَى أَنْ يَقِفَ عِنْدَ حُدُودِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ. لَكِنْ، إِذَا حَضَرَتْ وَفَاتُهُ، فَلْيُغَلِّبْ جَانِبَ الرَّجَاءِ، لِمَاذَا؟ مَا السَّبَبُ؟ لِأَنَّ الأَعْمَالَ انْقَطَعَتْ، مَا يُوجَدْ دَاعِي الآنَ لِلْخَوْفِ، الآنَ مَا بَقِيَ عِنْدَكَ مِنَ الأَعْمَالِ إِلَّا أَنْ تُحْسِنَ الظَّنَّ بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلِهَذَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِرَبِّهِ» (29) وَفِي الحَدِيثِ الآخَرِ: «أَنَا عِنْدَ حُسْنِ ظَنِّ عَبْدِي بِي، فَلْيَظُنَّ بِي مَا شَاءَ» (30) لَكِنْ يَنْبَغِي يَا إِخْوَان، أَنْ نَتَفَطَّنَ إِلَى أَمْرٍ فِي غَايَةِ الأَهَمِّيَّةِ، كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ ـ خَاصَّةً البَطَّالِينَ ـ يَقُولُ: المَسْأَلَةُ سَهْلَةٌ وَيَسِيرَةٌ؛ سَأُطْلِقُ لِنَفْسِي، أُطْلِقُ لَهَا العَنَانَ، وَإِذَا حَضَرَتِ الوَفَاةُ أُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَاللهُ عِنْدَ حُسْنِ ظَنِّ عَبْدِهِ بِهِ. فَيُقَالُ لَهُ: الأَمْرُ لَيْسَ كَذَلِكَ.

حُسْنُ الظَّنِّ وَسُوءُ الظَّنِّ، عَمَلٌ قَلْبِيٌّ أَمْ عَمَلٌ مِنْ أَعْمَالِ الجَوَارِحِ؟ الرَّجَاءُ عَمَلٌ قَلْبِيٌّ أَمْ عَمَلٌ مِنْ أَعْمَالِ الجَوَارِحِ؟ مِنْ أَعْمَالِ القَلْبِ. النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ»: «مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ» (31) يَقُولُ كُلُّ إِنْسَانٍ: المَسْأَلَةُ سَهْلَةٌ، إِذَا حَضَرَتْ وَفَاتُهُ يَقُولُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ. وَقَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ هَذَا عَمَلُ قَلْبٍ أَمْ عَمَلُ جَوَارِحٍ؟ عَمَلٌ مِنْ أَعْمَالِ الجَوَارِحِ. أَيُّهُمَا أَسْهَلُ؛ أَعْمَالُ القُلُوبِ أَمْ أَعْمَالُ الجَوَارِحِ؟ بِلَا شَكٍّ أَعْمَالُ الجَوَارِحِ أَسْهَلُ عَلَى الإِنْسَانِ مِنْ أَعْمَالِ القُلُوبِ، وَلِهَذَا سَهُلَ عَلَى الإِنْسَانِ إِذَا سَمِعَ المُؤَذِّنَ، يَقُومُ وَيَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي، لَكِنْ الصُّعُوبَةُ بِأَنْ تَكُونَ هَذِهِ الصَّلَاةُ خَالِصَةً لِوَجْهِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ لِأَنَّ الإِخْلَاصَ عَمَلٌ قَلْبِيٌّ. هَلْ يَتَأَتَّى لِكُلِّ إِنْسَانٍ أَنْ يَقُولَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ إِذَا حَضَرَتْ وَفَاتُهُ؟ لَا، المَسْأَلَةُ لَيْسَتْ بِتِلْكَ البَسَاطَةِ، كَمْ إِنْسَانٍ يُذْكَرُ، كَانَ يَقُولُ حَالَ الصِّحَّةِ وَحَالَ الحَيَاةِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ أَكْثَرَ مِنْ مَائَةِ مَرَّةٍ، لَمَّا حَضَرَتْ وَفَاتُهُ قِيلَ لَهُ: قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ. مَا اسْتَطَاعَ أَنْ يَقُولَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، إِذَا كَانَ هَذَا فِي أَعْمَالِ الجَوَارِحِ، فَمَا الظَّنُّ بِأَعْمَالِ القُلُوبِ إِذًا؟! قول النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِرَبِّهِ» (32) قَالَ العُلَمَاءُ: مَعْنَاهُ: أَنْ يُقَدِّمَ أَعْمَالًا حَالَ الحَيَاةِ، يَنْصَرِفُ وَيَقُومُ بِالأَعْمَالِ الَّتِي تُوَكَّلُ إِلَيْهِ عَلَى أَكْمَلِ وَجْهٍ، ثُمَّ أْعْلِنَ أَنَّ هُنَاكَ تَرْقِيَةً لِأَحْسَنِ مُوَظَّفٍ، لَوْ اسْتَشْرَفَ لَهَا ذَاكَ البَطَّالُ، لَقَالَ النَّاسُ: أَنْتَ مَجْنُونٌ، مَا الأَعْمَالُ الَّتِي قَدَّمْتَهَا لِأَجْلِ أَنْ تَرْجُو الحُصُولَ عَلَى هَذِهِ التَّرْقِيَةِ؟!

بَاقِي عِنْدَنَا نَقْطَةٌ أَخِيرَةٌ: وَهِيَ الفَرْقُ بَيْنَ الرَّجَاءِ وَالتَّمَنِّي وَالغُرُورِ، وَهَذِهِ مَعَاشِرَ الْإِخْوَةِ مُصِيبَةُ المَصَائِبِ؛ كَثِيرًا مَا يَأْتِي الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ وَيُمَنِّيهِ، وَيُحَسِّنُ لَهُ فِعْلَ المَعَاصِي، ثُمَّ يُذَكِّرُهُ بِمَاذَا؟ بِسِعَةِ رَحْمَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَبِسِعَةِ عَفْوِهِ، اللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، اللهُ حَلِيمٌ، اللهُ تَوَّابٌ، يَغْفِرُ الذُنُوبَ جَمِيعًا، وَيُلَبِّسُ عَلَيْهِ أَنَّ هَذَا رَجَاءٌ، فَيُقَالُ لَهُ: هَذَا غُرُورٌ وَتَمَنِّي وَلَيْسَ بِرَجَاءٍ؛ لِأَنَّ الرَّجَاءَ الصَّحِيحَ، الرَّجَاءَ الشَّرْعِيَّ، هُوَ المَسْبُوقُ بِمَاذَا؟ بِالعَمَلِ، وَلِهَذَا قَالُوا: الرَّجَاءُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ:

رَجَاءُ رَجُلٍ عَمِلَ بِطَاعَةِ اللهِ عَلَى نُورٍ مِنَ اللهِ، فَهُوَ يَرْجُو ثَوَابَ اللهِ، هَذَا رَجَاءٌ صَحِيحٌ، رَجَاءٌ شَرْعِيٌّ.

وَرَجَاءُ رَجُلٍ أَذْنَبَ ذَنْبًا، يَعْنِي فَعَلَ مَعْصِيَةً، ثُمَّ تَابَ مِنْهَا تَوْبَةً صَادِقَةً، فَهُوَ يَرْجُو مَغْفِرَةَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، هَذَا رَجَاءٌ صَحِيحٌ أَمْ غَيْرُ صَحِيحٍ؟ إِنْسَانٌ سَوَّلَتْ لَهُ نَفْسُهُ الوُقُوعَ فِي مَعْصِيَةٍ مِنَ المَعَاصِي، فَوَقَعَ فِيهَا، ثُمَّ نَدِمَ وَأَقْلَعَ عَنْ هَذِهِ المَعْصِيَةِ، وَتَابَ إِلَى اللهِ تَوْبَةً صَادِقَةً، فَهُوَ يَرْجُو مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَقْبَلَ تَوْبَتَهُ، وَيَغْسِلَ حَوْبَتَهُ؛ يَغْسِلَ ذَاتِ الذَّنْبِ، فَهَذَا رَجَاءُهُ صَحِيحٌ.

الرَّجَاءُ الثَّالِثُ: وَهُوَ الرَّجَاءُ الفَاسِدُ، الَّذِي لَبَّسَ بِهِ الشَّيْطَانُ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ، وَالَّذِي فِي الحَقِيقَةِ لَا يُسَمَّى رَجَاءً، إِنَّمَا يُسَمَّى غُرُورًا وَتَمَنِي، وَهُوض رَجَاءُ رَجُلٍ مُتَمَادِي فِي مَعَاصِي اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، مُقِيمٍ عَلَى مَعَاصِي اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَمَعَ ذَلِكَ يَرْجُو رَحْمَةَ اللهِ، يَرْجُو عَفْوَ اللهِ!! لَا يَا أَخِي، صَحِيحٌ أَنَّ رَحْمَةَ اللهِ وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، لَكِنْ لِمَنْ تُكْتَبُ؟ ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَ(33) لِمَنْ؟ للَّذِينَ آمَنُوا، ﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللهِ قَرِيبٌ(34) مِنَ النَّاسِ جَمِيعًا؟ ﴿مِنَ المُحْسِنِينَ(35). فَإِذَا كَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا، فَهُوَ شَدِيدُ العِقَابِ. إِذَا كَانَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، لَكِنَّهُ أَدْخَلَ امْرَأَةً النَّارَ فِي هِرَّةٍ، أُخْرِجَ إِبْلِيسُ مِنَ الجَنَّةِ بِسَبَبِ مَاذَا؟ تَرَكَ أَمْرًا وَاحِدًا للهِ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَ لَهُ: اسْجُدْ. فَامْتَنَعَ، لَمْ يَتَمَرَّدْ. يُنْكِرُ رُبُوبِيَّةَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؟ لَا، بَلْ كَانَ مُعْتَرِفًا بِرُبُوبِيَّتِهِ، إِنَّمَا اسْتَكْبَرَ. بَلْ أُخْرِجَ آدَمُ مِنَ الجَنَّةِ بِسَبَبِ مَاذَا؟ خَلَقَهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ، وَأَسْجَدَ لَهُ مَلَائِكَتَهُ، وَلَمْ تَشْفَعْ لَهُ هَذِهِ الأُمُورُ كُلُّهَا؛ لِأَنَّهُ قَالَ لَهُ لَا تَأْكُلْ مِنَ الشَّجَرَةِ، فَأَكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ، فَأَخْرَجَهُ مِنَ الجَنَّةِ، وَقَالَ فِي حَقِّهِ مَاذَا؟ ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى(36) أَكْلَةٌ وَاحِدَةٌ. فَإِيَّاكَ أَنْ يَأْتِيَكَ الشَّيْطَانُ وَيُحَسِّنَ هَذِهِ المَعَاصِي وَهَذِهِ الذُنُوبِ فِي عَيْنِكَ، وَيُسَمِّي هَذَا رَجَاءً. أَسْأَلُ اللهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنْ يَجْعَلَنَا مِنْ عِبَادِهِ الصَّالِحِينَ، وَأَنْ يَرْزُقَنَا الإِخْلَاصَ فِي القَوْلِ وَالعَمَلِ، وَأَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَنَا مِنَ النِّفَاقِ، وَأَعْمَالَنَا مِنَ الرِّيَاءِ، وَأَلْسِنَتَنَا مِنَ الكَذِبِ، وَأَعْيُنَنَا مِنَ الخِيَانَةِ، وَاللهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ.

الأَسْئِلَةُ

السُّؤَالُ: لِقَبُولِ العَمَلِ شَرْطَانِ: الإِخْلَاصُ وَالمُتَابَعَةُ، فَمَاذَا عَنِ النِّيَّةِ؟ هَلْ تَكُونُ شَرْطًا ثَالِثًا، أَوْ أَنَّهَا تَدْخُلُ فِي أَحَدِ الشَّرْطَيْنِ؟

الجَوَابُ: الحَمْدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، النِّيَّةُ اعْتَبَرَهَا بَعْضُ العُلَمَاءِ شَرْطًا ثَالِثًا، لَكِنَّهَا فِي الحَقِيقَةِ تَدْخُلُ فِي الشَّرْطِ الأَوَّلِ، الَّذِي هُوَ الإِخْلَاصُ، وَلِهَذَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي الحَدِيثِ الَّذِي فِي «الصَّحِيحَيْنِ»: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ اَمْرِئٍ مَا نَوَى؛ فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ..» (37). فَمَنِ ارْتَضَى بِهَذِهِ الهِجْرَةِ وَجْهَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، كَتَبَ اللهُ لَهُ أَجْرَ هَذِهِ الهِجْرَةِ، وَمَنْ أَرَادَ بِهَا عَرَضًا مِنْ أَعْرَاضِ الدُّنْيَا، فَلَهُ مِمَّا أَرَادَ نَصِيبًا.

السُّؤَالُ: إِذَا قَامَ شَخْصٌ بِفِعْلِ عِبَادَةٍ، وَذَلِكَ مِنْ أَجْلِ تَضْيِيعِ الوَقْتِ، فَهَلْ هَذِهِ العِبَادَةُ صَحِيحَةٌ، كَأَنْ يَأْتِي إِلَى الجَمَعَةِ مُبَكِّرًا فَيُصَلِّي، مِنْ بَابِ تَقْضِيَةِ الوَقْتِ؟

الجَوَابُ: أَيُّهَا الْإِخْوَةُ! الأَعْمَالُ الَّتِي تُكْتَبُ لِلْإِنْسَانِ هِيَ مَا ابْتُغِيَ بِهَا وَجْهَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلِهَذَا، لِشَيْخِ الإِسْلَامِ عِبَارَةٌ جَمِيلَةٌ، يَقُولُ: "مَا لَمْ يَكُنْ بِاللهِ لَا يَكُونُ، وَمَا لَمْ يَكُنْ للهِ لَا يَبْقَى وَلَا يَدُومُ." الشَّيْءُ الَّذِي بِغَيْرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ؛ لِأَنَّ كُلَّ الأَشْيَاءِ إِنَّمَا هِيَ بِتَقْدِيرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلِخَلْقِهِ وَبِإِيجَادِهِ؛ وَالَّذِي لَا يَكُونُ لِأَجْلِ اللهِ لَا يَبْقَى وَلَا يَدُومُ، لَا يَنْتَفِعُ مِنْهُ الإِنْسَانُ فِي الآخِرَةِ، رُبَّمَا يَنْتَفِعُ مِنْهُ فِي الدُّنْيَا، فَهَذَا الرَّجُلُ الَّذِي حَضَر الجُمُعَةَ مُبَكِّرًا لِأَجْلِ قَضَاءِ الوَقْتِ، فِي وَاقِعِ الأَمْرِ يُكْتَبُ مِنْ عَمَلِهِ الشَّيْءَ الَّذِي أَرَادَ بِهِ وَجْهَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ.

السُّؤَالُ: أَرْجُو شَرْحَ تَعْرِيفِ العِبَادَةِ، بِأَنَّهَا مَا أُمِرَ بِهِ مِنْ غَيْرِ اقْتِضَاءٍ عَقْلِيٍّ وَلَا افْتِرَاضٍ عُرْفِيٍّ؟

الجَوَابُ: كَمَا ذَكَرْنَا أَثْنَاءَ الكَلِمَةِ: إِنَّ "مِنْ غَيْرِ اقْتِضَاءٍ عَقْلِيٍّ وَلَا مَفْهُومٍ عُرْفِيٍّ" أَنَّ العِبَادَاتِ لَا تَخْضَعُ لِلْأَقْيِسَةِ العَقْلِيَّةِ، وَلَا لِلْأَعْرَافِ، عِبَادَةٌ مَبْنَاهَا عَلَى التَّسْلِيمِ للهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلِهَذَا ـ كَمَا قُلْتُ لَكُمْ ـ مُعَاوِيَةُ لَمَّا اسْتَلَمَ أَرْكَانَ البَيْتِ الأَرْبَعَةِ، اسْتَخْدَمَ عَقْلَهُ وَقَاسَ، قَاسَ الرُّكْنَيْنِ عَلَى هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ، وَأَرَادَ أَلَّا يَكُونَ شَيْءٌ مِنَ البَيْتِ مَهْجُورًا. العِبَادَةُ لَا، مَا فِيهَا قِيَاسٌ، لَا تَخْضَعُ؛ لَا لِلْاجْتِهَادَاتِ وَلَا لِلْأَقْيِسَةِ وَلَا لِلْأَعْرَافِ المَعْرُوفَةِ عِنْدَ النَّاسِ. العِبَادَاتُ مَبْنَاهَا عَلَى التَّسْلِيمِ: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا.

السُّؤَالُ: دَائِمًا أَسْهُو فِي التَّسْبِيحِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَقَدْ أَزِيدُ تَسْبِيحَةً أَوْ أُنْقِصُ أُخْرَى، فَهَلْ عَلَيَّ إِثْمٌ فِي ذَلِكَ؟

الجَوَابُ: السُّنَّةُ أَنْ يَلْتَزِمَ الإِنْسَانُ بِمَا وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ، لَكِنْ إِذَا زَادَ الإِنْسَانُ أَوْ نَقَصَ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ، فَالمَسْأَلَةُ إِنْ شَاءَ اللهُ فِيهَا سِعَةٌ، المَقْصُودُ: أَنَّ الإِنْسَانَ لَا يَتَعَمَّدُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى السُّنَّةِ أَوْ يُنْقِصَ مِنْهَا، هُنَا الَّذِي يَأْثَمُ أَوْ يُأْجَرُ، أَمَّا الَّذِي زَادَ أَوْ نَقَصَ سَهْوًا أَوْ نِسْيَانًا، فَلَا شَيْءَ فِي ذَلِكَ. لَكِنْ، لِيَحْذَرْ أَلَّا يَدْخُلَ عَلَيْهِ الشَّيْطَانُ مِنْ بَابِ الاحْتِيَاطِ؛ العِبَادَاتُ مَا فِيهَا شَيْءٌ اسْمُهُ الاحْتِيَاطُ، يَقُولُ: اثْنَتَيْنِ، ثَلَاثَ تَسْبِيحَاتٍ احْتِيَاطًا. لَا، الْتَزِمْ النَّصَّ كَمَا وَرَدَ.

السُّؤَالُ: مَا حُكْمُ السَّحْبِ عَلَى جَوَائِزَ فِي المُحَاضَرَاتِ الدِّينِيَّةِ؟

الجَوَابُ: اللهُ أَعْلَمُ.

السُّؤَالُ: امْرَأَةٌ أَحْرَمَتْ قَبْلَ أَنْ تَصِلَ إِلَى المِيقَاتِ؛ ظَنًّا مِنْهَا أَنَّهَا قَدْ وَصَلَتْ لِلْمِيقَاتِ، وَلَكِنَّهَا أُخْبِرَتْ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهَا لَمْ تَصِلْ إِلَى المِيقَاتِ، فَأَخَذَتْ مِنْ ظُفْرِهَا، فَعِنْدَمَا وَصَلَتْ إِلَى المِيقَاتِ نَوَتْ الإِحْرَامَ، فَمَا حُكْمُ عَمَلِهَا ذَلِكَ؟ عِلْمًا بِأَنَّهَا جَاهِلَةٌ، مَا الحُكْمُ؟

الجَوَابُ: مِنْ السُّنَّةُ أَلَّا يَتَلَبَّسَ بِالإِحْرَامِ ـ وَلَيْسَ المَقْصُودُ "تَلَبَّسَ بِالإِحْرَامِ" لُبْسَ الرِّدَاءِ وَالإِزَارِ، المَقْصُودُ النِّيَّةُ فِي الدُّخُولِ فِي النُّسُكِ ـ أَلَّا يَتَلَبَّسَ بِالإِحْرَامِ إِلَّا مِنَ المِيقَاتِ، كَمَا وَقَّتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، لَكِنْ إِذَا أَحْرَمَ قَبْلَ المِيقَاتِ فَقَدْ دَخَلَ فِي النُّسُكِ، وَلَزِمَهُ مَا يَلْزَمُ المُحْرِمَ، فَفِعْلُ هَذِهِ المَرْأَةِ خَطَأٌ، وَلَكِنْ مَا دَامَتْ جَاهِلَةً ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا(38).

السُّؤَالُ: يَشْكُو كَثِيرٌ مِنَ الْإِخْوَةِ مِنَ الشِّرْكِ الخَفِيِّ، فَمَا هِوَ الأُسْلُوبُ المُنَاسِبُ لِعِلَاجِ مِثْلِ ذَلِكَ؟

الجَوَابُ: لَا شَكَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ حَذَّرَ مِنَ الشِّرْكِ الخَفِيِّ، وَذَكَرَ أَنَّ الشِّرْكَ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلَةِ السَّوْدَاءِ، فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، وَقَالَ فِي الحَدِيثِ الآخَرِ ـ الحَدِيثِ الحَسَنِ ـ لَمَّا ذَكَرَ الدَّجَّالَ وَتَخَوَّفَ الصَّحَابَةُ مِنْهُ، قَالَ: «مَا الدَّجَّالُ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنْ أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ» ـ وَفِي رِوَايَةٍ: «الشِّرْكُ الخَفِيُّ؛ أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ فَيُزَيِّنُ صَلَاتَهُ، بِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ الرَّجُلِ إِلَيْهِ» (39). فَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قَارَنَ بَيْنَ الشِّرْكِ الخَفِيِّ وَبَيْنَ الدَّجَّالِ، الدَّجَّالُ عَلَى عِظَمِ شَرِّهِ وَخَطَرِهِ، النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: الشِّرْكُ أَعْظَمُ خَطَرًا. لِمَاذَا؟ لِأَنَّ الدَّجَّالَ أَمْرُهُ ظَاهِرٌ، شَرُّهُ ظَاهِرٌ، لِأَنَّ الإِشْكَالَ هَذَا الشِّرْكُ الخَفِيُّ، الَّذِي يُعَدُّ الرِّيَاءُ نَوْعًا مِنْ أَنْوَاعِهِ. نَعَمْ يَأْتِي الإِنْسَانَ فِي صَلَاتِهِ، فِي صِيَامِهِ، فِي حَجِّهِ، فِي صَدَقَتِهِ، وَهُوَ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الشَّيْطَانِ، الشَّيْطَانُ يَأْتِي يُحَاوِلُ أَنْ يَصْرِفَ الإِنْسَانَ عَنْ هَذِهِ العِبَادَةِ، فَإِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ، حَاوَلَ أَنْ يُفْسِدَ عَلَيْهِ هَذِهِ العِبَادَةَ، فَبَدَأَ يَنْفُخُ فِي رُوعِهِ مُرَاعَاةَ النَّاسِ، مُرَاعَاةَ الخَلْقِ، وَهُوَ لَا شَكَّ أَمْرٌ عَظِيمٌ، أَمْرٌ جَسِيمٌ، وَلِهَذَا خَشِيَهُ السَّلَفُ، كِبَارُ الأَئِمَّةِ، عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَيَحْتَاجُ إِلَى جِهَادٍ، إِلَى مُجَاهَدَةٍ، إِلَى صَبْرٍ وَمُصَابَرَةٍ. وَقَدْ ذَكَرَ أَهْلُ العِلْمِ أَنَّ مِنْ أَعْظَمِ الوَسَائِلِ يُمْكِنُ أَنْ يَدْفَعَ بِهِ الإِنْسَانُ هَذَا الشَّرَّ العَظِيمَ، الَّذِي هُوَ الشِّرْكُ الخَفِيُّ: مُرَاقَبَةَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ. نَعَمْ إِذَا جَاءَكَ الشَّيْطَانُ وَوَسْوَسَ إِلَيْكَ مِنْ هَذَا البَابِ، فَاسْتَشْعِرْ ظَاهِرَ المَخْلُوقِ، هَذَا المَخْلُوقُ الَّذِي سَتُرَاعِيهِ فِي أَدَاءِ هَذِهِ العِبَادَةِ، مَنْ؟ مَخْلُوقٌ مِثْلُكَ، لَنْ يُقَدِّمَ لَكَ خَيْرًا، وَلَنْ يَصْرِفَ عَنْكَ سُوءًا، هُوَ لَا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا، فَكَيْفَ يَمْلِكُ لِغَيْرِهِ؟! رَاقِبْ مَنِ الخَيْرُ وَالضُّرُّ بِيَدِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى .

هَذَا أَمْرٌ، إِذًا الوَسِيلَةُ الأُولَى المُرَاقَبَةُ ، مُرَاقَبَةُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ. اللهُ حَاضِرٌ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَغِيبَ عَنْكَ لَحْظَةً مِنَ اللَّحَظَاتِ.

ثُمَّ مَاذَا سَيُقَدِّمُ لَكَ هَذَا المَخْلُوقُ الضَّعِيفُ مِثْلُكَ.

الأَمْرُ الآخَرُ: مُحَاوَلَةُ إِخْفَاءِ الإِنْسَانِ أَعْمَالَهُ. وَلِهَذَا ذَكَرَ أَحَدُ السَّلَفِ، أَنَّ المُؤْمِنَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ خَبِيئَةٌ، لَا يَعْلَمُ بِهَا إِلَّا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ. يَقُولُ: حَتَّى أَقْرَبُ النَّاسِ إِلَيْكَ، زَوْجَتُكَ، يَنْبَغِي أَلَّا تَعْلَمَ بِهَذَا العَمَلِ، فَبِقَدْرِ مَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تُخْفِيَ أَعْمَالَكَ وَتَبْتَعِدَ عَنْ أَنْظَارِ النَّاسِ.

هَذَا وَسِيلَةٌ مِنْ وَسَائِلِ الابْتِعَادِ عَنِ الرِّيَاءِ، اللَّهُمَّ إِلَّا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، ذَكَرَهَا العُلَمَاءُ: إِذَا كَانَ إِظْهَارُ العَمَلِ سَيَنْبَنِي عَلَيْهِ مَصْلَحَةٌ عَامَّةٌ، مِثْلُ ذَاكَ الرَّجُلِ الَّذِي لَمَّا دَعَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ إِلَى الصَّدَقَةِ، جَاءَ بِسُرَّةٍ مِنْ ذَهَبٍ أَمَامَ النَّاسِ، فَوَضَعَهَا بِحِجْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَتَسَابَقَ النَّاسُ إِلَى الصَّدَقَةِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً» (40).

الأَمْرُ الثَّالِثُ: كَثْرَةُ اللُّجْءِ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ. أَكْثِرْ مِنَ الدُّعَاءِ أَنْ يُطَهِّرَ قَلْبَكَ مِنْ هَذَا المَرَضِ، وَإِلَّا هُوَ فِي وَاقِعِ الأَمْرِ مَرَضٌ خَطِيرٌ.

الأَمْرُ الرَّابِعُ: أَلَّا يَأْتِيَكَ الشَّيْطَانُ وَيَصْرِفَكَ عَنْ هَذِهِ الطَّاعَةِ بِحُجَّةِ الخَوْفِ مِنَ الرِّيَاءِ، احْذَرْ. الفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ يَقُولُ: "العَمَلُ لِأَجْلِ النَّاسِ رِيَاءٌ، وَتَرْكُ العَمَلِ لِأَجْلِ النَّاسِ رِيَاءٌ".

وَلِهَذَا مَا الضَّابِطُ الصَّحِيحُ فِي ذَلِكَ؟ الضَّابِطُ: يَقُولُ العُلَمَاءُ: أَنْ تَمْضِيَ فِي العَمَلِ الَّذِي عَزَمْتَ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَرِدَ عَلَيْكَ هَذَا الوَارِدُ؛ هَذِهِ الوَسْوَسَةُ.

أَنْتَ دَخَلْتَ المَسْجِدَ وَكُنْتَ عَازِمًا عَلَى أَنْ تُصَلِّيَ ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ، لَمَّا بَدَأْتَ تُصَلِّي، جَاءَكَ الشَّيْطَانُ وَقَالَ: تُرَائِي بِعَمَلِكَ. لَا تَلْتَفِتْ إِلَيْهِ.

كُنْتَ عَازِمًا عَلَى أَنْ تَتَصَدَّقَ بِأَلْفِ رِيَالٍ، لَمَّا أَرَدْتَ أَنْ تَتَصَدَّقَ، جَاءَكَ الشَّيْطَانُ قَالَ: هَاهْ!! تُرَائِي. إِيَّاكَ! احْذَرْ! لَا تُبَالِي وَلَا تَلْتَفِتُ إِلَيْهِ، ادْفَعْ هَذَا المَبْلَغَ الَّذِي عَزَمْتَ عَلَيْهِ.

كُنْتَ عَازِمًا عَلَى الصِّيَامِ، امْضِ فِي هَذَا الأَمْرِ.

السُّؤَالُ: نَرْجُو أَنْ تَذْكُرُوا كَلِمَةً عَنِ الحَيَاةِ البَرْزَخِيَّةِ فِي القُبُورِ؛ فَقَدْ قَسَتِ القُلُوبُ وَرَنَتْ عَلَيْهَا الذُّنُوبُ.

الجَوَابُ: اللهُ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا(41). وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنِّي نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ القُبُورِ فَزُورُوهَا؛ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمْ بِالآخِرَةِ» (42).

لَا شَكَّ أَنَّ القُلُوبَ وَالنُّفُوسَ كُلَّمَا خَالَطَتْ هَذِهِ الدُّنْيَا، وَاسْتَمْتَعَتْ بِهَذِهِ المَلَذَّاتِ، كُلَّمَا ابْتَعَدَتْ عَنِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَلَا وَسِيلَةَ لِإِعَادَتِهَا لِلْجَادَّةِ الصَّحِيحَةِ، إِلَّا بِأَنْ يَتَذَكَّرَ الإِنْسَانُ مَصِيرَهُ الحَتْمِيَّ؛ ذَاكَ المَصِيرُ الَّذِي لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْهُ مَخْلُوقٌ، كَائِنًا مَنْ كَانَ؛ المَوْتَ وَمَا بَعْدَ المَوْتِ. لِهَذَا، عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ كَثِيرًا إِذَا اجْتَمَعَ مَعَ بَعْضِ الصَّحَابَةِ، أَمَرَ ابْنَ عَبَّاسٍ أَنْ يُذَكِّرَهُمْ بِالمَوْتِ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ زَارَ القُبُورَ، وَأَمَرَ بِزِيَارَتِهَا، لِأَجْلِ مَاذَا؟ لِأَجْلِ أَنْ يَرْتَبِطَ الإِنْسَانُ بِالآخِرَةِ، بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ.

المَوْتُ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ صَغِيرٍ وَلَا كَبِيرٍ، وَلَا غَنِيٍّ وَلَا فَقِيرٍ، وَلَا صَحِيحٍ وَلَا مَرِيضٍ. هُوَ المَوْتُ، مَا مِنْهُ مَلَاذٌ وَمَهْرَبٌ، أَنْتَ اليَوْمَ تُشَيِّعْ وَغَدًا تُشَيَّعْ، اليَوْمَ تُعَزِّي وَغَدًا يُعَزَّى فِيكَ، اليَوْمَ تَأْتِي إِلَى المَقْبَرَةِ لِتَحْضُرَ دَفْنَ حَبِيبٍ أَوْ صَدِيقٍ أَوْ غَرِيبٍ أَوْ قَرِيبٍ، وَغَدًا سَيُحْضَرُ مَعَكَ، هَلَّا زَارَ أَحَدُنَا المَقَابِرَ وَوَقَفَ قَلِيلًا، وَتَذَكَّرَ أَنَّهُ لَا يَفْصِلُهُ عَنِ الدَّارِ الآخِرَةِ إِلَّا بِضْعَةُ أَشْبَارٍ.

هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَمَامَكَ، أَحَدُ اثْنَيْنِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا: إِمَّا فِي نَعِيمٍ؛ فِي رَوْضَةٍ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ، وَإِمَّا الأُخْرَى، نَسْأَلُ اللهَ السَّلَامَةَ. فَتَذَكَّرْ أَنَّكَ اليَوْمَ أَوْ غَدًا أَوْ بَعْدَ غَدٍ أَحَدُ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ، فَاخْتَرْ مَا شِئْتَ.

هَذَا القَبْرُ الَّذِي وَقَفْتَ أَمَامَهُ، هُوَ فِي حَيَاةٍ أُخْرَى، مَاذَا يَتَمَنَّى صَاحِبُ هَذَا القَبْرِ، يَتَمَنَّى بَيْتًا أَوْ سَيَّارَةً أَوْ زَوْجَةً؟ لَا وَاللهِ، يَتَمَنَّى مَاذَا؟ يَتَمَنَّى حَسَنَةً وَاحِدَةً يَتَزَوَّدُ بِهَا، وَأَنْتَ الآَنَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَتَقَرَّبَ إِلَى اللهِ بِمِئَاتِ الحَسَنَاتِ، وَلِهَذَا قَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فِي آَخِرِ أَيَّامِهِ، وَأَيْقَظَ مَوْلَاهُ أَبَا مُوَيْهِبَةَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى البَقِيعِ بَعْدَ أَنْ مَضَى مِنَ اللَّيْلِ شَطْرُهُ، ثُمَّ وَقَفَ أَمَامَهُمْ، وَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ ـ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ـ وَدَعَا لَهُمْ وَقَالَ: «لِيَهْنِكُمْ مَا صِرْتُمْ إِلَيْهِ؛ فَقَدْ أَقْبَلَتِ الفِتَنُ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا». يَقُولُ هَذَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِيمَنْ يَقُولُهُ، فِي ذَاكَ القَرْنِ؛ أَفْضَلِ هَذِهِ الأُمَّةِ قُرُونًا: «لِيَهْنِكُمْ مَا صِرْتُمْ إِلَيْهِ؛ فَقَدْ أَقْبَلَتِ الفِتَنُ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا»!!.

نَعَمْ، لَا بُدَّ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَقِفَ مَعَ نَفْسِهِ وَقْفَةً صَادِقَةً، إِذَا دَعَتْهُ نَفْسُهُ لِلْوُقُوعِ فِي مَعْصِيَةٍ مِنَ المَعَاصِي، فَلْيَتَذَكَّرْ أَنَّ الأَنْفَاسَ مَحْدُودَةٌ، وَالأَيَّامَ مَعْدُودَةٌ، وَهُوَ قَادِمٌ عَلَى اللهِ، فَلْيَقْدَمْ عَلَى مَوْلَاهُ بِحَالٍ يَرْضَى هُوَ عَنْ نَفْسِهِ فِي تِلْكَ الحَالِ، وَيَرْضَى مَوْلَاهُ عَنْهُ.


(1) سورة مريم: 93- 95.

(2) سورة آل عمران: 83.

(3) سورة الذاريات: 56.

(4) سورة الأنبياء: 26.

(5) سورة ص: 45.

(6) سورة الجن: 19.

(7) سورة الكهف: 18.

(8) سورة الفرقان: 1.

(9) سورة الإسراء: 1.

(10) أخرجه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء- باب قول الله: ﴿واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت...﴾ (3445).

(11) سورة الفرقان: 63.

(12) سورة الحجر: 49.

(13) سورة الزخرف: 68.

(14) أخرجه مسلم في كتاب الزكاة- باب بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع ( 1006 ).

(15) سورة الكهف: 110.

(16) سورة الملك: 2.

(17) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان- باب الدليل على أن من مات على الكفر لا ينفعه عمل (214).

(18) سورة الفرقان: 23.

(19) سورة الغاشية: 2، 3.

(20) سورة الغاشية: 4.

(21) أخرجه البخاري في كتاب الصلح- باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود (2697)، ومسلم في كتاب الأقضية- باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور (1718).

(22) سورة الأحزاب: 36.

(23) سورة الأنفال: 24.

(24) أخرجه البخاري في كتاب النكاح- باب الترغيب في النكاح (5063)، ومسلم في كتاب النكاح- باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه (1401).

(25) سورة الأنبياء: 90.

(26) سورة السجدة: 16.

(27) سورة الإسراء: 56، 57.

(28) أخرجه مسلم في كتاب الإمارة- باب ثبوت الجنة للشهيد (1901).

(29) أخرجه مسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها- باب الأمر بحسن الظن بالله تعالى عند الموت (2877).

(30) أخرجه أحمد في «مسنده» (3/491)، (4/106)، وقال شعيب الأرنؤوط: «إسناده صحيح».

(31) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان- باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعا (26).

(32) أخرجه مسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها- باب الأمر بحسن الظن بالله تعالى عند الموت (2877).

(33) سورة الأعراف: 156.

(34) سورة الأعراف: 56.

(35) سورة الأعراف: 56.

(36) سورة طه: 121.

(37) أخرجه البخاري في كتاب بدء الوحي- باب بدء الوحي (1)، ومسلم في كتاب الحج- باب قوله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنية» وأنه يدخل فيه الغزو وغيره من الأعمال (1907)، من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

(38) سورة البقرة: 286.

(39) أخرجه ابن ماجه في كتاب الزهد- باب الرياء والسمعة (4204)، وحسنه الألباني في «صحيح الجامع» (2607).

(40) أخرجه مسلم في كتاب الزكاة- باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة أو كلمة طيبة (1017).

(41) سورة الملك: 2.

(42) أخرجه مسلم في كتاب الجنائز- باب استئذان النبي صلى الله عليه وسلم في زيارة قبر أمه (977).